منصور الرحباني.. وداعاً
 
 

كم هو قريبٌ من فرح الحقّ ودمع الله



راشيل عيد - النهار


ولد منصور الرحباني عام 1925، والده حنا الرحباني، صاحب مقهى "فوار انطلياس"، وعازف بزق. تجمع الروايات على أن ساحة المقهى رسمت قاعدة الأخوين رحباني الاولى بحسب ما ورد في كتاب "هم" للكاتب عبيدو باشا. تأثر الرحبانيان بالاجواء الحميمة في المقهى، اجواء خلقها الوالد في حكاياته الكثيرة وقبضنته المعروفة وصوت بزقه الرنان. انتقلا من التراتيل في الكنيسة الى العمل في المسرح. كتب لهما في البداية يوسف لويس، بحسب رواية منصور. كما كتبا لنفسيهما. بدأ منصور شعراً في سن العاشرة بقصيدة ذات مفردات مقعرة بحسب كتاب عبيدو باشا الذي تضمن "سيرة خاصة" للمؤلف مع الرحبانيين وفيروز الى جانب آخرين. عام 1937 اصدر عاصي نشرة "الحرشاية" وهو لا يزال في الرابعة عشرة. مجلة بخط اليد، احتوت خواطر واراء، وثمة رواية تقول إن منصور اصدر "الحرشاية" التوأم، وهو كان يحب الشعر منذ طفولته، وفي الثانية عشرة من عمره اشترك في مجلة "المكشوف" المشهورة التي كان يصدرها الشيخ فؤاد حبيش، وبعدها في مجلات أدبية أخرى كان عاصي يشاطره قراءتها بشغف كبير، ثم انكبّا على قراءة كتب الفلسفة، وكتب طاغور ومسرحيات شكسبير. ساعدت بيئة منطقة انطلياس ومحيطها المتني في اختزان الكثير من الذكريات التي استحضراها في ما بعد في أعمالهما.


تردد ان أحوال مقهى الوالد في انطلياس بدأت بالتدهور ومعها وضع الأسرة الاقتصادي، مما اضطر عاصي ومنصور الى العمل في قطاف الليمون ثم انصرفا الى مساعدة والدهما في المطعم. في كتابه "الأخوين رحباني طريق النحل"، نقل هنري زغيب عن منصور قوله: "تشردنا في منازل البؤس كثيراً. سكنّا بيوتاً ليست ببيوت. هذه هي طفولتنا".


انتسب عاصي الى بلدية انطلياس وهو لا يزال في السادسة عشرة، وقد عمد الى تكبير نفسه سنتين وكان رئيس البلدية وقتها وديع الشمالي محباً للفن وعازفاً على الكمان مما سهّل لعاصي الاستمرار في تنمية موهبته. أما منصور، فقد انتسب الى سلك الشرطة القضائية في بيروت. يروي أحدهم انه وجد نفسه في يوم من أيام بيروت، في دائرة التحري، وقد لاحظ احد رجال الشرطة وهو يمارس مهامه، وأمامه كتاب نوتة موسيقية. فأخذه فضوله الى سؤاله عن سبب وجود كتاب النوتة فأجابه الرجل، أي منصور الرحباني، عن سؤاله بأنه يمارس عزف الموسيقى ليلاً. ومذذاك نشأت علاقة طيبة بين الاثنين.


نقطة التحوّل الأولى في حياة الأخوين رحباني، كانت بعدما التقيا بالأب بولس الأشقر، وطلبا منه قبولهما في جوقة الصلاة والتراتيل التي كان يشرف عليها، فوافق على انضمام منصور فقط، ولم يأخذ عاصي لأن صوته لم يكن مناسباً لأداء التراتيل، لكنه سمح له بتعلم الألحان من دون مشاركة فاعلة. غير أن ما جعل الأب بولس الأشقر يعدل عن قراره ويرضى بتعليم عاصي الموسيقى، هو شرح الشاب لنظرية "التيتراكورد" التي كانت عصية على فهم الطلاّب. لاحقاً، تعرّفا إلى المسرح في مدرسة فريد أبو فاضل والمدرسة اليسوعيّة في بكفيّا، وبدأا بأعمال متواضعة، إلى حين تعرّفهما إلى يوسف أبو جودة الذي كتب لهما مسرحيات باللهجة العاميّة. بدأت مرحلة جديدة في حياة الأخوين الفنية حين تعرفا الى إيليا أبو الروس عام 1944 وكان عليهما أن يخضعا لامتحان فقدّما فيه بعضاً من أعمالهما الخاصة إلا أنها لم تلق ترحيباً من أعضاء اللجنة الفاحصة باستثناء ميشال خياط. وهكذا رفض كورس الإذاعة ومطربوها أن يغنوا للرحبانيين اللذين استعانا بشقيقتهما سلوى بعدما أطلقا عليها اسم نجوى لتؤدّي هذه الأغنيات. يقول منصور: "نحن جئنا بتفكير شعري وبموسيقى مغايرة، ويسأل لماذا؟ ليجيب: "تأثرنا بعبد الوهاب، وسيد درويش وبالعديد من الفنانين، ثم كتبنا بلغتنا الخاصة، وإذا لم يكن عند الفنان من جديد يقوله فليصمت". من بين تلك الأغاني القديمة "دجاجات الحب"، "زورق الحب لنا"، "يا ساحر العينين"، "سمراء". يقول منصور في أحد حواراته: "بالنسبة إلى الموسيقى والغناء، كنا في بداياتنا نستمع الى كثيرين أمثال: سيد درويش، أم كلثوم، محمد عبد الوهاب. وغيرهم، تفاعلنا مع هؤلاء، بالإضافة إلى أن الأب بولس الاشقر علّمنا الموسيقى الشرقية، والأهم من ذلك، أننا نعيش في منطقة غنية بالأعمال الموسيقية مثل الموسيقى الإسلامية والتركية والبيزنطية وعلوم الموسيقى الغربية وعلم التأليف، ذلك كله شكل خزاناً كبيراً غرفنا منه وتفاعلنا معه، لكننا لم نقع في التقليد، لم نذهب شرقاً ولا غرباً، أعطينا "الاخوين رحباني"، كنا نحن، لا أحد يشبهنا أو نشبهه".


عندما التقى عاصي بفيروز للمرة الأولى بصفتها مغنية في الكورس في الإذاعة نفسها، اعتقد عاصي أن صوت فيروز غير مناسب لأداء الأغاني الغربية بينما كان الملحن حليم الرومي مقتنعا بها. بدأ عاصي بكتابة الأغاني لفيروز غير أنّه احتاج ثلاث سنوات لإقناع المسؤولين في المحطة بقدراتها، في تلك الفترة استقال منصور من سلك البوليس وانضمّ إلى عاصي وفيروز. واكتملت أعمدة الهرم وبدأ المشوار.


بالإضافة إلى هذا، فإن اتجاه عاصي إلى تعلم العزف على الكمان وإتقان الأصول العلمية للموسيقى على يد إدوار جهشان، شجع رئيس مصلحة الإذاعة فؤاد قاسم على تبني أعمالهما، ومن ثم طلب من منصور أن ينضم إلى الإذاعة بصفة عازف كمان ومؤلف موسيقي. ومنذ ذلك الحين صار المعجبون بأغاني الرحبانيين يزدادون، ومن بين هؤلاء المخرج صبري الشريف ومحمد الغصيني اللذين كانا مديرين في إذاعة "الشرق الأدنى". كان هذا بعدما استقال منصور من وظيفته في البوليس وتابع دراسة الموسيقى مع عاصي وتوفيق الباشا على يد برتران روبيّار الذي علّمهم قواعد الموسيقى الغربية والشرقية. وأخذ الأخوان دروسا في التحليل الموسيقي على يد توفيق سكر، وحين عملا في اذاعة "الشرق الأدنى" حفزهما صبري الشريف على تأسيس "عصبة الخمسة" الموسيقية من عاصي ومنصور وتوفيق الباشا وزكي ناصيف وتوفيق سكر، وتشكلت هذه العصبة تيمنا بـ"عصبة الخمسة" الروس الكبار، في الإتحاد السوفياتي القديم: بالاكيريف، كورساكوف، غلدازنوف، يورودين وموسيورسكي. وكانت مرحلة "الشرق الأدنى" مهمة لكنها فرطت حين وقع العدوان الثلاثي على مصر. وثارت بأعضاء "عصبة الخمسة" الحمية الوطنية، لأن ادارتها انكليزية وتابعة للسلطات الانكليزية.


بدأ الاخوان رحباني الشغل على الأغنية القصيرة قبل ان تنضم فيروز الى تجربتهما، فهيّأ لها الرحبانيان انطلاقة محض رحبانية، حيث كانت دائماً تثبت فرادتها الصوتية المذهلة وتشي بطبقات صوتية وطاقات فنية تحتاج الى من يفجرها، وقد أثبتت جدارتها فتكونت لديها خبرة لم تحصل عليها أي مطربة أخرى. كان همّ الرحبانيين خلق موسيقى لبنانية ذات هوية واضحة. هكذا عادا إلى الفولكلور ليغرفا منه، وأخذا بعض الأغنيات وأعادا توزيعها من دون تغيير في الكلام. في مرحلة لاحقة صارا يخلطان الألحان الفولكلورية الشعبية بعضها ببعض في أغنية واحدة مع كلام من تأليفهما. أما الموشحات التي وجدا أنها انقرضت أو كادت، فقد جمعاها وعملا لها توزيعاً موسيقياً جديداً، وزادا على كلماتها، ثم صارا يؤلفان موشحات خاصة بهما.


عام 1955 بعدما تزوج عاصي بفيروز، سافر الجميع إلى مصر للاطلاع على شؤون الفن هناك، وبعدها وضع الأخوان مجموعة من الأغنيات عن القضية الفلسطينية مثل "راجعون" و"سنرجع يوماً" و"زهرة المدائن"، وعندما بدأت مهرجانات بعلبك في لبنان 1956 كانت الحاجة واضحة إلى تقديم فن لبناني في هذه المهرجانات في زمن صعود الموجة اللبنانية ابان عهد الرئيس كميل شمعون، فكان الرحابنة أول من استدعي للمشاركة في "الليالي اللبنانية". وكانت اللجنة المنظمة تعارض أن تكون فيروز هي المطربة لكن عاصي أصر على موقفه كما عرض أن تتقاضى فيروز ليرة لبنانية واحدة فقط. في ليلة الافتتاح، عمد المخرج صبري الشريف إلى وضع فيروز عند قاعدة عمود، وسلّط عليها الأضواء من أسفل العمود ومن زوايا مختلفة، فظهرت وكأنها تسبح في الفضاء، وعندما بدأت تغني "لبنان يا أخضر حلو" اشتعلت المدرجات بالتصفيق. وقدمت الحفلة لليلتين فقط كما كان مقرراً، وفي كل من الليلتين كان هناك حوالى خمسة آلاف مشاهد، من بينهم الرئيس كميل شمعون وزوجته السيدة زلفا.


عام 1960 ولد عصر جديد في مسيرة الرحبانية، بدءاً من "موسم العز" بالاشتراك مع صباح ووديع الصافي ونصري شمس الدين، ثم "البعلبكية" 1961، وبعدما قدمت "جسر القمر" في بعلبك ودمشق عام 1962، شهد "كازينو لبنان" مسرحية "الليل والقنديل" عام 1963، وفي 1964 اتصل بهم منظمو مهرجانات الأرز، فقدّم الرحابنة آنذاك مسرحية "بياع الخواتم" والتي كانت تجربة مختلفة كلياً، وبعدها عرضت "دواليب الهوا" مع صباح ونصري شمس الدين على مسرح بعلبك عام 1965. وكان النجاح الباهر للأخوين، إذ كانا يعملان بتناغم، أحدهما يكتب والثاني يلحن، والعكس بالعكس، حيث كانت الأعمال تصدر وتوقّع باسم "الأخوين رحباني".


عام 1962 تأسست محطة تلفزيونية جديدة في لبنان وطلب من الرحابنة إعداد برنامج موسيقي ليوم الافتتاح، فقدما أول عرض تلفزيوني لهما عنوانه "حكاية الإسوارة"، بعد ذلك أوقف الرحابنة العمل للتلفزيون. خطوتهما التالية كانت نحو السينما عندما جاء بالفكرة رجا الشوربجي الذي أقنعهما بتحويل إحدى المسرحيات إلى فيلم سينمائي، وبعد استشارة كامل التلمساني والمخرج المصري يوسف شاهين الذي صدف وجوده في لبنان في تلك الفترة، قررا نقل مسرحية "بياع الخواتم" إلى الشاشة.


منذ أواخر الستينات، بدأت تصدر الدراسات النقدية والانطباعية والتأريخية لما بات يسمّى في ما بعد "مدرسة الأخوين رحباني". هذا التيار الذي اشتهر عند الناس، امتد عصره الذهبي من منتصف الستينات إلى أواسط السبعينات، وانحنى خسوفاً بسبب الحرب في لبنان، لينكسر انكساراً تراجيدياً بوفاة عاصي.


أثناء العمل على الحلقة الرابعة عشرة من مسلسل "من يوم ليوم"، بدأ عاصي يعاني من آلام مبرحة في رأسه، ففقد القدرة على التركيز حيث نقل إلى المستشفى بسبب نزيف حاد في الدماغ. وبعد مداولات سريعة بين الأطباء، استدعي جراح للأعصاب من فرنسا، وأدخل عاصي غرفة العمليات ونجحت العملية في وقف النزيف. مر وقت طويل حتى تمكن عاصي من إعادة تأهيل نفسه ليعود إلى حياته الطبيعية، حيث كانت "المحطة" أول عمل قدّم بعد شفائه، ولحّن فيها أغنية "ليالي الشمال الحزينة" وهي الأولى له بعدما استرجع عافيته الفنية. بعد ذلك طلب منصور من زياد أن يعملا معاً على أغنية تقدَّم كتحية من الثلاثة (منصور، زياد، فيروز) إلى عاصي، فأخبره زياد أن لديه لحناً بدون كلمات، فاستمع منصور الى اللحن وأعجب به فكتب له كلمات "سألوني الناس عنّك يا حبيبي".


في نهاية السبعينات بدأت المشكلات داخل الأسرة الرحبانية وأدت في النهاية إلى الانفصال الزوجي التام بين فيروز وزوجها عاصي، وتالياً بينها وبين الأخوين فنياً عام 1979. استمر الرحبانيان، فقدّما مسرحيتي "المؤامرة مستمرة" عام 1980 ثم "الربيع السابع" عام 1984، لكن صحة عاصي بدأت بالتدهور سريعاً فدخل في حالة غيبوبة إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة يوم 21 حزيران 1986. اهتزت المؤسسة الرحبانية اثر وفاة عاصي الرحباني، لانها قامت على تأثيرات متبادلة ومتباينة ومتفقة بين الشقيقين. طرحت "صيف 840" اسئلة كئيبة حول علاقة الاخوين بنصها. راح الكلام يتردد، بأن النص كُتب شراكة بين الاخوين، ووجد المهاجمون ثغرة يتسللون منها الى الحصن الرحباني، فضلاً عن ان المسرحية وقِّعت باسم منصور مهداة الى ذكرى عاصي.


بدا ان المسرح الغنائي الرحباني بعد عاصي وفيروز فقد "عبقه" أو "هالته" كما يسميها فالتر بنيامين، ولعل المراقب للكتابات الثقافية يعرف ذلك. قدّم منصور مجموعة مسرحيات منها "زنوبيا" و"حكم الرعيان" و"النبي" و"المتنبي" و"اخر ايام سقراط" و"عودة الفينيق" وغيرها، ولقيت ترحيبا في لبنان والعالم العربي وكان لها سمة مشتركة وخيط مشترك، يصلهما بالتجربة الرحبانية السابقة، وإن تغيّر اسم المغني أو المغنية (من لطيفة التونسية الى غسان صليبا وكارول سماحة)، فضلا عن نجوم التمثيل (من رفيق علي أحمد الى انطوان كرباج)، وفضلاً عن جانب التقنيات الذي تولاه اولاد منصور.


لا يمكن انكار تجربة منصور الرحباني، لكن عاصي كان هو النصف الآخر له. ومثل هذا الوصف يعتبر بمثابة قول متواضع في تقدير موهبة عاصي.


اصدر منصور الرحباني مجموعة كتب شعرية هي: "أسافر وحدي ملكا"، "أنا الغريب الآخر"، "القصور المائية"، "بحّار الشتي"، اما الكتاب الخامس فحمل توقيع الاخوين رحباني وهو بعنوان "قصائد مُغناة" ويحتوي على أجمل الاغاني التي غنتها فيروز. استطاع منصور تحويل المشهد والصورة وبناء الامل الكبير: "أهاجرُ في شفتيك انسى، كتاب حياتي، محت قُبل الليل وجهي القديم، محت ذكرياتي، تجمع في قبلتين الزمان، فلا هو ماض، ولا هو آت".


في "قصوره المائية" يقول: "غدا/ كما اليوم يمتلئ هذا الشارع بالعابرين.../ وسيمتلئ بعد غد!/ وبعد خمسين عاما/ ستكون جموع تتدافع وصخب وضجيج،/ انما لا أحد من العابرين اليوم/ سيكون يومها حاضرا".


ويخاطب منصور شقيقه عاصي: "يا عاصي:/ وأنا فقير مثل ما تركتني./ فقير كتير. قديش؟/ ما فيك تتصور./ والمحزن انك انت بطلت تحتاج شي./ بس أنا، بعدني هون/ وبعد عندي احتياجات".


وفي "قصائد مغناة" كل الأغاني التي غنتها فيروز من كلمات "الأخوين رحباني"، أهداها منصور "إلى فيروز... قصائد طار بها صوتك فأصبحت شمس الذاكرة". أيضا كتب منصور الرحباني شعرا يعلن خوفه من الموت: "رحْت وما ودّعتِك/ زعلان من حالي/ ومن قبلْها كنتي معي ومضيّعِكْ/ عشرين سنِه ومضيّعِكْ/ فتّش عليكي بْهالدني، وإنتي بقلبي قاعدِه وما إقشَعِكْ/ ولَمّا التقينا كان هالعمر الشَّقِي/ صفّى على الْمِهوار/ ويا آخر الْمشوار/ عمنلتقِي وما منلتقِي/ ويا مين يعرف شو بقِي وشو ما بقِي/ وإنتي، يا أحلى من الحلا/ لا تتركيهُن ياخدوني ويهرْبو/ سامع صواتُن بالفَلا/ بيبَعّدو وبيقَرّبو/ قوليلْهُن بعدو صبي/ مبارح كِـبِـرْ عَ المصطبه/ معليش شي مره اكْذبي/ ولو كرمالي اكذبي/ هلّق أنا عرفْتْ الدني/ وإنتي الدني/ يلعَن أبو هالعمْر/ مستكتِر عليي بعينيكي الخضْر/ إتشمَّس وْلَنّو سنه".


في أحد إصداراته الشعرية الأخيرة، قبل أن يغادر، كتب يقول: "كم أنا قريبٌ من فرح الحق ودمع الله". إنه حقاً قريب من فرح الخلود!


 


رحل منصور الرحباني عن 84 عاماً حاملاً معه سر «الأخوين»



عبده وازن - الحياة


عندما رحل الفنان عاصي الرحباني العام 1986 رثاه شقيقه منصور قائلاً جملته الشهيرة: «مات نصفي الآخر»... وبرحيل الفنان منصور الذي وافاه الموت صباح أمس انطفأ النصف الآخر الذي حمل لواء «الأخوين» وحيداً قرابة اثنين وعشرين عاماً. وبرحيل منصور أيضاً انطوت الصفحة المشرقة التي خطها الأخوان في تاريخ الموسيقى العربية والأغنية والمسرح الغنائي، ومعها انطوى سرّ «الأخوين» اللذين لم يفرّق بينهما سوى الموت، وسيظل سرّهما قائماً ولن يتمكّن أحد من الفصل بين شخصية عاصي وشخصية منصور اللذين أصرّا على أن يخفيا إبداعهما المشترك تحت الاسم الثنائي.


إلا أن منصور الذي واصل المسار الرحباني وحيداً بعد وفاة شقيقه، بدءاً من مسرحية «صيف 840»، بدا مختلفاً بعض الاختلاف عن منصور «الأخوين»، على رغم الجو الاستعادي الذي وسم أعماله التي توالت لاحقاً ومنها مثلاً: «الوصية» و «ملوك الطوائف» و «المتنبي» و «سقراط» وسواها. أصبح منصور بعد غياب عاصي وحيداً كشاعر وكاتب وملحن، ولم تبدُ المهمة سهلة، وإن عاونه أبناؤه الثلاثة (مروان وغدي وأسامة) وشقيقه إلياس. وبدا واضحاً أن منصور ما بعد «الأخوين» ليس منصور «الأخوين»، لكنه استطاع فعلاً أن يطوّر اللعبة المسرحية، مشهدياً واحتفالياً، وأن يقارب المسرح الاستعراضي الحديث من غير أن يقع في السهولة والإبهار المجاني. وقد عاد الى التاريخ البعيد والقريب مستوحياً بعض شخصياته وأحداثه. أما منصور الموسيقي والشاعر فظل هو نفسه سليل المدرسة التي أسسها مع شقيقه.


يصعب الكلام عن منصور الرحباني وحيداً، مثلما يصعب الكلام عن عاصي وحيداً. ما قيل في عاصي يقال في منصور. فهذان الشقيقان اللذان جاءا عالم الفن من مهنة «الشرطة» أيام كانا شرطيين فقيرين، يقيمان في حيّ فقير في بلدة انطلياس، استطاعا أن يحدثا ثورة في عالم الموسيقى والغناء، وأن يستهلا مرحلة وسماها بإسميهما، مضافاً إليهما اسم المطربة فيروز. جدد الأخوان الأغنية العربية وحرراها من الاطناب والتكرار والتطويل وارتقيا بالفولكلور المحلي والعربي الى مصاف الإبداع الصرف. وقد «نبشا» الذاكرة الغنائية القديمة واستخرجا منها أعذب الألحان والأغاني وأعادا صوغها في أسلوب حديث أو معاصر. وقد أسس الأخوان المسرح الغنائي في لبنان مانحين إياه خصائص درامية وأبعاداً وجدانية وفلسفية، جاعلين من فيروز نجمة هذا المسرح الذي لا يزال حاضراً بشدة، عبر حواراته وأغانيه وموسيقاه. وعبر مسرحهما هذا رسما صورة للبنان، وطناً مثالثاً لم يلبث أن أصابته حرب العام 1975 في الصميم.


في الآونة الأخيرة أَولى منصور نتاجه الشعري كثير اهتمام، فجمع قصائده التي كتبها منفرداً في دواوين مثل «أنا الغريب الآخر» و «أسافر وحدي ملكاً»، وخصّ القصائد التي غنتها فيروز في الستينات والسبعينات بديوان فريد حمل توقيع «الأخوين». وذكر هذا الديوان بديوانهما المشترك الأول الذي صدر في دمشق العام 1951 وعنوانه «سمراء مهى». ولم يكن شغف منصور بالشعر في أعوامه الأخيرة إلا خير دليل على النزعة الشعرية التي كانت تخالجه، وقد قيل مراراً أن منصور هو الشاعر وعاصي هو الموسيقي. لكن مثل هذا القول لم يكن أكثر من إشاعة واهية، فالأخوان عاصي ومنصور كانا واحداً، وكانت فيروز «الذات» الأخرى التي التفّا حولها. أما منصور الشاعر، «بحار الشتار» كما سمى نفسه، فكان غنائياً بامتياز، رومنطيقياً وصوفياً. وهذا ما تشي به دواوينه المنفردة، سواء بالفصحى أم بالعامية.


غاب منصور الرحباني عن 84 عاماً فيما غاب عاصي الذي يكبره سنتين عن 53 عاماً، لكن منصور واصل المسيرة وكأن عاصي الى جانبه، فغامر وأنجز ما أنجز من أعمال تحمل الكثير من الحنين الى الماضي، ماضي «الأخوين» الذي لا يمكن أن تهدده وطأة الزمن. ومثلما خاطب منصور الجمهور الرحباني القديم توجّه في أعماله الأخيرة الى جمهور الشباب، زارعاً في قلوبهم شعلة الفن الرحباني.


 


آخر كبـار النهضة الموسيقية



الياس سحاب - السفير


ها هي آخر مصابيح التنوير الثقافي والعقلي العربي في القرن العشرين، الذي انطلق اشعاعه في الغالب الاعم من القاهرة وبيروت، تنطفئ مصباحا بعد الآخر في العقد الاول من القرن الحادي والعشرين (آخر المصابيح المنطفئة يوسف شاهين، صلاح الدين حافظ، كامل زهيري، محمود أمين العالم، منصور رحباني).


ولد منصور رحباني على موعد مع القدر الحضاري والثقافي للعرب المعاصرين، على الحد الفاصل بين نهاية الربع الاول من القرن العشرين، وبداية الربع الثاني، بعد ان كان قد سبقه الى هذا العالم قبل عامين اثنين شقيقه الاكبر عاصي.


في ذلك التوقيت بالضبط، كان العبقري الاستثنائي سيد درويش قد وضع في خلال سنوات ست من الثورة الجامحة، كل قواعد تأسيس مدرسة القرن العشرين في الموسيقى العربية، كما كان مجايلو سيد درويش وتلامذته المباشرون (محمد القصبجي وزكريا أحمد ومحمد عبد الوهاب ورياض السنباطي)، قد انطلقوا في القاهرة يفجرون مواهبهم في استكمال عناصر المرحلة الذهبية الاولى بعد سيد درويش، في تحديد معالم النهضة الثانية للموسيقى العربية المعاصرة، المكملة للنهضة الاولى في القرن التاسع عشر، والمكونة في رحمها.


وفيما كان هؤلاء الفرسان الاربعة بشكل خاص منهمكين في مهمتهم الحضارية، كانت الاقدار تهيئ في كل من مصر ولبنان، بشكل خاص، ولادة مجموعة من عباقرة الموسيقى من ابناء الجيل الثاني، الذين سيحملون على اكتافهم في الربع الثالث من القرن العشرين، مسؤولية المرحلة الذهبية الثانية بعد سيد درويش في الموسيقى العربية (مثل محمود الشريف وأحمد صدقي وكمال الطويل ومحمد الموجي وبليغ حمدي في القاهرة، وعاصي ومنصور رحباني وزكي ناصيف وتوفيق الباشا وفيلمون وهبي وعفيف رضوان في بيروت).


لكن تلك المرحلة الذهبية الثانية تميزت في بيروت بالذات (بعد نكبة فلسطين مباشرة) بأنها حملت وحضنت بذور نهضة موسيقية مشرقية كاملة في الموسيقى العربية المعاصرة، جاءت رديفا جميلا وحضاريا بالغ الثراء، للنهضة المنطلقة في القاهرة.


لقد تبوأ الثنائي الرحباني موقعا مميزا في كوكبة الفرسان المشرقيين للنهضة الموسيقية العربية المعاصرة، خاصة منذ ان كونوا الثلاثي التاريخي: عاصي ـ منصورـ فيروز.


وإذا كان الثنائي الرحباني قد رحل الآن عن الدنيا وهو يحمل معه اسرار التمايز بين عاصي ومنصور في الابداع الفني، تحت الراية التاريخية للاخوين رحباني، التي اصرا على الاستمرار في رفعها، حتى النفس الاخير، فإن بإمكاننا، من باب التحليل والاستنتاج، والافادة من زلات لسان عابرة لمنصور رحباني، ان نخمن اليوم ان عاصي الرحباني، كان حارس الينابيع العربية المشرقية في الفن الرحباني، بينما كان منصور حارس ينابيع التأثر بالموسيقى الاوروبية الكلاسيكية، ابداعا وعلوما نظرية.


يصعب في حضرة لحظة وداع آخر كبار النهضة الموسيقية، استحضار كل عناصر المساهمة الرحبانية في هذه النهضة، لكن من المؤكد ان المدرسة الرحبانية كان لها ـ كما اشرنا ـ شرف التعبير عن مواصلة النهضة الموسيقية العربية، كما اطلق عنانها سيد درويش وتابعها بشكل خاص محمد القصبجي ومحمد عبد الوهاب، من جهة، وشرف التعبير من جهة ثانية عن ولادة الفرع المشرقي التاريخي المعاصر في هذه النهضة المشرقية. لذلك لم يكن من باب الصدفة ان تتكامل هذه العناصر كلها، مع صوت فيروز وأدائها المميزين، لتجعل من »فلسطينيات« الاخوين رحباني (راجعون، زهرة المدائن، القدس العتيقة، جسر العودة، بحارة يافا، اجراس العودة)، بين ارقى وابقى ما صدر من اعمال فنية تعبر عن تفاعلات القضية الفلسطينية في العمق العربي عموما، وفي المشرق العربي المحيط بفلسطين خصوصا، مما جعل المؤسسة الرحبانية (وصوت فيروز)، تبدو المؤسسة الفنية المكرسة لعرب المشرق عموما، وليس لعرب لبنان وحدهم.


وداعا منصور رحباني، وإلى لقاء، نرجو ان لا يطول انتظاره، مع ارهاصات نهضة موسيقية عربية جديدة في يوم ما من القرن الحادي والعشرين.


 


فيه شيء من أبي...



حنان قصاب حسن - السفير


ربما لم تكن كل تلك السنوات الطويلة كافية. لعلها كان يجب أن تمتد أكثر، لكنهم بدأوا يرحلون الواحد بعد الآخر....


كانوا أصدقاء العمر، وكانت الكلمة الرشيقة المرحة تطير بينهم مثل نقطة ضوء لا يعرف الإنسان أين تحط. تبدأ النكتة على لسان عاصي ليكملها منصور، فيرويها نجاة بشكل مختلف وكأنها تولد من جديد. وكان اللحن يتطاير من بزق عاصي إلى لسان منصور فيكمله أبي على العود عابثاً هاوياً. كان يحلو لهما حين يطل عليهم والدي فجأة في مكتبهم بشارع بدارو أن يطلقا بصوت واحد الأغنية الضاحكة التي الّفاها له فصارت نشيدهم الوطني حين يجتمعون معاً. وحين كانوا، قبيلة الرحباني، يأتون إلى دمشق، كانت حياتنا تنقلب رأساً على عقب. الهاتف لا يتوقف عن الرنين طلباً لبطاقات الحفلات، مسرح المعرض يصير بيتنا الثاني، وفندق دمشق الدولي وفندق سميراميس يتحولان إلى مكان أليف حين نمر لاصطحابهم بعد الحفلة للسهر. الناس، كثير من الناس في بيتنا، وأصوات الضحكات عالية والنكات تطير في هواء الشرفات، وأجزاء من أغان عابثة يتبادلها الجميع بمرح خفيف ممتع.


ثم بدأوا يتساقطون الواحد تلو الآخر... تفرق الأحباب وتغلغلت اللوعة في تلك المجموعة المرحة المبدعة. حين رحل عاصي، كان هناك شيء قد انكسر. انثنت قامة منصور، وصارت مشيته مثقلة وئيدة مرهقة. صار يأتي وحيداً، يبقى قليلاً ويعود، وكأنه لا يملك قدرة على المتابعة. أهو الألم من الموت، أم لعلها الحرب، أو ربما ذلك الحزن الدفين الذي يشعر به التوائم حين يذهب الواحد ويبقى الآخر. كانا مثل توأمين، وكان من الصعب أن يعرف الإنسان ما الذي يعود لعاصي وما الذي يعود لمنصور. هما كانا يرفضان التحديد والفصل، وما كانت لأحد رغبة في معرفة المزيد. كانا الأخوين رحباني، وكانا معاً مبدعين.


عبثاً حاول والدي أن يستعيد تلك الأيام الجميلة مع منصور. صداقتهما ظلت كما هي، اللقاءات استمرت، والهواتف لم تنقطع، لكن شيئاً من الكآبة كان يمنع الاثنين أن يستعيدا جو المزاح القديم. شيء ما قد انكسر،  ولم يتعوض.


في الأيام الأخيرة من مرض والدي المفاجئ، طلب مني أن أسأل منصور بالهاتف إن كان عليه أن يكمل أو يتوقف. لم أفهم السؤال، ولا فهمه منصور. قال له على لساني أن يكمل، وكان يظن أنه ينصحه بإكمال طريق الحياة، ولم يعرف أنه كان يطلب الإذن بالرحيل، ورحل في اليوم نفسه. وعلى قبر أبي اليوم أبيات كتبها له منصور يومها ولحنها نشيداً سمعناه في حفل الأربعين:


الصداقات ارتمت من حرق/ يوم غادرت وشاع الخبر/ يا أيها السيف الدمشقي الذي/ لم أصدق أنه ينكسر/ قمراً كنا وورداً فانقضى / موسم الورد وغاب القمر / أنت في حضن دمشق راقد / وأنا في وحدتي أنتظر


اليوم رحل منصور، وحمل معه البقية الباقية من جيل لن يتكرر... جيل الموسوعية والإبداع الذي ينداح على مساحات لا حدود لها. جيل اعتقد أن الكلمة الجميلة تغير العالم، وأن التفاؤل يصلح ما فيه.


اليوم رحل منصور، ولا أستطيع أن اتحدث عن مسرحه أو عن موسيقاه. أريد فقط أن أسترجع تلك العلاقة الحميمة الحميمة، لأنه إذ رحل، حمل معه الشيء الأخير الذي تبقى من أبي. كأنه كُتب على قلبي أن ينكسر من جديد...


 


هل يموت مَن يخلق فنّاً كفنّه؟



نزيه خاطر - النهار


هل يموت فنان يحمل اسماً كإسم منصور الرحباني ويخلق فناً كفنّه؟ قبله، قيل مات عاصي، لكن عاصي لم يمت. بعض الرجال لا يموتون وإن أخذتهم الأرض الى ترابها. منصور الرحباني هو واحد من هؤلاء الذين يولدون بعد موتهم في كل أغنية ألمعية، وفي كل قصيدة خلاّقة، وفوق خشبة كل مسرح أصيل. أمس رحل منصور عن عالم الفن والثقافة، بعدما كرّس نفسه للشعر والمسرح والموسيقى في لبنان والمشرق العربي، مشكّلاً مع شقيقه الراحل عاصي الرحباني، وفيروز، أعمدة الهرم الثلاثة، وفريقاً هو ثالوث فني لا يضاهيه أحد أو فريق أو ثالوث، من حيث الخلق الإبداعي، شعراً وموسيقى وعروضاً مسرحية وصوتاً، حيث شيّدت أعمال هؤلاء الثلاثة عمارة كبرى فريدة من نوعها في الذاكرة الثقافية اللبنانية والعربية، وأضفت نكهة مميزة وجديدة على الفن اللبناني وخصوصا لناحية الأغنية الشعرية القصيرة التي كسرت قالب الاغنية التردادية والطويلة التي تدفع سامعها الى النوم، على عكس الاغنية الفيروزية التي ارتبطت بغيوم الليل وأقماره وآهات عشّاقه المكتومة، أو بديوك الفجر وصباحات الذاهبين الى بساتينهم وأعمالهم. هذا قبل ان تأتي موجة جديدة من الأغنيات السخيفة التي تحطم كل معنى.


الكبير زيّن زمنه بالموسيقى والشعر


مرةً أخرى أجد نفسي محاوِلاً تجنّب أمر لا أمارسه: الكتابة في لحظة القدر عن كبير زيّن زمنه ضمن الموروث المنوط تقليداً بهذا النوع من الكتابات. فكيف التعبير عما في معظمنا أمام غياب الفنان منصور الرحباني بكلام وديع، بريء، شفّاف، رطب، طريّ، ومنغّم؟ بل كيف قول الصدمة التي ضربت لبنان والعرب من دون الوقوع في المبالغات الشعورية ونتائجها في لغة عربية متواطئة تقليداً مع تداعيات كهذه؟ فلفنان من الطينة الرحبانية، وإذا كان المعني هو منصور، أحد الإثنين التاريخيين، حقٌّ على من يقاربه بالكلام، ومنصور سيّد من معلّمي الكلام. ففي المسرح له جملته وهي دوماً متراكمة على معناها، راوية بنبرة عصبية أليفة لأذن المستمعين، جذّابة تضمر شيئاً من المراوغة، ملوّنة موسيقياً لكأنها صُنعت لتجاور المقاطع المغنّاة، سلسة، تلقائية، عفوية، ذات جذور محكية عامية، وإن هي ابتعدت إرادياً عن لهجات البيادر الريفية. وله إيقاعه المقرون بمفردات كأنها من مقلع خاص في الشعر، وهو شاعر في أكثر من نص، وبدايةً في المسرح، وإنما أيضاً وخصوصاً في الكتابة الشعرية الخام، أي القريبة جداً من البيادر الأليفة حيث حصاد المفردات الشعبية، وله في لملمتها وتوظيفها الموهبة الطليقة التي تقول الأشياء الأكثر إلفة كما لم يقلها أحدٌ من قبل.


الأيقونة


تكتب عن منصور الرحباني لحظة غيابه الكبير وكأن في يدكَ دفعاً في اتجاه التحرر، فلا رقيب على لسانك، وهو الموضوع وهو المبدع الذي عرف عبور الصحراء، والناس لا يرحمون، بعد غياب عاصي واختياره الاستمرار في مسيرة الأخوين رحباني، وفي خباياه كمن يغمره الصدى الدائم لقامة شقيقه. غريبٌ هذا الشعور الذي لازمني دوماً أنّ في عاصي البعض من منصور، وفي منصور البعض من عاصي، وأن في الإثنين ظلالاً شفافة لصوت فيروز، وفي ثلاثتهم الركائز المكوّنة لعبثية زياد، الفرس الجموح. ويلفت تفاعلهم في فضاء كوميدي موسيقي غنائي، يجمعهم من دون أن يذيبهم في خط واحد غير خط الموهبة المنحازة بشغف الى الثقة بذاتها. منصور أيقونة من هذه الأيقونات التي أخذت في التكوّن في نصف القرن العشرين، معلنةً ولادة تيارات الحداثة العربية التي عرفت أقوى تحولاتها في بيروت الستينات. بنى وشقيقه عاصي، بالعصب الواحد والنبض المندمج، أجمل اختراق ثنائي ذي منحى ابتكاري، فريد ونهم في آن واحد. ابن المكان، ومفخِّخ له، تطويري النزعة، محتشم القول، وجليٌّ أنه امتاز طويلاً بالمؤهلات خاصته، فأدارها كمن يعرف مدى قدراته في ميادين خطف إعجاب الجماهير إنْ هي تلقّت عروضه المسرحية أو هي قرأت له قصائده. محتشم بعناد، وإنما كأريستوقراطيّ الكلام وبورجوازيّ المرويات وشعبيّ المفردات، ومغرم حتى الهذيان بالنغم الموسيقي لما يكتبه القلب والأذن قبل العقل والمنطق البارد. لكأنه رجل من تجارب، وعمر بأعمار، ومسافر مغامر الى أساطير من دون جغرافيا، هذا المبادر الآن برحلة مفتوحة على مجهول الآفاق.


شاعر حتى خارج الشعر ومسرحيّ في أقسى العيش


عرفته طويلاً، وفي الآونة الأخيرة من بعيد، بعد تكاثر المواهب ذات الدمغة الرحبانية. قريب، صديق الضحكة، رطب النكتة، صادق النظرة، نظيف اللسان، وإن غضب اعتلى صوته، وإن عقصه مكروه حرد واستوحد واستنفر. صديقٌ طريّ القلب، حنون المفردات، شاعر حتى خارج الشعر، ومسرحيّ في أقسى لحظات الأيام. حتى أنه من الصعب على من يعاشره، وإن ثقافياً، أن ينسى انه في حضرة مسرحي وشاعر لا ينسى لحظةً أنه والكلمة في حالة عشق مستمرة. لا أحب هنا أن أقارنه بعاصي، فلكلٍّ منهما حسناته وعيوبه، لكنهما يلتقيان معاً في الثقة المطلقة بموهبتهما كثنائي ذي بنية فريدة تربطهما في مسيرة لا افتراق فيها. متابعو مسيرة الأخوين حتى بعد غياب الكبير عاصي، يتخيلون عن حق أن الغائب لم يغادر يوماً مخيلة الحاضر، على رغم ان الأخير اختار واعياً الابتعاد الكلي في مسرحه من عتبة اختيار المواضيع الى صفات المشاهد وطباع الشخصيات وحضور الأبعاد الفلسفية ("آخر أيام سقرط"، كازينو لبنان، 1998)، والدينية ("وقام في اليوم الثالث"، كازينو لبنان، نص، 2000)، والعربية ("المتنبي"، دبي، 2001)، في عروض تمحورت جميعها حول البحث عن معنى فكري للوجود في زمن الأوطان المهدور دمها.


السهولة المستحبة


للمسرحي ركائزه: فكر متحرك، مشهدية معلنة، دعوة صريحة للابتعاد عن الثرثرة الطويلة والمطولات الإيقاعية. ميّال بقوة الى إعطاء الموسيقى والرقص المجال التعبيري الصارخ على رغم أن هناك غراماً صريحاً بالفولكلور البلدي. عنده نكهة بلدية توقع مشاهده في مثل سهولة مستحبة، تُدخل المتلقي تلقائياً كمتذوق شريك في المجريات على المنصة. ديموقراطيّ التصرف مع معاونيه بحيث أنه يترك لكل فنان حقّه في بناء الجزء الخاص فيه على المنصة العامة. يقول إنه يحرر معاونيه، وبعض هؤلاء يقول إنه ديكتاتوري النزعة، كونه رجل رؤى ورؤية، يعرف ما تصوّره في نصه، ويريد تشخيص ما تصوّره على منصة لغيره. وفي تصرف منصور الرحباني الملامح المبتغاة في مسيرته السابقة، أيام كان لعاصي وله إدارة العرض من بداياته الى ستارته الأخيرة. لكأن عاصي لم يغادره يوماً، وبطيبة خاطر منه، أو لكأن السرّ في كلٍّ منهما، ويتجاوزهما الى ما بعد الغياب الكبير.


ظنّي أن من حظ منصور الرحباني عيشه لمسيرته الفردية التي أعطته فرصة الغوص الى أعماق ذاته في تجاربه المسرحية، كما أعطتنا نحن فرصة التفاعل العنيف مع مسرح لم نتفق دوماً مع أطروحاته المشهدية والركائز التي يقوم عليها، وفي الوقت عينه أمتعنا بلحظات مضيئة من الاستعراضات الجذابة والمغرية كلاماً وأداءً وإيقاعاً.


 


منصور الرحباني... «يسافر وحده ملكاً» الأسطورة الرحبانيّة تستردّ آخر رموزها



بيار أبي صعب - الأخبار


كنا نذهب في السنوات الأخيرة إلى المؤتمرات الصحافيّة لرؤيته. نجده جالساً إلى المنصّة، وقد ازدادت عليه آثار العمر وأمارات الوهن. نتذكره الآن مطرق الرأس، متأملاً أو شارداً أو مصغياً إلى المداخلات والأسئلة التي تخرجه عن هدوئه أحياناً، يحيط به مدير مهرجان الصيف الذي يقدّم مسرحيّته الغنائيّة الجديدة، وممثل وزارة الثقافة، والنقيبان (الصحافة والمحررين) أو أحدهما، وغالباً ابنه مروان... وفي وقت من الأوقات -كان علينا أن نترصّده بعناية- يمسك «الأستاذ منصور» بورقة، ويروح يقرأ، بصوته الشهير، تقديماً شاعريّاً للعمل الذي أعدّه مع قبيلته الصغيرة، وقد باتت تعرف بـ«الرحابنة الجدد».


كلّ مرّة كنا نكتشف، قبل الآخرين، إنتاجاً «رحبانياً» آخر، مع موكبه من النجوم، والاستعارات التاريخيّة والأدبيّة والأسطوريّة، والإحالات السياسية المبطّنة، سيشغل النقد والإعلام والجمهور موسماً كاملاً وغالباً أبعد منه: كما هي الحال اليوم مع آخر أعماله «عودة الفينيق»، المسرحيّة الغنائيّة التاريخيّة الراقصة التي افتتحها في بيبلوس الصيف الماضي، ما تزال تقدّم على خشبة كازينو لبنان.


وكلّ مرّة، كنّا نقمع في داخلنا سؤالاً ملحّاً يتبادر إلى الذهن بشكل لاإراديّ، ولا نجرؤ على سماعه أو الإجابة عنه: ترى هل هذا هو «لقاؤنا» الأخير بهذا الأسد العجوز؟


منذ صباح أمس نعرف أن ذاك الموعد لن يتكرّر، لن نسرع إليه مسكونين بكثير من الحنين والتعاطف والفضول... وبنزعة إلى المشاغبة والانتقاد وتعرية الأسطورة أحياناً، كما هو حقنا وواجبنا. فقد أغمض منصور الرحباني عينيه نهار الثلاثاء 13 كانون الثاني/ يناير 2009. مضى إلى حيث عاصي وحليم الرومي وفيلمون وهبي وتوفيق الباشا وزكي ناصيف... كبار الموسيقى اللبنانيّة، حاملاً معه أشياء كثيرة لن تتكرّر، وربّما جزءاً مهمّاً من صورة وطن جميل ابتلعه الوهم. هكذا تطوى صفحة أخيرة من سجلّ ذهبي، ربّما لم يعرف لبنان مثله خلال تاريخه الحديث، نختصره عادة بـ«المؤسسة الرحبانيّة»، أو مدرسة الرحابنة بأقانيمها الثلاثة: عاصي ومنصور وفيروز، ومن دار حولهم من فنانين وشعراء ومبدعين. تلك المؤسسة التي تماهت مع لبنان نفسه في بعض الأحيان، إذ قدمت عنه صورة مثاليّة ونموذجيّة، وحملته إلى العالم العربي «ثورةً» موسيقية وشعريّة وغنائيّة تلتقي عندها المناهل الثقافيّة من الشرق والغرب، ومشروعاً جمالياً وأخلاقياً ورومنسياً يصعب الشفاء منه، أو لنقل تجاوزه، بسهولة.


تلك الرحلة بدأها عاصي (1923 - 1986) ومنصور (1925 ـ 2009) يستمعان إلى الوالد حنا الياس الرحباني يعزف البزق في مطعم «فوّار» انطلياس، وإلى حكايات الجدّة غيتا وخرافاتها وزجلياتها... ثم منغمسين في تلك البيئة الريفيّة التي ستخيّم على عالمهما الإبداعي طويلاً. معاً ذاقا طعم العوز، وحلما بالمجد، «كان يبدو على عاصي أنّه سيصبح شاعراً أو فناناً... أما أنا، فكنت أوحي بأنني سأكون قاطع طريق في أفضل الأحوال». من جوقة الأب بولس الأشقر إلى الشغف بالمسرح الذي تعرّفا إليه في مدرسة فريد أبو فاضل، ثم مدرسة اليسوعيين في بكفيا... وبالشعر الذي اكتشفاه في مجلّة «المكشوف»، إلى الإطلالات الأولى في إذاعة دمشق وإذاعة الشرق الأدنى. معاً عملا في سلك الشرطة، ثم واصلا دراسة الموسيقى على يد برتران روبيّار. الإذاعة اللبنانيّة، حليم الرومي، زواج عاصي من فيروز (نهاد حداد) التي حلّت مكان اختهما سلوى (أو «نجوى» حسب اسمها الفني). مهرجانات بعلبك منذ عام 1957. صباح ووديع الصافي ونصري شمس الدين وفيلمون وهبي... القاهرة وفلسطين، دمشق وبعلبك والأرز والبيكاديللي. سعيد عقل. السينما أيضاً: «بياع الخواتم» (يوسف شاهين)، «سفر برلك» و«بنت الحارس» (هنري بركات)... العامية اللبنانيّة تسافر في ديار العرب على جناح صوت فيروز. وصولاً إلى ذلك النزف في رأس عاصي ثلاث سنوات قبيل اندلاع الحرب الأهليّة. كان منصور دائماً هنا في قلب التجربة. بعد وعكة عاصي صار نصفه الآخر فعلاً، ومنفّذ رؤيته ومجسد وعيه على الورق.


الآن، وقد التحق منصور بالأسطورة الرحبانيّة، صارت تلك المؤسسة جزءاً من التاريخ حقّاً. لقد تزعزعت في قلب حرب أهليّة من غير الممكن أن تتعايش معها لأنها نقيض الفلسفة الطوباويّة (التغريبيّة؟) التي قام عليها عالم الرحابنة من أساسه. تكرّس الخلل مع انفصال فيروز عن «الأخوين رحباني» أواخر السبعينيات. ثم تصدّعت بذهاب عاصي الأخ الأكبر الذي كان يخترع لمنصور الذي يصغره بسنتين، حكايات وخرافات في «العلّية» حيث يعتقلهما الوالد القاسي منعاً لاختلاطهما بزعران الحارة. منذ ذلك اليوم من حزيران/ يونيو 1986 فقد منصور شيئاً منه. مات نصفه إذا جاز التعبير، فكان عليه أن يستأنف المغامرة على أسس جديدة. بلا فيروز التي كان الأخوان قد استعاضا عنها أساساً بـ«رونزا» في «المؤامرة مستمرّة» (1980) ثم «الربيع السابع» (1984). ومن دون عاصي رفيق رحلته الملحميّة على امتداد نصف قرن.


هكذا أمضى منصور الربع الأخير من حياته يعيد اختراع المدرسة الرحبانيّة... لكن الأزمنة كانت قد تغيّرت، ولبنان والمنطقة أيضاً. وسنوات الوحي والخصوبة باتت بعيدة، فلم يبق أمام المعلّم سوى ابتكار آلة إنتاجيّة تعيد توظيف إنجازات العصر الذهبي. مرحلة مستحدثة تماماً، ينقصها الوهج القديم حكماً، راحت تتبلور مع السنوات، بدءاً بـ«صيف 840» (1988) التي يمكن اعتبارها مسوّدة الأعمال اللاحقة: من «آخر أيام سقراط» (1998) إلى «عودة الفينيق» (2008)، مروراً بـ«المتنبّي» (2001)، و«ملوك الطوائف» (2003)، و«نبيّ جبران» (2005)، و«حكم الرعيان» (2004)، و«زنوبيا» (2007)... تدريجاً سينخرط مروان الرحباني في الإخراج، ويتشارك مع أخويه أسامة وغدي في التأليف والتلحين، ويخوض الجميع في الكتابة تحت هالة منصور، المهندس الأكبر صاحب الفكرة والمشروع. وكما لن نعرف أبداً ماذا يعود إلى عاصي وماذا يعود إلى منصور في نتاج السنوات الذهبيّة شعراً ولحناً ومسرحاً، كذلك سندخل مع «الرحابنة الجدد» في معادلة خاصة، سريّة، ننسبها كل مرّة إلى منصور وأبنائه (مع مساهمات موسيقية من العمّ إلياس أحياناً).


كثيرون سيعتبرون أنها مرحلة انحدار في التاريخ الرحباني، لأنّهم لن يقبلوا أن الزمن تغيّر، وعاصي صمت، وفيروز مضت إلى آفاق أخرى (مع زياد خصوصاً)، لتقف في مكانها كارول سماحة تارة، ولطيفة تارة أخرى (وصولاً إلى هبة طواجي/ روكسانا «عودة الفينيق»). هناك من افتقد منذ أواخر الثمانينيات، تلك اللمعة العبقريّة التي كانت تربط بين العناصر، وتدرج الأوبريت بحواراتها وأغنياتها وقصّتها وشخصيّاتها في سياق ثقافي وسياسي وإيديولوجي هو من سمات الستينيات والسبعينيات: «جسر القمر» (1962)، و«بياع الخواتم» (1964)، و«أيام فخر الدين» (1966)، و«هالة والملك» (1967)، و«جبال الصوان» (1969)، و«يعيش يعيش» (1970)، و«صح النوم» (1971)، و«ناطورة المفاتيح» (1972)، و«ناس من ورق» (1972)، والمحطة» (1973)، و«لولو» (1974) و«ميس الريم» (1975)، و«بترا» (1978) والقائمة تطول...


لكن أعمال منصور خلال العقدين الأخيرين تنتمي إلى زمن آخر، واعتبارات ثقافيّة وسياسية وإبداعيّة واقتصاديّة مختلفة. هناك انعكاس بعيد للرحابنة بلا شك، لكننا أمام أسلوب آخر تماماً، وأعمال غوص في كتب التاريخ والأدب والأسطورة بحثاً عن قراءات ممكنة للحاضر، وسط مناخ من الإسراف الجمالي والتقني الذي جعل الثلوج تمطر على «المتنبّي» وقرية كاملة تحترق حين وقفت «زنوبيا» تتمرّد على طغيان الإمبراطوريّة الرومانيّة. والعملان الأخيران أنتجا في دبي حيث قدمت عروضهما الأولى.


كان منصور الرحباني يرفض دائماً أن نستخلص العظة الأخلاقيّة أو السياسية من أعماله الأخيرة، بعد أن يكون فعل كل ما بوسعه كي يدفعنا إلى ذلك. إنّه لعبة ذلك الساحر الذي يعبث بالشخصيات والمواقف، بالأحداث التاريخيّة والأساطير، ويبالغ في تمجيد لبنان «الوطن الجريح والمستضعَف والمغلوب على أمره في حرب الكبار». نعم تلك من بقايا الإيديولوجيا الرحبانيّة، علماً بأن منصور شاعر أصدر مجموعات عدّة، معظمها خلال السنوات الماضية، وصاحب «أسافر وحدي ملكاً» يجوز له ما لا يجوز لسواه... وخصوصاً أنّه كان آخر أعمدة الهيكل الرحباني الذي انهار اليوم تماماً ليتركنا في العراء.


 


كابتسامة



عبيدو باشا - السفير


مر منصور الرحباني كابتسامة. من لا يعرفه سوف يفوته ذلك. وإذا فات الآخرين ان منصور الرحباني ابتسامة اللبنانيين في الازمنة العصيبة وقلقهم وهواجسهم، وجدوا في الرجل ذي القامة الأشبه بالقلب مجال رماية. رموه دائما، لأن جديته أثارت اسئلة وهواجس وشكوكا. ولأن بصيرته اثارت في الآخرين التأمل ودعتهم الى الشك في سلامة الاوضاع الاجتماعية والسياسية القائمة على التزمت الاخلاقي والفكري. ذلك ان الرجل كلما ضرب في مرحلة غادر كل ما سوقته المرحلة الى مرحلة اخرى على مفاهيم التأسيس والاستمرار.


لم يسأل أحد عن المصوغ الذي اعتمده منصور الرحباني لكي يستمر: ان تغادر تجربة عريضة بأجنحة شفافة. هذا ليس قليلا. هذا ليس متوفرا لكثيرين. رفع منصور الرحباني أجنحة شفافة، لكي يطير بجسده الكثيف من مرحلة الى مرحلة. حمل ذكرى اخيه في الثانية. ثم غرزها في جهازه العصبي باللمحة البارعة وبرفعته الهادئة والجميلة. راح الرجل يكثف ولا ينقل وهو بين الشباب. شبابه الدائم زائدا شباب شبابه مروان وغدي وأسامـة. عندي: انه ليس صاحب عبارات طلية. بل براعة من يقيم المضامين الملتبسة في الاشكال الواضحة والاشكال الملتبسة في المضامين الواضحة. هذا سره. هذا شأنه الخاص. هذه مرحلته السرية السخية التواقة الى الطيران في المدارات والحوارات الرشيقة والكلمات العذبة المصفاة. ليس قليلا ان يملك ذكاء وايلد ودقته ونفاذ بصيرته. ذلك ان الرحباني مزج الواقع بالخيال، حتى بدا وكأنه يروي اساطير ذات مدلول انساني واجتماعي وأخلاقي وهو يدور في واقعه كسيارة دفع رباعية.


لم يتزمت الرجل انسانيا ولم يتزمت اخلاقيا. بقي نغمة في العصور وبين العصور. سبح في سمفونية لها بداية ولها نهاية بعيدا من التكلف والحذلقة والمظاهر. لمنصور الرحباني طريقة خاصة في فنه. سوف يكتشف الآخرون ذلك ابتداء من اللحظة هذه. سوف يكتشفون انه ضد الاقامة. لذا لم يقم في ذاكرته وحدها. لذا لم يقم في تجربة قوية بمستطاعها ان تبقي الاكبر والاقوى في أسرها: تجربة الاخوين رحباني. لذا وجد ان لا ضير من الكتابة الى اصوات اخرى غير صوت السيدة الكبيرة: فيروز. انه ضد المراوحة. لذا: لم يراوح. طار من مرحلة الاخوين رحباني بالاسود والابيض، الى مرحلة منصور الرحباني بالألوان على بساط ريح مقاصده ومشاغله البسيطة والعميقة في آن. أخذته نظرته الطريفة الى الحياة الى حياة أخرى. أخذته الى فلسفة جارحة ونقد لاذع وصراحة مؤلمة لو تفوه بها غيره لعوقب اشد العقوبات.


انه محدث، حكواتي، ربما آخر الحكواتية اللبنانيين والعرب. قلب على قدمين او ساحر يلعب بقلبه، يخرجه من احد اكمامه او من قبته او قبعته، لكي يرافع عن الآخرين بأوضاعهم الصعبة والاستثنائية. هكذا وجدته دائما. شيق يغري السامع والمشاهد. طفل يسمع وكبير يرجع الى نصائح الآخرين بتواضع هائل. لن ينسى وسط السخف والتناقض ان يرمي شباكه خلف مسرحه الجديد. قوة مسرحه في انه مسرح بلا فيروز. مسرح بلا صوتها. لو ان غيره فعل ذلك لحوكم بالحرق كما احرقت جان دارك. مسرح بلا عاصي. ولو ان عاصي بقي في شفتيه وجفنيه. لم يثر الانطباع ابدا بأنه حين يسعى الى مسرحه الجديد، انما يذكر بزواج رجل مسن كثير المشاغل بفتاة جميلة عاطلة عن العمل. أبدا. بقي أمينا لكل ما هو انغلوساكسوني، وقريبا من روح العصر الفكتوري وداعسا في برودواي وباحثا في احكام السياسة على المسرح والمسرح على السياسة. واحد من انجازاته: رفع الاغنية من لصوقها بالسيدة الى دور وظيفي. رفع المسرح من المسرح المنتج لـ»اليوتوبيا« الى مسرح القارئ بالواقع والحياة الانسانية بميل يوناني رفيع بنوافذ طريفة.


بقي ينافس الشجرة القريبة من منزله في انطلياس. كلما اتذكر ذلك اصاب بالاسى. ينظر الى الشجرة ويقول: انني احسدها. وإذ أسأله عن السبب؟ يقول: هي باقية وأنا راحل. جزء من فلسفة بوذية: العالم وهم، الدنيا وهم. بموته: أؤكد ان العالم بوذي، ان الدنيا وهم، ان العالم وهم. كلما اتذكر ذلك اصاب بالاسى، وخصوصا اذ أراه يخفي عمقه وراء الايقاع والطرافة.


حبيبي منصور، تحية ولا بعد.

 
عن المكتبة | كتب | أفلام | تراتيل | الصفحة الرئيسية
SWS المكتبة الروحية 2005 - جميع الحقوق محفوظة - صمم هذا الموقع بواسطة شركة
Powered by O2 TECHNOLOGY