بحث سريع 

 

New Page 1
عنوان الكتاب:
باب الحرية: انبثاق الوجود بالفعل
المؤلف:
ناصيف نصار
المترجم:
الموضوع:
فلسفة/فلسفة حديثة ومعاصرة/فكر عربي معاصر
الناشر:
بيروت - الطليعة
عام النشر : 2003 الطبعة: 1
القياس:
21x14 سم
عدد الصفحات: 348
السلسلة:
رمز التصنيف:
فل ح  341
   

أراء القراء   
تعليق: جميل قاسم – الحياة 23/9/2004
عنوان التعليق: ناصيف نصار يكمل مشروعه عبر الليبرالية الفاضلة

يطرق ناصيف نصار في كتابه الجديد "باب الحرية" مستكملاً في فلسفته السياسية, ما بدأه في كتابه "منطق السلطة". وإذا كان عصر النهضة الغربية قد أرسى فلسفة الحق على سلطة النقد باعتبارها السلطة والمرجعية والمعيار, فإن الكاتب يميز في فلسفة الأمر السلطة من التسلط. فالتسلط, في رأيه, هو انتحال للحق في الأمر, بينما السلطة القائمة على الحق والواجب تقوم على الاعتراف بين الحكام والمحكومين.


وحتى يستقيم منطق السلطة على الحق والواجب والأخلاق لا بد من أن يقترن بالمشاركة السياسية بين الفرد والجماعة, والدولة والمجتمع, بحرية - وفي - حرية, ومن هنا أهمية طرق باب الحرية, ومعالجة سؤال الحرية من الوجهة السياسية والانطولوجية. ولا يفصل المفكر نصار الحرية بمفهومها السياسي عن أصلها المفهومي العام, كما فعلت البراغماتية والنفعية INSTRUMENTALISM ابتداء بجون ستيوارت ميل وانتهاء بريتشارد رورتي, بل يقترن عنده سؤال الحرية بالأخلاق والواجب Imperative.


واذا كانت فلسفة الأمر في عصر النهضة قد فصلت السياسة عن الأخلاق, بسبب هيمنة الكنيسة في حينه على المجال العام, وسيادة الألوهة - المركزية, فقد عادت الفلسفة السياسية النقدية, حالياً, ووصلت السياسة بالأخلاق, على هامش الأزمة الوجودية والمصيرية التي يعانيها الانسان المعاصر في الحداثة الفظّة - الباهتة - القائمة على اللاطبعنة, واللاقدسنة واللاأنسنة.


كان سيسموندي قد دان - في العصر الليبيرالي - المركزة الاحتكارية لرأس المال, معتبراً "ان الاقتصاد السياسي يجب ألا يكون علم حساب وإنما علم أخلاق".


كما بين ماركس, في نقده للرأسمالية أساس النهب والسيطرة في رأس المال, الذي يقوم فيه استثمار الانسان للإنسان بواسطة العمل المأجور, على فائض قيمة العمل المنهوبة والمسلوبة.


وانتهى جون راولز - والاتجاه النقدي المعاصر, الى اناطة السياسة بالعدالة والحق والواجب.


يميز الدكتور نصار في كتابه "باب الحرية" بين فكرة الحرية ومبدأ الحرية, أو بين الحرية, بمعناها الماهوي, وارادة الحرية المتجسدة في السلوك والمؤسسات والسياقات التاريخية, في علاقة الخاص بالعام, المحلي بالكوني, في ظروف وأحوال سياسية تكرس فيها الهيمنة باسم الحق التدخل في شؤون الأمم والشعوب الأخرى, وباسم الدفاع عن شرعة حقوق الانسان, كما تختلط العبادة بالعبودية, والأصالة بالأصولية.


كما يميز نصار, من جهته بين الحرية والأمركة, فإذا كان سؤال الحرية سؤالاً كونياً فذلك يعني انه ليس سؤالاً أميركياً باختصاص, ولا بامتياز. وهو لا يرى في الأنموذج الأميركي أنموذجاً واجباً وموجباً, ينبغي اقتباسه او استلهامه وتطبيقه, لكن ذلك, ليس مدعاة لعدم التفكير في الحرية بحجة رفض الهيمنة الأميركية, والعولمة, وبالتالي الحداثة.


يرى نصار في الليبرالية شرعة تقوم على مبدأ الفرد المستقل, المحقق لذاته, لكنه, في المقابل, وازاء سيادة منطق السوق والاستهلاك في المجتمع الغربي - يقرن نصار الحرية بالعدالة, والمصلحة الفردية الخاصة بالمصلحة العامة في منطوق نظريته: "الليبيرالية التكافلية".


وإذا كان المجتمع الاستهلاكي يتجه الى تهميش دور الارادة الحرة, والتفكير النقدي, بفصل الرغبة عن العقل, والحاجة عن الضرورة, فإن كاتبنا يرى أن حرية الرغبة لا تعني اطلاق الرغبة بكيفية لا متناهية, فتؤدي في النهاية الى قمع أو كبت الحريات, بل تعني تحرير الرغبة من طغيان الأنانية, ووصلها بحكمة العقل ومسؤولية الارادة.


وعلى هذا, يأخذ نصار على ريتشارد رورتي, تصوره لمبدأ الحرية المقترن بالسخرية والإباحة والصُدفة باعتبار الوجود بلا غاية محددة. ويرى ان المذهب البراغماتي عند رورتي لا يصلح للفرد إلا في حدود فرديته, وحياته الخاصة فيما الانسان هو جميعة الكائن في الظاهرة الانساني في "وحدة الكائن في تعدديته وتعدديته في وحدته".


لنا مع ذلك بعض الملاحظات على الكتاب والكاتب. يرى الدكتور نصار في ما بعد الحداثة مفهوماً ملتبساً مملوءاً بالألغام (...) من دون تمييز واضح بين المفاهيم السلبية والايجابية الابداعية لفلسفة ما بعد الحداثة, في حين نرى أن فلسلة ما بعد الحداثة (ليوتار, فاتيمو, دولوز, بودريار, وحتى دَريدا في كتاباته السياسية) القائمة على منطق الاختلاف التفاضلي والتعددي هي التي من شأنها أن تجدد المعنى والقيمة, في منهجيتها التفكيكية النقدية, التي تبحث عن الفكر في اللامفكر فيه, وعن المرئي في اللامرئي, وعن الجديد في الجدة - وليس فقط الحداثة, في سيمياء المعرفة.


كما يقترب الكاتب من هيغل, ويعتبر أن ثمة أصالة لمفهوم "الشعب" عند هيغل, لكن المعروف ان فلسفة الحق الهيغلية شمولية ودولوية, وقد انبثقت منها كل النزعات الشمولية والقوموية والامبريالية, بوجهيها اليساري (الشمولية الماركسية) واليميني (من الفاشية والنازية وحتى نظريات "نهاية التاريخ" وصدام الحضارات). وإذا كان الديالكتيك الهيغلي يقوم على السلب والنفي والتضاد الذي اثبتت التطورات بطلانه وطغيانه فإن منطق الاختلاف يقوم على الغيرية, والحق في التعدد, وهو الذي يحرر الفكر من كل نظرة معيارية عقلاطية (لوغوقراطية).


العُمدة, إذاً, في الاختلاف وعليه تقوم النهضة والأنوار والاصلاح, والليبيرالية الفاضلة, التي تقرن الحرية بالعدالة على كل أصعدة الوجود والكينونة في الفكر المعاصر. فكيف تتأتى لنا الدعوة الى فكر ليبيرالي جديد ومختلف بمنأى عن فلسفة الاختلاف (فلسفة ما بعد - الحداثة)؟!

 

 
تعليق: باسكال تابت – النهار 12/6/2004
عنوان التعليق: البداية والشرط الجوهري للفعل نحو التضامن الكوني

تتردد مفردة الحرية على مسامعنا باستمرار، واضحت مسألة مطروحة في العالم اجمع، غربا وشرقا، اذ تتحدث الشعوب عن حرية الفكر، وحرية السياسة، وحرية الاعلام، وحرية المعرفة.


شغلت مسألة الحرية الفكر الانساني في مساره عبر التاريخ، فعالجها كبار الفلاسفة امثال سارتر وكانط، واليوم، في خضم الازمة التي يعيشها عالمنا العربي حيث فقدان الحرية، يطل علينا الدكتور ناصيف نصار بكتابه "باب الحرية - انبثاق الوجود بالفعل". ومن العنوان، ومنذ الوهلة الاولى، ندرك ان الكتاب فلسفي محض. ولو امعنا النظر في هذا العنوان للاحظنا ان نصار يدعونا الى ولوج الحرية وثقافتها. كما ان "انبثاق الوجود بالفعل" يعود بنا الى الاغريق، الى ارسطو الذي ميّز بين وجود بالقوة ووجود بالفعل. من هنا، يتبدى لنا ان الوجود لدى نصار لا يتحقق فعلا الا بالحرية، كأننا نخرج من وجود لم يكن سوى بالقوة او بالامكان من دونها.


كف ينظر نصار الى الحرية؟ كيف يفهمها وكيف يعالجها في مؤلفه؟


في التمهيد يطرح الكاتب سلسلة من الاسئلة الجوهرية التي يتضح من خلالها مفهومه للحرية: "الى اي حد نحن مقتنعون حقاً بأن الانسان كائن حر؟ هل نحن مدركون حقا مضامين هذه العبارة الصغيرة ومستلزماتها؟ وهل نحن مستعدون حقا للذهاب بالنتائج المترتبة عليها الى الحد الاقصى؟".


يُعالج نصار مسألة الحرية وفق اصول البحث الفلسفي. يدور كتابه حول الحرية كأصل لا كفرع، اي انه لا يعالج الحرية من خلال الميادين التي تمارس فيها، بل ينظر اليها كصفة جوهرية للانسان في علاقته مع ذاته، ومع الآخر، ومع الطبيعة ومع المطلق. يدعونا الى تحويل الحرية الى موضوع لتفكيرنا "فنقف امامها وقفة المتعجب، المتسائل، المهموم، الشاعر بأنه امام مشكلة وجودية لا تستقر له حياة ولا تستقيم من دون حل لها" (ص 17). ليست الحرية له مسألة غريبة عن الانسان، وقضيته هي قضية موقف وتجربة. الحرية متأصلة ومتجذرة في الكيان الانساني.


يرى نصار ان الشعوب العربية تمر في ازمة حضارية عامة، لذا هي في حاجة الى نهضة شاملة لا تتم الا بارادة التغيير الفاعلة، المستنيرة بالعقل. في هذا الوضع، النظرة الفلسفية الى هذه الازمة ضرورية، وهي الاصح والاكمل اذ تقوم على مبادىء إنسانية كونية. كما يدعو لكي تتحقق هذه النهضة الى التحرر من فكرة النموذج.


ويتطرق نصار الى العولمة والليبيرالية. ففي كل فصل من فصوله يستكمل بحثه وتفكيره في دقة ومنهجية فلسفية منطقية تميز مؤلفاته. يلاحظ ان الشعوب العربية على مفترق طرق مهم، فهي تتخبط بين طريق الحرية والخلق، وطريق التبعية والعبودية. هنا، تعود الذاكرة بالقارىء الى كتابه "طريق الاستقلال الفلسفي" حيث يعرض لمشكلة التفلسف في العالم العربي. فالفيلسوف، اما ان يكون مبدعاً، مبتكرا وخلاقا، او يتبع التيارات والنماذج والفلاسفة. وهنا ايضاً مشكلة العالم العربي في ما يتعلق بالحرية.


على الشعوب العربية الاحتكام الى العقل الذي لا قيمة له ان لم يتمتع بالحرية، فهي شرط اساسي لكل فعل وفي اي حقل من حقول النشاط الانساني. يدافع نصار في كتابه عن الحرية في حرية، اي انه لا يلتزم بأي من المذاهب. يتطرق الى الليبرالية ويميز بين الليبرالية كمصطلح فلسفي والليبرالية كمصطلح ايديولوجي. يرفض الفوضى والخلط بين المفاهيم. فالليبرالية كمصطلح ايديولوجي تعبر عن فاعلية الطبقة البورجوازية في مجتمعات اوروبا الغربية المتحدرة من اقطاعية العصور الوسطى، وهي تسعى الى تجسيد شعار الحرية في ممارساتها ومؤسساتها المتعددة. اما الليبيرالية كمصطلح فلسفي فمحورها مبدأ الحرية، وهي تحاول تجاوز الاطر الايديولوجية، سعيا الى الكشف عن مضامين مبدأ الحرية ومستلزماته في الوجود البشري من وجهة ميتافيزيكية واخلاقية. نجد هذا المفهوم لليبرالية لدى كانط وبرغسون وسارتر مثلا. لن تنجح عملية اعادة بناء الليبيرالية الا بالارتكاز على اساس فلسفي.


الانسان بطبيعته كائن اجتماعيّ، أي أنه يعيش في جماعة، وعيشه في جماعة يفرض عليه أن يمارس هويته من دون الخروج والتحرر من العقل والعدل والسلطة. مثلّث يفرض نفسه على الكائن الاجتماعي لتكون الحرية التي يمارس صحيحة: "الحرية الاجتماعية الصحيحة هي الحرية التي تستنير بالعقل في استخدامه الاجتماعي وتهتدي بالعدل في أحكامه الاجتماعية". يجب اعادة بناء الليبرالية على هذه المبادىء الثلاثة الملحة فتكون ليبرالية تكافلية.


لا مفر من الخوف في ما يتعلق بموضوع الحرية سواء كان في الغرب أو في الشرق. أما الخوف في المجتمعات الاوروبية فهو خوف على الحرية، بينما هو في المجتمعات العربية خوف من الحرية، لكنه يحمل في عمقه شوقاً الى الحرية بكونها جزءاً لا يتجزأ من الكيان الانساني. الحرية تستلزم المسؤولية وهي موضوع استحقاق وجهاد واكتساب أكثر منها هبة من الطبيعة. يسعى الانسان الى تحقيق انسانيته بالحرية، والخوف منها يلازمه لأنها عبء كبير. الخوف من الحرية لدى فرد اجتماعيّ يوازيه خوف من الحرية لدى آخر، ومن هذه الثنائية يتكوّن الخوف على الحرية التي لا تفرّق بين انسان وآخر. ثمة جدلية مستمرة بين فكرة الحرية وممارستها. فالانسان لا يطلق حديثه بالمطلق بل من خلال الالتزام والتجربة الاجتماعية المحسوسة، وبالتالي على الجميع الانخراط في حضارة الحرية التي تشكل نمطاً نوعياً راقياً في الوجود الانساني.


يتم الخلط بين مبدأين يبدوان متشابهين للناظر ان يتمعن في معناهما: مبدأ الحرية ومبدأ التسامح. أما نصار فيميز بينهما ويبين خصائص كل منهما "فالتسامح سعة صدر تفسح للآخرين ان يعبّروا عن آرائهم ولو لم تكن موضوع تسليم أو قبول، ولا يحاول صاحبه فرض آرائه الخاصة على الآخرين". نستنتج من هنا ان الفكر لناحية التسامح ليس فعلا عقلياً بل إراديّ معقول. هو "ليس عبارة عن كرم أخلاق ونبل مقصد، بل عبارة عن طلب الضرر الاقل والمكسب الاكثر، مقارنة مع اللاتسامح" (ص100). هذا الاخير مرفوض إذ لا انسان يملك الحقيقة المطلقة. ان الوضع السليم في ما يتعلق بالرأي والمعتقد هو المبني على مبدأ الحرية للجميع على السواء. هنا تتحول الحرية الى حرية راشدة ومفكّرة ويصبح الآخر أنا اخرى في  مقابل الأنا.


لو تعمقنا في مبدأ الحرية للاحظنا أنه ليس مبدأ مجرداً من أيّ مبدأ آخر، مستقلا في ذاته، بل يتضمن حرية التفكير وحرية الرغبة. الحرية الفكرية هي حرية الفكر بكل وظائفه، أي انها حرية الفكر كله "ولا يمكنها ان تكون كذلك الا بفضل النقد الفلسفي لطبيعة الحرية وحدودها وممارساتها، وبعد تطوّر جدليّ ارتقائي طويل وشاق" (ص 108 - 109).


الفكر والحرية في علاقة جدلية مستمرة ولا وجود لأحدهما من دون الآخر. هذا التلازم بين الحرية والفكر يجعل منها حرية مفكرة، وبالتالي ثمة تلازم أيضاً بين الحرية والرغبة يجعل منها حرية راغبة. من هذين التلازمين ينشأ تلازم وعلاقة بين الحرية الراغبة والحرية المفكرة. والرغبة الحرة لا تتمتع بحريتها من ذاتها بل من الارادة التي تحتكم الى العقل والا تحوّل الانسان الى كتلة من الرغبات فقط.


بين الناس من ينشد الحرية كفاية لذاتها. فالمرء يطالب كثيراً باستعادة حريته واكتسابها، فما معنى ذلك وعن أي حرية نتكلم؟ بالطبع ليست الحرية الكيانية هي المنشودة لأنها جزء لا يتجزأ من الكيان الانساني. انها في صميم هذا الكيان. المقصودة هنا هي الحرية الاجتماعية التي تمارس الحرية عملياً من غير منع او قمع. رغم ان الحرية ليست غاية لذاتها فهي ليست ايضاً وسيلة. انها "بداية وشرطاً أساسياً للفعل" (ص 162). لدى سارتر، مثلا، الحرية شرط اساسي للفعل وهو يرد الكائن الانساني الى الفعل وبالتالي لا يكون الانسان سوى ما يفعل فقط. يرى نصار في هذا المبدأ غلواً. اذ يعتبر ان الفعل حقيقة مركزية في الكيان الانساني لا مفرّ منها لكنه ليس الكيان بكليته التامة "فلا بد من النظر الى كيان الانسان باعتباره فعلا يتفاعل مع معطى، ومعطى يتمظهر بفعل". والفعل الحرّ على علاقة بالحاجة والعقل.


يؤكد كانط في كتابه "نقد العقل المحض" على فكرة عليّة العقل ويجعل منها شرطاً للحرية العملية. لديه، الحرية في المعنى الكوسمولوجي "هي حرية العقل وليست حرية الارادة الا بالتبعية" (ص 171). يرى نصار ان الارادة هنا ليست الا تابعة للعقل المتقدم والمسيطر عليها، ويعتبر "ان تبيين اصالة الحرية يتطلب أكثر مما فعله كانط. انه يتطلب تحرير الارادة... من سيطرة العقل أيضاً، ويتطلب تالياً اعادة التفكير في طبيعة الاقتران بين الارادة والعقل". (ص 172). وكما ان الحرية مقترنة بالارادة والعقل والرغبة فإنها مقترنة كذلك بالمسؤولية. والانسان مسؤول كيانياً، يتحمل مسؤولية أفعاله قبل ان يكون أيّ تقويم أخلاقي أو قانوني لها. الانسان مسؤول امام نفسه في بادىء الأمر، ومن ثم امام الآخر، ثم امام البشرية كلها، فأمام القيم العليا.


يعرض نصار في كتابه لنظرية الفيلسوف الاميركي المعاصر رورتي حول ثقافة الليبرالية، ناقداً هذه النظرية. يقول رورتي ب"الساخرية الليبرالية"، وهي مذهب فلسفي موجّه ضدّ الماورائيات، ويدافع عن الانسان "الساخري الليبرالي". فالانسان هو ما يفعله بحريته. يُحل رورتي الحرية مكان الحقيقة والفن، والعمل السياسي مكان الدين والفلسفة، مشدداً في نظريته على المستقبل وباحثاً عن كل ما يتوافق مع الليبرالية، واصفاً أفكاره بكونها "طوبى ليبرالية". لا تكون الليبرالية مثالية إلاّ بكونها علمانية - الطريق الذي يسلكه ويدعو اليه رورتي هو طريق الفلسفة البراغماتية - تتحدد فلسفة رورتي بأنها "ضد - ما هوية" أي أنها ترفض كل ما هو جوهر وكل ما هو ميتافيزيكي، إذ يركز حرية الفكر في المخيلة ويقوم كما يقول "بعملية نزع الالوهة من عالم الانسان" لأن الليبرالي البراغماتي "الساخري" يرفض أي شيء يقيّد حرية الفرد.


يوافق نصار رورتي في تركيزه على مفهوم الخلق الذاتي للدفاع عن استقلالية الفرد وحريته، لكنه يرفض تحرير الحرية من أي مرجع وأي شرط. فالحرية محدودة في اطار معطيات تشارك في الفعل. نظرة نصار الى الحرية واقعية مجردة من الطوباوية. يوافق على كون الليبرالية علمانية شرط ألا نعني بعلمانية التحرر من كل ما هو ميتافيزيكي.


يجد نصار جدلية بين العام والخاص تقوم على مبدأ الكرامة المشترك بين الناس. ومن هنا خطر الفردانية التي لا تأخذ في الاعتبار سوى ذاتها. لذا نجد دعوة الى التضامن الذي يرتكز على ثلاثة مبادىء هي الكرامة والاخوة والمصير ا لمشترك بين افراد البشر. ولا يبلغ التضامن حده الاعلى إلاّ في اطار التضامن الكوني.


لا تخلو الحرية من مفارقات ثلاث، الاولى فقدان الحرية باطلاقها، أي أنها تنعدم بتدمير الحرية للحرية، أي بالافراط الذي يولّد نقيض الحرية. والمقصود بانعدام الحرية هو الحرية كممارسة لا كجوهر على ما سبق أسلفنا. المفارقة الثانية منع الحرية عن أعدائها، والمفارقة الثالثة هي بالطبع الاكراه على الحرّىة، أي الضغط على الفرد لكي يمارس حريته. فالإكراه أيّا يكن هدفه يتحوّل إلى ديكتاتورية. فبدلاً من الإكراه على الحرية يجب التوجّه إلى التربية على الحرّية وعلى السلوك الحرّ. الحرية في كيان كلّ إنسان وتحتاج إلى عناية واحترام.


إنّ الحظر الأكبر على الحرية هو من ذاتها لا من أعدائها. الخطر عليها من أمراضها. يقترح نصّار ان نداوي الحرية ونعالجها بالفلسفة أي فلسفة الحرية. إنّ مرض الحرية الأوّل والخطر هو الاكتفاء بالحرية، أي طلب الحرية لذاتها. فالمستكفي بالحرية كالذي يخرج من الوجود الى العدم ويعاني من "فراغ وجودي" بحسب تعبير المؤلف عندما يتحوّل الإنسان الى حرية فقط يصبح عبداً لها. والعبودية عدوّ الحرية الأول. قلنا إن الحرية والعقل على علاقة، اي ان الحرية تحتكم الى العقل لتقدّر ما يجب فعله، فلو تركت العقل أو اساءت استعماله نسمّيها الزيغ، وهو مرض الحرية في علاقتها بالعقل. يؤدي اقتران الحرية بالعقل الى التدبير الذي لا يكون إلا إذا قام على العدل واحترام مبدأ العدل في كيان الانسان. والمعني بالعدل هنا العدل الآدمي والكياني وليس العدل القانوني. فإن ابتعدت الحرية عنه أصبحت حرية مريضة بالتعسّف. أمّا مرضها الرابع فيكمن في علاقتها بالسلطة. فعندما يتزايد اهتمام المجتمع الليبرالي واعضائه بشوؤنهم الخاصة ويهملون الشؤون العامة يسمى هذا المرض "الخصوصية" بحسب تعبير نصّار.


ثمة تيار يقول بأن الليبرالية هي نهاية التاريخ، ولا يسلّم نصّار بالأمر  بل يحلل ويتساءل عن علاقة الليبرالية بالتاريخ. يعود الى أطروحة فوكوياما عن نهاية التاريخ والى هيغل فيلسوف الحرية والروح المطلق الذي اعتبر ان للتاريخ اتجاه وغاية عليا وصل اليها في العالم الجرماني. لدى نصّار، الروح يتطوّر ويدور حول ذاته، ورغم أنّ ارتقاءه يبدو لنا مكتملاً في مرحلة ما فهو يبقى مفتوحاً أمام دورة ومسار جديدين ينقلانه الى مستوى أعلى. وينتهي نصّار الى اعتبار الليبرالية عنصراً شرطياً رئيسياً من عناصر صناعة التاريخ، ولكنها ليست نهاية التاريخ.


يقدّم ناصيف نصّار في كتابة الذي لا بدّ من قراءته قراءة فلسفية - مفهوما فلسفيا للحرية بعيدا تماما عن اللبس والتطرف. فالحرية ليست برجعاجية غريبة عن الكيان الانساني بل إنها على علاقة حميمة به لأنها موجودة في صميمه. يدور كتابه في فضاء من الحرية إذ يفكر ويحلل وينتقد في حرية. ويتميز "باب الحرية" بالدقة والوضوح والشفافية وطرح الإشكاليات وتحليلها والبحث في المبادىء وايضاح المفاهيم، في أسلوب شائق تميّز به في كتاباته السابقة من "طريق الاستقلال الفلسفي" الى "نحو مجتمع جديد" الى "مقالة في الوجود" وسواها.

 

 
تعليق: محمد شيّا – النهار 7/4/2004
عنوان التعليق: قراءة في "باب الحرية" لناصيف نصّار: نهضة ثانية مدخلها الانخراط في حضارة العولمة

-I-


بين "طريق الاستقلال الفلسفي" (1977) و"باب الحرية" (2003) يتابع الدكتور ناصيف نصّار رحلة البحث عن الحرية تفكّراً وتفكيراً وابتناءً ونقداً وفلسفة. أما لماذا يعود الى الحرية، ولماذا يكرّس نهائياً الانتماء الى منهجها، فلسبب أساسي واحد (على الأقل) انها مصدر كل وجود الفعل. ورغم الطابع الفلسفي النظري للعنوان الفرعي "انبثاق الوجود بالفعل"، إلا أن المؤلف إنما رمى، على ما أظن، من وراء التأسيس النظري ليشير مباشرة الى الترجمة العربية الملموسة لحقيقة غياب الحرية في ما شهدناه منذ حزيران 1967 من اختلالات ثم انهيارات ثم زلازل بدأت ولم تختتم فصولاً بعد.


-II-


يتوزع عمل ناصيف نصّار الجديد على واحد عشرين فصلاً. يبدأ الفصل الأول "في أن الشعوب العربية تحتاج الى نهضة ثانية"، ويختم في الفصل الأخير بلون جديد يضاف على ألوان كتابات نصّار. واللون الجديد لا أجد اسماً آخر له غير "الأدب الفلسفي" أي المضمون الفلسفي في المعنى الكامل للكلمة، والأدب في المعنى الأكثر حلاوة ونفاذاً وتأثيراً للكلمة. لون الأدب الفلسفي هذا، ولا أقول جنساً أو نوعاً، لطالما كان وفي غير مرة - إن لم تخنّي الذاكرة - موضع مناقشة بين نصّار وبيني من زاوية عدم حماسة المؤلف لهذا اللون من الكتابة في الفلسفة، كي لا أقول عدم اعتباره شكلاً للكتابة الفلسفية.


لفتني في الكتاب الفصل الأخير هذا - والمؤلف على حذره، إنما يضعه على لسان أحد كبار المتصوفة الذين "أزورهم أحياناً" والذي "أرسل إليّ كتاباً قصيراً قال انه مقاطع مأخوذة من مخطوط يحتفظ به وعنوانه [كتاب آدم]" - تلك "الرمزية" التي "أعجبتني" في تعبير نصّار، أمر مرحّب به، ونكتشف يومياً مثلما اكتشف قبلنا كبار أساتذة هذا اللون، أن لجوء الفلسفة الى بعض ألوان الأدب شكلاً أضافياً ولغة سهلة ممتنعة، جميلة، أمران يمنحان الخطاب الفلسفي جمهوراً أوسع وأداة أكثر نفوذاً، تبدو الفلسفة اليوم في أمسّ الحاجة اليهما مع اتساع رقعة الإحباط والاغتراب والتشيّؤ.


إن اتساع عدد الفئات والأفراد الذين ينضوون يومياً، في زمن العولمة والقوة هذا، يلزم الخطاب الفلسفي بأن يقدم الى هؤلاء أشكال فهم ومقاربة اضافية - أي قوة الفلسفة - بينما هم يظنّون واهمين أن هذه الحرفة المدعوة فلسفة هي لخاصة القوم في أبراجهم العاجية، ولا يمكن اكتناه سرّها، ولا تصبح بالتالي سلاحاً بين أيدي المهمّشين والفقراء والمستلبين في زمن العولمة والامبراطوريات. الفلسفة في المعنى السقراطي تحديداً هي أداة تصحيح وتغيير، وأملي أن يفرد ناصيف نصّار في أعماله اللاحقة مساحة أكبر "لكبير المتصوّفة" الذي زاره ولنصحه الرائع.


-III-


نعود الى باب الحرية، بل أبواب الحرية، التي لا سبيل الى نهضة عربية مرجوة من دونها. ناصيف نصّار ليس بالتأكيد، أول من ألحّ على الحرية باباً للنهضة. فهي العنوان الجامع لمعظم نهضويي القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وبخاصة بطرس البستاني وسليمان البستاني واليازجيين وفرح انطون، وصولاً الى كبير النهضويين الراديكاليين في مصر، طه حسين، وكبيرهم عندنا، عبد الله العلايلي.


إلا أن الجديد الذي يضيفه ناصيف نصّار هو محاولة "إعادة بناء حقل الحرية في ضوء مستجدات العولمة". في هذه البقعة تحديداً يتحرك عمل ناصيف نصّار بأكمله. ورغم تبرّمه بالثنائيات، فلا مناص من أن يواجه، كسائر النهضويين، ثنائية التراث من ناحية والمعاصرة من ناحية ثانية. لكن للمعاصرة الآن اسماً محدداً، وإن غير محدد في دقة، هو العولمة.


ينطلق نصار من قاعدة أن هناك "ازمة حضارية عامة، أي أزمة غير منحصرة في بعض الجوانب التاريخية لتلك الشعوب (ص20). وما الحروب الأهلية والهزائم أمام اسرائيل والولايات المتحدة  غير وجوه لتلك الأزمة الحضارية العامة.


وينتقل نصّار الى التساؤل عن "النمط الفكري الأكثر تأهيلاً للتعبير عما تحتاج اليه الشعوب العربية لتجاوز أزمتها؟ (ص21) وبين الأنماط الفكرية التي لها كلها ان تكون أدوات تعبير، "تتقدم الفلسفة على غيرها (...)" لنهجها المنطقي، ولنقدها، وهما بعض ما تحتاج اليه النهضة العربية الثانية.


وامتداداً لثنائية الشرق والغرب، يرى نصّار ان الصيغة الجديدة لهذه الثنائية إنما تكمن في التقابل بين التراث والمعاصرة، الصيغة الأكثر راهنية في التعبير عن خريطة العالم الحالية. يرى المؤلف ان الحاجة ماسّة وملحّة الى الافلات "من التناقض الحاد بين التراث وبين الاندفاع نحو المعاصرة" عبر البحث عن مسالك جديدة تشعر فيها الذات بأنها غير فارغة، بل فاعلة وتؤسس لأفق أعلى من التناقض السابق.


أما طريق الخلاص من الأزمة فهي طريق المواجهة والمجابهة، طريق التصدي والاقتحام، طريقة تحمّل المسؤولية التاريخية أمام المشكلات التي تطرحها الحياة علينا واختراع الحلول المناسبة لها بقوة عقولنا وسواعدنا" (ص28).


أما كيف نحوّل هذه الشعارات الى مضمون ووقائع فيكون، بحسب المؤلف، بخروج "الذات المريدة، المفكرة، الذات الفاعلة، من علاقة الانسحاب والتبعية الى علاقة التعامل الراشد المسؤول، علاقة الاستملاك والنقد والغربلة، حيث يمكن مع التراث، وعلاقة المواكبة والنقد والمشاركة حيث يمكن مع القوى المتفوقة في العصر" (ص29).


من يقرأ ناصيف نصّار لا بد أن يوافقه على صحة الاشارة الى الأزمة الحضارية، وعلى ان الخروج منها لا يكون بغير ذات جديدة فاعلة. إلا أن القارئ لا يقع على مضمون هذه الذات التي لا تستطيع ان تبقى بالتأكيد ذاتاً مجرّدة، هيولية، بل هي ملزمة ان تتموضع في الوقائع، وأن يكون لها مضمون ومعنى ومواقف من الاسئلة والتحديات.


في هذه المواقف التي تصلح لأن تكون جزءاً من المضمون، يرى نصّار انه لا بد "من التعامل الخلاّق مع العولمة".


هذا الموقف ينسحب على معظم مناقشات نصّار الحذرة والمرنة في مسألة التراث، والحاسمة في ضرورة التأقلم في فاعلية مع مستجدات العولمة.


مقدمات هذه الايجابية من العولمة تبدأ بنفي اعتبار الحداثة والتحديث والعصرنة... ثم العولمة ملكاً لحضارة بعينها، دون سواها: "الحقيقة ليست حركة الحداثة في التاريخ حكراً على اي حضارة (...) وفي إمكان اي شعب، مبدئياً، أن يشارك في حركة الحداثة، شرط أن يبذل الجهد ويدفع الثمن".


يمكن بالتأكيد التأسيس على هذه النافذة التاريخية الفلسفية لدفع المناقشة الى أمام في بناء شروط التحديث الذي نحتاج اليه وآلياته، والذي فشل مشروعنا له في النهضة العربية الأولى، وهو ما يعوزه بنجاح مشروع النهضة العربية الثانية.


كيف يكون التعامل الايجابي مع العولمة؟


هوذا سؤال نصّار. ونحن معه في صحة السؤال، فوضوح السؤال بحد ذاته خطوة متقدمة. ونحن معه كذلك في أنه "لا يوجد جواب واحد عنه".


إلا أن القارئ الذي كان يتوقع ان يقوم المؤلف باستعراض الأجوبة، أو بعضها، ولو إلماعاً، لتكتمل عناصر فرضية الكتاب، لا يجد ما يتوقعه. ما يلي ذلك هو اعادة طرح المبادئ التي كنا سلّمنا بها من قبل، ثم في تحول بدا في السياق نفسه "في أن الليبرالية بوضعها نظاماً اجتماعياً قائماً على مبدأ الحرية الفردية، لا تنحصر في الأشكال التي عرفتها المجتمعات الغربية حتى الآن" (ص45).


في وسع القارئ أن يقوم بعملية الربط ليقوّل المؤلف أن التجديد في معنى اللييبرالية الذي اكتسبته في مناخ "المجتمعات الغربية" هو أحد أشكال الابداع في التعامل الايجابي مع العولمة. هل هذا حقاً ما أراد المؤلف قوله؟ الجواب ليس واضحاً. أما إذا كان الجواب نعم، فلا بد من التذكير بأن الحداثويين العرب على تنوّع ألوانهم - عدا القلّة التي حافظت على اخلاصها لليبرالية الغربية - اجتهدت على الدوام في تقديم ليبرالية ليست من النمط الغربي (بالضرورة). هكذا فعل اليساريون بعامة، والقوميون، والاسلاميون. لكن الذي فعلوه، وفق المعيار الذي يرسمه نصار - بدا مهزوماً، ضعيفاً، وادرج في خانة ازمة النهضة العربية الأولى. لم نضع اليد بعد على علة ضعفنا.


-IV-


سؤال الحرية هو الخيط الذي يجمع فصول عمل ناصيف نصار، وهو الخيط الذي سيغدو محوراً للنهضة العربية الثانية العتيدة.


لكن ألم تكن الحرية كذلك مطلباً من الدرجة الأولى في لائحة مطالب النهضويين العرب منذ رفاعة الطهطاوي الى طه حسين؟ ان "الانقلاب" على الحرية، حتى في مفهومها الليبرالي، انما حدث بعيد الحرب العالمية الثانية، بل بعيد نكبة فلسطين 1948 التي كانت زلزالاً أفقد الجميع (وفيهم المنظرون) توازنهم، فجرى تحميل الليبرالية (مع الحبل السري الذي يربطها بالغرب) مسؤولية الأوضاع والأنظمة العربية التي لم تستطع ان تحفظ فلسطين. وكانت بعد ذلك البدائل الكاملة (الماركسية الشيوعية والديكتاتوريات الأخرى) أو غير الكاملة، يميناً، أو يساراً، ديناً ودنيا، إسلاماً أو علمنة. لم يُسقط حتى هؤلاء الذين انقلبوا بعد حين مطلب الحرية، أو لم يجهروا بالعداء له. كان الخلاف والصراع على المضمون او على مفهوم الحرية، لا على المفردة نفسها.


ويبقى السؤال: اذا كانت الحرية هي المعوّل عليها في النهضة الثانية فإن المحدد النهائي لاتجاه النهضة هو، من جديد، ماذا نعني بالحرية؟


في هذا المكان انشقت النهضة العربية الأولى، وفيه كذلك، كما أظن، ستنشق النهضة العربية الثانية وتذهب مذاهب شتى.


نحن مع المؤلف حين يقول: "في المنطلق لا بد طبعاً من الحسم، وقبول الانخراط في حضارة الحرية، لا بوصفها حضارة الغربيين، بل بوصفها نمطاً راقياً في وجود الانسان التاريخي وفي تقدمه الحضاري" (ص83).


هذا الموقف من الحرية كان نفسه موقف النهضة العربية الأولى من الحرية ولن يزيد كثيراً استحضار نصوص النهضويين في الحرية التي ظلّت فوق كل مناقشة أو تحفّظ حتى نهاية الأربعينات على الأقل.


النهضة العربية الثانية التي ستتأسس على مقدمات الحرية ملزمة ان تكمل الجواب عن السؤال الأساسي: الحرية نعم ولكن أي حرية؟ حرية الحداثة أم الليبرالية؟ حرية الحداثة (كذلك) أم الحرية الماركسية؟ حرية ما قبل الحداثة أم الحرية اللاهوتية؟ أم حرية ما بعد الحداثة، حرية النيوليبرالية؟ او تحديداً وعياناً حرية العولمة؟


لا يفي التحديد الميتافيزيكي للحرية بالمطلوب. بل ليس الإجابة "الاجتماعية" في الأصل. ما ينفع التقدم نحو النهضة الثانية المطلوبة هو، مرة أخرى، ماذا نعني بالحرية اليوم.


ناصيف نصّار يدرك ذلك حتماً، لذا يتقدم بالإجابة الصريحة الحاسمة: المطلوب الانخراط في حضارة العولمة.


هذا الجواب المتقدم خطوة أساسية نحو حسم خيارات المشروع النهضوي العربي العتيد. وهو كذلك جواب متقدّم حين يكمل ناصيف نصّار الاجابة بالقول إن الانخراط في خيار العولمة يجب ان يكون من موقع التعامل الخلاّق مع العولمة. أما كيف يكون التعامل الايجابي الخلاّق مع العولمة فذاك مدار القول والاجتهاد والعمل لدى المشتغلين في الفلسفة، فهم الأكثر قدرة على تقديم التحليلات المناسبة، ونقد ما يجب نقده، واعادة توجيه بوصلة الشعوب العربية بعدما أفلست البوصلات غير الفلسفية.


-V-


خارج هذه المناقشة، بل الاجتهاد والخلاف في الاجتهاد، تبقى شذرات الأدب الفلسفي الرائعة في الفصل الأخير من الكتاب، اختار منها:


"- أوقفني في التراب وقال لي: يا آدم، هل نسيت انك من التراب؟


فقلت: لا، ولكنني لست تراباً.


فقال: يا آدم، هل نسيت انك الى التراب تعود؟


فقلت: لا، ولكني لن أعود كما كنت.


فقال: وما الفرق بين ما كنت وما أنت وما ستكون؟


فقلت: اسأل الحرية".

 

 
تعليق: عفيف عثمان – النهار 8/2/2004
عنوان التعليق: باب الحرية وبيانها لناصيف نصار

يطرق ناصيف نصار باب الحرية ثم يدخله بحكمة الفيلسوف والمفكر وبجرأة الفتى الذي يقف في قلب النار ليحملها بيديه ويعلن بيانها على الملأ. ربما نحن، كقراء لبنانيين وعرب أشد ما نكون حاجة الى من يحمل نار الحرية ويعلن بيانها في الارض العربية من اجل ان تشرق في احد الايام القريبة شمس اخرى، شمس لا تتواطأ علينا ولا نتواطأ عليها: شمس تدعى الحرية فتهزّ عروش الديكتاتوريات وكراسيها وتزلزل الارض تحت اقدام الطغاة.


بعد وضعه "الايديولوجيا على المحك" و"تصورات الامة المعاصرة" على طاولة التشريح، وتفكيكه فلسفة الامر في "منطق السلطة" ومقاربته التربية والدين والشباب، يطرق الفيلسوف ناصيف نصار "باب الحرية" (دار الطليعة) بيد بيضاء (بخلاف هوى الشاعر الذي ارادها حمراء مضرجة بالدماء). ذاك الذي "ليس كمثله باب" وفيه "جميعهم متماثلون، اللون آدمي واحد" (كتاب آدم). ومنه ندلف الى الدار الكونية الواسعة، كما يقول علي زيعور، لنتعرف الى واقعة العصر الجديد المعولم: الليبيرالية لكن من غير توحش، اذ يقترح نصار عمارة جديدة بأحجار قديمة تلوذ بها الحرية آمنة من خوف.


الليبيرالية التي فتنت من قبل ريمون آرون وجان رولز، يريدها نصار تكافلية محمية بالعدل. كما ان الحرية ليست مطلقة العنان، اذ تحوطها الرغبة والعقل. في بحث نصار الفلسفي النقدي الجدلي الانساني انفتاح وحوار مع حقيقة الذات العربية ومع العالم وطرح لكيفية خروجنا من الاستبداد وطبائعه الى رحاب الحرية، الى حيث نكون موجودين بالفعل: "حرية الجميع مع الجميع" بديلا من "حرب الكل على الكل".


مشروع ناصيف نصار، اذا جاز لنا القول، هو "بابل" كونية ينتصب فيها البرج كبرياء، رمزا لسلطة مطلوبة، وتحوطه الاسوار دفاعا، فللحرية سور يحميها وفيلسوف ينادي باسمها.


يستجلي نصار كينونة الحرية الجديدة في زمن الكوكبة التي جعلت منها راية لها ووسمتها بميسمها من دون التسليم لادعاء الوكيل الحصري لها: اميركا، الامر الذي يقضي بمساءلة النموذج نفسه نسبا وتقليدا "في ضوء مبادئ فلسفة الانسان". وثمة من وجه آخر حاجة عربية ملحة لتفكر موضوعة الحرية، نقيض الاستبداد المتغلغل في مفاصل الحياة المجتمعية العربية كافة، والتعرف الى الاصل بعدما تعرف المجتمع الى بعض فروعه.


يذهب فيلسوفنا الى الجوهر، الى "الحرية كصفة جوهرية للانسان في علاقته مع ذاته، ومع الآخر، ومع الطبيعة، ومع المطلق" (ص8)، مما يرسخ اقتناعنا بأن الانسان كائن حر مع علامة استفهام.


ويرتبط عمليا سؤال الحرية من منظار نصار الى تاريخيته، بمسألة النهوض العربي او يُطلق عليه في مشروعه "النهضة العربية الثانية": "استئنافا اكثر راديكالية واشد تفهماً لمقتضيات الفعل والحداثة والمشاركة في المسار الحضاري الكوني" (ص9) للنهضة الاولى التي انطلقت في اوائل القرن الفائت.


يقارب نصار الحرية في وصفها اولوية في "الوجود الانساني" ولو انتسبت ايضا الى التراث الليبيرالي. اذ ان حقل الحرية المطلوب اعادة بنائه مفتوح لكل الشعوب والأمم تفعل فيه وتنفعل به، نقداً وبناء في الزمن المعولم الحديث، الفرداني، الرأسمالي/الاستهلاكي.


حجر الزاوية في عمارة نقد نصار لليبيرالية يقوم على اعادة ترتيب موقع الفرد - على خلاف نقد الغربيين للفردانية باسم الحرية، في نقد "التأويل الفرداني للعلاقة بين الفرد والمجتمع" (ص15) وبيان سمتي الانتماء والتكافل، ويبدو الانشغال الرئيسي لصاحب "منطق السلطة" هو تحويل الحرية موضوعا للتفكير الجدي والخلاق على قدر الامكان.


النهضة الثانية: توطين الحرية


يعيش العالم العربي، بحسب نصار، ازمة حضارية عامة، والازمة هي المرحلة الثالثة في تحقيب مشروع التحديث العربي والتي يمكن تلمس بوادرها في هزيمة ،1967 بعد النهضة والثورة. وهو في وضعه الحالي يشبه كثيرا بداية القرن العشرين، وانه بعد تفكر واستيعاب يمكن اعادة وصل ما انقطع ومباشرة النهضة الثانية، بالنظر اليها "كإمكان تاريخي، اي كعملية تاريخية كبيرة، غير مستحيلة وغير حتمية، وبالتالي كموضوع للاختيار، قابل مبدئيا للتحقيق في العقود التالية" (ص21).


ومن شروط هذه النهضة ان تكون شاملة وان تضع نصب عينيها التغيير بوتائره كافة: الاصلاح او الانقلاب. وتذهب حد اعادة البناء بما يمليه من مراجعة من جهة ووضع تصور يأخذ في الحسبان الشروط التاريخية ووضع خطط عملية من جهة اخرى، لا تحصر نفسها في قالب او نموذج محدد.


يأتي في مقدم المهمات تجاوز ثنائية التراث المنغرسة في تربة ثنائية الشرق والغرب التي تجعل الذات في موقع التلقي والتي وجد بعض المفكرين العرب مخرجا لها يقوم على "حل توليفي" او "توفيقي" اخطأ باب الخروج من الازمة. فسبيل الخلاص في رأي فيلسوفنا هو طريق المواجهة والمجابهة التي تضعنا امام التاريخ في وصفنا قوة حية تحمل تراثها بيمينها والقدرة على الفعل بيسارها.


اذاً، الخروج من حال التناقض بين التراث والمعاصرة الى حال جديدة، يحرر "الذات الفاعلة" ويضعنا على سكة "النهضة العربية الثانية" المنشودة. اضافة الى ان التعامل مع العصر والدخول في مسار الحداثة - التي ليست غريبة في الضرورة - يقتضيان "ربط حركة الحداثة بمبدأ الارادة المتعالية الرامية الى تغليب الابداع على التقليد لتحقيق صورة الانسان الكامل، من دون امتياز مسبق لأي شعب على غيره من الشعوب" (ص33).


الى التعامل الخلاق مع العولمة الظافرة، تلك التي تجعل "الكل يؤثر في الكل" ومحتاج له، ثمة ضرورة يراها نصار في اعادة النظر في موقع السياسة ووظيفتها وحدودها: فهي سلطة من بين سلطات وليست "ام السلطات" (ص37).


في هذا السياق الجديد، يغدو من المستحيل على العرب تجاوز "تحدي الحرية" التي هي شرط كل فعل، مما يحتم في الضرورة اعادة التفكير فيها "وفي التأويل الاجتماعي الاصح والانسب لها" (ص43). يحتاج مفهوم الحرية الى عملية توطين ضرورية في تربة بلادنا وفي الفكر، مما يستدعي اعادة تقديم لها يبدأ في عرف نصار بفك ارتباطها بالمذهب الليبيرالي كايديولوجيا، ذاك الذي يماهيه البعض "بالنظرة الاميركية الى الحياة"، واظهار وجهها الفلسفي الساطع الذي جعل همه الدفاع عن الحرية من دون تقوقع في خصوصيات محلية او قومية. والمجال مشرّع للشعوب وتحديدا العربية للمساهمة الخلاقة في مسيرة الليبيرالية الصاعدة لمصلحة نهضتها الثانية.


اعادة الاعتبار الى الحرية


اذ يركّز نصار على الجانب الفلسفي في اعادة بناء الليبيرالية، يقترح التعامل مع مبادئ اربعة: مبدأ اجتماعية الانسان الطبيعية والجدلية، ومبدأ الترابط بين الحرية والعقل، ومبدأ الترابط بين الحرية والعدل، ومبدأ الترابط بين الحرية والسلطة. والحال، فان عالم الحرية "عالم يُبنى" ويقترح نصار ان يُطلق على الليبيرالية المعاد بناؤها تعبير "الليبيرالية التكافلية". ومن الضروري عنده نشر هذه الاخيرة في المجتمعات العربية التي تعاني رُهاب "الخوف من الحرية"، فكيف السبيل الى علاج هذا الاخير؟


كما الطبيب النفسي،  يحلل نصار تاريخ المجتمعات العربية وانقلاباتها الثورية التي وضعت "الحرية" في المقام الثاني وكبّلتها بفكرة الامة ووحدتها. وتماشيا مع هذا المنطلق وسجالا معه، يرى صاحب "الايديولوجيا على المحك" ان الوحدة تكون انفع واقوى واعدل "اذا كانت وحدة بين شعوب حرة. والشعوب الحرة هي الشعوب التي افرادها احرار وانظمتها متشبعة بروح الحرية" (ص66). التلازم اذاً ضروري بين الديموقراطية والليبيرالية، والحرية الفردية اساس في رفض الاستغلال والقهر. وثمة تشابك بين العدل والحرية وحاجة لتفكر الاختلاف والتعدد (ملح الارض كما كانت تقول حنة أرندت) في العالم العربي يعيد "الاعتبار للحرية على مستوى الافراد، وعلى مستوى الاقليات وعلى مستوى الشعوب" (ص68).


في نظر نصار لم يعد جائزا للأنظمة السياسية استخدام شعار التحديات الخارجية والداخلية سدا في وجه "الليبيرالية" وركن الحرية. في نظرة تفاؤلية الى المجتمعات العربية، يرى فيلسوفنا انه في رهاب الليبيرالية التكافلية يمكن "اعادة بناء قضايا الوحدة والتعددية والاستقرار والنظام والعمل والثروة الاجتماعية والنظام السياسي والمعرفة والايمان والتربية" (ص73).


ثقافة الحرية


يرى نصار ايضا في طيات "الخوف من الحرية" الذي يتلبس الانظمة العربية خوفا من نوع آخر: "الخوف من الحرية ذاتها" كونها متلازمة مع السيادة، فالكائن الحر المستقل، سيد افعاله. في هذا المعنى فهي عبء "لا يتساوى الناس في القدرة على حمله" (ص77). ويستتبع خوف الفرد "خوف منها عند غيره"، ومن هذا الجدل ينجم آخر، "الخوف على الحرية"، وفي رأي الكاتب "تلك هي عظمة الحرية، وتلك هي ايضا نقطة ضعفها".


كما ان عيش حياة الحرية ليس هيّنا بل شاق وخصوصا في المجتمعات غير الليبيرالية في سبيل "تعميم الوعي بحقيقة الحرية وقيمها وتعميم الارتقاء الى حياة الحرية في الاعتراف المتبادل بها"، مما يطرح سؤالا جوهريا حول ضرورة العنف في سبيل التغيير. واذ تبدو الليبيرالية هدفا ساميا، بعنف ام بغيره، فان "شبحها" (بالمعنى الذي ورد في "البيان الشيوعي") يطارد المجتمعات وكذا نداءها العام، وهي "لا ترتاح الى ذاتها ارتياح المحارب المنتصر الا بعد استتباب الامر لحياة الحرية عند جميع الناس في جميع المجتمعات" (ص80).


الوعي بالحرية وعي ملموس تعكسه التجربة في داخل الوجود الاجتماعي، كما ان ثقافة الحرية تعبّر عن نفسها في مؤسسات. غير ان نصار يشترط في طرحه مفهوم "حضارة الحرية" اتخاذها شكلا ليبيراليا متعدد الوجه والزمان، مما يسهل على الشعوب العربية في رأيه الانخراط فيها "في وصفها نمطا راقيا في وجود الانسان التاريخي وفي تقدمه الحضاري" (ص83) بتأويل يناسب هذه المجتمعات لمبدأ الحرية وللنمط الليبيرالي الملائم الخاضع لمنطق التاريخ.


ولغرض تقديم مفهوم الحرية على ما عداه، يرى صاحب "طريق الاستقلال الفلسفي" ضرورة لتمييزه وجلائه وخصوصا عن مفهوم التسامح، فهو يتقدم عليه و"ما للتسامح للتسامح وما للحرية للحرية"، قياسا على قول المسيح "اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله". وبعد مناقشته مفهوم التسامح يراه نصار "اقرب الى  عالم السيطرة في العلاقات الانسانية منه الى عالم السلطة، ويتكون كشكل من اشكال ممارسة السيطرة" (ص96).


الحرية المجتمعية


يدافع نصار عن مبدأ الحرية الى حد رفض ما يعوق نشاطه ولو تأتّى من الفكر. فالحرية كل، وحرية الفكر "هي حرية جميع وظائفه من دون تسلط، ومن دون اقصاء، ومن دون قمع، في ما بينها" (ص108). والحارس الضامن هو النقد الفلسفي - الذي يمارسه نصار ببراعة على النصوص المعبّرة عن بعض الرؤى وعلى الليبيرالية نفسها في سبيل اعادة بنائها - والتسليم اذا شئنا لا يكون لغير "العقلانية النقدية المنفتحة". ويُدخل صاحب "مطارحات للعقل الملتزم" الى الحرية والفكر (العقل) ضلعا ثالثة هي الرغبة في سبيل حل التناقض بين الشهوة والرغبة، بمعنى التفلت من "استبداد الرغبات" وصولا الى ما يُطلِق عليه "حرية راغبة" (ص 112) تقترن بالارادة الحرة التي ضلت طريقها في عالم يتحكم بالرغبة الى حد تحويلها سلعة في السوق. وما يريده نصار هو "تحرير الحرية من طغيان الرغبة، وتدبير الرغبة بحكمة العقل المنفتح ومسؤولية الارادة الحرة" (ص123). يبتدع نصار فنا هو "تدبير الرغبة" المستنير الذي يقع في اطار اوسع هو "تدبير المصلحة" (توازي في الفقه الاسلامي نظرية "المقاصد الشرعية" او المصالح). بيد انه يدرجه ضمن "فلسفة الكائن الفاعل" الواعي المتمتع بالسلطة على نفسه والساعي ضمن ظروف متشابكة تأخذ في الحسبان مصالح الآخرين، الى تحقيق مصلحته من دون ان يكون ذلك مضمون النتائج.


في اطار المصلحة يبدو ضروريا التمييز بين تلك الخاصة بالفرد والخاصة بالجماعة واعادة النظر فيهما "من داخل الليبيرالية لا من خارجها" وتحديدهما وخصوصا الجماعة بما هي شأن يخص كل المجتمع الليبيرالي كما يتمظهر في ما يطلق عليه "الرأي العام" اطارا يعكس تطلعات المجتمع وآماله كما يقول نصار ويؤكد اولوية نقد الفردانية. تؤدي الحرية دورا رئيسياً في "تحديد المصلحة وتحقيقها" امام جملة من الاهداف والغايات، مما يفتح نقاشا يتدبره نصار بعمق حول "الغاية" وعلاقتها بالحرية، ليصل الى ان الغاية المطلوبة للناس هي "الحرية الاجتماعية" وليس الحرية الكيانية التي لا يمكن ان تكون موضوع طلب وبالتالي لا تعود الحرية مطلوبة لذاتها. ويكتب: "ان ما ينكشف لنا من وراء الاستزادة من الحرية ليس الحرية في وصفها نهاية للفعل وغاية لذاتها، بل الحرية في وصفها بداية وشرطا اصليا للفعل" (ص162)، يجب قرنه بالمسؤولية، المسؤولية العملية المحددة في فاعل وفعل معينين.


الوجود بالحرية


يمتحن نصار رؤيته في "الليبيرالية التكافلية" امام كتاب الاميركي ريتشارد رورتي، "العارضية والسخرية والتضامن" (1989) فيحاوره من باب النقد، وخصوصا في تصوره للمجتمع الليبيرالي "المثالي" (الطوبى) القائم على ركني "الاستنارة والعلمانية" والذي يودي برورتي وبساخريته (او بساخره) الى "نفي الميتافيزيقا" (وطبعا الدين). لكن مؤلف "تصورات الامة المعاصرة" ينحاز الى "تعدد مصادر الاستنارة" (المخيلة على سبيل المثل) واستيعاب المساهمات الخلاقة لكل البشر ويبحث عن أسس متينة اكثر لمقولة التضامن التي يرفعها رورتي في سبيل تجنب الذل. يطرح نصار ثلاث قواعد: اعادة النظر جذريا في مبدأ التعاقد الاجتماعي الذي انطلقت منه الليبيرالية، واستيعاب مكتسبات التيارات والمذاهب الاجتماعية التي حاولت التصدي لنزعة الفردانية (بما فيها المذاهب الاشتراكية) واخيرا، النظر بكل جدية الى المصير المشترك للافراد والجماعات في اطار العولمة المتصاعدة.


ولا يكتمل البحث في الحرية الا برصد مفارقاتها التي تتحدد عند نصار في ثلاث: مفارقة فقدان الحرية باطلاقها، ومفارقة منع الحرية عن اعدائها، ومفارقة الاكراه على الحرية، وذلك في سياق فلسفي جدلي ينشغل بالاجتماعي والاخلاقي والقانوني حفاظاً على كيان الحرية ذاتها في مبدأ "لا حرية من دون قانون" (ص252). وان ما يحد من اخطار الاكراه عليها (من جانب السلطة العامة المعبرة عن الجسم الاجتماعي) هو "التربية على الحرية"، وهذه عملية صراعية مفتوحة تفتقر احيانا الى مقومات الوجود.


في معاينته الحرية يخشى نصار اصابتها بالمرض وفي مقدمه "الاستكفاء الذاتي"، اي "عندما تعتبر ذاتها غاية لذاتها... لتسويغ اختياراتها" (ص272)، بديلا من الاستغراق في عالم البشر المتحول ومقاصده والخلق فيه، بمعنى "الوجود بالحرية" في حسن علاقة واستخدام للعقل ضد الاقتران برعاية العدل وضمانه. ومن الامراض الاخرى: الزيغ في العلاقة بالعقل والتعسف في العلاقة بالعدل، والتبلبل والخصوصوية (في تعبيره) في العلاقة مع السلطة.


وفي المقام الاخير ينظر فيلسوفنا الى الليبيرالية في سياقها التاريخي المتحقق الذي قطعته، لا كقدر هابط من علياء، عبر صراع شديد يتفارق عن تاريخ الحرية نفسه. فهي امكان نجح في التجسد وحضن الحرية التي باتت جزءا من نسيج الليبيرالية.


وعن سؤال مستقبل هذه الاخيرة أو عدها "نهاية التاريخ"، على النحو الذي صاغه فوكوياما، فان نصار يعتبر المسألة "تقع في مجال المخيلة اكثر مما تقع في مجال العقل" (ص313). وكي يبيّن تهافت نص فوكوياما، يفككه في عودة الى الاصل، الى هيغل نفسه، "فيلسوف الحرية"، ويخلص في ذلك الى كون "الليبيرالية عنصرا شرطيا رئيسيا من عناصر صناعة التاريخ ولكنها ليست  نهاية التاريخ". ونختم من عندنا بقول ماركس ان الحياة لا تجيب سوى عن الاسئلة المطروحة عليها. اي على اجندة عملها.


وبتساؤل بسيط: لماذا يصمّ اكثر من ثلث البشرية تقريباً آذانهم عن نداء الحرية الصاخب متنعمين بما اطلق عليه اتيان دو لابويّسيه "العبودية المختارة"؟


في المقام الاخير، لا شيء يُغني عن الذهاب الى كتاب ناصيف نصار "وأخذه بقوة" وشغف.

 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟   
الاسم:
عنوان التعليق:
نص التعليق:
 

آداب و لغة
فلسفة
ديانة مسيحية
الإسلام و أديان العالم
علم النفس و التربية
علوم اجتماعية
تاريخ و جغرافيا
سياية و اقتصاد
علوم طبيعية و طبية
فنون
قانون
مراجع عامة
 
عن المكتبة | كتب | أفلام | تراتيل | الصفحة الرئيسية
SWS المكتبة الروحية 2005 - جميع الحقوق محفوظة - صمم هذا الموقع بواسطة شركة
Powered by O2 TECHNOLOGY