القراءة والضرب على الأوتار
 
لطيفة النجار - البيان 31/7/2008
 

أتاح لي عملي في تطوير مناهج اللغة العربية في الدولة، وما تطلبه ذلك من لقاءات كثيرة مع العاملين في الميدان، وأحاديث متفرقة مع أولياء أمور يتفاوتون في ثقافتهم واهتماماتهم، أنْ أكوّن فكرة جيدة عن بعض ما يدور في خلد كثير من الناس حول الأدب، خاصة الأدب النثري، من قصة ورواية ومسرحية. وأخص منه الأدب العالمي المترجم. فمعظم من تبادلت معهم الحوار في هذا الشأن، لا يرى أنّ مثل هذا النوع من النصوص مهم في تعليم اللغة العربية، وأنّه يأتي في آخر سلم الأولويات، إذ يرى أنّ الأولى بنا أن نعلّم أبناءنا عيون الشعر العربي، وأن نركز على علوم اللغة الجليلة من نحو وصرف وبلاغة وغيرها، وأن نتيح لأبنائنا أن يقرأوا للجاحظ وابن المقفع وأمثالهما، فهذا هو المعين الذي يجب أن ينهلوا منه لننجح في تمكينهم من لغتهم، وتقريبها إليهم، وزرع الاعتزاز بها في نفوسهم.


ولا يمكن لأي شخص يتصدى لوضع المناهج أو تطويرها أن ينكر أهمية هذه النصوص والعلوم اللغوية الأساسية، فهي الأساس الذي لا يتأتى لأي منهج في اللغة العربية أن يستغني عنه أو يقلل من أهميته وشأنه. وليس في العالم منهج يعلم اللغة لأبنائها ويتجاهل تعريفهم بتراثها وأعلامها ونصوصها الخالدة. فالأمر أشبه بالنافذة التي تنفتح على تاريخ اللغة وكنوزها بحيث تتيح للمتعلمين أن يتنفسوا هواءها، وأن يستمتعوا بأريجها الفوّاح، وعبق كلماتها وصورها ومعانيها، بحيث تنكشف أمامهم أسرارها، وتتجلى لهم حكاياتها القديمة التي صاغت روائع الشعر والنثر، وتغدو أسماء أعلامها قريبة مألوفة، يربطهم بها التاريخ والمعجم والماضي المشترك، فتعلق في ذاكرتهم صور وقصص وأسماء اختيرت بذكاء، وقدمت إليهم في إطار جميل حديث جاذب.


ولكنّ النافذة التي تنفتح على ماضي اللغة وعلومها الجليلة لا تكفي وحدها لتقريبها من قلوب الأبناء وعقولهم، وليست وحدها قادرة على أن تذكي في نفوسهم شرارة السؤال والحوار، والشغف بالقراءة والتعلق بالكتب. فنحن حين نهمل النصوص الأدبية السردية الحديثة أو نقلل من شأنها، نكون قد تغافلنا عن جانب مهم من جوانب العملية التعليمية الناجحة، ألا وهو جانب المتلقي «الطالب»، إذ لا بد أنْ يكون السؤال حول ما يستثير المتلقي وما يجذبه إلى الإقبال على التعلّم مركزيا، ولا بد أن يستأنس القائمون على وضع المناهج للإجابة عن هذا السؤال بواقع العصر ومتطلباته وشروط النجاح فيه.


وطبيعة المتعلمين واختلافهم الجوهري عن غيرهم ممن سبقهم في السنوات الماضية. لا بدّ أن توسّع دائرة الاختيار، بحيث يكون التنوّع الغني واختلاف الأصوات والأسماء أمرا جوهريا في اختيار نصوص الأدب، حتى يتمكن منهج اللغة من أن يلامس حاجات المتعلمين وأسئلتهم، وأن يكون قريبا من زمنهم وهمومهم وتطلعاتهم.


ولا يعني هذا أنّ النصوص القديمة تفتقر إلى ذلك كلّه، فلا شيء كالنصوص الأدبية العالية يمتلك عناصر الخلود والبقاء، ويستثير في النفس المشاعر والأخيلة والأسئلة والتأمل، فما زال صوت امرئ القيس والمتنبي والمعري وشوقي وغيرهم يطرب السامعين، ويهزّ النفوس والقلوب. ولكنّ الحياة تتجدد والأسئلة تتوالد والمواقف والأحداث والأشخاص يتغيرون، والزمن لا يقف عند حد. وليس من الحكمة أن نتجاهل كل هذا، ونظل نقيس الأمور بمقاييسنا حين كنا طلابا، وحين كان الزمن غير الزمن.


وإنني لأتساءل كيف نريد من أبنائنا أن يكونوا قراء واعين ناضجين ونحن أنفسنا لا نتعامل مع القراءة بوعي ونضج، ونرفض الكثير من النصوص، لا لشيء إلا لأنها لم تكن مما نعرفه ونألفه، ونتعامل مع الأدب برؤية ضيقة سطحية تضخم الجزئيات الصغيرة وتجعل منها قضية كبرى تمسّ الأعراف والدين والأخلاق، وتهمل الأسئلة الكبيرة التي يعالجها النص ويقدمها بوعي ونضج ولغة آسرة تتيح المجال أمام الشباب للحوار الغني، وطرح الأسئلة والتفكر في الحياة والناس، وتأمل الواقع بعيدا عن التأطير المتشدد والنظرة الضيقة!


وكثيرا ما نلمس عند القائمين على تعليم اللغة حساسية شديدة مبالغا فيها، تجاه بعض النصوص التي يحمّلونها فوق ما تحتمل ويؤولونها تأويلات بعيدة، ويرون فيها ما يسيء إلى الأخلاق والدين، على الرغم من أنّ أيّ نص مهما بلغ خطره وبعده عن الأعراف والتقاليد، إذا وجد المعلم الذكي الذي يدير حوله نقاشا حرّا موجها، ويتيح المجال لإبداء الآراء ومحاورة العقول على اختلافها في الرؤية والنضج، فإنه سيغدو مادة جيدة تمد الدارسين بمعطيات غنية للتفكير والنقاش، فيغدو التعليم حوارا وتفكيرا ومناقشة وأخذا وردا، بروح متوثبة وعقل متفتح متسامح بعيد عن التعصب والأفق الضيق.


ليست المشكلة إذن في نوع النص المقرر. المشكلة في الحقيقة في أسلوب التعامل مع النص من قبل المعلم، وكل من له علاقة بالتعليم. فالأدب، وخاصة الحديث منه، ليس ثانويا ولا ترفا ولا أقل أهمية من اللغة أو العلوم أو الرياضيات، فكما يقول ماريو فارغاس يوسا «إنّ مجتمعا مشبعا بالأدب هو مجتمع أكثر غنى وإبداعا وحياة، ومن الصعب أن تتلاعب أي سلطة بمجتمع قارئ أو تخدعه، إذ يصبح الفكر النقدي فيه متطورا للغاية. الرواية وسيلة تغيير فاعلة، شرط ألا تكون أداة ترويج إيديولوجية أو سياسية أو دينية، بل أن تستخدم بجدية ونزاهة».


وقد عبّر الروائي الإسباني أرنستو ساباتو عن رؤيته في أهمية الأدب المعاصر في التعليم بقوله «أؤمن بأن أفضل وسيلة لإثارة اهتمام الشباب بالأدب هي البدء بالمؤلفين المعاصرين، الذين تكون لغتهم وشؤونهم أكثر قربا لطموحات الطلاب ومخاوفهم... وإنه لخطأ أيضا أن نحاول تعليم كل شيء. قليل من مفاتيح الحلقات والمشكلات تكون كافية لإنجاز بناء ما، وهذا ما يجب تعليمه. ينبغي استخدام بعض الكتب القليلة، ولكن يجب أن تقرأ بصبر. هذه هي الوسيلة الوحيدة لتجنب جعل القراءة تبدو وكأنها كالمشي في مقبرة من الكلمات الميتة. القراءة تحمل قيمة إذا ما ضربت على وتر في ذهن القارئ».


إننا نحلم بيوم نرى فيه أبناءنا يمسكون بكتاب يعكفون على قراءته بشغف وحب واستمتاع، وهو يضرب على وتر حساس في عقولهم وقلوبهم، ونحلم أيضاً بأن يكون هذا اليوم قريباً.

 
عن المكتبة | كتب | أفلام | تراتيل | الصفحة الرئيسية
SWS المكتبة الروحية 2005 - جميع الحقوق محفوظة - صمم هذا الموقع بواسطة شركة
Powered by O2 TECHNOLOGY