بحث سريع 

 

New Page 1
عنوان الكتاب:
بيروت مدينة العالم 2
المؤلف:
ربيع جابر
المترجم:
الموضوع:
آداب ولفة/قصص وروايات/قصص وروايات عربية
الناشر:
الدار البيضاء - المركز الثقافي العربي
عام النشر : 2005 الطبعة: 1
القياس:
21x14 سم
عدد الصفحات: 415
السلسلة:
رمز التصنيف:
ق ع  100
   

أراء القراء   
تعليق: كمال الصليبي - السفير 14/11/2008
عنوان التعليق: ثلاثية ربيع جابر: رواية الماضي الحاضر

كنت أحب المشي في بيروت عندما كان المشي فيها متيسراً، ومن ذلك معرفتي بشكلها: منخفض ضيق من الأرض يمتد من الجنوب إلى الشمال، حيث البحر، وهضبتان على جانبي المنخفض، واحدة من ناحية الشرق تسمى الأشرفية، والثانية من ناحية الغرب تسمى المصيطبة وتنتهي برأس بيروت. أنا ولدت في محلة »كركون الدروز«، في المصيطبة، عام .١٩٢٩ ومنذ عام ١٩٤٣ وأنا أعيش في رأس بيروت. ولهذا السبب أعتبر نفسي بيروتياً، وإن كنت في الأصل جبلياً من جوار قرية بحمدون. ربيع جابر، صاحب الثلاثية »بيروت مدينة العالم« (بيروت، ٢٠٠٣ ـ ٢٠٠٧) ولد، هو أيضاً، في المنطقة الغربية من بيروت، على ما أعتقد، عام ،١٩٧٢ وهو يعيش حالياً في المنطقة الشرقية منها. ولعله يعتبر نفسه، مثلي، بيروتياً، رغم كونه في الأصل جبلياً من قرية كفرنبرخ، في جبال الشوف.


في الأيام التي كنت أمشي فيها في بيروت، منطلقاً من ناحية »المنارة« الى »فرن الشباك« أو الى أقاصي هضبة الأشرفية عند »كرم الزيتون« المطلّ على مزارع »سن الفيل«، كنت أميز في طريقي بين المباني والبيوت التي يعود عهدها إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر أو أوائل القرن العشرين (زمن »تركيا الفتاة«)، وتلك التي شيّدت في زمن الانتداب الفرنسي أو بعد خروج الفرنسيين من بلادنا. هذه المباني والبيوت زالت بمعظمها من الوجود مع الوقت، لكني ما زلت أراها في مخيلتي قائمة حيث كانت. لذلك، عندما بدأت أقرأ قصة بيروت و»حارة البارودي« من البلدة القديمة، التي أقام الفرنسيون مكانها مبنى البلدية حسب قول ربيع جابر، وجدت نفسي في موقع »الكونت سليمان ده بسترس surtsuB ed«، بشخصيته الروائية المركبة، الذي روى عنه جابر قصة حارة البارودي من بدايتها إلى نهايتها. الكونت سليمان هو العليم بأمرها، لكونه ابن سلطانة بنت الحاج عبد الغني البارودي الذي بموته غرقاً ببحر بيروت خلال سنوات الحرب العالمية الأولى انتهت سلالة الذكور من أبناء وأحفاد عبد الجواد أحمد البارودي، مؤسس البيت.


يخبرنا جابر في بداية الجزء الأول من ثلاثيته أنه التقى بالكونت ده بسترس للمرة الأولى في شتاء ،١٩٩٥ وللمرة الأخيرة في ربيع ٢٠٠٣ حين كان الكونت في الثامنة والتسعين من عمره. وأنه عندما علم بعد ذلك بوفاة الكونت لم يذهب إلى جنازته. ...الآن لا أدري ماذا أصنع.. حين أموت يموت صوت الكونت كما سمعته. أذهب من هذا العالم ويذهب معي عالم الكونت سليمان ده بسترس. (١: ١٦ـ١٩).


خلق ربيع جابر شخصية الكونت ده بسترس لغرض محدد، وهو أن يكون الراوي الأصلي لقصة حارة البارودي وما يتبعها من أخبار بيروت في المئة سنة الأخيرة من زمن آل عثمان. في بداية تلك الفترة، أي قرابة عام ،١٨٢٠ كانت بيروت بلدة ساحلية صغيرة، سكانها خمسة آلاف نسمة، تقتصر مساحتها على قطعة ضيقة من المنخفض الذي يفصل بين هضبة الأشرفية إلى الشرق وهضبة المصيطبة إلى الغرب: مستطيل محاطّ بسور له ستة أبواب، عرضه من الشرق إلى الغرب ٣٤٥ متراً، وطوله من الجنوب الى الشمال (حيث واجهة البحر) ٥٤٠ متراً. وبين هذا المستطيل وهضبة الأشرفية أرض سهل غير مسكونة كانت تسمى سهلات البرج. وعلى جانبي المستطيل (بما فيه سهلات البرج الخارجة عن السور) تمتد البراري والمزارع والمراعي.


إلى هذه البلدة الصغيرة، وفي وقت ما بين عامي ١٨٢٠ و،١٨٢٢ وصل شاب بذراع واحدة، ابن خمسة وعشرين عاماً على الأكثر، هارب من دمشق بعد أن طعن أخاه الأكبر ـ وهو شريكه في دكان خضار خارج الجامع الأموي ـ بسكين موز في خاصرته. وعندما علم الشاب، بعد أيام، أن أخاه لم يمت، شعر براحة ضمير وقرر البقاء في بيروت نهائياً: قال »إنه لا يترك بيروت بعد اليوم.... قال إنه لا يغادر البلد أبداً، وحين يموت لا يريد إلا أن يدفن في تربتها« (١: ٤٩). وعندما جاء من يقول له، »لكنك بلا مال« أجابه، »بعون الله يصير عندي مال«، وعندما أردف السائل، »وبلا أهل«، ابتسم وأجاب: »قال هو الله أحد. إن شاء الله يصير عندي أهل« (١: ٤٩ـ٥٠).


هذا الشاب ذو الذراع الواحدة كان عبد الجواد أحمد البارودي، الجد الأول لآل البارودي في بيروت. سكن في البداية في وقف الجامع العمري حيث لازم الشيخ عبد العزيز الحوت، إمام الجامع. وأعجب الشيخ الحوت به، فأقرضه ما يلزمه من المال ليؤسس لنفسه دكان خضار، ثم ليشتري قطعة أرض حيث مبنى البلدية اليوم ليبني لنفسه فيها بيتاً بيده الواحدة. وبعد ذلك سعى له الشيخ الحوت بالاقتران بصفيّة ابنة مصطفى غندور الفاخوري، من الأسر البيروتية المعروفة.


رُزق عبد الجواد بكره شاهين في أواخر .١٨٢٤ ونزفت زوجته صفية بينما كانت تلد حتى كادت تموت، فلم يقربها بعد ولادتها مدة ثلاث سنوات خوفاً عليها من أن تحبل ثانياً. وهو الذي كان يريد أن تتكاثر سلالته »حتى تملأ عليه ـ على غربته ـ بيروت كلها« (١: ١٤١): زوجته صفية لم تلفظ كلمة واحدة حين أعلمها أنه سيجلب زوجة ثانية إلى البيت.


وهكذا بدأت ممتلكات عبد الجواد البارودي تتوسّع حيث اليوم مبنى البلدية في قلب بيروت، مقابل الجامع العمري. عندما أكمل بناء بيته الثاني هناك على بعد ثلاثين خطوة من بيته الأول، أنزل فيه زوجته الثانية سهيلة حسن النابلسي. كانت نحيلة في البداية، ثم أخذت تضخم وتزداد سمنة بعد الزواج حتى صارت ضرتها صفية الفاخوري تسميها »البقرة النابلسية« (١: ٢٩٢). زادت شهيتها للأكل بشكل ملحوظ بعد أن وضعت بنتها الأولى زهرة، ثم بنتها الثانية سوسن، وبخاصة عندما حل أحد أبناء نابلس في بيروت وفتح فرناً يصنع فيه الكنافة النابلسية. إذ ما إن لاحظت سهيلة إعجاب زوجها بالكنافة حتى أخذت تتفنن في إعدادها له في البيت، وكذلك في إعداد غير الكنافة من الحلويات. أضف الى ذلك ازدياد تفننها بالطبخ.


وما لبثت سهيلة (أو أم زهرة) أن وضعت لزوجها بنتاً ثالثة سماها ياسمينة. ومن بعد ولادة بنته الثالثة رجع المعلم عبد الجواد الى بيته الأول وزوجته الأولى رجوعاً كاملاً لفترة من الوقت، إلى أن أخذ يعدل بين الزوجتين. وكانت النتيجة أن صفية الفاخوري راحت تحبل مجدداً، بحيث وضعت للمعلم عبد الجواد ابنه الثاني عبد الرحيم عام ،١٨٢٧ ثم ابنه الثالث عمر عام ،١٨٣١ فيما سهيلة النابلسي وضعت له بنتاً رابعة سماها نرجس. وما عزاؤه بولادتها إلا كون بناته الأربع رائعات الجمال. وهكذا تأسس »صيت أسطوري« لبنات البارودي: »لم يرزق رجل من آل البارودي (في بيروت) بنتاً إلا وشهق الناس أمام جمالها« (١: ١٢٥).


في وقت ما بعد ولادة بنته الرابعة قرر عبد الجواد أن يبني بيتاً ثالثاً في نهاية »الطريق البيضاء«، ووقع اختياره على البنت النصرانية الحلبية الأصل هيلانة جروة لتكون له زوجة ثالثة وتسكن هذا البيت. طلبها من والدها، النجار السرياني الكاثوليكي بطرس جروة، فقُبل طلبه شرط أن تبقى البنت على دينها، لكونها »لا تنام الليل قبل أن تركع وتصلي للبابا في روما« (١: ٢٠٧). لكن هذا الوضع ما لبث أن تغير جذرياً بعد الزواج: »هيلانة جروة البارودي أحبت عبد الجواد أحمد البارودي كما لم تحب مخلوقاً قط. لا حبها لأمها، ولا حبها لأبيها، ولا حبها للبابا في الفاتيكان، ولا حبها للرب يسوع المسيح نفسه (١: ٢٠٧ ـ ٢٠٨).


هيلانة جروة لم تنعم بحياتها الزوجية طويلاً، إذ لم يكن حملها بان بعد عندما قضت بالحمى المالطية القاتلة التي كانت تأتي عن طريق شرب الحليب دون أن يُغلى أولاً. كانت وفاتها مناسبة للمصالحة بين ضرتيها، أم شاهين وأم زهرة، اللتين اشتركتا في غسلها وتكفينها. وسار الحاج مصطفى الفاخوري، والد أم شاهين، في مأتمها إلى جانب صهره عبد الجواد. وبعد الدفن التفت إليه وقال: »الآن يا ابني صرت بيروتياً. الواحد لا يصير ابن البلد إلا حين يدفن موتاه في تربة البلد« (١: ٢١٨).


بعد فترة من وفاة هيلانة جروة، وأربعين يوماً من وفاة زوجته الأولى صفية الفاخوري بداء السل (١: ٢٤٩)، فاجأ عبد الجواد البارودي المجتمع البيروتي باتخاذ بنت يتيمة الأب من آل الحص تدعى سعدية لتكون زوجته الرابعة. فولدت له سعدية بنتاً خامسة سماها هند (بحيث صارت هي تكنى أم هند)، ثم بنتاً سادسة سماها ورد. وكان عبد الجواد توفى عام ،١٨٤٠ وهو لم يقرب الخمسين بعد، حين وضعت سعدية الحص بنتها الثالثة ـ والبنت السابعة لزوجها المتوفى ـ التي سمتها هي، هي المرة، فاطمة. وهي التي تزوجت لاحقاً رجلاً من آل الداعوق من رأس بيروت، وتوفيت قبل بلوغها سن التسعين في شتاء ،١٩٢٩ أي قبل ولادتي أنا في كركون الدروز بثلاثة أو أربعة أشهر.


وكان عبد الجواد، قبل سنة من وفاته، اقتنى جارية شركسية اسمها كلفدان عرف عنها أنها ولدت تسعة بنين وبنتين لأسيادها السابقين، وقد حافظت على جمالها ورشاقتها رغم ذلك. فحبلت منه هذه الشركسية، لكنها ماتت وهي تلد وكذلك مات الجنينان الذكران الضخمان اللذان كانت تحملهما: الواحد أثناء الولادة والثاني بعدها بخمس ساعات (٢: ٨٤ ـ ٨٦).


شخصية خالدة


لعل ربيع جابر خلق شخصية عبد الجواد أحمد البارودي من العدم لينسج حولها ما نسج من تاريخ لبيروت في عصره وعصر أولاده وأحفاده. أو لعله خلقها من نواة تاريخية لا تبعد كثيراً عن العدم. لكن المهم أنه نفخ في هذه المادة الأولية من الروح ما يكفي ليجعل منها شخصية روائية خالدة: شخصية حية متحركة تتجلى فيها صورة الرجولة الشرقية التقليدية كاملاً بقوتها وبضعفها، بخشونتها وبرقتها، وبإنسانيتها وأريحيتها غير المحدودة. هذا هو الشاب عبد الجواد الهارب من دمشق: مثلاً، يجتمع في بيروت لأول مرة مع الشيخ عبد العزيز الحوت في الجامع العمري: »جلسا في مدخل الجامع، تحت القناطر الحجر العالية الباقية إلى اليوم، وتكلما بينما يشرفان على زحمة »سوق العطارين« الذي اندثر الآن ولم يبق منه أثر...« (١: ٥٠ـ٥١).


وها هو المعلم عبد الجواد في دكانه الجديدة، وراء الجامع العمري، بعد شهر أو شهرين من لقائه بالشيخ الحوت: »يقف بين صناديق الخضر والفاكهة في دكانه المطلة على حارة اليهود، عند نهاية سوق الحدادين، يزن البندورة الحمراء والخيار الأزرق في الميزان، ويقدم لزبائنه المداومين هدايا صغيرة: ربطة من النعناع الفواح الرائحة، ربطة من البقدونس طري الورق« (١: ٨٨)... (١: ١٠٦).


حوانيت الشوّائين في بيروت في ذلك الوقت لم تزد عن خمسة، وجميعها في وسط البلد. لاحظ عبد الجواد الزحمة أمامها، كما لاحظ لأول مرة تزايداً في حركة تجارة البحر في المرفأ. كان ذلك بعد زواجه الأول وولادة بكره شاهين. أخبر الإمام الحوت أنه يريد أن يفتح حانوتاً للشواء على مقربة من المرفأ، إذ لم يكن يقدم على شيء بلا مشورته وبلا بركته، فقال له الإمام إن ما يفكر فيه هو عين الصواب ونعم التفكير (١: ١٠٩ ـ ١١٠). وهكذا أصبح لعبد الجواد باب رزق جديد ينمو ويتوسع مع التوسع التدريجي لتجارة البحر بين أوروبا الصناعية وبلاد المشرق.


راقب عبد الجواد السفن النمساوية والإيطالية والفرنسية والإنكليزية يزداد ظهورها في مياه بيروت، وراقب البلدة تتبدل شيئاً فشيئاً، فقرر أن يزيد في توسيع أعماله، وتشارك ـ هو ونسيبه خالد بن مصطفى الفاخوري ـ مع تاجر سرياني من نصارى حلب اسمه سمعان الصايغ في متجر بسوق البازركان لبيع الطنافس الفارسية والمنسوجات الحلبية المزركشة بالقصب وخيوط الذهب. كان ذلك بعد ولادة ابنه الثاني عبد الرحيم، وقبل ثلاث سنوات تقريباً من الفتح المصري لبلاد الشام عام ١٨٣١ (١: ١٩٣): تجارة عبد الجواد أحمد البارودي لم تجلب له يوماً هموماً وأحزاناً. بل بالعكس: أعطته الرخاء والازدهار والراحة. أينما زرع قرشاً نبت له القرش عثملية. الله يفتحها في وجهه أينما ولى وجهه. (١: ١٩٧ ـ ١٩٨).... (١: ٢١٥ ـ ٢١٦).


التقى عبد الجواد البارودي بموسى يعقوب مزراحي لأول مرة يوم اشترى منه الدكان لبيع الخضار، أي بعد أيام من وصوله إلى بيروت. هذا اليهودي العجوز بشعره الطويل المربوط تحت طاقية سوداء (١: ١٣٧) وبيديه المرتجفتين وابتسامته الحزينة، كان جالساً على مصطبة الى يمين دكان فارغة من البضاعة، ورأى الشاب صاحب الذراع الواحدة الغريب عن البلدة يمر أمامه، فألقى عليه السلام وسأله: »هل أنت ضائع يا بني؟« أجاب عبد الجواد أنه يبحث عن دكان، فقال له: »خذ دكاني«. ـ »كم تريد؟« ـ »خذه! خذه!« (١: ٧٩ ـ ٨١). وهكذا أصبح موسى يعقوب مزراحي أول صديق لعبد الجواد أحمد البارودي في موطنه الجديد. يأتي لزيارته كل يوم ويجلس على المصطبة إلى جانب مدخل الدكان كما اعتاد أن يفعل، فيشرب الاثنان القهوة معاً ويدخنان لفافات التبغ والأراجيل. يقوم بخدمتهما صبي الدكان النبيه الذي خلقه ربيع جابر بشحطة قلم حيث قال، »ليكن اسمه يوسف منيمنة« (١: ١٠٤)، وينضم إليهما بين الحين والآخر الخياط حمادة المصري والشماس الأرثوذكسي العملاق إلياس دباس، من كنيسة مار جرجس المجاورة. اشتهر الشماس دباس بمغامراته الليلية الصاخبة عندما كان في عز فتوته، وقبل أن يلتحق بخدمة الكنيسة. التقى به أربعة حراس ذات ليلة في زقاق مهجورة »وهو يغني مبرطماً في الظلام، نصف سكران، فتمكنوا منه بعد عراك وأشبعوه ضرباً ولطماً في وجهه حتى سال الدم من أنفه وعينيه وأذنيه« (١: ١١٢):


يوسف منيمنة سمع هذه القصة من فم الخياط حمادة المشهور في البلد بحكاياته. الحكواتي الذي يقعد في قهوة البازركان أول المساء ويروي سيرة عنترة لا يعرف أن يروي القصص مثل الخياط حمادة... وأفضل الحكايات عنده تلك التي يسخر فيها من صاحبه الشماس. الاثنان يتبادلان الغمز واللمز طوال الوقت. من يرهما للمرة الأولى يحسبهما على وشك التعارك وتبادل الضربات.... (١: ١١٣).


موسى يعقوب مزراحي كان يجلس على مصطبته فيما »الغمز واللمز« يدور بين الخياط حمادة والشماس دباس، والابتسامة الحزينة لا تفارق وجهه. كان في السابق يصنع الأعواد في دكانه، وكذلك الأوتار للأعواد. والناس تقصده لشراء بضاعته من مختلف أنحاء بلاد الشام. وقد اشتهر هو نفسه كضارب وتر لا يضاهى، وكصاحب صوت ندر مثيله في الغناء، إلى أن حلت به تلك الرجفة التي أقعدته عن العمل وجعلته يبدو هرماً وهو بعد في بداية الخمسينيات من عمره (١: ٩٣ ـ ١٠٠). كان ترمل في تلك الأثناء، وصار يعيش في حي اليهود المجاور، تعتني به أخت له غير متزوجة اسمها ملكة. يصعد أحياناً إلى الجبل راكباً على بغلة ليتفقد ابنته سارة وزوجها داود ليفي وأولادهما في بلدة دير القمر، أو هو يوجه بغلته الى صيدا ليتفقد هناك أولاد ابنه المتوفى ساسون مزراحي. »هؤلاء الأحفاد ـ مثلهم مثل أقاربهم آل ليفي في دير القمر ـ سيحملون ذكرى الجد الراجف اليدين زمناً طويلاً في ذاكرتهم، وينقلون الذكرى الى أولادهم وراثياً، كما ينتقل لون العينين، كما تنتقل الإيماءات والنظرات من جيل إلى جيل« (١: ١٣٨):


مات العجوز مزراحي في يوم جمعة. كانت السوق فارغة. المسلمون الذين خرجوا من الجوامع بعد الخطبة، تفرقوا الى بيوتهم وبيوت أقاربهم. متاجر المسيحيين في بيروت هي أيضاً تقفل في أيام الجمعة. وكذلك متاجر اليهود القليلة. لن يعيش العجوز مزراحي إلى زمن إبراهيم باشا المصري ليبصر دكاكين مفتوحة أيام الجمعة. لن يحيا ليسمع أجراس الكنائس تقرع.... مات العجوز مزراحي في يوم جمعة قاعداً وحده في مكانه كالمعتاد، على الطراحة التي رقت وتمزقت أطرافها، على المصطبة الحجر أمام مشغله القديم الذي صار دكاناً للخضار (١: ١٣٦ ـ ١٣٧).


بداية التغيير


دخل إبراهيم باشا وعساكره المصرية بيروت عام ،١٨٣١ وأدخل إليها بداية التغيير الذي استمر فيها على نطاق أوسع فأوسع بعد أن أخرجه العثمانيون منها، ومن كامل بلاد الشام، بمساعدة الإنكليز والنمساويين عام .١٨٤٠ وعشية اليوم الذي قصف فيه الأسطولان البريطاني والنمساوي بيروت للمرة الثانية ليجبروا المصريين على الخروج منها، تراءى لعبد الجواد البارودي أن العجوز مزراحي جاء في آخر الليل من وراء القبر لزيارته خارج بيته، حيث كان نائماً بسبب الحر والأرق الذي بات يعاني منه مؤخراً: ...حين رأى (عبد الجواد) وجه الرجل الآتي إليه في ضوء النجوم انبسطت أساريره.... هذا الصديق القديم لا يحمل خبراً مشؤوماً. جلسا على الفراش. بيده الضخمة أعد عبد الجواد أحمد البارودي لفافة تبغ لصديقه العائد من الموت. (١: ٣٥٥ ـ ٣٥٧).


بعد حديثه عن وفاة العجوز مزراحي، يأخذ ربيع جابر سلسلة من القفزات السريعة إلى الأمام لينتهي إلى وصف خروج آخر سليل لهذا العجوز من صيدا بعد أكثر من مئة وخمسين سنة: أبناء ساسون مزراحي ابن موسى يعقوب مزراحي، وأحفاد هؤلاء والسلالة المتشعبة، بقوا في صيدا أثناء الحكم المصري. بقوا في صيدا بعد زوال الحكم المصري سنة .١٨٤٠ وبقوا في صيدا بعد حوادث ١٨٦٠. قنابل ١٩٤٧ التي ألقيت على متاجرهم رداً على قرار تقسيم فلسطين لم تخرجهم من صيدا ولا حرب ١٩٤٨ أخرجتهم. (١: ١٣٨ ـ ١٣٩).... بقوا في صيدا عبر الحروب الأهلية، وحين دخل جيش الدفاع الاسرائيلي المدينة في صيف ١٩٨٢ كانوا هناك« (١: ١٤٢ ـ ١٤٣).


أحوال عبد الجواد أحمد البارودي تغيّرت كثيرا في السنوات التي تلت لقاءه الأول مع موسى يعقوب مزراحي. نرى عبد الجواد عام ،١٨٣٨ مثلا يخرج من حمام الدركاه (الى الغرب مما هو اليوم كنيسة مار جرجس للموارنة) في عباءة من الجوخ الانكليزي الثمين المقصّب، »محاطا بأبنائه الثلاثة، ومتبوعا بعبدين عملاقين لا يغادر بيته ـ او متجره في قيسارية الصاغة ـ من دونهما« (١: ٨٦). الدكان التي اشتراها من العجوز مزراحي في سوق الحدادين ما زالت تعمل، وان لم يكن بادارته المباشرة. حانوت الشواء ناحية المرفأ أصبح مطعما فيه طاولات وكراس، بحسب متطلبات العصر المتغيّر، يقدم ليس فقط المشويات والمتبلات، كما في البداية، بل أيضا الكنافة والحلويات الفاخرة على أنواعها، تعدها زوجته الثانية أم زهرة في بيتها. المتجر في سوق البازركان بات ملك عبد الجواد وحده بعد ان اشترى من شريكيه حصتيهما. اضاف اصنافا جديدة الى تجارته هناك ومنها الحلي والمجوهرات، بحيث صار يشار اليه بلقب »الجوهرجي«. »تجارته أعطته أمانا. لم تصبه بالأحزان. لم تفطر قلبه. ولم تهدّ صحته. أحزان عبد الجواد جاءت من مطرح آخر، »جاءت من قدس الأقداس: من ذريّته. تلك أحزان ستكسر قلبه وتقضي عليه« (١: ١٩٨).


شاهين


مشكلة عبد الجواد جاءت تحديدا من بكره شاهين الذي تحوّل فجأة من ولد الى رجل وهو لم يبلغ العاشرة بعد. كره أباه عندما علم بأنه ينوي الزواج مرة ثالثة. كان يساعده آنذاك في حانوت الشواء، فلم يعد يتحمّل أية ملاحظة منه. ثم ان جاء يوم صاح شاهين في وجه أبيه: »لا تصرخ!«، وهو يحدّق فيه بـ»نظرة تفلج جملا...، بنظرة مجرم. كأنه يريد ان يخنقه بيديه العاريتين« (١: ٢٠٣ ـ ٢٠٤). في ذلك اليوم خرج شاهين من بيت أبيه، ثم من بيروت، ولم يعد الى بلدته وأهله قبل أواخر شتاء ١٨٣٨: قاد القدر شاهين البارودي الى دمشق... الصدف جاءت به الى هنا، الى المدينة التي كانت بيت أبيه عبد الجواد، فلماذا لا يبحث عن آل البارودي؟ ما الذي يمنعه؟ دلّوه الى بيت المرحوم أحمد البارودي، ودلّوه الى دكان الخضر المجاور للجامع الأموي. شاهين لم يكن يعرف اسم عمه حتى تلك اللحظة... (١: ٢٨٣ ـ ٢٨٧).


تزوّج شاهين بعد عوته الى بيروت، وبنى له أبوه بيتا الى جانب بيت أمه المريضة صفية، »الحائط على الحائط. هكذا يبقى تحت نظرتها« (١: ٢٨٧ ـ ٢٨٨). لكن سرعان ما ماتت أم شاهين فيما ضُرّتها تعتني بها كأنها أختها وتمسح الدم عن شفتيها كلما سعلت (١: ٢٩٢). وحين بدأت التحضيرات العسكرية لاخراج ابراهيم باشا وجيشه من بلاد الشام اختفى شاهين البارودي من بيروت مجددا وراح يلتحق بالقوات العثمانية المتجمعة خارج قرية بحرصاف، على مقربة من خليج جونيه، استعدادا للمعركة الحاسمة مع القوات المصرية. كان سبق له ان تعاون مع الجيش العثماني ضد المصريين في السنوات التي قضاها بعيدا عن بلدته وأهله. وتوفي عبد الجواد دون ان يرى بكره من جديد.


شاهين البارودي قُتل في واقعة بحرصاف، وهكذا انتهى أمره. هاجمه جندي مصري من السودان وضربه بسيف هلالي الشكل في بطنه، فاندلقت مصارينه على جنبيه معفّرة بالتراب، »ثم سكن الكون.... رويدا رويدا تلاشت الخلايا الرمادية في (دماغه). بطيئا أتى الموت.... حين فتح عينيه رأى الغربان تهبط زاعقة« (١: ،٤٠٩ ٤١٣). هذا حسب الجزء الأول من الثلاثية. أما في الجزء الثاني فالرواية تختلف. شاهين أصيب في تلك المعركة واندلقت أمعاوه. صحيح. لكن المسعفين من الجيش البريطاني حملوه مع غيره من الجرحى الى مستشفى ميداني حيث أجريت له عملية جراحية أبقته حياً (٢: ١٥ ـ ٢١). وعندما تعافى من الحمى التي أصابته نتيجة للجراحة، تبين انه لم يعد يتذكر شيئا. حتى ولا اسمه، ولا من أين أتى (٢: ٢٥ ـ ٢٦). الأرملة العجوز النصرانية التي اعتنت به في فترة النقابة خارج قرية جبلية صغيرة بجوار بلدة بكفيا سمعته مرة يدمدم بكلمات غريبة، فقررت انه جندي تركي اتفق انه يتكلم العربية ايضا، جاء مع العسكر العثماني من بر الأناضول (٢: ،٢٧ ٣٠).


المهم ان شاهين البارودي لم يعد الى بيروت مع العائدين من واقعة بحرصاف، فاعتبر ميتا. وزوجته خديجة محمد قرنفل اعتبرت نفسها ترملت، وهي لم تحمل من شاهين بعد، فرجعت الى بيت أبيها قبل وفاة حميها في نهاية عام ١٨٤٠ بوقت قصير (٢: ٩٩ ـ ١٠٠)، وما لبثت ان اقترنت برجل آخر. وعندما مرّ شاهين ببيروت ليتجه منها بحرا الى الأناضول، لم يعرف البلدة. كان اختار لنفسه اسم سلمان بعد ان أخفق في تذكر اسمه الحقيقي، فأنهى أمره كجندي في الجيش العثماني يسمونه »كارا سلمان« أي »سلمان الأسود« وحضر »حرب القرم« التي ابتدأت بهجوم روسي على الأراضي العثمانية وانتهت بهزيمة كاسحة للروس على أيدي البريطانيين والفرنسيين والعثمانيين. في هذه الحرب التقى كارا سلمان بالشبان الذين جيء بهم من بيروت للمشاركة في القتال، ففوجئ هؤلاء بأن هذا الجندي التركي يتقن العربية (٢: ،٣٦١ ٣٩٦ ـ ٣٩٧). وكان في جملة الجنديين البيروتيين عمر بن عبد الجواد البارودي، شقيق شاهين الأصغر. قاتل الاثنان جنبا الى جنب في عراك مع الجنود الروس بالسلاح الأبيض خلال حصار ميناء سيفاستوبول، على البحر الأسود، وأصيب كارا سلمان خلال هذا العراك بطعنة في بطنه شبيهة بتلك التي تلقاها في واقعة بحرصاف قبل ستة عشر عاما: أشاح عمر البارودي بوجهه عن المصارين الحارة. دنا بوجه تعبان من كارا سلمان. أراد ان يسمعه، كأنه يريد ان يخبره أمرا! ماذا يهمس؟ تحرّك الفم. حركة خفيفة. بحلاوة الروح. انطبق الفم ثم انفتح. كأنه يرسل النفس الأخير.... انفجرت قنبلة... تعالى صراخ. لم يسمع عمر بن عبد الجواد البارودي همسة كارا سلمان: عمر! أنا شاهين! (٢: ٤١٣).


لماذا اختار ربيع جابر ان ينقذ شاهين البارودي من مناقير الكواسر التي رآها »تهبط زاعقة« عليه وهو يحتضر على هضبة بحرصاف، ليختار له هذه النهاية الميلودرامية ـ والتي تبدو لي عادية وغير مقنعة ـ على السواحل الشمالية للبحر الأسود؟ لعل في الأمر سرا أجهله، لأن غريزة جابر الروائية لا تخطئ في العادة. يبقى ان جابر لم يكن بحاجة الى مشاركة شاهين البارودي في حرب القرم التي شارك فيها العديد من شبان بيروت ودروز الجبل. وجود شاهين البارودي الى جانب هؤلاء كجندي تركي اسمه كارا سلمان لم يقدم ولم يؤخر في سياق القصة. وكذلك لم يؤثر باي شكل على مستقبل عمر البارودي الذي منعه ضجيج القتال ـ على ما يقول جابر ـ من ان يسمع كارا سلمان يهمس له وهو يحتضر: »عمر! أنا شاهين!«.


كان عمر البارودي في سن التاسعة حين توفي والده عبد الجواد، تاركا اياه في عهدة أخيه عبد الرحيم الذي يكبره بأربعة أعوام. وما إن بلغ سن العاشرة حتى أخذ جسمه يتغيّر بسرعه: »تضخم كأنه يتورّم، اخشوشن صوته وبانت عليه علامات الرجولة. صار شبيها بالمرحوم أخيه شاهين...« (٢: ١٣٠). بقي عمر يكنّى »الصغير« في أوساط العائلة حتى بعدما أخذت الأخبار تنتشر ـ ثم تتأكد ـ عن »غزواته في السوق العمومي«، وعودته الى البيت سكران في آخر الليل بعد سهراته الصاخبة و»رائحة العرق... تفوح وتسبقه مثل سرب فراشات« (٢: ١٣٥).


مات عمر البارودي وهو في سن الرابعة والثلاثين بداء الكوليرا (الهواء الأصفر) الذي حصد ما حصد من أهل بيروت عام .١٨٦٥ قضى حياته القصيرة بدون ان يقوم بأي عمل منتج. جال في الأرض واستقر مدة في حلب، حيث تزوّج بنتا سريانية من آل الحلو، من أقارب يل جروة أنسباء أبيه (٣: ٨١)، لكن زوجته الحلبية ماتت قبل ان ينجب منها. وبعد ذلك عاد عمر الى بيروت ولم يتزوّج من جديد. أخوه شاهين من قبله بدأ حياته جوالا في الأرض، لكنه تزوج نزولا عند رغبة والديه بعد رجوعه الى بيروت، ولعله كان أنجب البنين والبنات لو قُدّر له ان يعود من معركة بحرصاف الى عائلته حيا. وهذا ما لم يحدث. فقط عبد الرحيم، الابن الأوسط لعبد الجواد أحمد البارودي، بقي على الساحة بعد وفاة أبيه ليقيم نسلا له وليرث تجارته ويتوسّع بها. كان عبد الرحيم في صغره صبيا هادئا، على عكس أخويه. تعلّم القراءة والكتابة في »الكتّاب«، مثله مثل غيره من مسلمي بيروت في زمانه، ثم أخذ يرافق أباه الى المطعم ناحية المرفأ، حيث لم يكلّفه أبوه بأي عمل بل تركه يفعل ما يشاء (١: ٢٢٩). كان يُعتبر حتى ذلك الوقت كسولا تنبلا و»بليد الذهن بعض الشيء« (١: ٢٣٥)، الى ان فوجئ عبد الجواد برؤيته ذات يوم واقفا وراء مناقل الشواء، »يوجه التعليمات الى هذا وذاك، ويُشرف على أعمال المطعم بمهارة واحتراف، كأنه قضى حياة طويلة في هذه الأشغال« (١: ٢٥٦). منذ ذلك اليوم أخذ عبد الجواد أحمد البارودي يقرّب ابنه الأوسط عبد الرحيم منه بحيث أصبح مع الوقت الرفيق الملازم له في جميع أعماله: عبد الرحيم البارودي المولود قبل ثلاثة أعوام او أربعة من الفتح المصري شهد التحوّلات الكبرى لبيروت. المدينة التي كانت بلدة زراعية مسوّرة، تستلقي على البحر محضونة ببساتين التوت...، تبدّلت بعد قدوم المصريين.... صارت باب البلاد الشامية على البحر.


النزوح


تضاعف عدد سكان بيروت مرتين خلال فترة الحكم المصري، فيما استمر سورها قائماً. ثم جاء القصف الثلاثي ـ الانكليزي والنمساوي والعثماني ـ للبلدة في أيلول ،١٨٤٠ فأسقط هذا القصف ما أسقط من السور و»بين ليلة وضحاها« نقّب الأهالي بالمعاول ما بقي قائما منه، بحيث تغير طابع البلدة الى الأبد: »نقّبوه لبناء بيوت وزرائب ودكاكين. نقّبوه لأن البلد امتلأت بالعساكر وبالتجار الآتين مع سفن الأتراك والانكليز. هؤلاء يحتاجون الى مساكن، يدفعون إيجارا عاليا. ولا يسألون... الكل يريد ان يبني« (٢: ١١٧ ـ ١١٨). قام عبد الرحيم البارودي آنذاك ببناء سور حول ما صار يُطلق عليه منذ ذلك الوقت اسم »حارة البارودي«، وساعده أخوه عمر والعبيد الأحباش في بناء هذا السور فصار أهالي بيروت يقولون: »المدينة صارت بلا سور، وأولاد البارودي يعمّرون سورا« (٢: ١١٨).


تسببت الصدامات المتتالية بين الموارنة والدروز في الجبل اللبناني بين ١٨٤١ و١٨٦٠ بنزوح الموجة تلو الموجة من نصارى الجبل الى بيروت. أضف اليهم النصارى الذين هربوا من دمشق وجوارها الى بيروت بأعداد يصعب إحصاؤها بعد الهجوم الشهير الذي تعرض له حي النصارى بدمشق في صيف .١٨٦٠ زاد ذلك ليس فقط في عدد سكان بيروت وامتدادها شرقا وغربا خارج حدودها القديمة، بل أيضا في ازدياد أعداد النصارى بمختلف طوائفهم بالنسبة الى المسلمين في المدينة. أضف ان من النصارى الوافدين الى بيروت من استقر مع المسلمين والأقلية اليهودية في أحياء من البلدة القديمة وامتداداتها باتجاه الغرب، ابتداء بالأحياء التي نشأت تباعا على هضبة المصيطبة. ومنهم من استقر الى الشرق من البلدة القديمة، في مزارع وبساتين هضبة الأشرفية التي لم تكن مسكونة بكثافة من قبل. والملتقى بين هذه الجهة وتلك من المدينة المتغيرة هو سهلات البرج، أي ما صار يُعرف لاحقا بساحة البرج.


ما إن تسلم عبد الرحيم عام ١٨٤٠ ما أورثه إياه أبوه من تجارة حتى أطلق اسم »محطة الشام« على المطعم ناحية المرفأ. بالوجود الكثيف للجنود الأتراك والانكليز وبخاصة الضباط منهم في البلدة، المشاوي وحدها لم تعد تكفي. عبد الرحيم طلب من أرملة أبيه، سعدية الحص، ان تعد في بيتها أطباق الطبيخ للمطعم، بالاضافة الى الحلويات التي استمرت خالته أم زهرة في إعدادها. »الضباط العثمانيون تولعوا بمحاشي أم هند. يأكلون الكوسى والباذنجان والقرع المحشي بالرز واللحمة والمطبوخ بعصير البندورة فيحسبون انهم في استانبول... حلويات خالة عبد الرحيم الأخرى... يرغبها الأتراك والانكليز معا« (٢: ١٢٠ ـ ١٢١). في الوقت ذاته أخذ عبد الرحيم يتاجر بالتبغ: »في بلد تعج بالعساكر التجارة بالتبغ أفضل تجارة! التبغ بيعه أسهل من بيع الشواء« (١٢٠٢). وعندما أخذت حمى البناء تجتاح بيروت ابتداء بعام ١٨٤٥ قرر عبد الرحيم ان يبني خانا في سهلات البرج، واشترى لهذا الغرض ارضا واسعة هناك. »(سألوه) لماذا يبني خارج البلد ولا يبني جنب مطعمه. قال ان المكان ضيق، لا يتسع للخان. سألوه كم يريد ان تكون مساحة هذا الخان؟ ابتسم وقال الله كريم... في الليل، راقدا جنب عائشة، أخبرها... (إنه) يريد ان يبني أوسع خان في البلد...، وباحة في الوسط تنزل فيها قوافل حلب والشام معا، ببوابة شاهقة وقنطرة حجر تمر من تحتها البغال والإبل ذات السنمين... والخان الذي يطلب ان يبنيه، سيكون بإذن الله تعالى، حديث البلد كلها، وحديث أصحاب القوافل، من هنا الى بغداد« (٢: ١٤٤). استغرق بناء هذا الخان سبعة أعوام، إذ توقفت عملية عماره عدة مرات لسبب أو آخر. وقد عُرف هذا الخان شعبيا بعد اكتمال بنائه باسم »خان التوتة«، الى ان غلب عليه اسم »خان القزاز«، حين أضاف عبد الرحيم الى أعماله تجارة الزجاج (٢: ١٤٢).


نجح عبد الرحيم في جميع أعماله، ونعِم في الوقت ذاته بحياة بيتية هنيئة. تقول زوجته عائشة امام أهلها إنها اكثر بنت محظوظة في زواجها، إذ »لا يوجد ببيروت رجال مملوؤون بالعاطفة النبيلة مثل رجال البارودي«. قريباتها يذكرنها أحيانا بزيجات المرحوم عبد الجواد الكثيرة فيساورها قدر من الخوف (٢: ١٣٥). لكن عبد الرحيم لم يتزوج غيرها في حياتها. وضعت له أول الأمر بنتا سماها صفية، على اسم أمه، ثم صبيا سماه حسين، بحيث أصبحت كنيته »أبو حسين« (على اسم الدكتور عبد الرحيم أبو حسين الذي درّس ربيع جابر موضوع تاريخ بيروت في زمن آل عثمان، وذلك بالجامعة الأميركية في بيروت)، وبعد ذلك ولدت عائشة ثلاث بنات وصبيين، عبد الغني وعبد الفتاح. ماتت عام ١٨٦٥ بعد ان ولدت بنتا خامسة، وقبل ان تضرب الكوليرا بيروت (٣: ٢٦٧ ـ ٢٦٨). دفنوها في مقبرة السنطية، وبيروت بكل من فيها ـ وفي الجملة الأجانب ـ حضرت الجنازة: آل الفاخوري احتشدوا بعماماتهم مثل جيش تحت أشجار السنط الخضراء. (٣: ٢٦٨ ـ ٢٧١).


صورة حية ومعبرة لما كان عليه ماضي بيروت في زمن »غير مرئي لكنه موجود« (١١٥): زمن الحاج عبد الرحيم ابو حسين البارودي وابناء جيله. يمكننا اليوم ان نحدد تماما موقع مقبرة السنطية، عند مبنى شركة التأمين »ميد غلف«، بالمسح الهندسي. لكننا لا نستطيع ان نرى شواهد، او شجر سنط، او أي شيء آخر من المعالم التي كانت لهذا الموقع يوم دفنت فيه عائشة الفاخوري زوجة الحاج أبو حسين. السنطية اليوم، مثلها مثل سائر البلدة القديمة وجوارها المباشر، صارت جزءاً من وسط بيروت التجاري والسياحي الذي تهدم خلال سنوات الحرب الاهلية ثم أعيد بناؤه ليتحول الى »الداون تاون لٌٌََُُُّّّ« الذي عاد يعج بالحياة اليوم، وإن بأنماط غير تلك التي ألفها أهالي بيروت في أي وقت سابق.


لم يتزوج الحاج عبد الرحيم مجدداً إلا بعد مرور عامين على وفاة عائشة. زوجته الثانية بربارة نوار كانت من نصارى الجبل الذين هربوا الى بيروت عام .١٨٦٠ أبوها جرجس نوار مات بالسل منذ زمن، وهي تعيش مع أمها. بقيت بربارة نوار على دينها حتى ذلك الوقت. لكن بعد مرور اربعين يوما على وفاة أمها شهدت الشهادتين وصارت مسلمة (٣٣٦٠). وضعت لزوجها بنتا سادسة سماها مريم (٣٣٦٦). حملت بعد ذلك مجدداً، لكنها مرضت وماتت وهي تلد: »ماتت راقدة على ظهرها. لم تلد صبيا ينام في بطنها. غسلوها بالماء. طيبوها بالمسك العدني. وكفنوها. صلوا عليها ودفنوها في مقبرة السنطية... عزوا الحاج البارودي. وقف ساكتا، يحرّك رأسه، ولا يتكلم« (٣٣٩٨).


حسين، بكر الحاج أبو حسين البارودي، قضى بالكوليرا عام ،١٨٦٥ ربما في اليوم التالي لوفاة عمه عمر (٣٣١٥ـ٣٢٠). كان متزوجا، لكنه لم يكن أنجب بعد. عبد الفتاح، ابن الحاج أبو حسين الاصغر، عاش حياة جولان وشقاوة شبيهة بتلك التي عاشها عماه شاهين وعمر من قبله: »عبد الغني البارودي احاطته السماء بتسع بنات جميلات ذاع صيتهن حتى جاوز الاسكندرية. صلى ان يرزق ابنا ذكرا يحفظ السلالة فلا تنقرض العائلة. اعطي تسع بنات ولم يعط ذكرا«. في »حارة القرميد« هذه اكتشفت سلطانة بنت عبد الغني البارودي الصغرى آلة بيانو ضخمة كان التاجر المقدسي بهجت السكاكيني اشتراها من ورثة اسعد خياط، قنصل الانكليز في يافا، ثم أهداها الى جدها الحاج عبد زواجه الثاني، فوصلته عن طريق البحر. »البنت سلطانة فتحت البيانو ولمست المفاتيح بأصابع طويلة قوية. راهبات المحبة الفرنسيات كن في سوق القطن عندئذ، يساومن احد المعلمين على اجرة تنجيد الفرش في »دير المحبة«. حين سمعن الموسيقى اصابهن الذهول...« (١٧١). كانت تلك بداية تعلّق سلطانة البارودي بدراسة الموسيقى، انطلاقا من بيروت الى مرسيليا، ثم بروكسيل، ثم باريس: »الحاج عبد الغني البارودي سيبكي ليالي طويلة بعد ان تصله رسالة عطرة من ابنته الصغيرة عن الرجل النصراني الذي التقته هناك ـ الرجل النصراني ابن عائلة بسترس« (١٧٢).


بيروت والزمن


موضوع ثلاثية ربيع جابر (هذا اذا لم تصبح رباعية او خماسية في الغد) يتناول بيروت والزمن. جابر يتعامل مع الزمن كأنه جزء لا يتجزأ من مادة الكون الخاضعة لمبدأ لافوازييه: لا جديد فيها يخلق، ولا قديم فيها يفقد، بل كل شيء فيها يتحول. جابر لا يعود الى مبدأ لافوازييه ليحدد نظرته الى طبيعة الزمن، بل يقتبس لهذا الغرض مقطعا بليغاً من احدى رسائل الحكمة الدرزية: »لأن الحجاب هو المحجوب والمحجوب هو الحجاب. ذلك هو وهو ذلك. لا فرق بينهما«. ثم مقطعا آخر من اقوال الصوفية لا يقل عن الأول بلاغة: »ألف عام ماضية في ألف عام واردة هوذا الوقت، ولا تغرنك الأشباح«. هذان الاقتباسان لا نجدهما في أي مكان من الثلاثية، بل في مقدمة أول ما نشره ربيع جابر من رواياته عندما كان في العشرين من العمر، وهو رواية »سيّد العتمة«: لندن، ١٩٩٢).


منطلقا من المبدأ المختصر في هذين الاقتباسين، يتجول ربيع جابر بين حاضر بيروت وماضيها ذهاباً وإياباً دون ان يعوقه عائق. ينظر الى الجديد في المدينة ويتمتع به، وان قضت الحاجة فإنه »يزيله كاملا بتلويحة يد« (١١٤) فيتبيّن له القديم الموجود مكانه: ليس كشبح من الماضي يزور الحاضر او يترءاى له، بل كحاضر قائم بذاته، بديل للحاضر بمفهومه التاريخي او الاخباري العادي ومساو له في الجوهر« (بحسب تعبير دستور الايمان المسيحي كما أقر في مجمع نيقيا عام ٣٢٥م، بالنسبة الى وحدة »الآب« و»الابن« في الثالوث).


هذا الماضي الحاضر (او الحاضر الماضي، لا فرق)، اذا كان ادراكه عن طريق الحواس الخمس متعذرا كما هو واقع الحال، فمن الممكن التمثل بالمؤرخ ورسم صورة مقنعة له عن طريق تعقب آثاره وأخباره. وهذا ما يفعله ربيع جابر الذي لا يخفي مصادر معلوماته بل يبوح بها بالتفصيل حيث يلزم، كما يفعل المؤرخون. يبقى البعد الذي يحرّك الصورة التاريخية ويهبها الحياة، وهو البعد الذي لا تضفيه على تلك الصورة إلا المخيلة: مخيلة المؤرخ الملجومة بالانضباط العلمي، او مخيلة الروائي المنسرحة الطليقة العنان. وفي نهاية المطاف، فلعل مخيلة الروائي هي الاجزل بلاغة وتعبيراً.

 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟   
الاسم:
عنوان التعليق:
نص التعليق:
 

آداب و لغة
فلسفة
ديانة مسيحية
الإسلام و أديان العالم
علم النفس و التربية
علوم اجتماعية
تاريخ و جغرافيا
سياية و اقتصاد
علوم طبيعية و طبية
فنون
قانون
مراجع عامة
 
عن المكتبة | كتب | أفلام | تراتيل | الصفحة الرئيسية
SWS المكتبة الروحية 2005 - جميع الحقوق محفوظة - صمم هذا الموقع بواسطة شركة
Powered by O2 TECHNOLOGY