بحث سريع 

 

New Page 1
عنوان الكتاب:
أرض اليمبوس
المؤلف:
إلياس فركوح
المترجم:
الموضوع:
آداب ولفة/قصص وروايات/قصص وروايات عربية
الناشر:
بيروت - المؤسسة العربية
عام النشر : 2007 الطبعة: 1
القياس:
21x14 سم
عدد الصفحات: 233
السلسلة:
رمز التصنيف:
ق ع  435
   

أراء القراء   
تعليق: فاروق يوسف - الحياة 28/9/2007
عنوان التعليق: الراوي وشبيهه في متاهة السيرة الذاتية

بعد تمارين كثيرة على الكتابة الشخصية (كتبا ومحاضرات وحوارات) استغرقت زمناً طويلاً انتقل الروائي الاردني الياس فركوح إلى «ارض اليمبوس» وهي روايته الصادرة حديثاً عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر ودار أزمنة» وفيها تتماهى اللعبة الروائية بخفة مع اجزاء مقتطعة بانتقاء من سيرة الكاتب الذاتية. وكما يبدو لي فان فركوح احتاج الى هذا الزمن الطويل لكتابة سيرته غير المعلنة (أصدر أول كتبه عام 1981) لا لينضج ذكرياته ويتمكن منها، بل ليحتاط بقدر من النسيان من أجل ألا تكون روايته مرآة لتلك السيرة. ولكن هل يحق لنا الصاق صفة السيرة بصنيع أدبي قدمه كاتبه في صفته رواية، آخذين في الاعتبار أن الروائي، أي روائي، لن يجد حرجاً في أن يلتقط من حياته المباشرة وقائع وشخصيات ليزج بها في متاهة عمله الادبي، من غير أن تكون تلك الاستعارات دليلاً نافعاً يقود القراء الى مصدرها الواقعي.


قد يصح هذا الافتراض في حالة «أرض اليمبوس» أيضاً، ولكن لمن لم يقرأ شيئاً من كتابات فركوح السابقة. ذلك لأن هذه الرواية التي تبدأ بلوحة لتيرنر معلقة على جدار وتنتهي باللوحة عينها هي في حقيقتها تسجيل لرحلة يقوم بها الراوي وهو مستلق على سرير في أحد المستشفيات، خلالها لا يخفي الروائي صوته الشخصي وهو يسترجع حكاياته وأفكاره ورؤاه.


يستعير فركوح إذاً سفينة تيرنر الشهيرة لتقله في رحلة متخيلة الى أماكن طفولته، وهي أماكن فارقت حيز الممكن لتكون جزءاً من معمار طفولة مستعادة. بل وجزءاً من فكرة انتماء حائر، حيث يمتزج فعل الحياة اليومي بكل لذائذه المفقودة بخسارات التاريخ العام لشعوب وقبائل وأفكار ومدن.


في هذه الرواية تنسج فكرة الحرب (سواء وقعت تلك الحرب أم لم تقع) الخيط الذي يصل بالبدايات الى نهاياتها. حياة هي رهينة خيارات مفروضة بقوة الحرب، هي اللحظة المفارقة التي يسعى من خلالها الكاتب الى التقاط معنى وجوده، شاهداً وضحية في الوقت نفسه. ”حكيت وكأن الوقت منح لي وحدي، بأكمله، فأخذت أنفقه على هواي. بلا حساب كنت أنفق الوقت، وعند مراجعتي لذلك كله، تساءلت بيني وبين نفسي، عما سيكون من أمر الناس إذا لم يحكوا. ثم خطر لي أن الكتابة لا تكون إلا تحايلاً على الحكي الصعب، أو المستحيل. لكنها لم تعترض. لم تبد احتجاجاً على استئثاري بالحكي، فالاسهاب، فالثرثرة... الى لحظة اكتشافي لانفلات خيط الحديث مني، إذ بت أقفز بين حكايات لا رابط بينها سوى مخيلتي، أو استدعاء واحدتها لأخرى، هكذا دون سبب ظاهر. عندها كان لا بد أن أصمت، فصمت». نقرأ هذا الاعتراف في الصفحة 205 من الرواية.


وإذا عرفنا أن الرواية تتكون من 233 صفحة فان ذلك الاعتراف (المفترض) انما يحضر متأخراً، حتى على لسان بطل الرواية الذي هو كاتب أيضاً، لكنه ضروري لوصف ما جرى حتى وإن جاء متأخراً. فالقارئ الذي كان يتنقل بين الصفحات بقوة اللغة العابرة للمعاني، المحملة بإمكانات بلاغية تيسر الاتصال بما هو غير مرئي من الوقائع، لا بد من أن يجد عزاء في حيرة الروائي (الكاتب والبطل معاً) تلك، لكونها تعبيراً عن المشاركة في القراءة الممتعة. وسيعثر القارئ في الصفحات الاخيرة على ما يجعل لرحلته المتوترة بين الوقائع الصغيرة معنى الذهاب الى الجلجلة، حيث المدن التي حذفتها الحروب من الجغرافيا الممكنة التي في امكانها أن تيسر لأقدامنا الذهاب بنا الى ذكرياتنا، بدءاً بالقدس وانتهاء ببغداد.


حروب لم تقع


الحرب التي لم تقع في الرواية (وقد وقعت في الواقع) هي امتداد لحروب لم تقع هي الأخرى بالنسبة للطفل الذي كانه فركوح (أو البطل). وفي الحالين فإن الواقع الذي لا تقترب منه الرواية لكونه فضاء متاحاً هو الذي يفرض في النهاية املاءاته على شكل خسارات انسانية فادحة. هناك عاطفة أسيرة تتسلل بين الكلمات في معظم صفحات الرواية هي صدى لتلك الخسارات. وهي العاطفة التي تصدر عنها نصوص خارقة في جمالها امتلأت بها صفحات الرواية.


ليست أقل من صرخة جيل ضائع وخائب، «أرض اليمبوس» هذه. فيها يضعنا الياس فركوح في مواجهة ما لم نفعله غير أننا ندفع ثمنه كل لحظة. لم ينشغل الروائي كثيراً بالرواية الرسمية لتأريخ تعرضت وقائعه للتزوير، كانت لديه سلسلة من الحكايات الشخصية التي فتحت موعظتها أمام بطله (الذي هو صورة عنا) أبواب المنافي. البطل (فركوح أو كائن آخر اقترحته مخيلته الفنية ليكون قناعاً) ما هو إلا خلاصة لتجربة النفي التي عاشها المثقف العربي في مجتمع صنع السياسيون معجزة هزيمته الابدية. يعيدنا الروائي الى لذائذ أو مسرات حياة، مرت كما لو أن البطل لم يعشها فعلاً، ذلك لأنه يستعيدها كما لو أنها كانت نوعاً مزدوجاً من الحياة. دائماً هناك الشخص وشبيهه، الأنا والآخر الذي يتعثر به، الفتاة البريئة وصورتها المتحررة. حتى وقائع اليأس وهي تتكرر، لا تحيل الى منطقة بعينها، بقدر ما تسعى الى سلب الذاكرة قدرتها على التركيز. الحروب التي لم تقع في الرواية خلقت حروباً داخلية لا بين الجماعات المتناحرة وحدها، بل بين الشخص وذلك الكائن المتربص في أعماقه. وفي النهاية لن يكون أمامنا سوى اللجوء الى ارض متخيلة، يكون في امكانها انقاذ ما تبقى منا، هي «أرض اليمبوس».

 

 
تعليق: طالب الرفاعي - الحياة 23/11/2008
عنوان التعليق: السيرة الذاتية بصفتها تاريخاً

ربما يبدو لافتاً غياب كتب التاريخ العربية المنهجية التي تؤرخ لواقع العالم العربي، خلال العقود القليلة الماضية. ويتبع ذلك غياب المؤرخ العربي المتخصص. وربما كان مرد ذلك إلى أربعة عناصر رئيسة. أولاً، طبيعة الأنظمة العربية الحاكمة، وثانياً وعي المجتمعات العربية، وثالثاً تسارع وتيرة الأحداث التي تهب على منطقتنا وتأثرها بالحدث العالمي، ورابعاً صعوبة كتابة وقائع التاريخ بموضوعية وحيادية، واحتياجها لمؤرخ موسوعي شجاع، ينشد في كتاباته إظهار وجه الحقيقة العاري من دون تزويق أو افتراء. ويتبع هذه العناصر مجتمعة، الوضع السيئ والبائس لصناعة الكتاب العربي بعامة، وكتب التاريخ الحديث بخاصة. علماً أن كتابة التاريخ الموضوعي، قبل هذا وذاك، تتطلب سقفاً عالياً من الديموقراطية والحرية، وهذا ما لا يتحمله صدر الأنظمة العربية الضيق، التي تتجمل بسقف حرية واطئ ومشوّه، تمنحه هبة منها لشعوبها المقموعة كي تحيا تحت رحمته. وقد يشكّل هذا الظرف سبباً كافياً ووجيهاً لاعتبار بعض الروايات العربية بديلاً من كتب التاريخ. وكذلك النظر إلى بعض الروائيين العرب، بصفتهم مؤرخين بامتياز، يؤرخون في رواياتهم لوقائع الحياة الاجتماعية والسياسية العربية، في مختلف تجلياتها.


لعل الروائي العربي، في نظرته إلى واقعه المعاش، وتورطه بالمشي على أرضه الوعرة، وفي محاولته التعبير عن هذا الواقع، إنما يؤرخ لواقع اجتماعي يحيط به، وهو في هذا ينطلق من الخاص إلى العام، ويتجلى هذا أوضح ما يتجلى عبر رواية السيرة الذاتية، في مستويات متفاوتة من المصارحة والكشف، ومن حضور ذات الكاتب وغيابها.


«أرض اليمبوس» رواية الكاتب الأردني إلياس فركوح، الصادرة عن دار أزمنة، التي بلغت القائمة القصيرة للكتب المرشحة لجائزة «البوكر» العربية، وحازت جائزة «تيسير السبول» للرواية، تقدم نموذجاً دالاً على كتابة السيرة الذاتية، وتداخل هذه السيرة مع التاريخ، بما يجعل منها شاهداً حياً وناطقاً، على مرحلة مهمة من تاريخ الأردن، وعلاقته ذات الوشائج بتاريخ القضية الفلسطينية جغرافياً واجتماعياً.


«اليمبوس: المنطقة الوسطى، بحسب المفهوم الكاثوليكي، أو الثالثة ما بين الجنة والجحيم، تودع فيها أرواح الأطفال الأبرياء الذين ماتوا قبل نيلهم المعمودية، لتزول عنهم الخطيئة الأصلية»، وقد عاش بطل الرواية في المنطقة الوسطى بين الحضور والغياب، مسكوناً بذكرياته وهواجسه، بينما هو ممدد على سريره في المستشفى، شاخصاً إلى صورة  السفينة، منتظراً دوره لإجراء جراحة لتجلطات الدم في شرايين قلبه المعطوب.


تتنقل رواية «أرض اليمبوس» في أسلوبها بين ضمائر السرد: المتكلم والغائب والمخاطب. ولو أنه بدا واضحاً منذ الصفحات الأولى للرواية توزع ضمير السرد بين الأنا والأنت، وإن بدت كلتا الشخصيتين تمثلان صوت المؤلف موزعاً بين طفولته ووقته الراهن: «كتبتُ، محاولاً جعلَ مسافة بيني ككاتب كُلي العلم، والشخصية المرسومة التي قد تكون واحدة من أناي». «أنكون نكذب، بالكتابة، لنعيش؟» «أم نكتب عيشنا، وإن ملّحناه بقليل من الكذب؟».


هذه كانت معادلة الروائي إلياس فركوح في كتابته لروايته، وأظن أنها معادلة أي كاتب يخوض في كتابة السيرة الذاتية بصفتها تاريخاً. فالكتّاب يعيشون للكتابة وبها. ينشرون معاناتهم، على الملأ، كي يتحملوا وقع الحياة الثقيل عليهم. وهم في ذلك يكتبون مؤرخين لعيشهم، ولو اضطروا إلى كذب الكتابة المشروع. وما بين هذا وذاك، يمضون في سبيلهم مُخلفين وراءهم أعمالاً تشبههم وتدل عليهم، مثلما تشرّح الواقع الاجتماعي الذي عاشوا فيه، وأرّخوا له.


إن تاريخ بطل رواية «أرض اليمبوس» يتصل بالمرأة بمقدار اتصاله بالوطن. وإذا كان ضياع الوطن، واقتطاع أجزاء من أرض فلسطين، خلال نكبة عام 1948 وما تلاها، قد شتتا وعي الشاب في بدايات حياته، وأجّجا رغبته في الكفاح والانخراط مع المقاومة الفلسطينية، فإن تصنيفات الآخر وأحكامه البائسة، وشمت روح الشاب بالألم والخيبة. والحال يتشابه في علاقته مع المرأة. مريم الصغيرة المعشوقة، التي شكلت هواجس الروح في مرحلة الطفولة والصبا، والتي غابت متوارية في الداخل الفلسطيني المحتل، تاركة البطل في معاناته وضياعه. وكأن غياب الوطن يأخذ معه، من جملة ما يأخذ، أحباب القلب، يغيبهم ويترك لوعة غيابهم مشتعلة تأبى الخمود.


إن أي كاتب روائي إنما يتخذ من الكتابة وسيلته للحياة، مثلما هي وسيلته في الاحتجاج ونقد الواقع وتعرية عوراته للتغلب على أوجاعه ومظالمه. وهو في كل ما يكتب إنما يستند إلى ذاكرته: « ليس ثمة أثقل من الذاكرة نحملها فينا. علينا أن نتخلص منها لنكون خفافاً وطلقاء.. الكتابة ستتكفل بهذا. بالكتابة تنجلي معالمي... الكتابة ستعيد للحكايات أجزاءها الناقصة». أي جزء ناقص ذاك الذي تعيده الكتابة؟ وما المسافة الفاصلة بين الواقعي والمتخيل في كتابة أي روائي؟ إن كتابة السيرة الذاتية بصدق أحداثها الواقعية المفرطة في فنتازياتها أحياناً، يتطلب مقداراً من الجرأة غير العادية، قلّما يستطيع كاتب أن يصل إليه، وقلّما يستطيع مجتمع أن يتقبله. لذا تبقى كتابات السيرة الذاتية المفرطة في صدقها عملة نادرة، مثل رواية «يوميات لص» للروائي جان جينيه، أو مثل رواية «اعترافات قناع» للكتاب الياباني يوكيو ميشيما. أما كتابات رواية السيرة الذاتية العربية، فإنها تُراوح بين البوح الصريح في بعض القضايا، وتداري حوادث أخرى لا سبيل للمكاشفة فيها، مع ملاحظة وجود موجة روائية عربية كبيرة لرواية السيرة الذاتية، وكأن ظلم الواقع العربي وبؤسه، إزاء طبيعة الفن الروائي، منحا الكاتب العربي فرصة للتعبير عن ذاته، في وجه قمع الأنظمة السياسية، واستبداد القيم الاجتماعية البالية.


إلياس فركوح في روايته «أرض اليمبوس» أجاد ربط الخاص بالعام، وهو في إحدى مقابلاته الصحافية يقول: «إنني لحظة شروعي بالكتابة الروائيّة، مستنداً إلى محطة في حياتي، إنما باشرتُ التأسيس للكتابة عن جيلٍ أنتمي إليه مَرَّ بكل المحطات التي مررتُ بها». لذا فإن سرد الراوي، بصيغة ضمير المتكلم، لأجزاء من حياته وتجاربه، يأتي كاشفاً الوضع الاجتماعي في مرحلة مهمة من التاريخ العربي الحديث، مسلطاً الضوء على القضية الفلسطينية، في بداية مراحل مأساتها، وكيف ألقت بظلالها على حياة الشباب العربي. إن التحام إلياس فركوح الراوي بشخوصه في الرواية يبدو مضفوراً بفنية عالية، تجعل من الصعب التفريق بين الواقعي وغير الواقعي. كما أن حضور مدينة عمّان بأحيائها وروائحها وعوالم أهلها، أضفى على الرواية صدقاً فنياً آسراً، وقدم نماذج بشرية ترشح بعشقها للحياة وصدقها، مثل مريم أو ماسة، ومثل خضر صانع طبلات الأطفال. وكل هذا جاء ليقدم تاريخاً من الأسى والخيبة، تاريخاً لا يختلف بين عاصمة عربية وأخرى، وبين شاب عربي وآخر. وكأن صوت الكاتب الفرد هو تجسيد لصوت جموع الشباب العربي. إن نظرة فاحصة على النتاج الروائي العربي، تقول إنّ تاريخاً عربياً معاصراً آخذاً في التشكل عبر الكتابات الروائية، وهل أجمل من التاريخ حين يلبس ثوب الرواية الساحر؟

 

 
تعليق: حسين جلعاد - النهار 13/3/2007
عنوان التعليق: مطهر الذات وأسئلة الوجود الانساني

"أرض اليمبوس"، رواية الياس فركوح الجديدة، تستعير مفهوما لاهوتياً يقينياً لتقول رؤياها الدنيوية والوجودية المتشّككة. الكتابة هنا مطهر الذات وعينٌ على تحولات الاجتماع والسياسة. تفاصيل الكائن الصغيرة في الحب الطفولي الأول يتطور مع تحولات الانسان العربي وانكساراته إبان الحروب التي قصمت هناءة مدارج الطفولة والصبا والفتوة الأولى.


الرواية الصادرة حديثا بنشر مشترك لدى "أزمنة" و"المؤسسة العربية للدراسات والنشر"، تأخذ من الايمان المسيحي مفهوم المطهر او المنطقة الثالثة بين الجنة والجحيم، لتعيد صوغ أسئلة الوجود الانساني في كليته: "لا شيء يكتمل، سنبقى نقبض على شيء في يد وعلى خواء في الثانية، أما نحن ففي الوسط. لسنا في الجنة ولسنا في الجحيم. في الأرض الحرام نحن؟".


الطفل الذي يكبر، سيحمل ذكرى حبه الصغير بحثا عن المرأة المنشودة، والحرب التي منعته من العودة الى استكمال دراسته في مدينة القدس، ستصبح وقوده للانخراط في تنظيمات المقاومة الفلسطينية المتوالدة أواخر الستينات. مريم الصغيرة، الحبيبة الطفلة، ستصبح صورة مثالية للمرأة، باسم ماسة. الحلم بتغيير العالم سيرتطم بسؤال الهوية لفتى يريد الانخراط في عالم سرّي واجهه بسؤال الإختلاف، وربما رفضه بدعوى أنه بورجوازي ولا يحوز شروط "وطنية" اللاجئين.


التجربة التي ستنضج لاحقا، ستأخذ معها كل ذلك الغبار، وتبقى أسئلة تؤرق كاتبها الذي سيعود الى تأملها بعد عقود من الزمن إبان حرب الخليج الثانية، حين يصبح العالم على شفير الهاوية. وتصبح حياة البطل مهددة مرة أخرى بمزيد من الفقد والخسارات. قد لا تكون الأسئلة هي ذاتها التي أرّقت الصبي، لكن امتداداتها نضجت مع الزمن وطرحت أسئلة أكثر عمقاً والحاحاً، وعلى الكاتب أن يعيد تأملها من جديد وهو يستلقي على فراش المرض. العالم والمفاهيم والنوزاع تمرّ عبر وجود رجراج يفضي اليه الاستلقاء على سرير مرضى القلب: تلك الأرض الحرام بين عالمين. يرى الراوي الراحلين مثلما يرى الاحياء والقادمين معاً. ما كان عصياً على الفهم يصبح في متناول الكشف، وموضوعا للمناقشة بين الكاتب الذي يترصد كضمير، والكائن الذي عاش الحوادث. حوار قد يبدو خصاميا، لكنه في العمق عينان تنظران الى الشيء ذاته وقد لا تُريانه الشيء ذاته. انها معضلة الحياة التي نعيشها، وفكرتنا أخيراً عن مفهوم الحياة ذاتها: الحقيقة ووهم احتياز الحقيقة.


تزخر الرواية بحوادث وإشارات كثيرة تنبىء القارئ الملمّ بتجربة فركوح القصصية والروائية أن بعضاً من الشخوص والموضوعات استمرَ تأثيرها على الكاتب. فركوح يعلل ذلك في حوار خاص مع "النهار" بالقول: "هنالك في النفس "بقايا" أمور ووجوه وأماكن وحوادث، كلّما التفتنا إليها ثانية، وجدناها تتسع وتكبر لتفصح عن كونها هي المتون. ليست "بقايا" بقدر ما هي المستويات التحتيّة لِما كتبناه سابقاً، غير أن المسألة تتعدى ذلك المكتوب لترتدّ إلى الكاتب نفسه. فالمادة المكتوبة على وقع ذاكرة تنشط وتتحفز وتنبش وتسبر، لن تكون هي هي الأولى؛ إذ تتلوّن وتتعمق وتكتسب من الدلالات ما لم يتنبّه لها كاتبها في المرّة الأولى".


ويضيف فركوح: "نحن هنا حيال ذاكرة أكثر رهافة تستطلع علامات باتت أكثر نأياً في الزمن، وبالتالي تحتاج إلى ضربٍ من التأمل أو التفسير أو التأويل، بقدر ما تتطلب تراكماً في المعرفة وتراكباً في الرؤية إلى العالم، وتجدداً في معاينة الذات بالضرورة. النظَر نحو الماضي والمضي في اتجاهه، عبر الكتابة الروائيّة، لا يكتفي بمجرد التذكر. لا يرضى بسرد ذكريات وتدوينها بصدق، أو بنسبةٍ ما من الصدق. تلك ليست كتابة روائيّة، ولعلّها تشكل جانباً من كتابة سيرة على نحوٍ ما. إن لجوء الرواية إلى معاودة الحفر في ما مضى وسبق أن تمت كتابته، إنما يجيء عبر كتابة تستبطن ذاتها، كوجه من وجوه ثقافة شخصيّة تجدد نفسها".


يطل الانسان والكاتب بزخم في هذه الرواية، فالشخصية الروائية الرئيسية شفافة الى حد أنها تحمل شخصية كاتبها من خارج النص الى داخله. هذا يثير تساؤلا حول التقاء الرواية بالسيرة الذاتية وكيفية انعطاف التخييل الذاتي بالرواية من كونها تأريخاً إلى وصفها أدباً، وهو معلم لا ينكره فركوح بل يؤكده: "لم أرسم حداً تنتهي نتف السيرة عنده لتبدأ الرواية بالنهوض لتكون أدباً، خارجةً بذلك على كونها تأريخاً لشخصٍ في عينه. كنت، في الكتابة أثناء ولوجها كعمليّة متراكبة، أترك للفواصل بين تلك النتف السيرية والتأويل الحاضر كتخييل روائي مضاف، أن تتسع أو تضيق بحسب ما تقتضيه المشاهد المنجزة فعلاً وتلك المنتظرة دورها في عتم الاحتمال".


ويضيف فركوح: "كنت أدرك حساسيّة الاستجابة لإغواء السيرة الشخصيّة لمّا تصخب الذاكرة المستفَزّة وتشّع بفيوضاتها المتحررة من رمال السنين. لذا، كنت كمن يمشي في حقول ألغامٍ زرعها هو، لكنه، كما آمل وأعتقد، لم ينس مواضعها فتجنّب أن يدوس على لغمٍ منها كي لا يفجّر أحدهما الآخر: كي لا يظلم الكاتبُ نصّه، فيقتل النص كاتبه". حول مسألة التخييل الذاتي ودورها يقول: "ينعطف التخييل الذاتي في كم توافرت في النص عناصر الكتابة الفنيّة لرواية نضحت من السيرة  التاريخ ما تحتاج اليه لتبني من ذلك كلّه عالماً روائياً يتعدّى محدودية التأشير الى شخصٍ واحد وينفتح على فضاءات المجموع. وما دام النص قد كُتب، منذ أوّله حتى آخره، وفق رؤيا روائيّة، وعبر تراتب تخيلي كبير، وبلغة فنيّة أدبيّة تقترح ولا تقرر، فإن الرواية، بزعمي، نجحت في أن تنجو من شراك السيرة وغوايتها".


الجانب الأبرز في الرواية هو استعارتها لمفهوم ديني كاثوليكي عما يسمّى الأرض الحرام، فهل يبحث الروائي عن معادل فني لفكرته عن الحياة نفسها وعن العالم الآخر؟ يقول فركوح في ذلك: "لطالما كان "اليمبوس" أرضاً تحيّرني وتغريني في الوقت نفسه. فهي أرض المابين: ما بين النقائض والمتقابلات الضدية. وهذا يحرّض في داخلي تمردي. اليمبوس يحرّض تأملي وتأويلي ويستفز فيَّ خيال أن أؤثث هذه الأرض بما أشاء، وبمن أشاء، وكيفما أشاء، ومتى أشاء. ربما تكون في أحد جوانبها أرض الحريّة المتروكة لي، لخيالي الحر أو لحرية خيالي. الحريّة المتبقيّة والتي لا تكون معلنةٌ على الملأ وطالعة من الروح إلاّ على ورق الرواية. "اليمبوس" ملاذُ مَن هم على شاكلتي ممن لا يرضون أن يكونوا طرفاً في معركة تافهة ومريرة بين ثورين ينطحان حائط التاريخ فينهدم البني آدم!".


يضيف: "قد تكون الرواية برسم المعادل الفني لفكرتي عن جزء من الحياة. الجزء الذي يطالبني بأن أنزع عني حرية اختياري بيدي. وهي، كذلك، برسم تساؤلي عني في العالم الآخر. ولِمَ لا؟ أنا المعجون بالنقائض: بخطيئة اشتهاء المحرَّم عليَّ وانتزاعه رغماً عن أنوف مدوّني الفتاوى من جهة، وبفضيلة الصدق مع نفسي وحاجاتها المخلوقة معي أوّلاً ليكون صدقي مع غيري صادقاً بدوره. فأين أنا، يا ربّي، حقاً؟ أهتف في قلبي، وأسكن إلى عدله الأكيد".


تحمل الرواية بصمة مميزة طالما عرف بها أدب فركوح هي العناية باللغة بوصفها جزءا أساسيا من العمل الروائي بل تكاد تكون بطلا يرافق أبطال النص. لكن ما أضافه فركوح هو أنه ذهب إلى سؤال الكتابة ذاتها، سواء المفكَر فيه أو المضمَر: "سؤال الكتابة "الحقة" لا ينتهي إلى جواب "كبير" ما دامت الكتابة جارية ومستمرة. فالكتابة الأدبية خصوصاً ليست بوابة الحكمة العاقلة الباردة على الإطلاق. سؤال الكتابة، لدى كاتبها، أحد وجوه مساءلته هو لذاته عنها ومن خلالها، لا للوصول إلى نهاية إجابة؛ وإنما للسكن في فتنة فعل الكتابة نفسه، والتمتع بسحر ما يتم اكتشافه في الرحلة إلى إيثاكا. الأجمل في كتابة تقع ضمن هذا الوعي بها، هو الوقوع على ما لم تبتغ الوقوع عليه فتكون دهشة الاكتشاف، وغبطة حيازة كتاب الصدفَة". ويختم: "من نتف الإجابات التي تمنحها الكتابة: إنْ كنتَ أنتَ الكاتبُ حقاً؛ إذَن أنت في الحقيقة المكتوب، وكذلك: لا يبقى عند الانتهاء من الكتابة سوى وجه ورقها مكسواً بالأبجدية الأولى المتهجية للعالم، وإنما على نحو كاتبها وتصريفه".

 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟   
الاسم:
عنوان التعليق:
نص التعليق:
 

آداب و لغة
فلسفة
ديانة مسيحية
الإسلام و أديان العالم
علم النفس و التربية
علوم اجتماعية
تاريخ و جغرافيا
سياية و اقتصاد
علوم طبيعية و طبية
فنون
قانون
مراجع عامة
 
عن المكتبة | كتب | أفلام | تراتيل | الصفحة الرئيسية
SWS المكتبة الروحية 2005 - جميع الحقوق محفوظة - صمم هذا الموقع بواسطة شركة
Powered by O2 TECHNOLOGY