بحث سريع 

 

New Page 1
عنوان الكتاب:
مرافئ الوهم
المؤلف:
ليلى الأطرش
المترجم:
الموضوع:
آداب ولفة/قصص وروايات/قصص وروايات عربية
الناشر:
بيروت - الآداب
عام النشر : 2005 الطبعة: 1
القياس:
20x14 سم
عدد الصفحات: 176
السلسلة:
رمز التصنيف:
ق ع  178
   

أراء القراء   
تعليق: ياسين رفاعية - المستقبل 1 تشرين الثاني 2005
عنوان التعليق: "مرافئ الوهم" لليلى الأطرش: المرأة أكثر إنسانية من الرجل

تدور أحداث رواية "مرافئ الوهم" للكاتبة الأردنية ليلى الأطرش في لندن، وتضم المصادفات جميع أبطالها في المدينة البريطانية من دون أن ينعكس من جوها العابق بالأناقة والضجيج شيء على الرواية.. وهذا غريب، فالمكان هو الأساس، فإذا غُيّب عن النص يفقد النص إيقاعه. ما يلفت أيضاً أن كل حب ينتهي الى فشل، وإن المرأة العربية المطحونة بالتقاليد غالباً ما تعكّر حياتها هذه التقاليد إذا لم تدمرها تماماً.


شخصيات عدة في الرواية، ترويها اثنتان شادن وسلاف حيث تتقاسمان فصليها الأساسيين، وتمر بينهما الذكريات مجبولة بالواقع، فيما نلمح في السياق المرارة والإحباط من رجال لا يقيمون للمرأة وزناً، أكانت زوجة أو صديقة، أو زميلة عمل، وكأن مقولة "الرجال قوامون على النساء" هي الأساس وما زالت في شرقنا، وفي العالم تحديداً بحيث يتصرف الرجل كأنه الملك ويعامل المرأة كأنها جارية.


شادن معدة برنامج تلفزيوني وكاتبة في الوقت نفسه، وهي جاءت الى لندن لتجري مقابلة مطوّلة مع إحدى الشخصيات السياسية المعروفة والذي له نشاطات في القضية الفلسطينية، فإذا بنا نكتشف أنه كان حبيباً سابقاً لشادن التي تغيب غياباً كاملاً في الجزء الأول من الرواية وتحضر في الجزء الثاني، فيبدو لنا كأن الجزءين منفصلان، أو كأن كلاً منها قصة بحد ذاتها لا رابط بينهما إلا في الصفحات الأخيرة من الرواية. وهذا خلل واضح كان يمكن تلافيه، في المزج بين القسمين على نحو لا تجعل القارئ ينسى وجود شادن هنا أو سلاف هناك. ويمر في سياق النص إقحامات ثقافية إن صح التعبير أو للإشارة الى سعة معلومات هذه الشخصية أو تلك، حين تقرأ "ولكن تراثنا العربي ظل شفوياً متناقلاً فأفلت المحكي من الرقابة، لهذا نجد الكتابة والحكاية الشعبية أكثر جرأة وصراحة لأنها قفزت فوق أسوار الممنوع والمرفوض، وتخلصت من سطوة الرقيب، بينما اصطدم المدون بالقمع، فتقزمت الأفكار بمنعها وملاحقتها وصار للكتابة رقيبها الذاتي في وعي ولا وعي الكتاب والباحثين" الى ذلك من هذه الإقحامات والأقوال كثير.


طلاق


تشد الرواية القارئ في شخصيتين جواد ومطلقته سلاف، إذ يعبّر عن ندمه الشديد في طلاقها ويريد استعادتها بأي صورة، وعلى الرغم من أن لها ولدين منه أمل وعلي، لكنها ترفض أن تعود إليه مهما كان الثمن، لأن طلاقهما كان بسبب تصرفاته غير المعقولة، وإدمانه الكحول الذي يؤدي به الى الغضب بسبب أو بغير سبب، ففي مغامرة الحب تلج الى غير المتوقع، وتندفع الى ما كان محرماً. ففي محاولات جواد استرداد زوجته، ومحاولة إقناعه بالزواج الصوري من صديقه، ثم العودة إليه، كما في الشرع الإسلامي، كانت ترفض هذا الحل بالأساس. كيف يدفعها للزواج من صديقه، الذي ربما يرفض الطلاق بعد ذلك فتقع في الشرّين، فقد الزوج الحقيقي والوقوع في حبائل زوج لا تحبه ولا تريد أن تعيش معه، هذا في الشرع، فكيف في الأمور الأخرى، وفي الحوارات المتعددة بين الطليقين.. تظل الزوجة على عنادها، بل ورفضها أن تعود إليه مهما كان الثمن، وفي لحظة من اللحظات، يجمع كل ثروته المالية في حقيبة ويضعها أمامها تاركاً لها كل هذه الثروة، من أجلها ومن أجل ولديهما، ومع ذلك ترفض هذا الحل وتصرّ على أن تبقى بعيدة عن الرجل الذي بعد طلاقها صار يحبها أكثر من الماضي. ولا بد من التوقف عند مقولة للجاحظ في متن النص "تحب المرأة أربعين سنة وتقوى على كتمان ذلك، وتبغض يوماً واحداً فيظهر في وجهها ولسانها. والرجل يبغض أربعين ويقوى على كتمان ذلك، وإن أحب يوماً شهدت جوارحه كلها".


ولا بد أن تمر السياسة بكثرة في الرواية كأنها الخلفية الأساسية لشخصياتها، فمثلاً "تؤكد أنك لم تكن في الثورة كما قدمتك، وإن الحرية نسبية، ولهذا ليس هناك إعلام حر مطلق، لا في بلادنا ولا في أكثر الدول ديموقراطية، لأنه منْتَج يخضع لشروط واستحقاقات وأهواء الممول، وإن الصحافة اللبنانية أكثر الصحافة العربية تنوعاً، وأعلاها سقفاً للحرية، حرية التعبير والموضوعية. ودفعت وأصحابها ثمناً باهظاً لمواقفهم القومية، وأن بعضها لم يهاجر على الرغم من الحرب التي دمّرت بلداً بكامله.


المناضل


المناضل كفاح أبو غليون، الحبيب السابق والزوج الحالي لامرأة أخرى، هو أيضاً بطريقة ما يحاول استعادة حبه القديم، ولكنه يظل متكتماً أمام سيف المخرج التلفزيوني في تلفزيون الإمارات الذي جاء مع طاقمه لتصويره وإجراء حوار موسّع معه، والمناضل كفاح المحافظ على أناقته ورونقه وعطوره، كأن بين نضاله وشخصيته بون شاسع، وفي الحوار بينهما يطل الخليج العربي كخلفية سياسية: أتعرف يا أستاذ كفاح، نحن في الخليج تعلّمنا من الإنكليز والهولنديين الويسكي والنبيذ، وطبعاً السكائر. شركات البترول وفّرت ما اعتاد عليه رجالها وعمالها من الهنود والأجانب، وهؤلاء لا يشربون العرق وبعضهم لم يسمع به. ظلّت شركة شل تصرف لهم مخصصات شهرية من كل أنواع الخمور، ما نعرفه وما لم ندر به أنه موجود، وكلها معفاة من الجمارك (...) أتصدق؟ مات كثيرون من كبار القوم وصغاره بتشمع الكبد بينما المطاوعة لا يتحدثون إلا في الحلال والحرام، والحكومة لا تصدق أن كل ممنوع مرغوب، وكل ما فعلته أنها زادت تحرياتها وكبساتها ومداهماتها لكنائس الأنس. أوه.. آسف.. آسف. لم أقصد، نسيت! هذا هو الإسم الحركي لمجالس الشراب.. وكيف خرج سيف من حواره مع أبو غليون، أنه يقول لشادن: إكتشفت في حديثي معه، رجل الى رجل، إنه زير نساء. ولا أعتقد أنه كان سيخلص لو تزوجته. فتقول له: أنت آخر من يتحدث عن الإخلاص! والله مسكينة نور (نور زوجة سيف): لا.. لا مدام. نور حبي الوحيد الدائم. ومع ذلك يتراجع: لا.. أنا جبلت بحب حواء.. هكذا خلقت، فتعقب شادن: لا يكون الحب بلا إخلاص.. الغرائز تخلق في الناس جميعاً، ولكن الفرق بينهم بترويضها، وكلما نضج المرء أتقن لعبة السيطرة عليها وقننها أكثر.


وفي المقلب الآخر للرواية، يبرز جواد في نهايته مطرفاً متثاقلاً فيتعادل الغضب والحزن عندها (عند سلاف) لخطوات رجل مكدود، ويحضر القلب فتمسحه، تستجمع اللين لتمنع غضبه واحراجها في مكان عام. قبّل جواد وجنتيها فارتدّت، أحنى ظهره بما أحس:


 ألا تطيقين حتى أن ألمسك؟! معقول؟ أأنتَ سلاف حبيبتي.


ومع ذلك تصر نهائياً على عدم التعاطي معه، وأنها لن تعود إليه، بل وأنها لم تعد تحبه، لكن ما حصل بعد ذلك قلب كل التوقعات:


أيقظها الرنين وصوت سكرتيرة جواد: صباح الخير سيدة جبالي.. نقلنا جواد الى المستشفى. هل يمكنك أن تأتي الآن؟ ماذا حدث؟ أجابت لا أدري.. وجدته عاملة التنظيف ملقى على أرض المكتب، نحن في مستشفى كرومويل. أرجوك أسرعي.. يبدو الأمر خطيراً.


وهنا تشعر سلاف بالإثم. يعذبها ويشقيها مقدار المسؤولية عن بؤس الآخرين. وتعرف في المستشفى أن النصف الأيسر من زوجها أصبح مشلولاً تماماً. ولم يعد يستطيع الكلام. فتسأل: هل سينجو. قال لها الطبيب: أظن أنه سيتحسن إذا ظل وضعه الصحي مستقراً. وذلك مرهون بحالته النفسية ورغبته في الحياة. من المبكر الحديث عن هذا. سيبقى في العناية المركزّة أيام عدة، وإذا تجاوز الخطر سينقل الى مركز التأهيل ليخضع للعلاج الطبيعي وتقويم النطق.


وتطلب سلاف أن تراه، فيقول الطبيب: لدقيقة واحدة؛ ممكن.. ولكن لا انفعال أرجوك.. من أجله أولاً.


هكذا تدخل سلاف، واهداب جواد ستائر مطبقة، سوداء، طويلة وكثيفة، مسبلة، ووجهه مربّد، وحوله، وفوق صدره أجهزة وأنابيب تنغرس في أوردته، اقتربت منه ومسحت يده اليمنى. انتفض إذ هتفت باسمه، يقاومه ثقل العينين، ويخذله يباس الشفتين فيضيع كلام يريده، سالت دموع ظلّت عزيزة إلا لحبها، فانتحبت سلاف عالياً: سامحني جواد.. لم أستطع تحقيق ما تطلب. فقبلت يده فأغرقتها دموع نشيجها. فتعالى صوت وضربات أجهزة القلب والدماغ وأزيزها حولها، ركضت ممرضة فأبعدتها عنه غاضبة، وأخرجتها بالقوة... تخرج وتستنجد بصديقها شادن. وتأتي الصديقة وتحمل مسؤوليات سلاف التي تقرر هنا البقاء الى طليقها الزوج.. كأن الشفقة توقظ الحب من شديد، والذي يقول عنه سيف فيما بعد مخاطباً شادن وهما في طريق العودة الى الإمارات ساخراً:


 زوج مين يا عم! طليقها.. صحيح هذه امرأة مجنونة! تضحي بعملها لتبقى معه؟!.. ما زالت تحبه.. النساء لا يعرفن الوسطية حين يعشقن. بل طرفي النقيض. حب أعمى، أو حقد أسود. بالتأكيد تتمنى أن يشفى ويعيدها. فترد شادن: ولماذا لا يكون الدافع هو إنسانيتها ومراعاتها لعشرة كانت؟ أو حبها لأولادها؟ وربما كان هو من يحبها لا هي.


وهكذا تنتهي الرواية على مدى مفتوح.. ففي أحاسيس المرأة دائماً تطغى الإنسانية، وفي مواقف الزوجة من إسقاطات زوجها يطفو على السطح أولادها منه، فكيف يغفرون لها لو تخلّت عنه في هذه الحالة المأسوية التي وصل إليها زوجها السابق.. لن يغفروا لها، ولن تغفر لنفسها، فتتخلى حتى عن عملها كي تنصرف الى العناية به، وهنا تتجلى عظمة المرأة أمام زوج أهانها وهدر كل وقته في تعذيبها، فإذا بها وحدها من كل الناس، تقف الى جانبه في هذه المأساة مضحية بكل مستقبلها منصرفة الى العناية به الى أي أمد بعيد، من دون أن تعرف ماذا يخبئ لها المستقبل.

 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟   
الاسم:
عنوان التعليق:
نص التعليق:
 

آداب و لغة
فلسفة
ديانة مسيحية
الإسلام و أديان العالم
علم النفس و التربية
علوم اجتماعية
تاريخ و جغرافيا
سياية و اقتصاد
علوم طبيعية و طبية
فنون
قانون
مراجع عامة
 
عن المكتبة | كتب | أفلام | تراتيل | الصفحة الرئيسية
SWS المكتبة الروحية 2005 - جميع الحقوق محفوظة - صمم هذا الموقع بواسطة شركة
Powered by O2 TECHNOLOGY