بحث سريع 

 

New Page 1
عنوان الكتاب:
مدينة على جبل؟ عن الدين والسياسة في أميركا
المؤلف:
طارق متري
المترجم:
الموضوع:
سياسة واقتصاد/سياسة
الناشر:
بيروت - النهار
عام النشر : 2004 الطبعة: 1
القياس:
21x14 سم
عدد الصفحات: 183
السلسلة:
رمز التصنيف:
ي  549
   

أراء القراء   
تعليق: خالد زيادة – السفير 17/9/2004
عنوان التعليق: مدينة على جبل

قدم طارق متري في مؤلف متوسط الحجم عملاً مميزاً في التوقيت المناسب. وإزاء المقالات الصحافية والتحليلات المتعجلة التي تحاول تفسير نفوذ الانجيليين المحافظين في الادارة الاميركية، وتفشي النزعة الاصولية على حساب التيارات البروتستانتية الرئيسية، يأتي كتاب: <<مدينة على جبل، عن الدين والسياسة في اميركا>>، ليضع مسألة الدين في الولايات المتحدة الاميركية في موقعها التاريخي وتموضعها السياسي اذا جاز التعبير.


فبعد هجمات 11 ايلول، كثرت المقالات العربية التي تحدثنا عن سيطرة الانجيليين المحافظين، خصوصا ان الرئيس الاميركي جورج بوش واحد من <<المولودين الجدد>>، اي انه ينتمي الى هذا التيار، وقد عبّر في عدد من خطبه عن نزعته الدينية وتمسكه بقيم هذا التيار. وزاد من الاهتمام بالانجيليين المحافظين، كون قيمهم التوراتية تتصادم مع قضايانا، وطالما ان موقع قصص التوراة ونبؤاته هو ارض فلسطين. فالحديث عن ارض الميعاد وعن معركة <<هرمجدون>> بين الخير والشر، والقول بإن من ليس معنا هو ضدنا، يبدو جميعه كأنه تبشير توراتي...


وذهب البعض الي ان خطابات اسامة بن لادن المدبر لاحداث 11 ايلول، الذي رسم خريطة للعالم يتوزعها فسطاطان، هي الوجه الاخر لخطابات الرئيس الاميركي عن الخير والشر والحرب على الارهاب، الى حد ايحاء بعض الكتّاب والمحللين بإن المعركة هي بين اصوليتين اسلامية ومسيحية انجيلية وليس غير ذلك.


كان من الضروري ان يأتي كتاب طارق متري، لا لكي يرد على هذا النوع من التفكير، فهو لا يفعل ذلك اصلا، ولكن ليكشف الغموض الذي يكتنف فهمنا لواقع الدين في الولايات المتحدة الاميركية. وهي البلد المتعدد الاعراف والاديان والشيع، وصاحبة التجربة التاريخية التي تمتد على خمسة قرون من الزمن، لعب الدين ادواراً في وعي الاميركيين لتجربتهم في بناء أمة، واعتقادهم بفرادة تجربتهم.


في كل التجارب التأسيسية للامم، تحضر القيم العقائدية الكبرى لتدعم اولئك الذين يخوضون تجربة بناء من العدم، ومن الطبيعي ان اولئك المهاجرين من اوروبا، الذين تبعثروا على الأرض الجديدة، وكان عليهم ان يؤسسوا حياتهم بدوافع قوية مستمدة من ايمان ديني غير خاضعة لضبط مؤسسة او كنيسة راسخة التقاليد، ومن هنا فإن البروتستانتية كانت افعل بدعاويها التوراتية مع هؤلاء المهاجرين الذين كانوا ينسجون دينهم، اذا جاز التعبير، غير الخاضع لضوابط كنسية صارمة. فالقيم بل الاساطير احيانا سبقت المؤسسة والهيرارشي، كما ان المجتمع الاميركي قد سبق الدولة.


من المعبر ان يبدأ طارق متري الفصل الاول من الكتاب بذكر ملاحظة الكاتب الفرنسي الكسي دو توكفيل، الذي زار الولايات المتحدة الاميركية في مطلع القرن التاسع عشر، بعد ثلاثة قرون من اكتشاف القارة، فقد رأى: <<سوق تعرض فيها شتى انواع المعتقدات والممارسات والمنظمات الدينية على نحو يعكس نمو السكان وتنوعهم. واعتبر ان حاجة اميركا الى الدين، هي الوجه الآخر للحاجة الى غربلة النزعة القوية الى المادية والفردانية او تنقيتها. وعزا قوة الدين الى الفصل بينه وبين المؤسسات السياسية، فهو بخلاف اوروبا يحتل مكانة كبيرة في الحياة الاميركية لانه فاعل على الصعيد الاجتماعي. فالدولة تترك للمجتمع شأن الاهتمام بذاته مما يعزز ميلا عند الناس للانضمام الى هيئات معظمها كنسي (ص 53).


ونعلم ان الكسي دو توكفيل كان قد دهش لقوة الجمعيات في تنظيم حياة الاميركيين، فهم يؤسسون جمعيات لمعالجة وادارة كافة شؤونهم.


ومن المهم ان نلاحظ ان دو توكفيل قد تنبه الى الفارق الكبير بين دور الدين في الحياة والمجتمع الاوروبيين، وبين الولايات المتحدة الاميركية. واذا كانت زيارته قد جاءت بعد الثورتين الاميركية والفرنسية. فإن اجتياح العلمنة وأفكار فصل الدين عن الدولة التي نشرتها الثورة الفرنسية في اوروبا، لم تكن ذات تأثير في المجتمع الاميركي الشمالي حيث الدين شأن اجتماعي وليس سياسي.


لا يقارب طارق متري مقارنات من هذا القبيل بين اميركا واوروبا، بل يعكف على قراءة التدين الاميركي باعتباره ظاهرة يدرسها على الاجتماع الذين يرون ان كثرة العرض <<الديني>> في بلد متعدد، تشجع الطلب في بلد تسوده الفردانية والمادية، ويبدي تطلبا الى المعاني الروحية. إن كتاب طارق متري، حسب علمي، هو اكمل دراسة اكاديمية مستندة الى خبرة شخصية عميقة بالشأن الديني.


الحماية الالهية


يبدأ الكتاب من رصد المشهد الديني في الولايات المتحدة الاميركية في اللحظة الراهنة، حيث يتبين ان نسبة 90 بالمئة تؤمن بالله و40 بالمئة ترتاد الكنائس اسبوعيا، انها نسبة عالية بكل المقاييس، بل ان ما يثير الانتباه رأي 58 بالمئة يقولون بأن الولايات المتحدة الاميركية تتمتع بحماية إلهية خاصة.


هذه الارقام العائدة الى عام 2002، ربما سببت الصدمة لمن يعتقدون بأن اميركا مجتمع <<علماني>> بعيد عن الدين. ولكي يوضح لنا طارق متري هذا الامر يحدثنا عما يعرف باسم <<الدين المدني>>. يقول: <<ان الدين المدني هو دين عام يرتبط ظهوره بالحياة السياسية وهو مواز للدين المنظم من غير ان يكون بديلا عنه. وهو مزيج خاص بين المثل المسيحية والقيم الإنسانية العلمانية تكشف عن لغة الاميركيين عند الحديث عن الشؤون العامة وايحاءات المشتغلين بالسياسة>> (ص 27).


وإذا كانت المسيحية مصدر الرموز والاشارات والمفردات غير ان الدين المدني ليس مسيحياً. وإذا كان الرؤساء الاميركيون يذكرون الله، الا انهم لا يذكرون المسيح ابداً، وطالما ان الدين المدني توحيدي فهو إله النظام والقانون والحقوق لا إله الخلاص والمحبة. فهو دين اخلاقي واجتماعي وليس تأملياً او لاهوتياً او روحياً. فهو جديد واميركي. ويبقى شاغله الاول ان تكون اميركا منسجمة مع ارادة الله. (ص 3029).


وإذا كان التأريخ الكلاسيكي للدين في اميركا ينطلق من كون البروتستانتية المنقسمة الى مذاهب كثيرة تختصر بسبع عائلات رئيسية هي: المشيخيون الكنيسة، المتحدة تلامذة المسيح الاسقفيون. المشوديست اللوثريون المعمدانيون. وتنتمي اليها قاعدة راسخة من الطبقات الوسطى والعليا ذات النفوذ الاقتصادي والسياسي والثقافي (ص 3736)، الا ان اتباع هذه الكنائس ما فتئوا يتناقصون منذ الستينيات وحتى يومنا هذا امام صعود الانجيليين المحافظين الذين يشكلون تياراً اعتراضيا>>، يأخذ على الكنائس الرئيسية المذكورة تنازلاتها امام الحداثة وجنوحها الى الليبرالية والتفريط بثوابت الايمان المسيحي واخلاقياته. من هنا فإن تيار الانجيليين المحافظين يستعيد نموذجاً ماضياً ويستعير لغته. (ص 39).


ان ما يميز الانجيلي المحافظ مجموعة من العقائد، فهو يعتبر نفسه <<مولوداً من جديد>>، ويؤمن بإن الله خلق الكون وهو خاضع اليوم لحكمه، وان المسيح، عاش بلا خطيئة وان الخلاص الأبدي يتم بواسطة النعمة لا نتيجة الافعال وان الشيطان موجود. ويقول المؤلف: <<تستدعي الدقة في تحديد الانجيليين المحافظين تمييزاً بينهم وبين فئة اوسع واخرى اصغر حجماً. انهم <<مولودون من جديد>>. لكن ليس كل <<مولود جديد>> هو انجيلي، اما الاصوليون المسيحيون فهم كلهم انجيليون لكن ليس كل انجيلي اصوليا (ص 41). ومن المهم ان نشير هنا الى ان كلا من الرئيس كارتر والرئيس بوش الابن قد عرفا نفسيهما بأنهما <<مولودان من جديد>>


أما الاصوليون فإنهم فئة من الانجيليين المحافظين، غاضبة ونشطة، وهم الذين يعارضون بطريقة نضالية اللاهوت الليبرالي وبعض جوانب العلمانية في الثقافة المعاصرة.


وثمة صعوبة في تمييز التيارات حتى داخل الانجيليين المحافظين، فبعضهم لا يقبل القراءات الحرفية للكتاب المقدس، وخاصة تلك التي تقوم بها جماعات من الاصوليين مهجوسة بنهاية الازمنة كالحقباتيين او الألفيين ممن يبدون تعلقا قويا باسرائيل ودعما لاكثر قواها السياسية والدينية تطرفا (ص 42). وباختصار فإن الانجيليين ليسوا كتلة متجانسة، فهم تيارات وكنائس، الامر الذي يزيد من صعوبة التصنيف، علما بأن السمة العامة هي الافتراق عن التيارات البروتستانتية الليبرالية، والمشاركة بشكل فعال في الحياة العامة، بما في ذلك التدخل في شؤون السياسة.


تاريخ التدين


كل هذا في مجتمع يقوم على التعدد والتنوع. ففي الولايات المتحدة التي يصل تعداد سكانها الى 300 مليون نسمة، تقول بعض الاستطلاعات ان 140 مليون فقط هم اعضاء في جماعات دينية، بينهم 66 مليون بروتستانتي و62 مليون كاثوليكي و6 ملايين يهودي و4 ملايين من المورمن، بالاضافة الى المسيحيين الارثوذكس والمسلمين... وترفع بعض الاستطلاعات عدد البروتستانت الى 80 مليون منقسمون بالتساوي الى الخط الرئيسي من جهة، والانجيليين المحافظين من جهة اخرى.


ان جزءاً اساسياً من كتاب طارق متري، يغوص في تاريخ التدين في الولايات المتحدة الاميركية منذ الهجرات الاولى، ذلك ان فئات واسعة من المسيحيين، على اختلاف مذاهبهم واصولهم العرقية، اضفت على هجراتها معنى روحياً من خلال الرجوع الى القصص الديني والرموز الكتابية (ص 57) وقد برزت خلال هذا التاريخ نزعات طهرانية واصولية. واصطفاف بين تيار ليبرالي عريض، وتيار محافظ اقل انتشاراً. ومع ذلك فإن الصحوة الانجيلية الثالثة في منتصف القرن العشرين، بعد صحوتين واحدة في القرن الثامن عشر واخرى خلال الحرب الاهلية (18751861). فالاحداث التي عرفتها الولايات المتحدة منذ منتصف القرن العشرين، مثل معركة الحقوق المدنية وانتخاب الكاثوليكي جون كيندي وحرب فيتنام، وقائع ادخلت الخطاب الديني في مسائل ذات طابع سياسي. وفي انتخابات 1980، دخلت هيئات مسيحية محافظة حلبة الصراع وحذرت من الكارثة التي ستنزل باميركا بسبب ابتعادها عن المسيحية، وخذل الانجيليون المحافظون الرئيس كارتر (المولود من جديد) واعطوا اصواتهم لرونالد ريغان. وفي عام 1987 اعلن احد اكبر الوعاظ المحافظين بات روبرتسون ترشيحه للانتخابات الرئاسية، ثم انسحب لصالح بوش الابن، الامر الذي ادخل المحافظين كطرف فاعل في الحزب الجمهوري.


ان التيار الانجيلي المحافظ ما انفك يتنامى منذ أواسط القرن العشرين اذا، الا ان احداث 11 ايلول عام 2001 احضرت الخطاب الديني المحافظ في الحياة العامة واعطت فرصة اضافية لهذا التيار ليسمع صوته ويتدخل في شؤون السياسة، وتصوير اميركا بصورة الضحية. الامر الذي ادى الى اضعاف صوت المسيحيين الليبراليين الذين كانوا يركزون على السياسة غير المنصفة لاميركا.


والمشكلة هي ان صعود المحافظين الجدد وخصوصا بعد 11 ايلول يمس قضايانا، اولا لأن هؤلاء مؤيدون بطريقة اكثر حرارة لاسرائيل من سائر الاميركيين. (علما بأن اسرائيل واليهود الاميركيين كانوا اقرب الى الحزب الديموقراطي والتيارات الليبرالية تاريخيا قبل التحول خلال العشرين سنة الاخيرة الى التيارات المحافظة في الحزب الجمهوري).


وثانيا لان الحرب على الارهاب بعد 11 ايلول، قد اتخذت بعداً دينياً وحدت ببعض القسس المحافظين الى التطاول على الاسلام.


ولن نغوص في التفاصيل التي يعرفها القراء، والتي شهدتها السنوات الثلاث الاخيرة، يكفي القول بأن المواقف السلبية تجاه المسلمين قد ازدادت بعد 11 ايلول، وخصوصا لدى الانجيليين المحافظين، ويقدم طارق متري تحليلاً مميزاً للخطابات الاميركية بعد 11 ايلول تظهر الى هذا الحد او ذاك، تلون مواقف الادارة الاميركية بلون العاطفة الدينية من عبارة <<محور الشر>> الى <<الحرب العادلة>> وقد قاد كل ذلك الى نقاش داخل اميركا نفسها، والى بروز اصوات مسيحية ليبرالية، تعارض الحرب على العراق وتدعو الى عدم استخدام العبارات والمبررات الدينية لتسويغ الحرب، علماً بإن هذه الاصوات تحظى بشعبية اقل من شعبية مواقف الانجيليين المحافظين.


ومن المهم ما كتبه المؤلف في الفصل الرابع حول علاقة الانجيليين المحافظين باسرائيل واليهود، التي تطورت خلال العقدين الاخيرين، دون ان تنفي على حذر اليهود من المحافظين.


ومن المفيد ان نقرأ ما يكتبه متري عن العلاقة المعقدة بين المحافظين الانجيليين واليهود، وإذ اتسمت بالتعاطف والتحالف، وان اتسمت بالتفسيرات التوراتية، إلا ان بعض هؤلاء بدأوا يرون تحيزا متزايدا من جانب الادارة الاميركية لصالح اسرائيل، مما حدا بشخصيات انجيلية الى رفع رسالة الى الرئيس بوش تموز 2002 تشجب سرقة الأراضي الفلسطينية وتهديم المنازل الخ.


خلاصة الامر ان صعود الانجيليين المحافظين، وحضورهم السياسي الذي يوحي بعودة قوية لدور الدين في الحياة العامة، ليس صحيحا، وبشكل عام، فإن هذا الصعود خلال العقود الثلاثة الاخيرة قد ترافق مع انحسار الايمان بحرفية الكتاب المقدس. والمجتمع الاميركي يجنح نحو العلمنة والتخلي عن القيم الدينية العارمة، حتى في اوساط الانجيليين. واظهرت دراسة ميدانية اجريت عام 2000 ان بين المراهقين الذين يعتبرون انفسهم مولودين من جديد، نسبة 65 بالمئة لا يعتقدون بوجود الشيطان و61 بالمئة لا يؤمنون بالروح القدس علما بأن هاتين العقيدتين هما اساس في <<مذهب المحافظين الانجيليين...>> ولعل في قول بريان ويلسون عالم الاجتماع ان الكنائس في الولايات المتحدة ظلت تتمتع بشعبية كبيرة لانها تخلت عن الكثير من دينها>>، الامر الذي ما زال مستمراً وملحوظا حتى داخل صفوف الانجيليين المحافظين الذين يضطرون تحت وطأة مشاركتهم في السياسة، الى اتخاذ مواقف اكثر براغماتية وتقديم تنازلات عقائدية.


وكتاب متري يدعونا الى فهم خصوصية الدين في اميركا، وخصوصاً في بلد ما زال يجمعه <<الدين المدني>> الذي يوحد بين الاميركيين على اختلاف عقائدهم. ومن اللافت للانتباه قوله، بإن ظاهرة المحافظين الانجيليين قد وصلت الى حدها الاقصى، فلا بد ان تشهد تراجعاً.

 

 
تعليق: محمود شريح - النهار 7 آذار 2004
عنوان التعليق: طارق متري باحثاً في "مدينة على جبل؟" حول الدين والسياسة في أميركا

الدكتور طارق متري في "مدينة على جبل؟ عن الدين والسياسة في اميركا" يميط عن الاصول التاريخية والادبية لمقولة حديثة يرى بعض اساطين الفكر السياسي الاميركي فيها ان اميركا "أمة مختارة" تسير الى مصيرها برعاية الله وحفظه; أما نحن فمن "أمّة محتارة" نرى أن مصير اميركا، ان لم تحتكم الى شرعة ولم تنتصر الى حق، الى التهلكة، على أقل تقدير.


يردّنا الدكتور متري، وهو باحث جليل وافد من ذُرى الفلسفة التي أدركنا سفوحها في اميركية بيروت الى أن هذه المقولة المتكرّرة في صيغ مختلفة ونبرات متفاوتة ترتكز الى استعادة لَهَج بها المهاجرون الاوروبيون الاوائل الى ساحل اميركا الشرقي فتراءى لهم اليقين بأنها "العالم الجديد" في معنى "أرض الميعاد" في العهد العتيق و"مدينة على جبل" في العهد الجديد، وهي المدينة التي لمع سرّها في عظة سيدنا الناصري المولود عندنا لا عندهم، والعظة الكبرى هذه في متى، تقدّس سرّه، [:5 14-15]: "أنتم نور العالم. لا تخفى مدينة موضوعة على جبل ولا يُوقد سراج ويُوضع تحت المكيال بل على المنارة فيضيء لجميع الذين في البيت"، بحسب الترجمة اليسوعية التي نقّح عبارتها ابرهيم اليازجي الذي قال فيه تلميذه خليل مطران يوم أسلم الروح: ربّ البيان وسيّد القلم   وفّيتَ قسطك للعلى فنمِ


فلا اعتراض لنا على ترجمته وإن كانت ترجمة الاميركان التي نقّحها والده ناصيف وآزره فيها بطرس البستاني الاكبر والشيخ يوسف الأسير أسلس، فأنا دائماً مع الترجمة اليسوعية، وهي في الاميركية: "أنتم نور العالم. لا يمكن أن تخفى مدينة موضوعة على جبل ولا يوقدون سراجاً ويضعونه تحت المكيال بل على المنارة فيضيء لجميع الذين في البيت"، ولله في خلقه شؤون، فالترجمة له وحده، ونحن منها نرتزق.


أميركا إذن تحسب نفسها "مدينة على جبل" من باب سوء القراءة، والاميركان، لله درّهم، على سوء قراءة النص قادرون، سوى قلّة منهم، فسيدنا الناصري في الموعظة على الجبل هذه يخاطب تلاميذه "أنتم ملح الارض"، "أنتم نور العالم"; فإن توهّم الرئيس بوش وحاشيته من المحافظين الجدد أنهم ملح الارض فإن فَسُدَ فبماذا إذن يملّح، فلنعلن في صوت عالٍ عن الحاجة الى حفّاري قبور كُثر بدوام 24/24 بين البصرة وغزّة، فالحلف الجهنمي المقدّس بين الدولة العبرية والامبراطورية الاميركية المستتر حيناً والظاهر أحياناً بانت نواجذه في مشروع الشرق الاوسط الاكبر شرق السويس وغربه عبر حبر على ورق أشبه بأضغاث أحلام ليلة صيف وهذه المرة ناحية شطّ العرب حيث رمال متحركة تخفي مقولة ظلاميي المحافظة الجديدة، فلا غالب الاّ الله ولا أكبر غيره.


يتعقب الدكتور متري مسرى التديّن المصاحب للتسيّس في اميركا، فيشير الى أن ما حدا به الى اختيار الصورة الانجيلية عنواناً لكتابه، أنها وردت في خطاب الرئيس ريغان، وفي سياق آخر، هو ما يعنيه في صورة خاصة، فريغان تزامن عهده مع صعود التيارات الانجيلية المحافظة. في خطابه الرئاسي الوداعي عام 1989 تحدث رئيس أقوى ترسانة عسكرية في باب التبّانة ودرب المجرة وضاحيتهما الشمالية في المريخ عن "مدينة مضيئة على جبل، باركها الله، وكانت منيعة وفخورة"، فيا ما شاء الله ولا حول الاّ به، ولكن ما تفسير وارثه الابن لنهب متاحف بغداد في اول اضاءة لمشعل الحرية في العربة وما بين النهرين، أم ان السراج كان تحت المكيال، والباري يكيل لهم كيلاً، ويبدو عظيماً.


يرصد المؤلف في خمسة فصول [ص 24-173] ظاهرة نشأة اللغة الدينية في الخطاب السياسي الاميركي، لكنه يميّز بين الهوية الانجيلية الحقّة ودعوة المحافظين الجدد الفظّة، فهؤلاء المعتدّون بأنفسهم أعلنوا في وضوح عن نصرتهم للدولة العبرية وأوغلوا في تفسيرهم أحداث الحادي عشر الأشهر، فجرّدوا حملة انكلو-اميركية مسعورة على العرب أجمعين، وغاب عنهم ما قاله سيدنا في متى ايضاً "وأما العلم فسيبطل"، فلا عجب إن رأت كنائس الخطّ الرئيسي أنها حملة غير عادلة، لا بل مُجحفة.


كتاب الدكتور متري ثمرة تمضيته سنة استاذاً زائراً في جامعة هارفرد، العام المنصرم، وهناك شارك في ندوات ذات صلة، وقبل ذهابه الى هارفرد أوصاه غسان تويني، وكان سبقه الى هارفرد بثمانية وخمسين عاماً، الاّ يعود منها بمسودة لهذا الكتاب، فكان له ما أوصى.


ولا غرابة أن تكون مقدمة الكتاب حبّرها الاستاذ غسان تويني [ص7-9] فأشار فيها في اختصار وفائدة الى أن فهم من يجري اليوم في العالم، وفي نوع خاص في المشرق عندنا، يتطلّب من المرء "أن يعمّق معرفته بنظرة اميركا الى [الدين والدنيا] [ص7]، أي "منطلق استراتيجيتها السياسية وبالتالي تصرّفها العسكري الذي يطمح الى التفرّد بالتحكم في العالم" [ص7]. ولأن الدكتور متري ضليع باللاهوت [درّسه في البلمند، الجامعة] وناهل فلسفة [من مصادر أوروبية واميركية] ومحاور ثقافي [في "مجلس الكنائس العالمي"]، ومؤهل أصلاً لذلك كله بحكم نشأة في طرابلس في رحاب الارثوذكسية تحت قبّة الرسالة المحمدية، لجأت اليه "دار النهار" لصوغ مبحث في دين أميركا وسياستها في أعقاب سنة هارفرد غير البعيدة عن نيويورك حيث كان الحادي عشر الأشهر.


وبعد أن يسرد الاستاذ تويني قصة "الجذور [العقائدية] المسيحية لتأسيس اميركا ونظامها، متّجهة في معارج تحليل معمّق لمراحل الصحوة الدينية في اميركا، مدرسة بعد مدرسة، من غير التقيّد حكماً بالتسلسل الزمني" [ص8]، يلحّ على أن "دار النهار" تفتخر بنشر هذا الكتاب لثقتها بأنه، "على تواضع اطلالة صاحبه، سيكون الباب الفسيح لولوج المعرفة الحقّة التي تجمع، صافية هادئة، الى العقلانية الفلسفية، تعمّقاً في التحليل الواقعي للتاريخ يندر أن تجاريه منهجية علمية أخرى" [ص8-9]. في "الخاتمة" [ص177-183] يعترف الدكتور متري، وهو حالياً المشرف على الحوار الديني وعن العلاقات بين المسيحية والاسلام، ومحاضر في جامعة البلمند وجامعتي جنيف وأمستردام، بأن حسبه من صفحات مؤلفه أن تكون دعوة الى النظر الى المسيحية في اميركا بعينين اثنتين لا بعين واحدة. مجتمع الدين المدني والمولودين من جديد

 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟   
الاسم:
عنوان التعليق:
نص التعليق:
 

آداب و لغة
فلسفة
ديانة مسيحية
الإسلام و أديان العالم
علم النفس و التربية
علوم اجتماعية
تاريخ و جغرافيا
سياية و اقتصاد
علوم طبيعية و طبية
فنون
قانون
مراجع عامة
 
عن المكتبة | كتب | أفلام | تراتيل | الصفحة الرئيسية
SWS المكتبة الروحية 2005 - جميع الحقوق محفوظة - صمم هذا الموقع بواسطة شركة
Powered by O2 TECHNOLOGY