بحث سريع 

 

New Page 1
عنوان الكتاب:
هذا الأندلسي
المؤلف:
سالم حميش
المترجم:
الموضوع:
آداب ولفة/قصص وروايات/قصص وروايات عربية
الناشر:
بيروت - الآداب
عام النشر : 2007 الطبعة: 1
القياس:
19x13 سم
عدد الصفحات: 504
السلسلة:
رمز التصنيف:
ق ع  320
   

أراء القراء   
تعليق: نبيل منصر - الحياة 6/3/2009
عنوان التعليق: سيرة روائية لابن سبعين

تحكي رواية «هذا الأندلسي» للكاتب المغربي بنسالم حميش، الموزعة على ثلاثة فصول، مغامرة الصوفي عبدالحق بن سبعين منذ فترات الشباب التي صادفت بداية غروب شمس الأندلس، إلى لحظات الشيخوخة التي عاشها مطارداً من قبل السلطان بيبرس. فعلى امتداد خمسمئة صفحة، تحكي الرواية على لسان ابن سبعين مسارات التعلم واللوعة والاهتياج والضرب في أرض الجسد والروح، التي خاضها هذا الصوفي طالباً الحق في ذاته وفي المرأة وفي لحظات الاختلاء وما يطبعها من تأمل وفيض كان يُقيِّد بعضه في رسائله وكتبه، من دون أن تغرب عن باله، في لحظات أخرى من حياته، صورة الأندلس الآيلة للسقوط، وصورة الدين الآخذة في التحجر على يد فقهاء السوء.


 يفتتح ابن سبعين سرده، بتحسر حارق على مخطوطته الضائعة. وبعد «فاتحة» التحسر واللهفة، يباشر ابن سبعين رحلة البحث عن مخطوطته في تضاعيف أيامه الماضية، عملاً بنصيحة عرافة أشارت اليه بذلك. وسيقوده البحث إلى خدر النساء، اللواتي سرق قلوبهن بذلك العطر النفاذ، المُتضوِّع من روح تُخبر مسالكها بثبات نحو المطلق من دون أن تنسى نصيبها من الأرض.


الغطس في الماضي كان، بالنسبة لابن سبعين، مناسبة للملمة عناصر ونتف دالة من سيرة الحياة، بدءاً بتحرره من عسف الأب الذي انشغل بزواجه الجديد، ومروراً بمناوشته لبعض الجارات ومراودته لبنات الهوى من الخراجيات، نزولاً إلى تعلقه بفتاة رياض الحاجة أم الخير التي سيظفر بقلبها وجسدها، لكن البحر سيأخذها منه، بعدما ماتت غرقاً، لتختفي بصمتها وحزنها وولعها بالعوم، تاركة جرحاً في نفس العاشق، سيدفعه للزهد والعزلة. لم يخرج ابن سبعين من عزلته إلا على إثر مرض أمه، ظناً منه أن حالته النفسية تسببت لها في كآبة قاتلة، لكن أخته زينب ستخبره بحبها الشديد للطبيب السيد الخضر، الذي بمجرد ما دخل البيت، وقبَّلها على جبينها حتى استفاقت من غيبوبتها، واستردت عافيتها وحيويتها، مستعيضة بذلك الحب العفيف عن إهمال زوجها، وهو الأمر الذي تفهمه ابن سبعين، وتسامح معه، على رغم أنه اندفع في ظهر يوم الغد لملاقاة الخضر في رابطة بضاحية مرسية، للتأكد من سلامة طويته.


أمام تكاثر التشنيع عليه، قرر ابن سبعين هجر مرسية إلى سبتة. وعلى رغم بعض الاشارات السلبية، مثل سرقة مطيته، فإن ما غنمه من كتب فلسفية عند ورّاق كان يبغي حرقها، جعله يأمل خيراً من مقامه المغربي، فأجاب عظيم الروم عن أسئلته، وعالج بعض المرضى. لم ينقطع ابن سبعين بسبتة للزهد، وإنما ظل حريصاً على متعه، حتى وهو يقرأ فصاً من فصوص حكم ابن عربي، ليرى في منامه أنه يراقص سمكة الشبُّوط التي جاءته من جنان محيي الدين.


باع ابن سبعين بيته وأمر مريده عبدالعلي بتوزيع المردود على الفقراء والمحتاجين، فيما خرج هو صحبة مريديه في جولة إلى غابة كثيرة الفواكه والحيوانات. وبعد كثير من النشاط، ودعهم ليخلو إلى نفسه، في جولة اجتاز خلالها غابة الجبل، فلمح زاهداً ينطق بكلام الوجد الصوفي، ليختفي في لمح البصر. واصل سيره مثيراً الصعود إلى مكان إقامته بالزاوية. وفي صباح اليوم التالي، جاءه شاب برسالة من مولاته، تعبر فيها عن رغبة في اللقاء به. قرأ ابن سبعين الرسالة وتذكر سمكة المرسى - المرأة التي ربما تكون بلوى سلَّطتها عليه الأقدار. انبهر ابن سبعين بجمال المرأة (فيحاء السبتي)، فتزوجها، وتقوى بها على النوائب، ونسي في حضنها غصة ضياع مخطوطته، موزعاً حياته، إلى جانبها، بين الحب والتأليف والانخطاف، كاشفاً، في سياق ذلك، مقاومته ثم سقوطه، في إغراء الجارية عبلة، التي سيوافق، على تزويجها من مريده خالد الطنجي، مسبباً، بذلك، مرض وانتحار الجارية الدميمة حفصة.


استأذن ابن سبعين زوجته في الاختلاء، شهر رمضان، بجبل موسى، وهناك عكف على العبادة والقراءة والتأليف. تجهمت أحوال ابن سبعين بعد ذلك، والتمس منه الوالي المريض، ابن خلاص، عندما ذهب لعيادته، أن يخرج من سبتة، ليخفف الوطء عنه، بخاصة بعد أن اتهمه السلطان بمشايعته وولائه للحفصيين. وأمام كثرة الشجار والمضايقات، وافق ابن سبعين على الذهاب إلى مكة لأداء فريضة الحج، فمكنه الوالي، وقد استعاد عافيته، من هدايا ملك الروم له، وكان من بينها حصان.


امتدت إقامة ابن سبعين المكية، حتى تناهت إليه أخبار سقوط الدولة العباسية، ووصول فلول المهاجرين الفارين من بطش المغول. في هذه الأثناء، أشرف ابن سبعين على علاج الأمير أبي نمى، وحرر له رسالة مبايعة الحفصيين. وما هي إلا أيام حتى عمت الفرحة أرجاء مكة، بسبب انتصار فيالق القائدين قطز وبيبرس في عين جالوت، لكن انفراد بيبرس بالحكم، أشاع جواً من القلق، لن يخفف منه إلا لقاء ابن سبعين بصديقه الششتري، الذي أخبره بالأحوال الطيبة لزوجته، وبشوقه للحج برفقته. ثم نصحه بالاقتصاد في الارتباط بشريف مكة، وبالاختباء حتى لا تطوله أيدي الملك الظاهر بيبرس. غير أن شريف مكة أرسل في طلبه، وعرض عليه مساعدته للاجتماع بزوجته فيحاء، لكن حمى قاتلة أصابتها في الطريق، فدفنت ببلدة عيذاب. وبعد العزاء، ما كان من الأمير إلا أن رافق صاحبه المكلوم لزيارة قبرها.


لا تخرج رواية «هذا الأندلسي»، المزدحمة بتفاصيل مشوقة، عن ذلك البحث المحموم عن مادة روائية، يستمدها المؤلف من بطون كتب التاريخ، ليعيد تحبيكها على نحو درامي، يُضمِّنُها قلق الإنسان واستيهاماته وصراعه الدائم من أجل الحب والقيم. ولعل هذا الأفق، هو ما جعل سيرة ابن سبعين، المشدودة بين قطبي الغواية الجسدية والتجرد الصوفي، تقدم للرواية مادة قابلة للتخلص نسبياً من سجن رواية التاريخ، لتنفتح على أسئلة الحاضر الشائكة، بصيغة تجعل منها جزءاً من تاريخ الرواية الباحثة عن شكل، يستوعب هموم الفرد والجماعة.

 

 
تعليق: فيصل دراج - الحياة 2/9/2008
عنوان التعليق: عن الحاضر والماضي والحوار بينهما

كيف يعيش الأديب في عالم كتابي حر ويكون حراً وهو يشتق فكرة من غيرها؟ لازم هذا السؤال سالم حميش منذ أن قرر، قبل ثلاثين عاماً، أن يكون أديباً مختلفاً. بدأ بالشعر وهو دارس الفلسفة، وعطف الشعر والفلسفة على الرواية، معالجاً جفاف «النظرية» بطراوة المتخيل الروائي، لأن في المتخيّل ما يحرّر المفاهيم ويجعلها أكثر اتساعاً. ولم تكن روايته الأولى «مجنون الحكم» الحائزة جائزة الناقد عام 1990 إلاّ ترجمة سعيدة لشخصية ترفض الانغلاق وتضيق بالمحدود. أتاحت له الرواية، في شكلها التاريخي، أن يسأل الحاضر وهو يحاور الماضي، وأن يقرأ المستبد النموذجي بمعارف من علم النفس والفلسفة السياسية وحكايات البشر وبنثر طَلْق يجمع بين الشعر والتصوّف.


ولعلّ النزوع إلى الكتابة الحرة، التي لا تستقيم إلاّ بعناصر معرفية متعددة، هو الذي قاده إلى شخصية ابن خلدون في روايته «العلاّمة»، قبل أن يحتفي في روايته الأخيرة بـ «ابن سبعين» المتصوّف الغريب الذي وضع كتاباً عنوانه: «بدّ العارف». يقف سالم حميش في «هذا الأندلسي».. أمام ابن سبعين الذي عاش في القرن السابع عشر الهجري وانتقل من الأندلس، الذاهبة إلى الغرق، إلى المغرب وحمل الحقيقة التي عثر عليها ومات في مكة، بعد أن بلغه السقوط الفاجع للدولة العباسية. شخصية متعددة الوجوه والمواجع، عالجها الروائي بمعرفة متعددة تحتضن التاريخ والفلسفة ومعرفة بالتصوّف ونزوعاً إليه. ولهذا جاء النص الروائي كبيراً، بتلك الأسئلة المترادفة المحيّرة الموزّعة على تناظر الأزمنة، فلكل زمن أندلسه الذاهبة إلى الغرق، وضآلة الحكّام، وفي كل عهد حاكم ضئيل يمالئ الأعداء ويطارد شعبه، وغربة العارف النزيه في كل الأمصار، متصوفاً كان أم روائياً مبعثر اللباس يكره الليل الطويل...


متكئاً على معرفة متعددة الوجوه، صاغ حميش شخصية روائية بصيغة الجمع تقول ما تشاء أن تقول وتترك في قولها مساحة ظليلة لآخرين يقاسمونها القول ويضيفون إليه جديداً. والشخصية الأولى التي تفيض على غيرها هي: ابن سبعين، الموسر الوسيم الحر عاشق الحكمة والنساء المتسامح المتسائل كاره الاستبداد والقريب من الكآبة. حوّل الروائي هذه الصفات إلى حكايات, وأطلق خياله متواليات حكائية تستعيد ابن سبعين وتزيده وسامة، قبل أن تردّه إلى كهولة متعثرة تنتظر المغيب. أعاد الروائي الذي سرد الحكايات بصيغة الأنا بناء «السيرة الذاتية» لبطله، مبتدئاً بسؤال عن الفقد والحرمان، يسبق الميلاد، ومزاملاً العاشق المتصوّف إلى الزفرة الأخيرة. أما الشخصية الثانية، التي تحايث الأولى وتأنس إليها، فهي شخصية «الإنسان الكامل» المشتهى، الذي يرى إلى الخير ويكون بعضاً منه، ويعشق الجمال ويكون جميلاً، وينجذب إلى المعرفة ويموت في الطريق إليها. تأتي الشخصية الثالثة، المشتقة من «ابن سبعين»، من شغف السارد بموضوعه، الذي يتيح محاكاة لغوية مبدعة، بل يلغي المحاكاة، أو يكاد، مقصّراً المسافة بين الروائي والمتصوف...


اشتق الروائي من «ابن سبعين» ثلاث شخصيات تتبادل المواقع، موسعاً السرد وإذ للأندلسي الغريب المغترب زمن محدد خاص به، وإذ زمن المثقف الحديث المتمرّد استمرار لزمن المتصوّف القديم، وإذ زمن «الإنسان الكامل» مرآة لزمن محتمل، يأتي ولا يأتي ويظل معلقاً في سماء كل الأزمنة. كيف ينزلق الزمن من موقع إلى آخر، وكيف يرتحل وراءً وأماماً ويظل على ما هو عليه؟ استولد سالم حميش زمنه الروائي، الواضح الغامض، من طبيعة الإنسان المغترب، الذي لا تمنع عنه الأزمنة الاجتماعية المتحوّلة هزيمة أكيدة، طالما أن الحقيقة تولد في المنفى، وأن «الإنسان الجوهري» يصل إلى المنفى قبل أن يكمل قوله. ولهذا لا تبدأ «السيرة» بالميلاد وتنتهي بالموت، كما تقضي بالأمور، بل تستهل في الشكل الآتي: «الفصل الأول. البحث عن المخطوطة الضائعة». وما يضيع ينبغي البحث عنه، وما يضيع لا يعود على رغم البحث الطويل، وما يضيع ولا يعود مبتدأ المتواليات الحكائية التي يقطعها الموت. الفقد هو البداية والموت هو النهاية، وما بينهما بحث متعثّر يقوده القلب المضيء وتعطّله سطوة العادات البشرية...


«هذا الأندلسي» هي سيرة ابن سبعين كما اشتهاها المتخيّل الروائي وسيرة «الإنسان الكامل» التي استولدها المتخيل من إنسان محدد الإسم والسيرة، وهي سيرة روحية - فكرية مضمرة للسارد العليم، كما يقول النقّاد، الذي يدع اللغة الكثيفة المشرقة تتحدّث عنه وعن موضوعه في آن. بيد أن السيرة الثلاثية الوجوه، في التحديد الأخير، هي سيرة الذات الكاتبة المبدعة، التي جمعت المعرفة واستقصت في جمعها، ووضعت ما جمعته في نثر سعيد يساكنه الشعر وتحايثه الفلسفة. ساعد على ذلك السرد بصيغة الأنا، الذي أقام بين السارد وموضوعه حواراً وتراسلاً وتخاطراً، كما لو كان «ابن سبعين» قد صاغ سيرته في شكل رواية، أو أنّ الروائي المغربي كتب هواجسه على لسان متصوّف قديم. تختلف الطرق وتتكامل الحكايات، يصل المتصوّف الأندلسي إلى مكة لحظة انهيار الدولة العباسية، ويبوح المغربي، الذي يعيش بيننا، بهواجسه متوسلاً نصاً قديماً حاذر كاتبه العادة وتطيّر منها.


في روايته «هذا الأندلسي» اقترب سالم حميش من المحاكاة وسخر منها: اقترب منها وهو يقلّد أسلوب ابن سبعين، وسخر منها وهو يعيد صناعة المتصوّف القديم وأسلوبه.

 

 
تعليق: جورج كتورة - الحياة 28/9/2007
عنوان التعليق: المرأة والمعرفة ومشكلات القرن السابع

انتهيت لأيام من قراءة كتاب سالم حميش، بعنوانه اللافت، «هذا الأندلسي». لو لم أقرأ سابقاً مقالة قصيرة حول الكتاب لم عرفت ما يحوي. طريقة جيدة في اغواء القارئ، وحافز متجدد لي كقارئ لعدم التوقف عند العناوين فقط. لم اقرأ كتاب حميش السابق «العلامة» وهذه هفوة أرجو عليها مغفرة. بكل الاحوال يتناول كتاب هذا الأندلسي سيرة ابن سبعين. والأمر يعنيني مباشرة. ولن أروي سيرتي معه بل سأذكر استعادياً، بانني قد باشرت الاهتمام بابن سبعين منذ السبعينات. اذ اكملت في العام 1977 اعداد أطروحتي للدكتوراه عن هذا المتصوف الفيلسوف في المانيا باشراف الاستاذ جوزن فان اس في جامعة توبنجن وفي معهدها للأبحاث الشرقية.


قد اكون قد أهملت ابن سبعين بعد ذلك، ولكن لفترات بالطبع. اذ اصدرت ومنذ العام 1978 العديد من المقالات حوله، وحول طريقته وحول نوع التصوف الذي اخذ به، وحول المدرسة الصوفية التي انتمي اليها كما اصدرت كتابه المعروف الذي يتكرر اسمه مراراً في هذه الرواية، وأعني به كتابه «بد العارف وعقيدة المحقق المقرب الكاشف وطريقة السالك العاكف». صدر الكتاب عن دار الاندلس ودار الكندي عام 1978 محققاً مع مقدمة توضيحية.


أعادني كتاب سالم حميش الى جو التصوف ووضعني امام سيرة في شكل روائي جميل، تستعيد ما تعلق بابن سبعين فتذكرت الرجل، وعدت الى الوراء سنوات، أي لسنين الدراسة والبحث والتنقيب وأعجبني جداً ان أجد سالم حميش قد استعاد ايضاً خطوات متعددة من الدراسة او الدراسات التي اعدت ونشرت. ما فتح عيني على طريقة اخرى في مقاربة الفكر، الفكر الاسلامي العربي او أي فكر آخر. وبكل الاحوال تلقى كتابة سير الفكر والمفكرين رواجاً حسناً الآن في الغرب كما في سواه. وبالشكل يعتبر ذلك أسلوباً حميداً وجيداً ومفيداً ايضاً. منذ مطلع الكتاب نجد ابن سبعين، وهو صوفي من اصل اندلسي انتقل بعد ذلك الى المغرب فمصر فمكة حيث مات، يبحث عن ضالة ما. وهي مخطوط اضاعه. لم أتصور ولم استطع وأنا القارئ، ان اعرف ما هو المخطوط الضائع، وليس مهماً لي ان اعرف. حسبي ان أتصور ان ابن سبعين يبحث عن ضالة ما. وهذا هو شأن الصوفي بالطبع يبحث عن شيء فقده، وهو عنده، او فيه اوله او وجود بحدسه وبحسه ولكنه لا يراه ولا يدركه الا لماماً. كالمخطوط الذي يشكل جزءاً من حبكة السيرة الرواية. والضالة هذه ولأنها المخطوط، فهي حاضنة العلم او لنقل بلغة اخرى انها مستودع ما يريده الصوفي. المستودع المعروف او الموهوم ونقطة الوصول بكل الاحوال فابن سبعين يبحث عما اضاعه بداية، يسأل عنه في احلامه وفي كل لقاءاته، وسط الرواية وفي نهايتها او في خاتمتها. وفي لقاءاته مع الآخرين نساء كن او من مريديه ومعاونيه الاقربين. المخطوط يعني ربما مشروعه الفلسفي او الصوفي وهو مشروع سيقوم ببنائه حلقة بعد حلقة.


وأقول نساء بداية، اذ هكذا تبدأ السيرة. في مرحلة اولى من قراءتي انتابني شعور ان المرأة هنا ضالة أخرى. وهي صنو المعرفة. او ربما كانت هذه الضالة هي المعرفة الاخرى. لكن الامر المفاجئ لي ان المرأة قد ظلت في هذه السيرة نصفاً آخر. لم اعهد في الادبيات الصوفية حديثاً مفصلاً عن المرأة. أعرف ان بعض الصوفية كان يقع مغشياً عليه ان صادف امرأة جميلة، بل غلاماً جميلاً وذلك من فرط وجده وتوهمه. والتوهم كلمة صوفية أطلقها المحاسبي، انه يرى في ذلك تعبيراً عن حسن خلق الله. او صورة عن هذا الوجود الحسن وهذا مألوف في فلسفات وحدة الوجود. وابن سبعين واحد منهم. لكن قصة ابن سبعين مع المرأة في هذه الرواية السيرة لم توصلني الى كثير من الهداية حول ما أعرف من تصوف. تشابهت عندي بعد ذلك صورة عدم وصول عائلة ابن سبعين مع ما اعرفه من انتظار ابن خلدون لعائلته في مصر وعدم وصولها ايضاً. وهذا شأن آخر بكل الاحوال. قدر المرأة عند سالم حميش ان تظل هنا رمزاً. وكان تفكيك الرمز هذا عندي صعباً. علماً انه اعطانا صوراً نفسية متعددة لانماط من النساء، من كل الاديان ومن كل الطبقات. ومن كل الاحوال النفسية، الشبقة، الوادعة، الوادعة وحتى السحاقية. وأظن ذلك كان تفصيلاً على ايقاع الرواية. او ربما كان في احسن الاحوال من مستلزمات البحث الصوفي. عن التجربة بالمعنى المسيحي عن الاغراء، عن تجاوز الذات. وربما كان ذلك ايضاً اقراراً بأن هذا الصوفي قد جرب في حياته. او لنقل خاض تجربة الحياة وانتصر بعد ذلك على نفسه. فتعبد وتصوف وكانت طريقته مجال بحثنا اليوم. اذ اهتدى علمياً وأدبياً ونفسياً وبلغ درجة يقين يبحث عنه.


فاجأتني الرواية ايضاً بتفاصيل لا بد من الدخول فيها. فهي اولاً مع استنادها الى نصوص مأثورة من ابن سبعين وعنه ومن مريديه ومن طلابه، قد توسعت جداً لتطاول الواقع السياسي ببعض تفاصيله، منها ما كانت الاندلس مسرحاً له ومنها ما شهده في سبتة وأخيراً في مكة. وقد اضفت السيرة على هذا الواقع مسحة لم اعرفها في ادبيات ابن سبعين كالأسي على فقدان الاندلس وان كان ذلك من الوجدانيات التي شهدتها آداب تلك المرحلة. ولكن اللافت مع التوقف عند مراسلة ابن سبعين مع فرديريك الثاني عبر ابن خلاص والي سبتة آنذاك هو اعطاء تفاصيل لم استطع لملمتها وعدم التوسع بمضمون هذا التراسل بالذات. وان كان من المعروف ان ابن سبعين قد استعمل اسلوباً جافاً مترفعاً. لكن المعروف ايضاً مع طرافة ما جرى، وقوعه في اخطاء لم تجعله يفي هذه المراسلة حقها العلمي او لنقل الفلسفي. ثم ان الاقتباس من الكتاب الأكبر لابن سبعين قد ظل عنده حد أدنى، وكان الاستناد الى الرسائل التي نشرها عبدالرحمن بدوي أكثر تفصيلاً.


بذهني ان ابن سبعين قد استند الى مدرسة تعود جذورها الى ابن مسرة عبر سلسلة مقبولة تمر بالشوذي، المتصوف الشعبي، وبابن المرأة أو ابن اصلى وعبر المعروفين الآخرين كابن قسي وابن برجان وابن العريف. وهذا ما اشار اليه المؤلف مراراً. لكن هذه الطريقة التي كان كما تقول السيرة لها العديد من المريدين الذين يتهافتون عليه في كل موقع ومكان اقام فيه لم تتضح معالمها هنا. فلا نجد اشارات كثيرة الى المسالك التي كان يأمر بها. إلا ما كان من اشارة الى عهد ابن سبعين، والى شرح العهد وهو لأحد مريديه كما يظن. علماً ان الرسائل وكذلك بد العارف قد حددا معالم هذه الطريقة، وما هو مقبول فيها وما هو مرذول. قال ابن سبعين بوجدة الوجود. ولكنه قال ذلك بعبارات غامضة. يعرف أولها ولا يدرك آخرها، أو تعرف في جملتها ولا تعرف بتفاصيلها.


وهذا ما قاله العديد من مؤرخي فترته التاريخية كابن خلدون ولسان الدين ابن الخطيب وسواهما، لكن لابن سبعين طريقة: السبعينية. ولهذه الطريقة نظرية في المعرفة وفي وحدة الوجود، لم نجد كل معالمها في هذه الرواية. مع كل الجهد المبذول من جانب حميش. ربما لا يكون ذلك مقصوداً في ذاته في سيرة أو في رواية تروي سيرة ما. لكن الاسهاب في تحديد لقاءات المريدين بالمحقق وبالقطب يقتضي بعض العودة لاعطاء تفاصيل معينة. لنظرته الى النفس، واكتساب المعارف والارتقاء بها واستخدامها. والالتزام بسلوك صوفي يوصل الى ذلك. لا علم لي أيضاً كيف دخل تراث ابي حيان التوحيدي هذه البقعة من الافكار. وأن كان المعروف عنه شيئاً من التصوف لا سيما في التفسير. كما لا اعرف ان كان الخيام معروفاً عند من يؤرخ له. من جانبي ايضاً، ارى ان هذه السيرة قد تشعبت في جزء، ربما كان الأخير منها، الى سيرتين. سيرة الششتري وسيرة ابن سبعين. أو ربما اراد ان يكمل سيرة احدهما بالآخر. يظهر الششتري منذ وقت مبكر في السيرة وظني أو على حد علمي انه قد حمل السبعينية في مرحلة متأخرة. بكل الاحوال ما نشهده هنا هو اندماج هذه الشخصية مع شخصية ابن سبعين.


أفهم الأمر بأن تكون السبعينية قد انتشرت باسهام الششتري. أما ما أجده هنا فهو أن الششتري كان الى حد ما شريك ابن سبعين في تكوين السبعينية الى الحد الذي يبدو فيه الششتري بطلاً بالمعنى الروائي والتاريخي ربما، للكلمة. يظل بطلاً ثانوياً دون شك. ولكنه قد اعطى مساحة جيدة ربما على حساب علاقة ابن سبعين مع من كان قبله. حساب بيدر لا حساب زرع. الاشارات الاخرى لعلاقة ابن سبعين بالشخصيات الصوفية تظل عند حدود المعقولية. لفتني الاهتمام الذي اعطي للسياسة من منظور معين. وهو الاسهام الصوفي في السياسة، ناهيك عن بيعة أهل مكة باشراف وادارة أميرها ابي نمي للدولة الحفصية، الامر الذي ينسب عادة لابن سبعين تدبيراً وممارسة. مع عدم اتيانه ثمراً كما نعلم. لكن اللافت لي كان الربط بين شعبية ابن سبعين وشعبية ابن قسي مثلاً، أو شعبية ابن العريف وابن برجان. والقدر المشابه لهؤلاء جميعاً مع السلطة. اعادتني الرواية فعلاً الى تفاصيل اعرفها، وقمت بنشرها في مقدمة يد العارف، وفي مجلة الباحث وفي دوريات اخرى، اذ تناولت علاقة التصوف بالسلطة. وقد احسن سالم حميش اظهار ذلك مع تذكيري بأن كلامه عن فقدان السلطة في الاندلس والرثاء لهذه الحالة قد ظل ضمن ادبيات هذه المرحلة. وبكل الاحوال، ان اطلاق الخيال هنا يظل برمته جيداً وفي مكانه. فالحالة المزرية وتطاصن ملوك الطوائف وموقف احد اخوة ابن سبعين يعطينا لمحة عن ذلك وقد احسن حميش استغلال هذه النقطة بالذات.


من هذه الزاوية يكون الحديث عن السبعينية في حدود ما كان يقدر للتصوف أن يكون فاعلاً في السياسة. ولكن انتقال الطريقة الى مصر فمكة قد اضعف هذا الدور وربما انهاه. بكل الاحوال تطالعنا في هذه السيرة، كما في بطون الكتب احاديث، سلبية مستمرة لعلاقة ابن سبعين بالسلطة ومن حولها شأن فقهاء السلطان وقضاة الامراء، ومع الولاة ايضاً.


ماذا استفدت أنا من سيرة ابن سبعين؟ سأعمد بعدها لقراءة كتاب حميش، «العلامة»، وهي عن ابن خلدون، وقد وضع هذا لنفسه سيرة ذاتية الى حد ما. استفدت بالعودة بخيالي لزمن التحصيل الاكاديمي. واستفدت ان اجد ابن سبعين على اكثر من لسان. اعترف اني بعد دراستي لم اولي التصوف العناية التي يستحق. صحيح اني قد نشرت بعض النصوص لابن سبعين ولسواه. وقد احتفظت بمخطوطات ونصوص اخرى، قلت دائماً، اني سأعود اليها. وربما قد حان وقت ذلك. فالمسائل الصقلية وهي من نصوص ابن سبعين الهامة ما زالت شبه مجهولة، اذ نشرت منذ اكثر من ستة عقود. لذلك لا بد من اعادة نشرها. اعرف ارتباط التصوف بالاجتماع، وبحركة الفكر هذا ما يمكن العودة اليه باستمرار ومن هذه الزاوية ستكون رواية سالم حميش «هذا الاندلسي» لا عنواناً وحسب، بل امكانية توضع بتصرف القراء والمشتغلين لاستعادة هذا التراث واثره وتأثيره على اصعد متعددة. انها طريقة اخرى في رؤية الامور. وهي طريقة جيدة من دون شك.


أخيراً أعترف بجهلي أصول النقد الأدبي الروائي وغير الروائي. ان الانشغال بالفكر بطرق عقلانية قد يبعد المرء عن حلاوة الصور المتعددة، المنتشرة في أركان الرواية وزواياها. ولكن عليّ ان أقول إن هذه المسيرة الرواية قد شدتني فعلاً. سواء كنت موافقاً على جديتها وغير موافق على كل تفاصيلها. فالخيال جزء من لعبة المؤلف. ولكن هذا الخيال لم يكن شديداً دائماً، بل جهد قدر المستطاع ليرتبط بالواقع. وسواء وجد ابن سبعين مخطوطة الضائع أو لم يجده. فقد وجدت أنا، القارئ، وأرجو ان يكون غيري مثلي، وجدت المتعة التي نفتقدها في قراءات كثيرة. أعلم ان قراءة يد العارف، مثل قراءة المسائل الصقلية لن تشد القارئ كثيراً، فابن سبعين يحلق أحياناً في أماكن ربما لا يريد الوصول إليها.


والسيرة تقر ذلك في بعض المقاطع إذ تروي انه نسي انه قال ذلك أو قال مثله، بل عكسه أحياناً. والقراءة النفسية لابن سبعين كما يقترح الأستاذ لويس ماسينيون قد لا تكون إلا اقتراحاً، فهذه الشخصية قد تأسر القارئ، كما كان ماسينيون الحلاج وعذاباته.


أخيراً وبالعذبات ننتهي. لا أدري لماذا أعرض سالم حميش عن الرواية من التصديق، وهي ان ابن سبعين قد انتحر فعلاً ليتقرب إلى الله أو ليصل سريعاً للاتحاد به. ولما كان الخيال هنا حيلة للتخلص من هذه الواقعة غير المألوفة. علماً انها ليست بالحالة الوحيدة. وثمة مقالات تناولت الانتحار في الإسلام وعددت العديد من المنتحرين ومن فيهم بعض أهل التصوف. لكن سالم حميش قد أبى لبطله إلا ان يموت بطلاً، حتى لو كان مطارداً. أو حتى لو كان قد سعى إليه الموت ان صح القول بجريرة آخر، أو بفعل الموقف السياسي الذي لا بد منه، طالما ان الرواية على الإجمال قد دارت ضمن الأفق السياسي أو تدرجت تبعاً للمواقف السياسة التي كان لا بد من اتباعها مرة في الأندلس وأخرى في المغرب وأخيراً مع أبي نمي وفي مكة بالتحديد. فالرواية التي تبدأ غرامية (بين هلالين) وهي ليست كذلك بالطبع وان يكن هذا الطابع إطاراً وأحياناً في صلب السرد، فإنها تنتهي بموقف سياسي يوصل إلى الشهادة. والشهادة في أيامنا صارت على كل شفة ولسان.

 

 
تعليق: زينب عساف - النهار 28/8/2007
عنوان التعليق: مصالحة ابن خلدون وابن سبعين

بعد "مجنون الحكم" الصادرة عام 1996، و"العلامة" الرواية الحائزة جائزة نجيب محفوظ للعام 2002 والمترجمة إلى لغات عديدة، يواصل الكاتب المغربي سالم حمّيش ما يبدو أنه استنطاق للتاريخ، بل استدراك لحواشيه، من خلال إعادة النبض إلى شخصيات كان لها أثر كبير في الفكر الإسلامي. وإذا كان حمّيش قد بعث ابن خلدون في روايته "العلامة"، مازجاً الخيال بالوقائع، فإنه يسترجع ما لم يؤرَّخ له في حياة المتصوف الغامض ابن سبعين في روايته الجديدة "هذا الأندلسي!"، الصادرة لدى "دار الآداب". نحن إزاء رواية تاريخية إذاً أكثر منها سيرة رسمية. أو لنقل هي السيرة منقولة بأمانة الأدب لا التاريخ. السيرة بعد اختفائها لمصلحة بروز صاحبها. السيرة إذ تسلّم يدها للخيانة فتسيران معاً في توازن غريب. على هذا النحو، لا يمكن المرء إلا أن يلمس حرارة ما تحت السرد الأمين للحوادث. لا بد له أن يتذكّر صيحات طازجة لشخصيات جاءت للتوّ من أقلام الكتاب مثل: ماري أنطوانيت بنسخة ستيفان زفايغ، المسيح بنسخة نيكوس كازانتزاكيس أو أوبير برولونجو، فيكتور هوغو بنسخة هنري غيمان... إلخ. ولا سيما أن الكاتب أفاد من كونه باحثاً لتقديم أفكار ابن سبعين المثيرة للجدال في قالب روائي غير مملّ، بعدما وضعها في سياقها الحياتي على شكل دروس ألقاها على تلامذته غالباً أو مواقف اتخذها في حالات متعددة.


فيلسوف متصوّف أم زنديق؟


لكن من هو ابن سبعين؟ تقول سيرته إنه قطب الدين أبو محمد عبد الحق بن ابرهيم بن محمد بن سبعين الإشبيلي المرسي، ولد عام 614 للهجرة في رقوطة القريبة من مرسية، اشتغل بعلم الفلسفة والتصوّف، عاش فترة قرب غار حراء، وتوفى عام 669 في مكة. اعتقد ابن سبعين بوحدة الوجود، معتبراً أن وجود الخالق هو الثابت وأن الخلق منبثق منه، فائض عنه. وكانت له آراء مثيرة للجدال كقوله: "لقد تحجّر على نفسه ابن آمنة (يقصد النبي محمد) واسعاً بقوله: لا نبي بعدي". مما دفع البعض إلى تكفيره، كابن تيمية الذي يقول عنه: "من أكابر أهل الإلحاد، أهل الشرك والسحر والاتحاد"، معترفاً في الوقت نفسه بنبوغه: "وكان من أفاضلهم وأذكيائهم وأخبرهم بالفلسفة وتصوّف المتفلسفة". وقال عنه ابن كثير: "اشتغل ابن سبعين بعلم الأوائل والفلسفة، فتولّد له من ذلك نوع من الإلحاد، وصنّف فيه، وكان يعرف السيميا، وكان يلبس بذلك على الأغبياء من الأمراء والأغنياء"، في حين اتهمه الإمام الذهبي بالزندقة وكفّره محمد بن علي النقاش على غرار متصوّفين آخرين كابن عربي وابن الفارض. هذه السيرة، حاول حمّيش حصرها في ثلاثة فصول، حمل الفصل الأول منها عنوان "البحث عن المخطوطة الضائعة"، والثاني "سبتة، رباط حبي وتوحيدي"، والثالث "الموت في مكّة". ثلاث مراحل إذاً شكّلت المحطات الرئيسية في حياة الرجل، الذي اختار الكاتب أن ينسبه إلى أرض حلم عربي عتيق، الأندلس، مضيفاً علامة التعجّب إلى صفته هذه. ربما يمكننا القول إن علامة التعجّب ما هي إلا دليل إعجابٍ مُشهر منذ العنوان. بناءً على هذا التقسيم، غطّى الكاتب الفترة الأخيرة من حياة ابن سبعين في الأندلس، ثم مرحلة اضطراره إلى الرحيل نحو المغرب، ومن ثم رحلة حجّه إلى مكّة التي انتهت بمقتله، مختاراً أفضل البدايات لكتابة أدبية تقع على تخوم الفلسفة: البحث عن شيء ضائع.


مخطوطة الوجود


يدخل حمّيش حياة ابن سبعين من بابٍ رمزي إذاً: البحث عن مخطوطة ضائعة. تتم عملية البحث هذه داخل أروقة الذاكرة، التي تصبح ملزمة تنضيد الحوادث الماضية كلها واستعراض النساء اللواتي مررن في حياة الرجل من أجل استعادة المخطوطة الغالية. هكذا، يتبع القارئ "هروب" تلك المخطوطة الغامضة من امرأة إلى أخرى، من يهودية إلى رومية إلى مسلمة، ومن الأندلس إلى المغرب فالمشرق. هذه المخطوطة المفقودة ليست سوى الحقيقة التي يفتّش عنها ابن سبعين. ليست سوى كناية عن وجوده نفسه. لكن الكاتب لا ينسى التفاصيل لمصلحة هذا البحث الرئيسي، بل يغوص من خلال بطله في أحوال الأندلس المتردية وسيطرة التطرّف والتعصّب الديني والتكفير السلفي على الناس والحكام، والتضييق على أهل العلم والفلسفة وصولاً إلى ترحيلهم قسراً نحو الجنوب. على هذا النحو، يذرف ابن سبعين آخر دموعه قبل أن يمضي إلى أرض الإسلام الأخرى، أملاً بفضاء أوسع بعدما تعفّن فضاء وطنه. والملاحظ أن حمّيش جعل لبطله فلسفته الخاصة في العشق أيضاً، فهو يتنقّل من امرأة إلى أخرى، اتباعاً لسنة نبوية تقول: "حُبّب إليّ من دنياكم الطيب والنساء".


لا قديم إلا الله


لا تبدو المرحلة المغربية من حياة الفيلسوف الأندلسي مختلفة عن حياته السابقة، فما إن يطأ أرض سبتة، حتى يذيع صيته كطبيب ويتقاطر إليه الناس من كل حدب وصوب طلباً للعلم أو للشفاء. كما يظلّ على سابق عهده في علاقاته مع النساء، مبرراً بأن حنينه إلى الإناث هو من باب "حنين الكل إلى جزئه". ويكشف حمّيش من خلال الأسئلة التي يوجهها المريدون إلى ابن سبعين، معتقدات هذا الرجل وأفكاره، فهو يقول: "طريقي ليس التقليد وحذو النعل بالنعل، على شاكلة أبي الوليد، وليس التقصير المعرفي والاختزال المتهافت والتعصّب المذهبي، على غرار الغزالي، بل إعمال العقل والنقد"، ويجيب عن سؤال حول ماهية العالم، بالآتي: "لا دراية لي بعلم البراهين والأقيسة، لكني أؤمن أن لا قديم إلا الله، وأن العوالم كلها من إحداثه وخلقه. هذا ما تنبئنا به ملّة التوحيد وتدعونا إليه". في هذه المرحلة المغربية، يفسح الكاتب المجال واسعاً للإضاءة على فكر المتصوّف، بعدما تتبّع ظروف نشأته في الفصل السابق. كما يكشف في هذا الفصل أيضاً علاقات ابن سبعين الملتبسة بالحكّام، الذين لم يداهنهم يوماً كما فعل كثيرون غيره، وهذا ما سيؤدي إلى موته مقتولاً في نهاية المطاف.


فرضية القتل لا الانتحار


يقول ابن كثير إن مجاورة ابن سبعين لغار حراء كانت برجاء أن يأتيه الوحي كما أتى النبي بناء على ما يعتقده بأن النبوة مكتسبة. لكن حمّيش لا يظهّر هذه الفكرة بشكل كافٍ في الرواية، بل يعزو سبب اعتزام الرجل الانتقال إلى مكة إلى رغبته في الحجّ أولاً ثم إلى مضايقات السلطة السياسية له مرةً أخرى. يعتبر الكاتب إذاً أن قدر هذا الفيلسوف كان الترحال الدائم بسبب أفكاره في الدرجة الأولى، كما أنه يختلف مع الرواة حول طريقة موته: ففي حين ينقل الذهبي أن ابن سبعين فصد نفسه وترك الدم يخرج حتى تصفّى ومات، ينفي حمّيش فرضية الانتحار هذه، متبنياً نظرية القتل على يد جنود الحاكم المملوكي الظاهر بيبرس، وإن كان يكسو مشهد الموت الأخير بغيومٍ من الهلوسة لا يعود التمييز معها ممكناً، كونه ينقل هذا المشهد من خلال عيني القتيل نفسه، الذي يقول: "مضرّجاً بدمي النازف من كل أطرافي، وأنا قاب قوسين من الموت، تراءى لي بيبرس على رأس طابور من جنده يزحف نحوي ويضجّ بالقول: تعصاني يا مارق وتكتب أن من دخل في طاعة الترك إنما حملهم إليه الضجر والشرك... خذوه فانحروه". ويضيف حمّيش أن ابن سبعين لم يفصد نفسه بل أن أحد الجنود هو من قطع عروق يديه اليسرى، ليسلّم الروح مردداً: "رب مالك، وعبد هالك، ووهم حالك، وحق سالك، وأنتم كذلك".


من ابن خلدون إلى ابن سبعين، يضخّ سالم حمّيش الدم في عروق التاريخ مستعيناً بالأدب. الغريب أن اسمي هذين الرجلين يتجاوران في لائحة أعمال الكاتب المغربي، على الرغم من تكفير الأول للثاني وقوله بحرق كتبه ثم غسل الورق بالماء حتى يمّحي أثر الكتابة. من قال إن الأدب لا يعقد المصالحات أيضاً؟

 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟   
الاسم:
عنوان التعليق:
نص التعليق:
 

آداب و لغة
فلسفة
ديانة مسيحية
الإسلام و أديان العالم
علم النفس و التربية
علوم اجتماعية
تاريخ و جغرافيا
سياية و اقتصاد
علوم طبيعية و طبية
فنون
قانون
مراجع عامة
 
عن المكتبة | كتب | أفلام | تراتيل | الصفحة الرئيسية
SWS المكتبة الروحية 2005 - جميع الحقوق محفوظة - صمم هذا الموقع بواسطة شركة
Powered by O2 TECHNOLOGY