بحث سريع 

 

New Page 1
عنوان الكتاب:
وحدة في التنوع: محاور وحوارات في الفكر الديني
المؤلف:
أديب صعب
المترجم:
الموضوع:
دين إسلامي وأديان العالم
الناشر:
بيروت - النهار
عام النشر : 2003 الطبعة: 1
القياس:
24X17 سم
عدد الصفحات: 252
السلسلة:
رمز التصنيف:
دع  159
   

أراء القراء   
تعليق: جورج ناصيف - النهار 8 آب 2004
عنوان التعليق: عمارة فلسفية ترد الى الدين كرامته

يصعب ان تعقل كتاب أديب صعب الجديد "وحدة في التنوع (دار النهار، تشرين الثاني 2003) وتبلغك مقاصده، ان أتيته مفرداً في ذاته. فالرجل صاحب عمارة فلسفية مترابطة باحكام عبر كتب سابقة لهذا الكتاب، هي: "الدين والمجتمع" و"الاديان الحية" و"المقدمة في فلسفة الدين". وهو، في كتبه الاربعة هذه التي شيّدها بجدارة يغبطه عليها كثيرون، صاحب مشروع يتجاوز النظر المجرد في ماهية الدراسات الدينية ومبادئ فلسفة الدين، مثلما يتجاوز الوقوف على الأساسي من عقائد ومؤسسات وطقوس الاديان الكبرى الحية في العالم، الى اقتراح عمليّ يراه الجدير بأن يردّ الى الدين معناه وكرامته وقدرته على اخصاب البشرية بالكلام الإلهي.


وفي ودّي ان افرد اهتماماً خاصاً لهذا المشروع الذي يصفه المؤلف بالانتقال مما هو سائد من تعليم عقائدي تقليدي للدين في المدارس الى تعليم وصفي او موضوعي لجميع الاديان يتولاه متخصصون في الدراسات الدينية. ولا افعل هذا تقليلاً من قيمة المباحث التي اشتمل عليها الكتاب الاخير "وحدة في التنوع" والكتب السابقة بل لأن مسألة تعليم الدين على الوجه الذي اقترحه المؤلف تشكل الجانب العملي من مشروعه.


تأتي نظرية صعب لتعليم الاديان كجزء لا يتجزأ من فلسفته الدينية. هذه الفلسفة تتناول مسائل مثل: ماهية الدين، مفهوم الالوهة، نطاق الدين، منطق الدين، العقل والايمان، الدين والاخلاق، مسألة الشر، معنى الحياة، الموقف من الموت، الاديان الاخرى والحوار، التعصب والتسامح، الدين والدولة.


إلا ان التعليم الديني التقليدي كما تمارسه مدارسنا حتى اليوم يغفل عموماً هذه المسائل المهمة، حتى اذا اصطدم المتعلم بنظرية علمية او فلسفية من شأنها ان تهدد الدين ظاهرياً فهو يواجه ازمة التخلي عن ايمانه الديني. ولأن التعليم التقليدي يتجاهل عموماً ما تقوله الاديان الاخرى عن نفسها، فهو يحوّل الاختلاف بين الاديان الى خلاف في اذهان المتعلمين. وهذا الخلاف يتجلى في ما يسميه المؤلف "اللاهوت السجالي" (او الجدلي)، الذي ميز الكثير من الادبيات الدينية خلال الالفية الثانية. لذلك يدعو الى لاهوت جديد متأثر بالفلسفة، يسميه "اللاهوت الايجابي"، يأخذ مكان اللاهوت السجالي. وهذا يعني ان يدافع المفكرون من كل دين عن عقائدهم كما هي في ذاتها، بعيداً عن الانتقاص من عقائد الاديان الاخرى.


النظرة البديلة


في ضوء ما تقدم يجب ان نفهم نظرية صعب في تعليم الاديان. وهي نظرية بدأت مع كتابه الاول "الدين والمجتمع" عام ،1983 واستمرت حتى كتابه الاخير "وحدة في التنوع" الصادر بعد عقدين كاملين. النموذج التقليدي للتعليم الديني الذي يرفضه المؤلف يقوم على  تلقين كل دين او مذهب لاتباعه في المدرسة، بعد فصل تلاميذ الصف الواحد بعضهم عن بعض في ساعة الدين الاسبوعية. والى اخطار تمزيق الوحدة الاجتماعية، يبقى التلميذ جاهلاً ماهية الدين وتبريره وحقيقة الاديان الاخرى، بما فيها اديان مجتمعه، التي ينزع نحو النظر اليها نظرة مفاضلة من دون ان يعرفها. هذا عدا الاخطار النفسية للتعليم الديني التقليدي، التي تفرض المادة على المتعلم فرضاً، دونما اعتبار لمرحلة النضج التي يجتازها.


اما النموذج البديل في تعليم الدين فهو ان تقلع المدرسة - سواء اكانت خاصة ام رسمية، علمانية ام دينية - عن التعليم العقائدي وتتبنى تعليماً وصفياً او موضوعياً للاديان الحية، مع التركيز على الاديان السائدة في هذا الجزء من العالم، وان تطرح، الى جانب المسائل التاريخية، المسائل الفلسفية والاجتماعية والنفسية المتعلقة بالدين، ومنها: ما هو الدين؟ لماذا الدين؟ ما الفرق بين الدين والاخلاق؟ هل هناك تناقض او تعارض حقيقي بين العلم والدين؟ كيف يمكن ان نفهم لغة الدين؟ بأي الطرق او المناهج ندرس الفنون الدينية من رسم وعمارة وموسيقى وشعر وأدب؟


هذه المسائل اساسية لكي يفهم المتعلم دينه والاديان الاخرى على نحو افضل. لكن التعليم الديني التقليدي يتجاهلها، على اهميتها. والتعليم البديل يسمح للطالب ان ينظر الى  الاديان كلها نظرة فهم واحترام وتسامح، تزوده بالقدرة على التفكر في التحديات التي يواجهها الدين في مجتمع اليوم، ومنها الاسئلة التي تثيرها العلوم المختلفة في وجه الدين، كما تنمّي لديه الحس الديني والاخلاقي والجمالي ليذوق حلاوات الاديان واسهاماتها في حضارة البشر.


وعندما يأتي الكاتب الى التفاصيل، يرى الآتي:


* ان الموضوعات التي ستأتي عليها الدراسة الموزعة على سنوات والمتدرجة تبعاً لمدارك الطالب تشتمل على العقائد كما تقرها المؤسسة الدينية الرسمية، وعلى الطقوس او الشعائر، وعلى المؤسسات الدينية، مثلما تشتمل على الفنون والآداب الدينية، وتفيد في هذا كله من الفلسفة وعلمي النفس والاجتماع.


* يجب ان تكون مادة الدين مادة "شرعية" الزامية، اسوة بالمواد الدراسية الاخرى، العلمية والادبية والتاريخية وسواها، فتعطى فيها الامتحانات والعلامات التي تساهم في مرتبة الطالب وفي نجاحه ورسوبه.


* لا بد من ان يتسع حقل التدريس المقترح للعمل الميداني، وزيارة الصروح الدينية، واستخدام السمعيات والبصريات بما فيها الانترنت، واشراك الطلاب في اعداد البحوث، والتعاون بين مدرّسي مادة الدين ومدرّسي التاريخ والفلسفة والآداب والعلوم لما بين هذه الحقول من روابط.


* يتعين ان ينشأ في الجامعات ومعاهد الدراسات الدينية فرع اختصاص قائم في ذاته يعنى باعداد مدرسين مؤهلين علمياً وتربوياً وروحياً وخلقياً لتدريس هذه المادة وتأليف الكتب والوسائل الاخرى (السمعية - البصرية) التي تعين على تدريسها.


وتجدر الاشارة الى ان نظرية المؤلف لا تلقي التعليم الديني العقائدي خارجاً، بل تحيله على مؤسسات خاصة تنشئها كل طائفة لهذا الغرض. ولكل الطوائف اليوم مؤسساتها الخاصة للتعليم الديني، مع مواقع على شبكة الانترنت. هكذا يتكامل تعليم الدين في جانبيه الموضوعي والعقائدي، فتتولى المدارس العمومية الناحية الموضوعية، فيما تتولى المؤسسة الدينية الناحية العقائدية.


اسئلة ملحّة


قلنا ان مشروع صعب في تعليم الدين يتجاوز حدود الاقتراح ليشكل نظرية. وهي نظرية تربط تعليم الدين بالدراسات الدينية، واهمها تاريخ الاديان وفلسفة الدين وعلم النفس الديني وعلم الاجتماع الديني. اما اقتراح تعليم الاديان الحية في المدارس فقد طرحه مفكرون تربويون مثل موسى سليمان ومفكرون دينيون مثل المطران جورج خضر. وفي العام 1965 بادرت كوكبة من العلماء اهل الرأي الديني، قوامها السيد موسى الصدر والمطران جورج خضر والشيخ صبحي الصالح والاب يواكيم مبارك والدكتور حسن صعب، الى اقتراح تعليم الاديان في المدارس اللبنانية، وذلك في اطار سلسلة محاضرات عن "المسيحية والاسلام في لبنان" اقامتها الندوة اللبنانية لمؤسسها ميشال اسمر. وبادرت المجموعة لاحقاً الى لقاء الرئيس شارل حلو ومفاتحته بالامر، من غير ان يكتب النجاح لهذه المبادرة الريادية. وفي مقال للمطران جورج خضر صدر في "النهار" بتاريخ 6 شباط 1999 عرض للواقعة وثناء على الفكرة. ومما جاء في المقال: "لا شيء يقنعني اننا لا نحتاج الى دراسة الاديان علمياً. هذه لبنة اساسية عندي في بناء الوحدة الوطنية. وقد تكون هي ثورتنا المعرفية الكبرى. طرحي ان التعليم الديني المتبع الآن ليس بديلاً. العلمان ممكنان معاً. وتعليم الاديان يمكن ان يخضع لاجازة تستحدث، وتراقب روحية الاستاذ واخلاقه".


اليوم تأتي اقتراحات مماثلة من اوساط المشتغلين بالشأن العام، وبينهم عدد من النواب. وكانت حركة "حقوق الناس" عقدت ندوة موسعة في 4 آذار 2000 - اي بعد 17 سنة من صدور كتاب "الدين والمجتمع" - في نادي متخرجي الجامعة الاميركية، تناولت قرار الدولة (6 كانون الاول 1999) اعادة التعليم الديني الالزامي الى المدرسة الرسمية، فضلاً عن قرارها وضع كتاب موحد للمسيحيين وآخر للمسلمين يعهد بهما الى لجنة مشتركة في اشراف المركز التربوي للبحوث والانماء. مع موافقتي على هذه الدعوات إلا اني اطرح بعض تساؤلات عند هذا الحد:


* كيف يمكن كتابة بحث عن الدين يكون منزهاً حقاً عن الهوى ويلتزم موضوعية صارمة؟ بل كيف يكتفي هذا الكتاب بايراد وجهات نظر مختلفة من غير ترجيح بعضها او احداها؟ وماذا يفعل الكاتب عندما تتعدد وجهات النظر والتفاسير ضمن الدين او حتى المذهب الواحد؟


* أيكون الكتاب المحرّر، الذي يعهد بكتابة كل فصل من فصوله الى مؤرخ او عالم من الدين المعنيّ، افضل بالضرورة من الكتاب الذي يؤلفه كاتب واحد في هذا المجال؟


* ألا يمكن ان يؤدي تدريس الدين موضوعياً وربطه بنظام الامتحانات والعلامات الى افقاده شيئاً من حرارة الروح والباسه لبوس العقل البارد؟


* كيف نستطيع ان "نموضع" او "نعلمن" تدريس الدين في نظام طائفي يلعب فيه توظيف الدين في السياسة دوراً محورياً في الدولة والمجتمع؟ لا شك ان المشروع البديل جزء من عملية تربوية. فكيف يتم اقناع القائمين على النظام السياسي والحقوقي العام - وهو نظام طائفي - باقتراح من هذا النوع؟


* ألا يؤدي تدريس اديان كثيرة في مرحلة مبكرة الى ضرب من البلبلة لدى الناشئة؟ ألا يحسن ان يقتصر هذا النوع من التعليم على نهايات المرحلة الثانوية، بعد اكتساب الطالب النضج العقلي المطلوب؟


* كيف يحل التناقض الذي لا بد من ان ينشأ بين تعليم الدين موضوعياً في المدارس وتعليمه عقائدياً في المؤسسات الدينية؟ ألا يمكن ان يؤدي هذا التناقض الى تخبط، او الى عدم توازن، في اذهان الطلاب؟


* هل تؤدي معرفة الآخر، وهي من اهداف الدراسة الموضوعية للدين، الى التقارب والتوادّ حتماً، ام هل تكون احياناً مجالاً لتضخيم الاختلاف والافتراق؟ هل يصمد "ما يوحّد" امام "ما يفرّق"؟


* كيف تستطيع الهيئات المعنية، من جامعات وسواها، ان تنشئ فعلاً جهازاً تعليمياً على مقدار من الصفاء الروحي يتيح له ان يطل، بعقلانية وهدوء، على  الاديان كلها، محافظاً على الموضوعية المطلوبة وعدم المفاضلة بين الاديان؟


* ماذا في شأن المدارس الخاصة التي يرتادها نحو 70 في المئة من طلاب لبنان؟ معظم هذه المدارس تنتمي الى طوائف، وكل منها تدرّس الدين على طريقتها، ومنها ما يتجاهله او يبدله بالاخلاق؟


اطرح ما اطرح من تساؤلات وانا عارف ان دوام الحال في لبنان كما هي الآن سيفضي الى الفتنة الاكالة. ولا خلاص من غير مشروع سياسي - ثقافي - تربوي يتجاوز الطائفية بهدوء وحكمة.


كانت ثلاثية رائدة لأديب صعب. صارت رباعية.

 

 
تعليق: جورج قرم – النهار 28/4/2004
عنوان التعليق: "وحدة في التنوّع" لأديب صعب: الأصولية كشذوذ نفسي

لطالما كانت اعمال الدكتور اديب صعب الفلسفية تعبيراً بليغاً عن ارتقاء العقل نحو المنطق والرشد وتوافقه مع الدين بمعناه الواسع والعميق. وقد جاء كتابه الأخير "وحدة في التنوّع" (دار النهار) تتويجاً لمحصلة أفكاره حول الدين والفلسفة والعلاقة العضوية بينهما. وقبل أن ندخل في تقويم هذا الكتاب، لا بد من الاشادة باسلوب الدكتور صعب الأدبي، السلس والسهل، الذي يسمح للقارئ العادي ان يفهم مغزى أفكار الكاتب وأبعادها. وليت الكتابات العربية في العلوم الانسانية كانت بهذا المستوى من العمق والدقة وسهولة القراءة.


أما في الفحوى فليس لدي أي ملاحظة نقدية أو تعليق حول موقفه من التعصّب والتشنّج الديني أو في تحديده للأصولية الدينية، ولئن نعتَ المؤلف الاصولية مرّة بأنها ظاهرة حديثة ومرّة أخرى بأنها ظاهرة قديمة، فذلك لأن الأصولية انبعثت من جديد كظاهرة حديثة في الثلاثين سنة الماضية، انما جذورها عميقة في ذهنية الانسان الممزّقة باستمرار بين الميل المفرط الى التحجّر والجمود والمضي على سنّة الأقدمين والتوق الى التغيير والارتقاء نحو حالة انسانية افضل تجمع الناس من أعراق وثقافات مختلفة بدلاً من أن تفرّق. والحق ان المؤلف يستدرك الأمر عندما يقول "ان الاصولية ليست حركة جديدة... والأحرى انها اسم جديد لنزعة قديمة جداً في الفكر والحياة الدينيين" (ص39). وفي هذا السياق، لا بد من التأمل في أنماط العيش البشرية التي تنقسم بين بنى نفسية وعقيلة تميل الى عدم التحرر من التقاليد القديمة والمحافظة عليها بشكل جامد رافضةً التقدّم بحجّة ان الطبيعة البشرية لا يمكن ان تتغيّر وأن ثبات الأنظمة الدينية والمجتمعية والثقافة هو الذي يناسب الطبيعة البشرية من جهة، وبنى نفسية وعقلية تميل الى الانتفاض على الاوضاع القائمة وعلى الجمود المجتمعي والثقافي من جهة أخرى. والحقيقة ان الحياة المجتمعية ممزّقة باستمرار بين هذين النمطين المتناقضين في الرؤية الى أمور الدين والدنيا معاً.


ومما لا شكّ فيه أن المجتمعات العربية والاسلامية تمرّ بحالات انفصاميّة معقدة نظراً الى تكرار الفشل في النهضة وفي تأمين حماية الذات من التعديّات الآتية من الخارج والتي أصبحت تأخذ اشكالاً عسكرية خطيرة: من حملة نابوليون بونابرت عام ،1798 الى غزو كلّ من انكلترا وفرنسا ديار العرب وفرض الانتداب عليها، الى قيام الكيان الصهيوني بالعنف وطرد اخواننا الفلسطينيين من أراضيهم والتمادي في اقتلاعهم مما تبقى من الأراضي الفلسطينية، الى الحملتين العسكريتين الاميركيتين ضد العراق وانشاء مستعمرة اميركية في بلاد ما بين النهرين.


هذا الفشل المتكرر خلق اوضاعاً نفسية شاذّة، إذ نرى البعض يطالب بثورة شاملة على الأوضاع الراهنة، انما تتم هذه الدعوة تحت رايات اصوليات دينية اسلامية لا تواكب العصر، بل تكتفي بالردّ على الأصولية الصهيونية، وكذلك على الأصولية الاميركية التي تمتاز أيضاً بملامح قوية للأصولية الدينية البروتستانتية، بينما الفئات الأخرى من المجتمع، خاصة تلك التي تكيّفت مع الحداثة وأنماطها الثقافية والقيمية، لا تطوّر أي برنامج مقنع لتغيير الأوضاع الراهنة المأسوية في المجتمعات العربية. فكيف يكون ان تتم الثورة على الأوضاع العربية المتردية على أساس برنامج اصولي ديني؟ هذا مع التسليم بأن حركات المقاومة المسلحة المنتمية الى تيارات اصولية قدمت العديد من التضحيات وحققت مكاسب جليلة في لبنان، وهي تجسّد في فلسطين طموحات شعبية في الصمود أمام آلة الاجرام الصهيوني، بينما التنظيمات السياسية او العسكرية التي استولت على الحكم في بعض الدول العربية الاسلامية بحجّة ارساء دولة دينية قد فشلت فشلاً ذريعاً في تحقيق دولة العدل والرخاء التي يتوق اليها الانسان. فهذه مفارقة كبيرة حَريّة بالدراسة.


لعلّه هنا تظهر التساؤلات عند قراءة كتاب "وحدة في التنوّع" حول امكان تطبيق نظرة أديب صعب على الأوضاع العربية بشكل خاص، وربما على هذه المجابهة المريضة نفسياً بين غرب يصف نفسه بأنه يهودي - مسيحي وله قيمه الخاصة، وشرق مسلم له خصوصياته أيضاً، ولا يمكن في نظر الكثير ان يلتقيا. فللدكتور صعب نظرة عقلانية رائعة الى الظاهرة الدينية في الحياة البشرية، مع اصراره الواضح على ضرورة التسليم بوجود الله لكي يعطي الحياة والكون معنى ومغزى. لكن تحالف الاصوليين من كل الأديان في النظر الى انقسام البشرية بين مؤمن وكافر يقف سدّاً منيعاً أمام تطبيق الأفكار النيّرة الكائنة في كل صفحات هذا الكتاب.


صحيح ان الكاتب يفنّد ببراعة شاملة ما يشوب موقف الاصوليين من تشنّج وتعصّب مخالفين بذلك روح التعاليم الدينية نفسها، لكن لا بد من الاعتراف بأننا نعيش في زمن رديء، حيث الأصوليات من كل الأنواع هي التي تسود الساحة الفكرية العالمية، بما فيها اصولية الرأسمالية الليبيرالية الجديدة تحت تسمية "العولمة"، وهي تتزاوج بشكل وثيق مع صعود الأصوليات الدينية والعرقية والمذهبية في كل انحاء العالم. ويمكن القارئ الشكّاك ان يقول بفجاجة ان مواقف المؤلف العقلانية والتنويرية لا تتلاءم وشراسة الطبعيّة البشرية وتعقيداتها النفسية وعدوانية الانسان التي تتجسّد منذ أقدم الأزمنة في الحروب المتوالية بأية حجة كانت، دينية أم غير دينية. والحقيقة ان ما نشهده في الساحة اللبنانية والعربية من استنفار للمشاعر المذهبية والطائفية والعشائرية، والتقوقع حول بعض الشعارات الأصولية الطابع، لا يشجّع على التفاؤل بقبول هذه الأفكار النيّرة التي يمتاز بها كتاب أديب صعب ورواجها.


والنظرة المثالية عند المؤلف تظهر أيضاً في ما يقوله حول الدولة ووظيفتها في الفصل الرابع من كتابه، حيث يدعو الى ان تكون الدولة "مثال الوحدة في التعدد وتكون آلة ادارية لا داعية عقيدة، وأقرب الى جوهر الدين من النظام الذي يعلن من أحد الأديان ديناً للدولة" (ص43). هذا كلام جميل، انما يخالف طبيعة الدولة في كل الأزمنة والأنظمة، حتى الأكثر ليبيرالية، حيث ان الدولة تجسد في استمرار نوعاً من القدسية او بالاحرى "الحرمة" التي لا بد منها لفرض هيبتها. بل اكثر من ذلك، فقد علّمنا التاريخ الحديث منذ عصر الأنوار الاوروبية أن الميل الى تطوير انظمة كونية وجامعة يمكن ان يتحوّل ايضاً الى نزعة قمعية وأصولية. وربما لا يوجد مثال على ذلك أفصح من سياسات الاتحاد السوفياتي السابقة والسياسات الاستعمارية الاميركية الحالية التي تتستّر وراء المبادئ الانسانوية لفلسفة الأنوار لتفرض ارادتها ومصالحها على سائر الأمم، وبشكل خاص على المجتمعات العربية، بالقوّة والقهر.


لكن هذا كله ليس سبباً وجيهاً لعدم خوض النضال الفكري الذي يخوضه المؤلف بكل جرأة. بل بالعكس، علينا ان نهتم بنشر افكار هذا الكتاب ونسجّله في لائحة المراجع التي نعطيها لطلابنا في الجامعة وأن نغني الحوار حول الأفكار الكائنة فيه، ولا بد في هذا المضمار من مناقشات مستفيضة حول نظرة المؤلف الى الظاهرة الدينية وتاريخ الأديان المقارن وما يسميه فلسفة الدين.


وأرى بشكل خاص ضرورة التعمق في الفرق بين وجود الله وتوق الانسان الى بعد ماورائي في حياته، وبين الدين المؤسسي، أي بنية المؤسسات الدينية التي تتفرّغ عن رسالة دينية معيّنة (أكانت اسلامية أم مسيحية أم يهودية أم بوذية أم هندوسية، الخ...)، لتنظيم حياة البشر وأخلاقهم، ولكنها ليست جزءاً من الرابط المقدّس بين الإنسان والإله. ومما لا شك فيه أن معظم الديانات المؤسسية، وبشكل خاص الديانات المؤسسية التوحدية الثلاث (اليهودية - المسيحية - الاسلامية)، نسجت على مر العصور قواعد معقدة وغير ليّنة لتنظيم كل من علاقة الانسان بإلهه وعلاقته بمؤمنين من الديانة نفسها وبمؤمنين من ديانات أخرى أو بالملحدين.


لقد وقفت المؤسسات الدينية في معظم الأوضاع التاريخية التي مرّت بها المجتمعات حاجزاً أمام التطوّر الطبيعي، وذلك بعد انقضاء فترة تحرر الانسان من وطأة أوضاع سابقة جامدة بفعل قوة الرسالة الدينية الجديدة. وكما هو معلوم، فإن جميع الاصوليات الدينية والثقافية ترفض رفضاً باتاً النظر الى الظاهرة الدينية كظاهرة مجتمعية تمرّ بمراحل مختلفة وتتطوّر وتتقدم او تتراجع وتتخلّف حسب اهواء الناس والمجتمعات، وليس حسب أهواء خالق الكون. فالخالق اوجد الانتظام في الكون المادي، لكنه استثنى مخلوقاته البشرية التي منحها الحرية والتعددية والأهواء المختلفة، الأمر الذي يعطي الإنسان قيمة خاصة في الكون.


هذه كلها أمور خطيرة وكبيرة لا تناقش بالعمق في عالمنا العربي الذي يبقى في دائرة مناقشة القشور في أمور الانسان العربي وليس لبّها. من هنا أهمية أعمال أديب صعب التي تندرج في سياق الأعمال الفكرية لسلسلة من روّاد النهضة العربية التي طُمست في العقود الماضية لأن الصحوات الأصولية الدينية الطابع هي التي اكتسحت الشرق الأوسط بعد فشل الفكر القومي والأداء السيّئ للانظمة السياسية العربية الرافعة لواء القومية العربية.


ولا بد من ملاحظة اخيرة تتعلق بمفهوم التسامح عند المؤلف، الذي يستعمل هذه المقولة كبديل للتعبير عن موقف القبول لتعدّدية الآراء كمصدر إغناء، بينما يدلّ مفهوم التسامح في اللغة الاجنبية او العربية على ان التسامح هو قبول رأي الآخر على مضض وبشكل استنسابي قابل للزوال في أية لحظة. لكن المقصود عند المؤلف بكلمة تسامح هو القبول المبدئي، الشخصي والمؤسسي، برأي الآخرين والتفاعل معه لبناء مجتمع أفضل. وهذا ما يسميه التسامح "الحقيقي" (ص35). لكن هذه العبارة لا تعطي المدلول الذي يعتمده المؤلف، لأن التسامح مجرد تسامح، أكان سطحياً ظرفياً أو "حقيقياً". وفي هذا السياق، أفضّل استعمال كلمة "علمانية" التي لها، سواء في اللغة الأجنبية او اللغة العربية، مدلول أكبر بكثير من مقولة التسامح للتعبير عن القبول الشخصي والمؤسسي لتعددية الآراء. وقد دعوت في كتابي الأخير "شرق وغرب: الشرخ الاسطوري" الى "علمنة" مفهوم العلمانية، بمعنى اخراج هذه المقولة من مدلولها السياسي الضيّق المتعلّق بتاريخ علاقة المسيحية بالأنظمة السياسية الأوروبية. لجعله قابلاً للانتشار دولياً واعتماده في كل الأنظمة الدستورية والسياسية بغضّ النظر عن الهوية الدينية للشعوب المعنية.


وفي الختام، لا بد من شكر اديب صعب لجهوده الفكرية في مجال الدين والفلسفة، وهو مجال حساس للغاية يبتعد عنه غالبية المفكرين العرب خشية تعرضهم الى النقد الجارح او التكفير او الاتهام بالالحاد. لذلك احيّي هذه الجهود وأتمنى للمؤلف مزيداً من العطاء الفكري النيّر.

 

 
تعليق: النهار 7/3/2004
عنوان التعليق: أيّ كلام عن "دين" أو عن "أديان" قائم على عناصر مشتركة

"وحدة في التنوع: محاور وحوارات في الفكر الديني" عنوان الكتاب الذي صدر حديثاً للدكتور أديب صعب عن دار النهار. وهو يكمل كتب المؤلف الثلاثة السابقة في فلسفة الدين: "الدين والمجتمع"، "الاديان الحية"، "المقدمة في فلسفة الدين" الكتاب الجديد في ثلاثة أقسام: يعالج أولها بعض المسائل الملحة في الفكر الديني، ويختار الثاني حوارات اجرتها الصحافة مع المؤلف حول كتبه السابقة، يمكن اعتبارها تتمة لمسائل القسم الاول، ويعرض الثالث دراسات وآراء حول هذه الكتب، فيها اجماع على ريادة أديب صعب موضوع الدراسات الدينية وفلسفة الدين في الثقافة العربية المعاصرة. هذا الحوار الذي اجرته "اديان ومذاهب" مع المؤلف يركز على بعض آراء النقّاد التي يحويها القسم الاخير من كتابه، وموقفه منها.


* تشير في مقدمة كتابك الجديد "وحدة في التنوُّع" الى شيء من النقد الذي وجهه بعض الدارسين الى مواقف معينة لك في فلسفة الدين. وتعلن عن رغبتك في الرد على هذا النقد لاحقاً. هنا سنحاول التركيز على هذا الامر، فنستمع منك الى تلخيص للنقد وللرد كليهما. أولاً، مَن هم اصحاب المواقف المعنية؟


- كل الذين تناولوا كتبي الثلاثة في الفكر الديني بالدراسة هم أصحاب مواقف نقدية. النقد يتجاوز الموافقة، او عدم الموافقة، مع الكاتب على بعض مواقفه او عليها كلها، الى الفهم العميق. الذين وَضعوا كل كتاب في اطاره الصحيح فهموه فهماً عميقاً، اي نقدياً. هذا يعني ان الدراسات التي قدمت في ندوات حول الثلاثية او ظهرت في صحف، والتي نشرتها في القسم الثالث والاخير من كتابي الجديد، هي من باب النقد.


لذلك، حين اردّ على "نقّادي" لن يقتصر هذا الرد على الذين صرحوا عن عدم موافقتهم على بعض النقاط، بل سيشمل ايضاً اولئك الذين تبنّوا كل النقاط جملة وتفصيلاً. من الفئة الاخيرة الاستاذ موسى سليمان، رحمه الله، والدكتور ربيعة ابي فاضل والدكتور مروان فارس في كلامهم عن "الدين والمجتمع"، والدكتور موريس ابو ناضر في كلامه عن "الاديان الحية"، والعلامة السيد محمد حسن الامين والدكتور سامي مكارم والقاضي طارق زيادة والدكتور ربيعة ابي فاضل (مرة اخرى) في كلامهم عن "المقدمة في فلسفة الدين". ومن الفئة الاولى، اي الذين لم يوافقوا على كل النقاط، المطران جورج خضر في كلامه عن "الاديان الحية" و"المقدمة"، والدكتور جورج صبرا في كلامه عن "المقدمة" ايضاً.


* إذا اخترنا ان نقصر معنى "النقد" على عدم الموافقة (الجزئية في هذه الحال)، فما هي النقاط التي قدمها كل من الدارسين المذكورين؟


- لا يجوز ان نقتطع رأياً او موقفاً خارج سياقه. والاحرى النظر اولاً الى  المواقف الاجمالية لكل من هؤلاء.


بالنسبة الى "الاديان الحية"، وجد المطران جورج خضر انه يلبّي حاجة علمية وتربوية اساسية اذ يملأ الفراغ في مجال معرفة الاديان. وجاء الكتاب، في رأيه، "منصفاً لكل الاديان التي عرضها"، وان لم يتطرق الى بعض الممارسات الدينية السائدة حتى اليوم في اجزاء من افريقيا وسواها، مثل ال"أنيميزم". وخلص الى ان الكتاب، خصوصاً بفضل خلاصته، "يأخذنا في رحلة فكرية ممتعة، تحملنا الى ابعاد واعماق" يصعب بلوغها لولا قراءته.


هذه الخلاصة تحاول اقامة "مقارنة وصفية" بين الاديان، تتيح اكتشاف نقاط الشبه، الوظيفية على الاقل، في الاديان المختلفة. هنا يقول سيادته: "تصوّري ان هذا النوع من وجود معالم وخطوط كبرى تجمع بين الاديان مقاربة فلسفية او تفسيرية اكثر منها ظاهراتية او وصفية محضة. لكني اخشى انه عندما نريد الدخول في ما نعتبره جوهرياً نعتمد نوعاً من الاختزال قائماً على ان نردّ كل شيء الى كل شيء بسبب من هذا التوق الجميل جداً الى التوحيد".


الحق ان ما سميته "مقارنة وصفية" في هذا المجال وضع ازاء نوع آخر من المقارنة هو "المقارنة القيمية"، اي تلك القائمة على المفاضلة. وهذا موقف واضح في الكتاب، بدءاً من مقدمته التي تبنت منهج "تاريخ الاديان"، لا منهج "مقارنة الاديان" او "علم الاديان المقارن". واذا كان ثمة مقارنة ناتجة من وضع الاديان بعضها الى جانب بعض، فهذه مقارنة وصفية بعيدة عن المفاضلة.


ثم ان نقاط الشبه هناك، وليست نابعة من "توق الى التوحيد" ولا من نزوع الى ان نردّ كل شيء الى كل شيء". واذا كان بعض دارسي الاديان معرَّضاً لنوع من الخطأ او الخلل هو ابراز الوحدة على حساب التنوع، فالمنهج الذي اعتمدته منذ البداية في الفكر الديني، من نواحيه التاريخية والفلسفية والاجتماعية والتربوية جميعاً، هو "الوحدة في التنوُّع". وطالما عارضت ما سميته "الوحدة التعسفية" التي تتغاضى عن التعدد، وكذلك "التعدد المطلق" الذي يؤول الى فوضى. وهذا يظهر جلياً في كتبي الثلاثة السابقة، كما في الكتاب الحالي الذي اعطيته عنوان "وحدة في التنوع".


اما ان يكون كتاب "الاديان الحية" اغفل بعض الظواهر الدينية، وحتى بعض الاديان، فهو امر طبيعي جداً، اذ "في حجم مفروض كهذا"، كما لاحظ سيادته نفسه، "لا يستطيع المؤلف ان يكتب إلا موجزاً". لكن تبقى اشارته الى غياب الكلام عن ممارسات دينية معاصرة، مثل ال"أنيميزم" الافريقية، في مكانها، "لان فيها حدسا دينياً جيداً"، قد يساهم هو الآخر في ايضاح فكرة التعدد والوحدة. ومع خوفه ان تُحمّل فكرة "التوحيد" في الاديان "التعددية" فوق ما تحتمل، فهو رأى ان التوحيد الديني ليس كله من النوع الابراهيمي، ووجد في "اقتراح المؤلف ان تكون التعددية نوعاً من الاسماء الحسنى للاله الواحد اقتراحاً بالغ الاهمية".


كان حسناً اضافة المعتقدات والممارسات الدينية لبعض قبائل اوستراليا وافريقيا الى الاديان المدروسة. لكن غيابها لا يشكل نقصاً جوهرياً، علماً ان كتاباً واحداً لا يمكن ان يحيط بكل تفاصيل الموضوع وجوانبه. ولعل باحثاً لبنانياً او عربياً آخر يتناول هذه الاديان بالدراسة. وبما انها "بدائية" الى حد بعيد، على كونها "حيّة"، فهي قد تجد المكان الملائم لدراستها تحت علم الانثروبولوجيا. وما عالجته كأديان حيّة لائق جداً، ويتجاوز ما تطرحه بعض افضل الكتب في الموضوع. وهو كافٍ للمقارنة "الوصفية" تمييزاً لها عن المقارنة "القيميّة" القائمة على المفاضلة - في خلاصة الكتاب.


 ثنائية الانفصال والاتصال


* في تناوله "المقدمة في فلسفة الدين"، اشار المطران خضر الى "بعض من تعميم يعوزه تدقيق" في اللوحة الجامعة التي رسمتها للاديان. واعطى مثلاً على هذا التعميم الخطيئة العارضة التي تكلمت عنها مقابل النقاء الاصلي، قائلاً ان هذا الامر تجهله اليهودية ولا تقول به الاديان الآسيوية كالهندوسية والبوذية.


- أشار سيادته الى ريادة "المقدمة"، في اطار الثلاثية ككل، لموضوع فلسفة الدين في الثقافة العربية المعاصرة، مبدياً ارتياحه الى موقف الكاتب القائل بأن "الفلسفة تمدّ الدين بمنهج او طريقة او منطق، لا بمحتوى". اما التعميم فهو من خصائص اي لوحة جامعة. وبما ان كل تعميم معرض لخطر الاطلاقية الذي يلازمه شيء من عدم الدقة، فقد حرصت كل الحرص على عدم الانزلاق الى المواقف المغلقة غير المدعومة. حتى تلك المواقف التي اعلنتها في اطار البرهان العلمي الدقيق، قيّدت اطلاقيّتها، حيث يجب التقييد، بعبارات من نوع "لعلّ" و"ربمّا".


المثل الذي اعطاه سيادته على التعميم هو كلامي عن ثنائية الخطيئة والخلاص في الاديان. انا لم أنسب الخطيئة نسبة حقيقية إلا الى الاديان التي تقول بها، كالمسيحية والاسلام. وكلامي عن الخطيئة والخلاص ورد في اطار اوسع، هو اطار الانفصال والاتصال. فالاديان كلها - والتعميم هنا لا يلزمه اي تعديل او تلطيف او تخفيف - تجد ان النظام الظاهر، وفي رأسه الانسان، لا حقيقة له في ذاته ومن ذاته، بل يستمد كيانه ومعناه من الحقيقة المطلقة التي تغدق عليه المعنى والقيمة.


ثنائية الانفصال والاتصال هذه - اي تحديد السقوط بأنه انفصال النظام المادي الظاهر عن حقيقته الروحية المطلقة، وتحديد الخلاص بأنه اعادة الاتصال بهذه الحقيقة - هي التي تجعل من ظاهرة معينة ديناً. ونحن لا نستطيع تصنيف ظاهرة معينة تحت  اسم  الدين إلا إذا كانت من هذا النوع. وما يتيح لنا إجراء عملية التصنيف هو اكتشاف المبادئ العامة، هذا الاكتشاف الذي نسميه التعميم. كل علم له مبادئه العامة وتعميماته الخاصة به. وعلم الاديان لا يشذ عن هذه القاعدة. واذا كانت بعض الاديان تسمي الانفصال "خطيئة" واعادة الاتصال "خلاصاً"، فالمبدأ العام هو، كما قلت، الانفصال والاتصال.


* يقول المطران خضر أيضاً ان الطقوس، التي ركزت عليها كعنصر جمع بين الاديان، ليست واحدة بين الاديان او بين المذاهب المختلفة في الدين الواحد.


- هذا عين ما قلته في الكتاب. اذ لو كانت الطقوس هي هي في كل الاديان، لصارت الاديان كلها ديناً واحداً. ولو كانت الطقوس واحدة في المذاهب لانتفت المذاهب ايضاً. الطقوس او الشعائر هي من العناصر التي تمنح الدين سمته الاساسية وتميزه عن الفكر المحض. فلو اقتصر الدين على العقائد او دساتير الايمان لما اختلف كثيراً عن الفلسفة. الطقوس قديمة قدم الاديان والتعابير الدينية. وليس غريباً ان ما نجده في بعض الممارسات الطقسية او الرمزية في احد الاديان، كالمسيحية، يعود الى اديان امحى اثرها. لكن هذه التعابير، في اي من الاديان، مرتبطة بعقائده. وهدفها - سواء أكانت صلاة ام ترتيلاً ام صوماً ام مناولة ام حجاً ام اي شيء آخر - تقريب اللامحدود، الذي هو الحقيقة المطلقة او الله، الى الانسان، المحدود في الزمان والمكان والملكات العقلية والنفسية.


ليس المطلوب ان تكون الطقوس في كل الاديان واحدة. الا ان هدفها، مهما تنوعت، يبقى واحداً، وهو مدّ الجسور وتضييق الهوة. اما الذي يتخلى كلياً عن الطقوس فهو يمارس الدين فكراً واخلاقاً، ويضحي بجانب غني جداً وعميق جداً من الدين، هو الجانب الشعوري، مكتفياً بالفكر والسلوك من اجل تحقيق ما سميناه "وَصل ما انفصل" او اعادة الاتصال بالمطلق. لكن في كل الاديان طقوساً او شعائر بأشكال ودرجات متفاوتة، وان كان في كل الاديان ايضاً من يمارس هذه الشعائر على نحو او آخر ومن لا يمارسها اطلاقاً.


الفلسفة عمل الفلاسفة


* نأتي الى دراسة الدكتور جورج صبرا، اللاهوتي الانجيلي (البروتستانتي)، عن "المقدمة في فلسفة الدين". فهو عارض، اولاً، ما ذهبت اليه، كتحديد تمهيدي، من أن فلسفة الدين هي ما قاله الفلاسفة عن  الدين.


- ترى هل يصحّ القول بأن علم النفس هو ما يفعله الكيميائيون، والكيمياء ما يفعله علماء الاجتماع، وعلم الاجتماع ما يفعله المهندسون، والهندسة ما يفعله  الاطباء، والطب ما يفعله المؤرخون؟ الفلسفة، بكل تأكيد، هي ما يفعله الفلاسفة. وفلسفة الدين هي ما يقوله الفلاسفة عن شؤون الدين، مثل وجود الله، والخبرة الدينية، والمعجزات، ومسألة الشر، وحقيقة الروح وبقائها بعد الموت، وعلاقة الدين بالنشاطات الانسانية الاخرى كالعلم والاخلاق والسياسة والفن... لذلك وجدت من الملائم جداً طرق الموضوع اولاً من بابه الاقرب، وهو ان فلسفة الدين، في أبسط تعريف لها، هي ما قاله الفلاسفة عن الدين. وقد اعاننا هذا التعريف على مراجعة تاريخ الفلسفة شرقاً وغرباً من حيث معالجتها قضايا الدين. هذه المعالجة سلّطت انواراً كاشفة على الموضوع، وجعلتنا نصحح احد الاخطاء الاكثر شيوعاً في اذهان الناس، حتى بعض المثقفين منهم، حول الفلسفة من حيث ارتباطها بالالحاد. هذا التعريف الاولي الذي اعتمدناه لفلسفة الدين، إذاً، جعلنا نستعرض الطرائق التي عالج بها الفلاسفة شؤون الدين، كما جعلنا ندرك ان الكثير منهم، ان لم نقل اكثريتهم، دافعوا عن الايمان.


طبعاً، لا يحق لاحد ان يمنع علماءالنفس والكيميائيين وعلماء الاجتماع والمهندسين والاطباء والمؤرخين، او اي واحد سواهم، من تسجيل تأملاتهم والادلاء بآرائهم حول هذه الامور الخطيرة. لكنهم، اذ يفعلون ذلك، فهم انما يفعلونه لا كاختصاصيين في حقولهم المختلفة، بل كبشر تهمهم وتحركهم هذه المسائل كما تهم الفيلسوف وتحركه. من هنا كانت الفلسفة، بمعنى عميق، عمل كل الناس قبل ان تكون اختصاصاً علمياً محدداً. وطالما صرحت ان مسائل الفلسفة، ما لم تولد من هموم الناس واهتماماتهم، لا يمكن ان تحمل اي معنى او قيمة او فائدة للناس.


الفيلسوف يطرح اسئلة الناس هذه ويعالجها بطريقة منهجية، محاولاً تصحيح الاخطاء والتدقيق في اسئلة الناس واجوبتهم على المسائل الخطيرة في حياتهم، ومنها اصل الوجود ومعناه وقيمته ومصيره، وفحص الحجج التي يقدمونها دعماً او دحضاً لامر معين، مثل وجود الله ومعنى المعجزات وامكان حدوثها ومسألة الشر. وقد عالجت هذه المسائل في "المقدمة في فلسفة الدين" على نحو جعل الدكتور جورج صبرا يقول في كلمته: "العرض والمناقشات في هذا الكتاب على مستوى عال من الموضوعية والعمق والدقة... انه كتاب مهم وضروري لانه يعالج مواضيع دينية اساسية على اساس العقل والتجربة الانسانية، فيطرح اسئلة جريئة ويتعاطى معها بشكل علمي رصين. هكذا يملأ فراغاً في مجال التعاطي العربي المعاصر مع مسألة الدين". ويختم بأنه "كتاب سابق لاوانه. لكن في هذا ميزته الكبرى: لان كل فلسفة عظيمة كانت سابقة لاوانها، وإلا لما استطاعت ان تتخطى عصرها وتبقى".


إذاً، اعترف الدكتور صبرا ان الكتاب لا يقف عند استعراض تاريخ الفلسفة (الفصل الثاني)، بل يتجاوز ذلك الى معالجة منهجية لماهيّة فلسفة الدين ومسائلها. في اي حال، لا مبرر لاقامة هذا الخط الجامد بين "الفلسفة" و"تاريخ الفلسفة". وهو خط كانت تقيمه دوائر الفلسفة الجامعية في الماضي للتمييز بين "مواد تاريخية" و"مواد منهجية" تتيحها للطلاب. لكن ما من طالب رصين يقارب تاريخ الفلسفة إلا بقراءة اعمال الفلاسفة الكبار، وعلى الاقل الرئيسية منها. فالفصل المغلق بين المقاربتين امر غير دقيق.


* في نقطة نقدية ثانية، يقول الدكتور صبرا انك تذهب ابعد من تقديم الحجج الفلسفية المدافعة عن الدين الى اعلان موقف ايماني. وهذا، في رأيه، عمل اللاهوتي وليس عمل الفيلسوف.


- العديد من الفلاسفة الذين رفضوا الحجج الداعمة للايمان وقدموا حججاً داعمة للتشكيك او الالحاد وقفوا موقفاً تشكيكياً او الحادياً. ومن هؤلاء ديفيد هيوم ولودفيغ فويرباخ وكارل ماركس وفردريك نيتشه وبرتراند رصل. ما تقدمه الحجة الفلسفية ليس حبراً على ورق، بل هو دعم لموقف معين. وبما ان صاحب الحجة انسان يتخذ آراء ومواقف، فأقوى دعم لحجته هو التقيد بها والعمل بمقتضاها.


هناك، طبعاً، فرق بين مؤرخ الفلسفة، او مدرّس الفلسفة، والفيلسوف من هذه الناحية. المؤرخ او المدرّس يعرض المواقف المختلفة بموضوعية وامانة تامتين، مع الحجج الداعمة وغير الداعمة لكل منها، من غير ان يصرح عن موقفه الخاص. اما الفيلسوف فلا يكتفي بعرض الحجة والحجة المضادة، بل يفعل ذلك في اطار الاعلان والدفاع عن موقف معين. وأقل ما يفعله الفيلسوف المنهجي، اي الذي يتجاوز عمله عمل المؤرخ والمدرّس، هو اتخاذ موقف. لكني اعجب كيف يطالب الدكتور صبرا بتجاوز تاريخ الفلسفة، ثم عندما يحصل هذا التجاوز يعود مطالباً بالوقوف عند تاريخ الفلسفة.


في "المقدمة" اعتمدت منهج الفيلسوف. وكما جاء على غلاف الكتاب، فهو "يلبّي هدفاً مزدوجاً: (1) الاطلاع على آراء الفلاسفة من مصادرها الاساسية، بحيث يخدم كمرجع دراسي لطالب الاختصاص في الفلسفة وللراغب في الاطلاع على فلسفة الدين، و(2) نسج فلسفة خاصة للدين تعبّر عن قناعات المؤلف".


اما اذا ارتأى الدكتور صبرا ان يتبنى اسم "اللاهوت الطبيعي"، اي "العقلي" تمييزاً له عن "الموحى" للدفاع عن الايمان، فهذا أمر لغوي (فيلولوجي) محض. لكني لا اوافقه على هذا الخيار اللغوي، لانه يقصر الفلسفة على الحجج الداعمة للتشكيك والالحاد، فيما يحجبها عن الحجج الداعمة للايمان، فيرسخ، من حيث لا يقصد، الخطأ الشائع الذي يربط الفلسفة بالالحاد. طبعاً، يمكن ان تسمى فلسفة الدين، في احد جوانبها، لاهوتاً طبيعياً. لكن اللاهوت الطبيعي، اي البراهين الفلسفية على وجود الله والكلام العقلي في الالهيات خارج نطاق هذا الدين الموحى او ذاك، كان على الدوام جزءاً من الفلسفة. في أي حال، يبقى ما فعلته في المقدمة" فلسفة بالمعنى الصارم، لانه يقدم منهجاً او طريقة او منطقاً من غير ان يعطي عقائد. ويبدو ان الدكتور صبرا تناول "المقدمة" انطلاقاً من افتراضه انها مرجع جامعي او كتاب تعليمي. والاحرى ان "المقدمة" كتاب فلسفي منهجي، وان كان يخدم كمرجع دراسي أيضاً.


كتاب واحد لا يكفي


* نأتي الى اشارة القاضي طارق زيادة حول حاجة "المقدمة" الى فصل او بحث يتناول "الوحي والنبوّة في الدين: معنى الوحي والنبوة وتفسيرهما، وكيفية نزول خطاب الله في كلام البشر، والعلاقة بين النص الموحى به ووضعية البشر النسبية والتاريخية... هل تتفاعل الاديان في شأن مفهوم الألوهة ام تتباعد خطوطها؟"...


- الاستاذ طارق زيادة وجد في "المقدمة"، كما قال، "محاولة جادة للوصول الى فلسفة دين متكاملة". واضاف ان اهمية "المقدمة" تأتي "من كونها طرحت كل المسائل المنهجية في فلسفة الدين". لذلك يشكل الكتاب، في نظره، "اضافة اساسية في الفكر الديني اللبناني والعربي".


لا شك ان موضوع الاعلان الالهي او النبوّة او الوحي مهم جداً، ويمكن ان يحتل فصلاً طويلاً في كتاب حول فلسفة الدين. ولعلّي اعالج هذا الموضوع في كتاب لاحق. الا ان كتاباً واحداً، مثل "المقدمة في فلسفة الدين"، لا يمكن ولا يجوز ان يستنفد كل المسائل القابلة للادراج تحت فلسفة الدين. وفي كتابي الجديد "وحدة في التنوع"، تطرقت الى مسائل أخرى لم اتطرق اليها في "المقدمة"، ومنها: الاديان الاخرى والحوار، التعصب والتسامح، الدين والدولة، الايمان والالحاد، العلم والدين، الرعاية...


* من الطبيعي ان تكون هناك ملاحظات نقدية من  اوساط اخرى. هل تذكر بعضها؟


- طالما سمعت نقداً عمومياً لفلسفة الدين كموضوع علمي. هذا النقد يأتي من وسطين مختلفين: وسط المشتغلين باللاهوت العقائدي، ووسط المحتكمين الى الخبرة الدينية العملية.


العديد من العاملين في اللاهوت العقائدي يأخذون نقاط انطلاقهم من مسلمات ايمانية لا يعرضونها لاي نوع من الفحص او الدرس او النقد او التعديل. وبما ان هذه المنطلقات تابعة لدين او مذهب معين ومتعارضة احياناً مع ما تقوله الاديان او المذاهب الاخرى، فأصحابها يتبنّونها ويدافعون عنها بأي ثمن فيما يقفون موقفاً رافضاً وسجالياً من سواها. واعطي مثلاً عن هذه العقائد ما يتعلق بمفهوم العجيبة او المعجزة. اذا كان مذهب معين يعزز التعلق الشعبي بالاحداث الخارقة، فاللاهوتي العقائدي التابع لهذا المذهب ينزع الى تبرير هذا الامر باندفاع غير موزون وغير متعقل. اما الفيلسوف فيطرح اسئلة اساسية حول المعجز، نابعة من الاتزان العقلي، وكذلك من الغيرة على الايمان الديني اذا كان هذا الفيلسوف مؤمناً. بعض اللاهوتيين التقليديين يتبنون التعريف الشائع للعجيبة من حيث هي "خرق للقانون الطبيعي". ولان هؤلاء يفتقرون الى العمق النابع من الموقف النقدي، فهم يتحمسون لكل ما هو خارق وان كان من قبيل الخرافة ومما يشكل عثرات في طريق الايمان. ولو دققوا في ماهية القانون الطبيعي لربما وجدوا انه هو المعجز الحقيقي الاصلي، وان المعجز بالتالي هناك، في هذا العالم الذي خلقه الله، قبل ان يكون في خرق القانون.


إن اللاهوت العقائدي، الذي ينطلق من مقولات دين معين محاولاً تفسيرها والدفاع عنها، لا يستقيم من دون دفاع عقلي عن صحة هذه المنطلقات او امكان تبنيها. وهذا ما تفعله الفلسفة، وبالتحديد فلسفة الدين. وهي، اذ تفعل ذلك، تقدم طريقة او منهجاً، ولا تعطي محتوى عقائدياً. لذلك لا يستغني اللاهوتي العقائدي عن دراسة الفلسفة كما يدرسها المختصون، وكذلك عن ثقافة عامة واسعة.


اما الذين يحتكمون الى الخبرة الدينية فيقيمون خطاً فاصلاً بين الكلام النظري عن الدين والحياة الدينية العملية. ونقدهم لا يقتصر على فلاسفة الدين، بل يتعداهم الى اللاهوتيين العقائديين. طبعاً، هناك فرق شاسع بين الممارسة النظرية في الكلام عن المسائل الدينية والممارسة العملية في ان يحيا المرء حياة دينية ملتزمة. وهذا قد يشكل ازمة لدى بعض المؤمنين الذين يتخذون من الفكر الديني مهنة لهم، كما حصل فعلاً مع الغزالي في الاسلام وتوما الاكويني في المسيحية، اذ واجه كل منهما ازمة كيانية عندما وجد ان عمله النظري، اي تأليف الكتب العلمية، في شؤون الدين سلبه الوقت الذي يودّ ان يتفرغ خلاله للتقرب من الله  عبر التأمل والصلاة. لذلك انقطع الاثنان في النهاية الى الممارسة الروحية. لكني لا أظن ان أياً منهما أسف على وقت أضاعه في الكتابة لإنارة العقول.


في كل حقل، لا في الدين وحده، هناك "النظري" و"العملي". الا نجد هذا في السياسة والاقتصاد والاعلام والكيمياء ومختلف الحقول؟ لكن لا شك ان النشاط النظري ضروري جداً للنشاط العملي، لكي ينقّى هذا من الشوائب ويمارس على وجه افضل. واذا شئنا الا يساء استعمال الدين - فيؤدّي الى البغض وهو دافع للمحبة، والى العنف وهو دافع للرحمة، والى الحرب وهو دافع للسلام - فلا بد من كل الدراسات النظرية التي تتناول الوجه العملي بالدرس والتحليل والايضاح وتحفز على تصحيحه. وفي طليعة هذه الدراسات الفلسفة.

 

 
تعليق: جورج ناصيف - النهار 8 آب 2004
عنوان التعليق: عمارة فلسفية ترد الى الدين كرامته

يصعب ان تعقل كتاب أديب صعب الجديد "وحدة في التنوع (دار النهار، تشرين الثاني 2003) وتبلغك مقاصده، ان أتيته مفرداً في ذاته. فالرجل صاحب عمارة فلسفية مترابطة باحكام عبر كتب سابقة لهذا الكتاب، هي: "الدين والمجتمع" و"الاديان الحية" و"المقدمة في فلسفة الدين". وهو، في كتبه الاربعة هذه التي شيّدها بجدارة يغبطه عليها كثيرون، صاحب مشروع يتجاوز النظر المجرد في ماهية الدراسات الدينية ومبادئ فلسفة الدين، مثلما يتجاوز الوقوف على الأساسي من عقائد ومؤسسات وطقوس الاديان الكبرى الحية في العالم، الى اقتراح عمليّ يراه الجدير بأن يردّ الى الدين معناه وكرامته وقدرته على اخصاب البشرية بالكلام الإلهي.


وفي ودّي ان افرد اهتماماً خاصاً لهذا المشروع الذي يصفه المؤلف بالانتقال مما هو سائد من تعليم عقائدي تقليدي للدين في المدارس الى تعليم وصفي او موضوعي لجميع الاديان يتولاه متخصصون في الدراسات الدينية. ولا افعل هذا تقليلاً من قيمة المباحث التي اشتمل عليها الكتاب الاخير "وحدة في التنوع" والكتب السابقة بل لأن مسألة تعليم الدين على الوجه الذي اقترحه المؤلف تشكل الجانب العملي من مشروعه.


تأتي نظرية صعب لتعليم الاديان كجزء لا يتجزأ من فلسفته الدينية. هذه الفلسفة تتناول مسائل مثل: ماهية الدين، مفهوم الالوهة، نطاق الدين، منطق الدين، العقل والايمان، الدين والاخلاق، مسألة الشر، معنى الحياة، الموقف من الموت، الاديان الاخرى والحوار، التعصب والتسامح، الدين والدولة.


إلا ان التعليم الديني التقليدي كما تمارسه مدارسنا حتى اليوم يغفل عموماً هذه المسائل المهمة، حتى اذا اصطدم المتعلم بنظرية علمية او فلسفية من شأنها ان تهدد الدين ظاهرياً فهو يواجه ازمة التخلي عن ايمانه الديني. ولأن التعليم التقليدي يتجاهل عموماً ما تقوله الاديان الاخرى عن نفسها، فهو يحوّل الاختلاف بين الاديان الى خلاف في اذهان المتعلمين. وهذا الخلاف يتجلى في ما يسميه المؤلف "اللاهوت السجالي" (او الجدلي)، الذي ميز الكثير من الادبيات الدينية خلال الالفية الثانية. لذلك يدعو الى لاهوت جديد متأثر بالفلسفة، يسميه "اللاهوت الايجابي"، يأخذ مكان اللاهوت السجالي. وهذا يعني ان يدافع المفكرون من كل دين عن عقائدهم كما هي في ذاتها، بعيداً عن الانتقاص من عقائد الاديان الاخرى.


النظرة البديلة


في ضوء ما تقدم يجب ان نفهم نظرية صعب في تعليم الاديان. وهي نظرية بدأت مع كتابه الاول "الدين والمجتمع" عام ،1983 واستمرت حتى كتابه الاخير "وحدة في التنوع" الصادر بعد عقدين كاملين. النموذج التقليدي للتعليم الديني الذي يرفضه المؤلف يقوم على  تلقين كل دين او مذهب لاتباعه في المدرسة، بعد فصل تلاميذ الصف الواحد بعضهم عن بعض في ساعة الدين الاسبوعية. والى اخطار تمزيق الوحدة الاجتماعية، يبقى التلميذ جاهلاً ماهية الدين وتبريره وحقيقة الاديان الاخرى، بما فيها اديان مجتمعه، التي ينزع نحو النظر اليها نظرة مفاضلة من دون ان يعرفها. هذا عدا الاخطار النفسية للتعليم الديني التقليدي، التي تفرض المادة على المتعلم فرضاً، دونما اعتبار لمرحلة النضج التي يجتازها.


اما النموذج البديل في تعليم الدين فهو ان تقلع المدرسة - سواء اكانت خاصة ام رسمية، علمانية ام دينية - عن التعليم العقائدي وتتبنى تعليماً وصفياً او موضوعياً للاديان الحية، مع التركيز على الاديان السائدة في هذا الجزء من العالم، وان تطرح، الى جانب المسائل التاريخية، المسائل الفلسفية والاجتماعية والنفسية المتعلقة بالدين، ومنها: ما هو الدين؟ لماذا الدين؟ ما الفرق بين الدين والاخلاق؟ هل هناك تناقض او تعارض حقيقي بين العلم والدين؟ كيف يمكن ان نفهم لغة الدين؟ بأي الطرق او المناهج ندرس الفنون الدينية من رسم وعمارة وموسيقى وشعر وأدب؟


هذه المسائل اساسية لكي يفهم المتعلم دينه والاديان الاخرى على نحو افضل. لكن التعليم الديني التقليدي يتجاهلها، على اهميتها. والتعليم البديل يسمح للطالب ان ينظر الى  الاديان كلها نظرة فهم واحترام وتسامح، تزوده بالقدرة على التفكر في التحديات التي يواجهها الدين في مجتمع اليوم، ومنها الاسئلة التي تثيرها العلوم المختلفة في وجه الدين، كما تنمّي لديه الحس الديني والاخلاقي والجمالي ليذوق حلاوات الاديان واسهاماتها في حضارة البشر.


وعندما يأتي الكاتب الى التفاصيل، يرى الآتي:


* ان الموضوعات التي ستأتي عليها الدراسة الموزعة على سنوات والمتدرجة تبعاً لمدارك الطالب تشتمل على العقائد كما تقرها المؤسسة الدينية الرسمية، وعلى الطقوس او الشعائر، وعلى المؤسسات الدينية، مثلما تشتمل على الفنون والآداب الدينية، وتفيد في هذا كله من الفلسفة وعلمي النفس والاجتماع.


* يجب ان تكون مادة الدين مادة "شرعية" الزامية، اسوة بالمواد الدراسية الاخرى، العلمية والادبية والتاريخية وسواها، فتعطى فيها الامتحانات والعلامات التي تساهم في مرتبة الطالب وفي نجاحه ورسوبه.


* لا بد من ان يتسع حقل التدريس المقترح للعمل الميداني، وزيارة الصروح الدينية، واستخدام السمعيات والبصريات بما فيها الانترنت، واشراك الطلاب في اعداد البحوث، والتعاون بين مدرّسي مادة الدين ومدرّسي التاريخ والفلسفة والآداب والعلوم لما بين هذه الحقول من روابط.


* يتعين ان ينشأ في الجامعات ومعاهد الدراسات الدينية فرع اختصاص قائم في ذاته يعنى باعداد مدرسين مؤهلين علمياً وتربوياً وروحياً وخلقياً لتدريس هذه المادة وتأليف الكتب والوسائل الاخرى (السمعية - البصرية) التي تعين على تدريسها.


وتجدر الاشارة الى ان نظرية المؤلف لا تلقي التعليم الديني العقائدي خارجاً، بل تحيله على مؤسسات خاصة تنشئها كل طائفة لهذا الغرض. ولكل الطوائف اليوم مؤسساتها الخاصة للتعليم الديني، مع مواقع على شبكة الانترنت. هكذا يتكامل تعليم الدين في جانبيه الموضوعي والعقائدي، فتتولى المدارس العمومية الناحية الموضوعية، فيما تتولى المؤسسة الدينية الناحية العقائدية.


اسئلة ملحّة


قلنا ان مشروع صعب في تعليم الدين يتجاوز حدود الاقتراح ليشكل نظرية. وهي نظرية تربط تعليم الدين بالدراسات الدينية، واهمها تاريخ الاديان وفلسفة الدين وعلم النفس الديني وعلم الاجتماع الديني. اما اقتراح تعليم الاديان الحية في المدارس فقد طرحه مفكرون تربويون مثل موسى سليمان ومفكرون دينيون مثل المطران جورج خضر. وفي العام 1965 بادرت كوكبة من العلماء اهل الرأي الديني، قوامها السيد موسى الصدر والمطران جورج خضر والشيخ صبحي الصالح والاب يواكيم مبارك والدكتور حسن صعب، الى اقتراح تعليم الاديان في المدارس اللبنانية، وذلك في اطار سلسلة محاضرات عن "المسيحية والاسلام في لبنان" اقامتها الندوة اللبنانية لمؤسسها ميشال اسمر. وبادرت المجموعة لاحقاً الى لقاء الرئيس شارل حلو ومفاتحته بالامر، من غير ان يكتب النجاح لهذه المبادرة الريادية. وفي مقال للمطران جورج خضر صدر في "النهار" بتاريخ 6 شباط 1999 عرض للواقعة وثناء على الفكرة. ومما جاء في المقال: "لا شيء يقنعني اننا لا نحتاج الى دراسة الاديان علمياً. هذه لبنة اساسية عندي في بناء الوحدة الوطنية. وقد تكون هي ثورتنا المعرفية الكبرى. طرحي ان التعليم الديني المتبع الآن ليس بديلاً. العلمان ممكنان معاً. وتعليم الاديان يمكن ان يخضع لاجازة تستحدث، وتراقب روحية الاستاذ واخلاقه".


اليوم تأتي اقتراحات مماثلة من اوساط المشتغلين بالشأن العام، وبينهم عدد من النواب. وكانت حركة "حقوق الناس" عقدت ندوة موسعة في 4 آذار 2000 - اي بعد 17 سنة من صدور كتاب "الدين والمجتمع" - في نادي متخرجي الجامعة الاميركية، تناولت قرار الدولة (6 كانون الاول 1999) اعادة التعليم الديني الالزامي الى المدرسة الرسمية، فضلاً عن قرارها وضع كتاب موحد للمسيحيين وآخر للمسلمين يعهد بهما الى لجنة مشتركة في اشراف المركز التربوي للبحوث والانماء. مع موافقتي على هذه الدعوات إلا اني اطرح بعض تساؤلات عند هذا الحد:


* كيف يمكن كتابة بحث عن الدين يكون منزهاً حقاً عن الهوى ويلتزم موضوعية صارمة؟ بل كيف يكتفي هذا الكتاب بايراد وجهات نظر مختلفة من غير ترجيح بعضها او احداها؟ وماذا يفعل الكاتب عندما تتعدد وجهات النظر والتفاسير ضمن الدين او حتى المذهب الواحد؟


* أيكون الكتاب المحرّر، الذي يعهد بكتابة كل فصل من فصوله الى مؤرخ او عالم من الدين المعنيّ، افضل بالضرورة من الكتاب الذي يؤلفه كاتب واحد في هذا المجال؟


* ألا يمكن ان يؤدي تدريس الدين موضوعياً وربطه بنظام الامتحانات والعلامات الى افقاده شيئاً من حرارة الروح والباسه لبوس العقل البارد؟


* كيف نستطيع ان "نموضع" او "نعلمن" تدريس الدين في نظام طائفي يلعب فيه توظيف الدين في السياسة دوراً محورياً في الدولة والمجتمع؟ لا شك ان المشروع البديل جزء من عملية تربوية. فكيف يتم اقناع القائمين على النظام السياسي والحقوقي العام - وهو نظام طائفي - باقتراح من هذا النوع؟


* ألا يؤدي تدريس اديان كثيرة في مرحلة مبكرة الى ضرب من البلبلة لدى الناشئة؟ ألا يحسن ان يقتصر هذا النوع من التعليم على نهايات المرحلة الثانوية، بعد اكتساب الطالب النضج العقلي المطلوب؟


* كيف يحل التناقض الذي لا بد من ان ينشأ بين تعليم الدين موضوعياً في المدارس وتعليمه عقائدياً في المؤسسات الدينية؟ ألا يمكن ان يؤدي هذا التناقض الى تخبط، او الى عدم توازن، في اذهان الطلاب؟


* هل تؤدي معرفة الآخر، وهي من اهداف الدراسة الموضوعية للدين، الى التقارب والتوادّ حتماً، ام هل تكون احياناً مجالاً لتضخيم الاختلاف والافتراق؟ هل يصمد "ما يوحّد" امام "ما يفرّق"؟


* كيف تستطيع الهيئات المعنية، من جامعات وسواها، ان تنشئ فعلاً جهازاً تعليمياً على مقدار من الصفاء الروحي يتيح له ان يطل، بعقلانية وهدوء، على  الاديان كلها، محافظاً على الموضوعية المطلوبة وعدم المفاضلة بين الاديان؟


* ماذا في شأن المدارس الخاصة التي يرتادها نحو 70 في المئة من طلاب لبنان؟ معظم هذه المدارس تنتمي الى طوائف، وكل منها تدرّس الدين على طريقتها، ومنها ما يتجاهله او يبدله بالاخلاق؟


اطرح ما اطرح من تساؤلات وانا عارف ان دوام الحال في لبنان كما هي الآن سيفضي الى الفتنة الاكالة. ولا خلاص من غير مشروع سياسي - ثقافي - تربوي يتجاوز الطائفية بهدوء وحكمة.


كانت ثلاثية رائدة لأديب صعب. صارت رباعية.

 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟   
الاسم:
عنوان التعليق:
نص التعليق:
 

آداب و لغة
فلسفة
ديانة مسيحية
الإسلام و أديان العالم
علم النفس و التربية
علوم اجتماعية
تاريخ و جغرافيا
سياية و اقتصاد
علوم طبيعية و طبية
فنون
قانون
مراجع عامة
 
عن المكتبة | كتب | أفلام | تراتيل | الصفحة الرئيسية
SWS المكتبة الروحية 2005 - جميع الحقوق محفوظة - صمم هذا الموقع بواسطة شركة
Powered by O2 TECHNOLOGY