بحث سريع 

 

New Page 1
عنوان الكتاب:
ما الثورة الدينية؟ الحضارات التقليدية في مواجهة الحداثة
المؤلف:
داريوش شايغان
المترجم:
محمد الرحموني
الموضوع:
فلسفة/فلسفة عامة:تاريخ ومشكلات
الناشر:
بيروت - الساقي
عام النشر : 2004 الطبعة: 1
القياس:
24X17 سم
عدد الصفحات: 317
السلسلة:
رمز التصنيف:
فل ع  86
   

أراء القراء   
تعليق: أحمد زين الدين – السفير 5/11/2004
عنوان التعليق: داريوش شايغان وثنائية الشرق والغرب: نهاية التوفيق وجبرية الالتحاق

بلهجة نيتشوية النبرة يعلن المفكر الايراني المتفرنس داريوش شايغان، افلاس الفكر الديني الإسلامي، واخفاقه في القبض على اعنة العصر. ويرى تاليا وجوب خروجه من السباق غير المتكافئ مع حقائق وأواليات الفكر الحديث الديناميكية المتواشجة، رغما عنه في نسيج أفكاره ومقولاته ومفاهيمه. فالمسلمون ينظرون الى العالم ويتعقلون الوجود والحياة من خلال انماط حداثوية طاغية، تصهر كل شيء من حولها في قوالبها وأشكالها. لا مندوحة في رأيه، إزاء هذا الاختلال الفكري والتقني بين الإثنين، من ان تذعن المجتمعات الإسلامية على وجه خاص، والتي يشكل الدين سداتها ولحمتها الشعورية والانفعالية والذهنية، الى صوت العقل الحديث، فتنضوي الى منطقه ومنظوره. وتنأى بنفسها عن أية محاولة توفيقية او تصالحية بينها وبين العصر لاسترداد مكانتها في التاريخ لأن مؤداها المحال والعبث.


في كتابه المترجم حديثا عن <<دار الساقي>>: <<ما الثورة الدينية>>، يعاود شايغان التشبث بمقولته المبنية على ضرورة التحاق الحضارات التقليدية العالمثالثية بزمن الحضارة الغربية الحديثة، حتى تخرج من عنق الزجاجة التي وضعت نفسها فيها.


ولا مناص لهذه الحضارات الدينية التي بقيت خارج إطار تاريخ الغرب، من ان تخضع لقوانين الفكر الغربي ومسلماته واشتراطاته. وان تنفض يديها من كل ما علق بها من موروثاتها التي كدستها بمرور الأزمنة. وان تتحرر من وهم ما انتجته في الأزمنة الحديثة، في سعيها اللامجدي الى التماهي مع العصر، عبر التداخل والتشابك بين مستويات ثقافية متنافرة. ومحاولتها خلق مطابقات وتماثلات زائفة، وتوازنات ومعادلات مغلوطة، مثل مساواة الشورى بالديموقراطية، والصلاة بالرياضة البدنية، والوضوء بالوقاية الصحية.


أما الاتجاه الذي يدلنا عليه شايغان لبلوغ عتبة الدول الراقية، فيتقاطع بطريقة عجيبة مع الدعوة <<الشرق أوسطية>> التي ظهرت بعد ظهور الكتاب بطبعته الفرنسية بأكثر من ثلاثة عشر عاما. أي بسلوك مسار التصويب التربوي والتعليمي، وتعديل المناهج والكتب، وتبديل طرائق التعليم والتفكير في كافة الدول الإسلامية والشرقية.


ويتقاطع كلام شايغان أيضا، مع منطق العديد من المثقفين العرب والمسلمين المتنورين والنهضويين الذين سعوا منذ بداية القرن العشرين حتى اليوم، الى حلول ناجعة لمأزق الفكر التقليدي وعثراته وقصوره عن مواكبة العصر، أثمرت أحيانا مراجعة عميقة لإعادة تجديد المعاني والقيم الإسلامية، في ضوء استراتيجية الدولة الحديثة، وأخفقت أخرى.


وإزاء ما حملته اشكالية الحداثة من آليات فكرية ومفاهيم ومنظورات جديدة للكون والتاريخ، ومن استحداث تيارات وصور أدبية وفنية. وقف المفكرون العرب والمسلمون وقفات متفاوتة ومتعارضة من هذه الفتوحات العقلية. بيد انهم اجمعوا على ان مسيرة التاريخ آيلة الى اتساع وشمولية، والى تبدلات وتحولات على كل الصعد. وهي لا محالة ستطاول كل الأطر والمعايير والقوانين والمنظمومات العقلية. وباتت الحداثة في هذه المجتمعات الإسلامية أمرا مفروغا منه، ولا رجوع عنه. لكنها حداثة لا تملك لسانا، حسب عبارة اوليفييه روا في <<عولمة الإسلام>>.


المعضلة لم تعد في هذه الآونة الاقرار بهذه الحداثة باللسان او القلب، او الاعتراف العلني او الضمني بها. المعضلة في اكتشاف الوسيلة والطريق الأكثر نجاعة الى انتاج حداثة كونية مشتركة إنسانية الطابع، ومتعددة الأطياف، تراعي الخصوصيات الحضارية لكل المساهمين والمتعاونين في بنائها ومسارها. بدل فرض هذه الحداثة القهرية التطويعية التي يدعو إليها شايغان، والمعبر عنها اليوم بالعولمة المفترسة اللامحدودة القدرة.


في ضوء ما تقدم عن حتمية المسار التحديثي، يصبو شايغان الى فصم سياق الحضارتين التقليديتين اللتين تمثلان الحضارة الإسلامية والحضارة الهندية، عن السياق الحديث للفكر الغربي. وتجري عملية القطع هذه عبر تفكيك المماثلات المتسرعة والمطابقات الزائفة والتلفيقات المشبوهة التي تتسارع وتيرتها في مجتمعاتنا، مع تسارع وتيرة الحداثة. ومحصلة هذه المطابقات هيمنة فكر أيديولوجي ديني، بكل ما في البنية الايديولوجية من عيوب <<مثلنة>>


الجماعة التي تعتنقها، و<<أبلسة>> خصومها. ومن وعي زائف، لا يقبل النقد او التمحيص. ويضرب شايغان مثلا نموذجيا، بفكر علي شريعتي بوصفه الترجمان الصادق لهذه الايديولوجية الدينية.


الحاق


وعملية الفصل بين هذين السياقين او البنيتين الثقافيتين المختلفتين ضرورة في رأي شايغان، لأنهما ينتميان الى رؤيتين مختلفتين، والى طريقتين في حضور العالم. بيد ان فصل هذين السياقين بعضهما عن بعض، لا يفضي كما ينشد شايغان الى استقلالية كل سياق عن الآخر، في عملية تدجينية يقوم النظام التعليمي المرتجى ببلورتها. بل لن تتمثل على أرض الواقع استقلالية شايغان المزعومة، إنما ارجحية سياق على آخر، وتحديدا ستفضي الى هيمنة السياق الغربي على السياق الشرقي، والى عملية ملغومة تتمثل خطورتها في الحاق تاريخنا، الذي لا نتوهم انه في أفضل حالاته، بل هو منخور بكثير من الثقوب والعيوب، وعوارض الجمود والانكماش. الحاقه بتاريخ الغرب عبر علاقة السيطرة والاستتباع. واستدماجه على صورة غير متكافئة في مسيرة تاريخ معولم، تؤدي في هذه الحال الى تهميش مجتمعاتنا وتفتيتها، والى خضوعها ودونيتها. وتغدو الفعالية التي ينشدها داريوش لخروجنا من مأزقنا انفعالية وقصورا واستلحاقا وخنوعا. في حين ان هكذا حداثة قهرية مفروضة، تُشعر أبناء الحضارات التقليدية الملحقة، بفقدان التواصل والارتياب من الآخر. وعدم الاحساس بالتآلف او بالشراكة، في صنع عالم لا يشعرون بالانتماء اليه حقيقة. خصوصا إذا كانت هذه الحداثة حصيلة تطور فكري يرونه مصاغا بمفردات وعناصر معرفية متراكمة من الثقافة اليهودية المسيحية الجذور. وهو أمر نبّه اليه الباحث الفرنسي في الحركات الإسلامية فرنسوا بيرغات من قبل، وعلل به هذه الريبية التي تساور المسلمين تجاه الحداثة الغربية، التي يرون فيها مصدرا من مصادر الهيمنة والاستلاب.


والتشبث بالخصوصية الدينية ظاهرة مشهودة عند كثير من الشعوب، تتجاوز علائقها العائلية والقبلية والوطنية، لتشكل منظومة توحيد شكلي ورمزي وتبادل عاطفي وروحي. لذا نرى المهاجرين المسلمين الى الغرب، في ضوء محاولة اندماجهم في المجتمع الجديد الذي يعيشون فيه، ما يفتأون يعيدون تكوين هويتهم حول نواة أساسية هي الهوية الدينية. بل يتعايشون فيما بينهم على شكل كتل سكانية وأحياء مستقلة عن الآخرين المختلفين. ينكفئون على معاييرهم الأخلاقية الدينية الموروثة، ونظام قيمهم الاجتماعية. وان كان من خلاف بين طرائق عيشهم الجديد، عما كان عليه في بلادهم الأصلية، فإنهم لا يلبثون ان يضفوا عليه دلالات دينية، ويعيدون استدماجه في السيستام الإسلامي.


ان داريوش المنبهر بانجازات الغرب وتفوق حضارته، لا يولي العناصر السياسية التاريخية في تكوين هذه الحضارة أية عناية تذكر. في حين كانت رافعة الغرب الأساسية هي هذه الحركة السياسية الاقتصادية التي قامت، في بداية الأمر، على التوسعات الاستعمارية والفتوحات العسكرية، ونهب ثروات افريقيا والعالم الثالث. والتي سوغتها على المستوى النظري وبحوافز دينية أحيانا (الحروب الصليبية) وبالنظرة الدونية الى الآخر في كثير من الأحيان (الانتروبولجية العرقية والبدائية) من أجل تحضيره وتمدينه. والتي تجلت في نهاية المطاف بتشكيل النظرة الاستقطابية الاستعلائية المركزية، التي انتجت العديد من المقولات والمناهج الانتروبولوجية والاجتماعية المنحازة الى الفكر الغربي المركزي بوصفه البؤرة، او الحقل المغناطيسي الذي تدور حوله الكوكبات الثقافية والحضارية الأخرى مع اقرارنا بقدرة هذه المناهج، في بعض الأحيان، على استيلاد الفكر النقيض من داخلها.


انفصال


من يقرأ داريوش شايغان في كتابه <<ما الثورة الدينية>> يدهش لهذه الانزياحات الواسعة والحادة التي يرسمها لعالمين، او بنيتين فكريتين متنابذتين. تحول فجوة عميقة دون لقائهما او تواصلهما. وهذه الفجوة عقلية وانطولوجية. فهي لا تفصل بين مجتمعين يعيشان ظرفين تاريخيين او سياسيين مختلفين، بل ما يفصل بينهما نظرتان متباينتان حول الوجود والكون والحياة والنفس.


نجمت هذه النظرة الثنائية لداريوش عن تصور ميتافيزيقي مانوي الى العالم. وهذه النظرة مطابقة لأدبيات الاستشراق الغربي التقليدي الذي يفصل بين ماهيتين عقليتين مطلقتين، احداهما شرقية، والأخرى غربية. وداريوش يستعيد هذا التصنيف الكلاسيكي التبسيطي ليتحدث عن انسانين احدهما صانع هو الغربي، والآخر ديني ساحر شاماني هو الشرقي. الشرق شرق والغرب غرب ولا يلتقيان. احدهما يعيش في فضاء عاطفي يجد ملاذه في الدين، والآخر براغماتي يفتش عن مصلحته، وينحو الى البحث عن الربح. وفي حين ان الشرقي يسعى في حياته الى الخلاص الأخروي، يلتمس الثاني قصب السبق في الحياة والنجاح في العمل. وبايجاز الأول حالة انفعالية، والثاني حالة مخية.


في هذا المقام لا امكانية البتة لمصالحة بين عالمين متناقضين انطولوجيا. الأول يقوم وجوده على الفيض الافلاطوني او التجلي العرفاني ودرجات الوجود التراتبية والتكرار الزمني، وانعكاس الموجودات على بعضها البعض. والوجود الآخر يقوم على مفاهيم تطورية وامتداد هندسي متجانس لا نهائي الأبعاد، وعلى شبكة قوانين رياضية مجردة، وزمن آحادي الاتجاه.


ان داريوش الموله بالغرب حتى بتياراته العدمية، مفتون أيضا بالتجربة الروحية للفكر العرفاني الايراني عبر مؤلفات السهروردي وجلال الدين الرومي وغزليات حافظ الشيرازي. وبتأويلات الفكر الهندي هندسته الميتافيزيقية الكبرى. وهو يصف لوحة مؤثرة لنتاج هؤلاء العرفانيين الفلسفية، وتجليات الفن الفارسي القديم ومنمنماته. محللا ذلك بأسلوب رقيق ولغة شديدة الصفاء والشفافية. ولو قورنت بما كتبه محمد عابد الجابري عن العرفانية. لبدت عرفانية الجابري غارقة في لا عقلانيتها وظلاميتها. في حين ان عرفانية شايغان الذي يعيش في مدار أستاذه هنري كوربان وتأويلاته الباطنية أكثر ثراء واشعاعا وجاذبية. ويعجب القارئ كيف ان هذه التجربة الدينية تتلاشى حينما يلتحق شايغان بقطار العصر الحداثي. والأمر ناجم لامن رفض شايغان للتجربة الدينية بالمطلق. وإنما بعزلتها في حيز التجربة الشخصية الشعورية والفنية. أما حينما تحتل الحقل العام وتكتسي جسدا سياسيا، يحتج شايغان عليها، لأن استثمارها في العملية السياسية يقولبها في كل اشكال الفاشية المتعصبة المهتاجة. بل لا يتوانى عقب الثورة الدينية في ايران من هنا عنوان الكتاب وهو يرى انبثاق الدولة من رحم الدين، عن رجم القادة والجماهير بأقذع النعوت القدحية والتبخيسية. والتي يعاود اطلاقها في كتابه الآخر <<النفس المبتورة>>.


في حصره التجربة الدينية في الحيز الشخصي، ونبذها من الحياة العامة، كما درجت العادة في الحضارة الغربية العلمانية، يكتشف شايغان ان هذه التجربة العرفانية الدينية، تشكل بالنسبة للآخر أي الغرب، المتمثل هذه المرة، بتجربة أستاذه هنري كوربان <<باطنية الغرب>>. في هذا الفضاء العرفاني يلتقي غرب كوربان باحثا عن <<شرقه>>. متوجا رحلته الفكرية والوجدانية بهذا الغوص العميق في المتون الفارسية الاشراقية.


يجعل شايغان إذن الشرق الديني باطن العالم، والغرب المادي ظاهره. وبذلك يستعيد شايغان الازدواجية التي حاول طردها. فتعيش حينئذ الذات الإنسانية مستويين منفصلين. مستوى الروح كذات متأملة في العالم، ومستوى المادة كذات عاملة ومنتجة.

 

 
تعليق: حاكم مردان – النهار 11/11/2004
عنوان التعليق: إنتهى تاريخياً زمن الدين باعتباره نظاماً سياسياً

يدور كتاب المفكّر الايراني داريوش شايغان حول المسافة (الفجوة) التي لم يُحسن الانسان التأمل فيها بعد ولا سبر جغرافيتها النفسية ولا توصّل الى القطع المعرفي الذي يفضي عادة الى إراحة المتأمل بالخلوص الى نتيجة ترضي فضوله، وهو بين نقيضين ادّعيا على مرّ العصور أن القطيعة الحاصلة بينهما تعود الى أصول تاريخية كان فيها انسانان، أحدهما اتخذ العقل وحده وسيلة لتفسير ظواهر الحياة، ثم الكون، وأدت بحسب المؤلف الى العدمية، وآخر اتخذ الروح سلوكاً أوحد فيه كل شيء، ما خلا الله، باطل، وأفضت بحسب ما نراه في أيامنا هذه الى اصولية باهتة.


هذه الفجوة التي يعيش العالم بل يكابد نتائجها التي تطال الانسانين، العدمي – وإن اختلفنا مع الكاتب حول أسس فلسفية لم تتوصل عملياً الى تحديد أبعادها ومفاعلاتها على صعيد المجتمعات الغربية – والآخر الذي اتخذ الروح (الايمان) مطيّة سيدخل على ظهرها الجنّة. الفجوة: “لا نحس فيها لا بحماسة جلال الدين الرومي الصوفية ولا بالشعور القلق بالعبثية الذي يثيره نقد كافكا اللاذع”. يقف المؤلف على مسافة واضحة من التهكم على عملية تلاقح بين عالمين يمتد الخلاف بينهما الى أصول هي من العمق ما يجعل محاولة التوليف بينهما تتخذ طابعاً ساخراً: “فإن ما يعتبر في الغرب هندسة معمارية وظيفية يصبح عندنا مساحات واحجاماً  كابوسية، أي هندسة بتر ودولارية”، فالسياقات التي يوليها شايغان اهتماماً استهلك النصف الاول من كتابه لا يمكن أن تنتج، في حال إغفال البدايات وأصول النشأة، الا مسوخاً سواء في ميدان الفكر او في ميدان الذوق والاحكام الجمالية، والخلط الحاصل في هذه السياقات ما هو الا “نقطة التقاء نفايات العالمين”.


يكرّس كتاب شايغان مفهوم الاختلاف، وإن فلسفياً، بين الشرق والغرب ويناقش في استفاضة المحاولات الجارية لتحديث البنى الشرقية للحاق بما توصّل اليه الغرب من تقدّم تقني وفكري، لكن الامر، بالنسبة الى المؤلف على الاقل، ليس بالبساطة التي يطرحها منظّرو التحديث عندنا والتي بدأت بدعوات ساذجة وإن انطوت على نوايا حسنة، بأن نأخذ من الغرب ما يلائم حياتنا، والمقصود بذلك كما لا يخفى على ذوي الالباب الحفاظ على منظومتنا الماورائية وأن تتحوّل التكنولوجيا (المستوردة بلا ريب!) الى احدى المعجزات التي وضعها الخالق في أذهان المخترعين الذين لا يعدون كونهم احدى أدواته في إظهار قدرته، وكل ما عدا ذلك، أي الدعوات الى قراءة مسار التاريخ والسياق الذي أحدث هذه القفزة في الغرب، كان ولا يزال متهماً بالتغرّب او إنكار تراث الآباء والاجداد، واخيراً بالكفر والهرطقة. هكذا ظلّت المحاولة ونقيضها يصبّان في نتائج معاكسة لما كان يرجى منهما، وهذا عائد بحسب شايغان الى كوننا كنا نبحث عنها (أسباب التفاوت بين الشرق والغرب) في الوقائع الخارجية عوض البحث عنها داخل بنانا الذهنية.


لكن ما يهمنا من أمر الكتاب هو النقد الذي أفرده المؤلف ل”بنانا الذهنية” وطريقة عملها ورؤيتها للعالم، حيث يندمج الخاص في العام ويتم احالة الامور الخلافية على كليشيهات مسبقة ومتفق عليها تمثل ذاكرتنا الجماعية، اذ أن “أي إحالة على (الأنا) هي علامة بذاءة، وهذا حتى لا نقول علامة غرور”. وعليه، يكثر في أحاديثنا وجدالنا الاستشهاد بمقولات أعدّت سلفاً وابيات شعر تليق بالحادثة او حكمة جرت على لسان هذا او ذاك ممن تزخر بهم كتب التراث. ويصل المؤلف الى مقارنة هي مفارقة حقاً بين الغربي (الشخص او طريقة التفكير) والشرقي في السياق نفسه: “فالغربي مثقف وليس حكيماً”، والمثقف هو من يتقبل الاسئلة. والعالم بالنسبة اليه لا يزال لغزاً يتقبّل البحث والتشكيك، أي أن لا شيء في تفكيره نهائياً، وغير قابل للجدال ومن ثم للدحض. وحالة اللا يقين في التفكير الغربي، أي عدم الركون الى تفسير نهائي للكون ولظواهر الحياة، كلها جعلته مخلوقاً قابلاً للتطور، بل هو في تطوّر دائم، وهو منفتح بحكم بحثه وعدم يقينيته في اتجاه كل شيء يعزّز شكّه، وهنا يسهّل الكاتب مهمة القارئ عندما يفكّر هذا الاخير في نقيض ذاك المخلوق (الغربي) حالما ينظر الى نفسه ويدرك الطريقة التي بها يفكّر: البحث عما يقوّي الايمان! ويقتدي رأساً بالحديث النبوي. “دعْ ما يريبك الى ما لا يريبك”، عندئذ يكون من السهولة بمكان ترجمة السياقات التاريخية التي أوصلت الغرب الى ما هو عليه دينياً، وبيقين من لا يأتيه الشك عن يمينه او يساره، لذا دأب رجال الدين والسياسيون في الشرق (الاسلامي خاصة)، وهذه المرة لم تكن النوايا حسنة على الاطلاق، في علمنة الموروث الديني لتديين (جعلها من صُلب الدين)المصطلحات العلمانية، فكلما جرى الحديث عن الديموقراطية سارع هؤلاء الى وضعها هكذا في سياق الدين، وظهرت الى الوجود كتب ومناقشات وندوات في كل وسائل الاعلام تثبت ان الاسلام في محتواه ديموقراطي، فينشأ عن هذا الزواج القسري مخلوق مسخ لا هو بالمسلم ولا هو بالديموقراطي: “الذي يمثل نقطة التقاء المعنيين وانحطاطهما، أي بعبارة أخرى تشابكاً أخرق بين كاريكاتورين”.


وللباحثين في شأن تطوّر المجتمعات يورد المؤلف آلية معقدة تثبت انفصال التجارب المجتمعية بعضها عن البعض الآخر، وإن أفادت في هذا المكان او ذاك وتلاقحت الا أنها لا تخصب الا في ما نُدر وعلى نحو أبعد ما يكون عن النفع لكونه قاعدة او رؤية يتمخض عنها تطوّر ما، والامر أشد غموضاً مما أورده أوسفالد شپنغلر متسائلاً: “مَن منا تراه يعلم بوجود ارتباط شكلي عميق بين الحساب التفاضلي ومبدأ السلالات الملكية في عصر لوي الرابع عشر، بين شكل المدينة القديمة والهندسة الإقليدية، بين المنظور الفضائي للرسم الزيتي في الغرب وغزو المكان بواسطة السكك الحديد والهاتف والاسلحة النارية، بين الموسيقى الآلية الطباقية والنظام الاقتصادي للقروض؟”.


ولعل لغتنا التي نترجم اليها مصطلحات الغرب (الفكرية والتقنية)، الفارسية بالنسبة الى المؤلف والعربية بالنسبة الينا، تشكّل معضلة اخرى في سياق القطيعة الحاصلة في بنيتين وطريقتي تفكير، غربية وشرقية: “إن الكلمات الاكثر استعصاء على الترجمة في لغة ما، هي بالتحديد تلك التي تكتسي أهمية اكثر من غيرها لأنها تشكل طريقة في الاحساس والرؤية ملازمة لروح هذه اللغة”. ويورد المؤلف مثالاً مفردتي الذات Sujet والموضوع Objet، لما لهما من أهمية في تاريخ الفلسفة، اذ مهما جهد المترجم لن يجد لهما معنى مرادفاً في الفارسية او العربية على حد سواء مما وسّع من حجم الفجوة الحاصلة، وبالتالي صعّب من أمور التحديث في الشرق لإدراك البنى النفسية التي أفرزت هذين المفهومين ووضعهما في السياق الاصيل الذي أوجدهما.


“تاريخياً، انتهى زمن الدين باعتباره نظاماً سياسياً”، يقول المؤلف في الصفحات الاخيرة من كتابه، خالصاً الى شبه نتيجة مقنعة أن الطريقة التي تملي علينا تفكيرنا وتريحنا من همّ البحث لم تبق نافعة. فالايديولوجيا الشمولية – والدين آخر ما بقي منها – ليست بالوسيلة الناجحة لفهم الحياة وتطوّرها فالامر أكثر تعقيداً مما يظن، ولا بأس أن يحفظ الانسان ذاكرة طيبة عما ورثه من أخلاقيات ومفاهيم، بيد أن وضعها تحت مجهر التطوّر سيعطي صورة مشوّهة عن الماضي والحاضر معاً ولن يستدلّ الباحث فيه عن شيء على الاطلاق.

 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟   
الاسم:
عنوان التعليق:
نص التعليق:
 

آداب و لغة
فلسفة
ديانة مسيحية
الإسلام و أديان العالم
علم النفس و التربية
علوم اجتماعية
تاريخ و جغرافيا
سياية و اقتصاد
علوم طبيعية و طبية
فنون
قانون
مراجع عامة
 
عن المكتبة | كتب | أفلام | تراتيل | الصفحة الرئيسية
SWS المكتبة الروحية 2005 - جميع الحقوق محفوظة - صمم هذا الموقع بواسطة شركة
Powered by O2 TECHNOLOGY