بحث سريع 

 

New Page 1
عنوان الكتاب:
الركض وراء الذئاب
المؤلف:
علي بدر
المترجم:
الموضوع:
آداب ولفة/قصص وروايات/قصص وروايات عربية
الناشر:
بيروت - المؤسسة العربية
عام النشر : 2007 الطبعة: 1
القياس:
21×14 سم
عدد الصفحات: 171
السلسلة:
رمز التصنيف:
ق ع  354
   

أراء القراء   
تعليق: سيلفانا الخوري – النهار 4/8/2007
عنوان التعليق: التهكّم الماكر كالرصاصات القاتلة يعرّي ويقتل

"كيف تحوّل الثوار من موقع الثورة الى موقع المقهى؟ كيف تقاعدوا؟". على هذا السؤال المفصلي يبني العراقي علي بدر روايته الاخيرة الصادرة لدى "المؤسسة العربية للدراسات والنشر" بعنوان "الركض وراء الذئاب". تشكل الرواية محاولة راديكالية لنسف الفكر الثوري الذي استبد في منتصف القرن الفائت بأجيال كاملة تركت كل شيء وسارت خلف الحلم بتغيير العالم، قبل ان تنتهي بها الحال في المقاهي تجترّ مصطلحات بائدة. يروي بدر الخيبة والمرارة والتهشّم الداخلي، فاضحاً جيلاً كاملاً من الثوار والثوريين، ومحطّماً ليس فقط اسطورة الثوار العراقيين الذين ينطلق بطله بحثاً عنهم في افريقيا، بل الاسطورة الثورية كاملةً بيوتوبياتها المخذولة. كالذئب ينقضّ على شخصياته، يعرّيهم من أوهامهم، وهماً وهماً، ومن دون ان يترك لهم حتى فرصة الدفاع عن أنفسهم، يفرغ فيهم رصاصاته القاتلة على شكل تهكّم ماكر ولئيم.


ينجح علي بدر في صفحات الرواية ال 169 في تقديم صورة عن تناقضات العالم الراهن وفراغه اليوتوبي، حيث صار "اتباع غيفارا وهوشي منه وتروتسكي في ما مضى، هم اتباع ليو شتراوس ومايكل ليدن ووليم كريستول اليوم"، وحيث "المحافظون الجدد هم ثوار العصر الجديد بعدما تقاعد الثوار وجلسوا في المقاهي"، بتعبير بطله. لوهلة، قد يشعر القارئ انه ازاء كاتبٍ عجول، يبني روايته على بورتريهات وخطوط سردية عريضة ثم "يدلق" في هذا الوعاء أفكاره وآراءه بتنويعاتها المختلفة. أفكار يعرف كيف يقوم بتعليبها وتقديمها على شكل استعارات بليغة تهمّش أحياناً تعقيدات الحقيقة لصالح ابتكارية في الصورة تمنع التنويع من ان يكون اجترارياً.


الا ان ما ينقذ الرواية من ان تتحول الى مرافعة طويلة ذات نبرة خطابية مرهقة، هو هذا المكر الذي نستطيع ان نشتمّه من بين السطور التي تواري، خلف الخيبة حيناً، والغنائية الكاذبة في حين آخر، تهكماً ساماً ولؤماً هداماً يجعلان امكان ترميم الدمار الذي يحدثانه عملاً شبه مستحيل. قد يبدو النص مثل ثور هائج يحطّم كل ما في طريقه في شكل اعمى. لكن شيئاً فشيئاً يتبيّن ان هذا الهيجان نفسه مخطَّط له، ويدرك وجهته جيداً، ويعرف كيف يتحوّل الى ما يشبه نشيداً هجائياً طويلاً يتقنّع بغنائية ماكرة: "الثورة هي الشعور بالتحليق الكامل. الشعور بالاخوّة العالمية والتصالح مع الاشجار والحيوانات. الثورة هي العلم الاحمر وهو يرتفع عالياً على منازل القش في القارة السوداء. ربما تسكر طويلاً وانت تغازل افريقية في عتمة الحانات، لكنك عظيم حتى لو لم تملك فلساً واحداً. العظمة في النساء اللواتي يجادلن حول فائض القيمة. في السود الذين يصنعون الحقيقة ويكشفون الكذبة اللعينة في التاريخ".


من خلال بطله العراقي الذي يعيش في اميركا منذ 25 عاماً تحت اسم مستعار هو جورج باركر، يقدّم الكاتب نموذج الشخصية الفصامية المعاصرة، المتأرجحة بين ماضٍ يساري وحاضر يحكمه المحافظون الجدد. فلنسمعه يعرّف عن نفسه: "انا رجل قديم، قادم من الشرق الاوسط، اعيش هنا في نيويورك، متزوج من امرأة اميركية، واخونها مع مهاجرة بولونية، ولديَّ اولاد اميركيون طيبون، لا يعرفون شيئاً عن الشرق الاوسط ومشاكله، كنتُ مؤمناً باليسار، وبالحركات الثورية، ومتعاطفاً مع القضية الفلسطينية ومع الاستقلال، واعمل في شركة اميركية يملكها مردوخ، اكبر كارتل صحافي هنا في الغرب. انا يساري من الداخل ولكني مؤمن بالديموقراطية وبحقوق الانسان مثل اكثر الغربيين، يميني في الوكالة ومنفتح مع عائلتي جداً، لم اكن يوماً ضد الحداثة او معادياً للغرب، كنتُ اقول في نفسي لم يكن ليو شتراوس على خطأ قط، لم يكن مخطئاً حين قال ان الديموقراطية يمكن تعميمها على العالم كله بالقوة".


لا تعكس هذه الازدواجية التي نستشفّها من كلام البطل ومن أسلوب عيشه، نفاقاً خبيثاً، بقدر ما هي مآلٌ تراجيدي نتيجة محاولة التوفيق بين التناقضات التي ينبني عليها واقعه. فهو من ناحية لا ينفك يحاول تأكيد انتمائه الاميركي مستخدماً "نحن" كلما اراد الحديث عن الاميركيين، ومكرراً عنوان منزله في "الدرب السادس جنوب هيوستن" مثل لازمة مضنية، كما لو ليرسّخ على الأقلّ لفظياً هذا الانتماء المستعار على غرار اسمه. من ناحية ثانية، نراه غير قادر على التوفيق تماماً بين متطلبات العائلة الاميركية المعاصرة وجذوره "الشرق اوسطية". سريعاً ما سنتبيّن هشاشة وضعه وانتماءاته لتتشكّل صورتان على طرفي نقيض لعالمين وفكرين وثقافتين و"موقعين" يتحقق بينهما فصامه ويتأكّد.


هو فصام سيظل البطل قادراً على "ادارته"، اذا جاز التعبير، بالحد الادنى، الى الوقت الذي سترسله فيه وكالة الاخبار التي يعمل فيها الى أديس أبابا لكتابة تقرير عن الثوار العراقيين الذين غادروا بغداد في السبعينات للالتحاق بالثورة العالمية ضد المصالح الغربية والشركات الكبرى: جبر سالم، الصحافي الثوري المتأثر بريجيس دوبريه، أحمد سعيد الثوري العقائدي وميسون عبد الله رفيقته وحبيبته ذات المسيرة النضالية الذائعة الصيت. ثلاثة اشخاص، او شخصيات بالاحرى، استقرت بهم الحال منذ ثلاثين عاماً في اديس ابابا بعد وصول منغستو الى السلطة.


في بحثه عن هذه الايقونات الثورية الثلاث، سيجد البطل كل افريقيا ما بعد الثورة: خليط متفجر من الفقر والفساد والاحقاد الاثنية وبقايا حداثة غربية، فيما العملاق الغربي مستمر في امتصاص دمائها السوداء. سيلتقي ثواراً متقاعدين، كل شيء فيهم يفضح "الطريقة التي يتعفّن فيها الثوري بعد سقوط الثورة"، ومثقفين تحولت الثورة معهم الى اجترارات لفظية وكليشيهات متعفنة ومصطلحات بائدة. "اين الثورة؟"، سيظل يتساءل طوال رحلته، كأنه يتحدث عن كائن من لحم ودم. لكنه لن يجد لا ثورة ولا ثواراً ولا من يثورون، بل قارة غارقة في ظلام لا مخرج منه، باتت اليوم "مثل امرأة سوداء تحمل شوالاً ضخماً مكتظاً بأحذية من البلاستيك الرخيص، على مقربة منها شحاذ يحتضر".


لهؤلاء الذين عصفت بهم ذات يوم افكار الثورة الاممية، يحقق الكاتب حلمهم بأن يكونوا ابطالاً، لكن من على المقلب الآخر للبطولة. يجعل منهم ابطالاً مضادين، عبثيين، مهزومين، واهمين، مجموعة من "السكارى والقوّادين والعاهرات" وأشباه المثقفين الذين ينتمون الى لا مكان ويقبعون خارج الزمن يجترّون خيباتهم. لا يكتفي بهذا المَسخ الذي يمارسه عليهم، بل تصل به الحال الى حد نفيهم وإلغائهم. وقد يكون عدم تمكّن بطل الرواية من العثور على أحمد سعيد وميسون عبد الله رمزاً لهذا الوجود السرابي، وكأن بدر لا يريد ان يمنّ عليهم حتى بحضور مورفولوجي. واذا حضروا، على غرار جبر سالم، تبيّن انهم مسكونون بالخذلان والمرارة وقد اكتشفوا انهم خُدعوا، وانهم وقعوا ضحايا انسحارهم بصور سينمائية وشعرية لثوار ينكشون شعورهم ويلبسون الملابس الكاكية ويقرأون الكتب الحمراء ويحلمون "بالثورة الدائمة، بالفوضى والارباك الذي يمكننا ان نصنعه للامبريالية والكولونيالية والبورجوازية والاقطاع". او كانوا على صورة جمال وحيد، الشيوعي السابق الذي خرج من سجون صدام حسين في الثمانينات بعدما وشى برفاقه لأنه لم يحتمل التعذيب، ليصير اليوم صائد ذئاب في أديس أبابا: "هربت من الذئاب وها انا اطارد الذئاب"، يقول عن نفسه، بينما يحاول مداراة فوضاه وحطامه الداخليين خلف مظهر لامع، تعكسه النظافة والترتيب والتقشف في منزله، وادعاؤه العمل مع منظمة اوروبية لمطاردة العصابات التي تلاحق الحيوانات من اجل جلودها.


الا ان إمعان الكاتب في تهشيم شخصياته يبلغ لحظاته القصوى في المشهد المتخيَّل الذي يضمّنه البطل تقريره عن لقائه الذي لم يحصل مع أحمد سعيد وميسون عبد الله. وهو مشهد تراجيدي من فرط كاريكاتوريته، يأتي لينسف الاسطورة بكاملها. اما بطله، فيتركه في الصفحات الاخيرة يحكي ويحكي ويحكي، مفرغاً الخيبة والارباك اللذين عاد بهما من رحلته الافريقية، بحيث يمّحي وجود صديقته البولونية تماماً أمامه لولا بعض العبارات المعترضة التي تنقذ كلامه من شبهة المونولوغ. يتركه ينقض كل شيء، الثورة وما بعد الثورة وما بعدهما معاً، اليساريين والرأسماليين والمحافظين والمتدينين... فلا يبقى في النهاية الا نوع من الفوضوية الكلامية سيظل يحاول ترتيب معطياتها المتناقضة قبل ان ترسو على مشهد صورة سياحية وفولكلورية لا تخلو من بعد داعر: صورة فوتوغرافية عاد بها من افريقيا، تريه واقفاً ومبتسماً وحوله عشرون امرأة وطفلاً من مشوَّهي الحرب الاهلية، قرّرت زوجته تأطيرها وتعليقها على جدار منزلهما الاميركي.

 

 
تعليق: حسين الكناني - الحياة 23/9/2007
عنوان التعليق: علي بدر «يفضح» أسرار الثورة العراقية

بعد روايته المثيرة للجدل «مصابيح أورشليم: رواية عن إدوارد سعيد»، أصدر الروائي العراقي علي بدر رواية إشكالية جديدة، ومثيرة للجدل أيضا، بعنوان «الركض وراء الذئاب» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2007). تتناول الرواية حياة مجموعة من الشيوعيين العراقيين الهاربين من قمع نظام صدام حسين أواخر السبعينات من القرن المنصرم إلى أفريقيا ومن ثم الالتحاق بالجيش الأممي الذي أسسه الضابط الأثيوبي الشاب منغستو هيلا مريام في أديس أبابا، وتدور أحداث الرواية في هذه المدينة الأفريقية. هكذا يواصل علي بدر مشروعاً روائياً يُراجع من خلاله جانب مهم من الثقافة السياسية العربية في شكل عام والعراقية في شكل خاص.


صيغة المشروع تغلب على كتابة علي بدر، ورواياته خاضعة لاستراتيجيات فكرية تقوم على مراجعة الثقافي والسياسي ونقدهما وفضحهما. وإن كانت السخرية السوداء والتهكم الفلسفي وروح الدعابة السريالية تغلب طاغية على روح علي بدر وأسلوبه، غير أنه يتمكن من التحليل الدقيق والنظرة العميقة والقدرة على الاستنتاج والحكم، وهو أمر واضح في معظم رواياته تقريباً، بدءاً من روايته الأولى «بابا سارتر».


تبدأ أحداث روايته الأخيرة « الركض وراء الذئاب» بعد سقوط نظام صدام حسين مباشرة، ومن مدينة نيويورك، حيث تكلف وكالة الصحافة الأجنبية في أميركا أحد مراسليها، وهو أميركي من أصل عراقي بكتابة تقرير مفصل أو ريبورتاج عن شيوعيين هاربين إلى أفريقيا أواخر السبعينات. ومن خلال السرد نتعرف على حياة هذا الصحافي الذي يقوم بمهمة سرد الأحداث، وبالبحث عن هؤلاء الشيوعيين الهاربين.


إنه صحافي أميركي مشهور ولامع، من أصل عراقي يبلغ من العمر الخامسة والأربعين من عمره، يعمل باسم مستعار محللا للأخبار في قسم الشرق الأوسط من الوكالة، سافر إلى أميركا في العشرينات من عمره للدراسة أولا، ثم تزوج من أميركية، وحصل على الجنسية الأميركية. كان في بداية حياته يسارياً، إلا أنه يتأثر شيئاً فشيئاً باليمين المحافظ، ويصبح من أتباع المفكر اليميني ليو شتراوس، ثم يبدأ مسيرة أخرى في الدفاع عن أفكار اليمين المحافظ مثل بول وولفوفيتز وريتشارد بيرل وفؤاد عجمي وكنعان مكية وسواهم، ويتوصل إلى هذه النتائج من خلال علاقته السرية مع عشيقته البولونية فيرسولوفا، التي يطلق عليها اسم فيفي.


بين هاتين الحياتين، العلنية مع زوجته وابنه وابنته، والسرية مع عشيقته، وبين تجاذبه وسط فكرين: الفكر اليساري القديم بعدالته والفكر اليميني بهيمنته وتقدمه، يبدأ هذا الصحافي بالبحث عن الوثائق والمعلومات والأخبار الصحافية التي تتناول حياة هؤلاء الثوار في العراق. وتتقدم الرواية في شكل بارع بالمزج بين خطين متوازيين: الأول يتناول المسيرة الفكرية لهذا الصحافي العراقي الذي يعيش في أميركا، والخط الثاني أثر حياته الجديدة في إعاقة تقدم فكره اليساري الذي جلبه من منطقة الشرق الأوسط، وإيمانه شيئاً فشيئاً بالفكر اليميني.


من كل المقابلات التي أجراها مع ثوار متقاعدين التقى بهم في أميركا وأوروبا، ومن كل الوثائق التي وصلته، أو التي حصل عليها من العراق، أو الوثائق التي حصل عليها من طريق الوكالة، هناك ثلاث شخصيات ركز عليها قبل الرحيل إلى أفريقيا: الشخصية الأولى هي الصحافي جبر سالم، وهو ثوري معروف، كان يعمل صحافياً بـ «القطعة»، جاء من الناصرية إلى بغداد في الستينات، وقطن في حجرة قذرة في البتاوين وسط العاصمة، وكل الوثائق تعرّف عنه بأنه ثوري نادر.


الشخصية الثانية هي أحمد سعيد: ثوري عقائدي، عاش طفولته وشبابه في بغداد، ثم التحق بالثورة الشيوعية في الأهوار، وشارك في حرب العصابات في الجبال أيضاً، ثم انتقل إلى بيروت بعد أن أطاح البعثيون بالثورة، ثم انتقل إلى أديس أبابا بعد صعود الضابط الشيوعي منغستو إلى السلطة في أثيوبيا. الشخصية الثالثة هي ميسون عبد الله التي أحبها أحمد سعيد ورافقته في مسيرته النضالية، من الأوكار الحزبية إلى حرب العصابات، وعرفت بمقاومتها الضارية للبعثيين في ذلك الوقت، وكسجينة سياسية عانت أكثر صنوف التعذيب شراسة ووحشية. ومن خلال هذه الرواية نتعرف على العمل الشاق في الحركة السرية الثورية في بغداد حيث كان يجلس الشيوعيون في مقهى البرلمان. وتتوالى الأحداث حتى يجمع هذا الصحفي أكبر قدر ممكن من المعلومات، وبعد ذلك يرحل إلى أفريقيا.


لا تتحرك الرواية فقط عبر الأحداث، إنما وسط التحليل السياسي والثقافي الاجتماعي لتحول فكر يساري، تروتسكي تحديداً إلى فكر يميني محافظ. فالبطل قادم من الشرق الأوسط، يعيش في نيويورك، متزوج من امرأة أميركية، يخونها مع مهاجرة بولونية، ولديه أولاد أميركيون لا يعرفون شيئاً عن الشرق الأوسط ومشكلاته، كان مؤمناً باليسار والحركات الثورية، ومتعاطفاً مع القضية الفلسطينية ومع الاستقلال، ويعمل في مؤسسة أميركية يملكها ميردوخ، أكبر كارتل صحافي في الغرب. هكذا تتوالى تناقضات هذه الشخصية، فهو يساري من الداخل لكنه مؤمن بالديمقراطية وبحقوق الإنسان مثل أكثر الغربيين، يميني في الوكالة ومنفتح مع عائلته جداً، لم يكن يوماً ضد الحداثة أو معادياً للغرب، ودرس في جامعة شيكاغو، حيث قرأ منظري المحافظين الجدد مثل ليو شتراوس ومايكل ليدن وغيرهم.


كان وصول البطل إلى أفريقيا عسيراً، فهو من جهة يجد في البحث عن الشيوعيين الهاربين من بغداد وبطش النظام السابق، ومن جهة أخرى يقع في قبضة صحافيين أفريقيين، لاليت وآدم، فيعرفانه على أفريقيا زمن انهيار الثورة، ويخضع لابتزازهما. نصل في هذا الفصل إلى مفهوم جديد تطرحه الرواية هو فكر ما بعد الثورة، أو الفكر الناقد للثورة بعد انهيار الثورة وسقوطها... مرض الشك الدائم. فهذا المرض ملازم للثوار، ما أن تصبح ثورياً حتى تصاب بهذه العدوى: الكل يتآمر ضدك. وحينما تكون لديك السلطة والسلاح والقوة، وكي تحافظ على نفسك ووجودك تعلن بداية قطع دابر المؤامرة (المصطلح الذي كان يستخدمه صدام ومنغستو لتصفية المعارضين)، هكذا تبدأ حملة تصفيات المنشقين - أو المشكوك في ولائهم - ومن ثم تتحقق أسطورة الثورة. الثورة مستمرة يعني أن الجريمة مستمرة بأبشع صورها. تصوّر الرواية دولاً كثيرة انهارت في هذا الشكل الكارثي لتعود أسوأ مما كانت عليه من قبل، تبتلي أولاً بالكولونيالية، ثم تأتي الثورة لتخلص الناس من نير الحكم الكولونيالي، لكن الثورة يقودها ديكتاتوريون يعيدون السياسة الكولونيالية في صورة أبشع من السابق، ثم تبدأ الانشقاقات وتجهض الثورة. ولكن الأمر لا ينتهي إلى هذا الحد بل تبتلي البلاد بالحروب الأهلية والفوضى. تصور الرواية أيضاً رطانة المثقفين في أوساطهم وأينما كانوا: مصطلحات الماركسية، البنيوية، السيميولوجي، آثار الصورة، ما بعد الكولونيالية. يعتقد الراوي أن المثقفين في كل مكان يجترون الكلمات ذاتها، وهم خليط بين عبودية وتحرر، مزيج بين ثقافة وكراهية، خليط بين تقليد أوروبي وتراث أفريقي فاضح.


تنتقل سوسينا المثقفة الماركسية الجميلة للعيش مع البطل في شقته، أما آدم فكان يلتقي به كل يوم تقريباً، غير أن صديقيه الأثيوبيين يخفيان كل المعلومات عنه ويتعمدان عرقلة اتصاله مع الشيوعيين الهاربين هناك. غير أنه وبالصدفة، يلتقي إحدى هذه الشخصيات، وهو جمال وحيد، في فندق «المسكال» في أديس أبابا. ويتعرف على حياته. كان جمال وحيد يعيش في بغداد السبعينات شيوعياً، ألقي عليه القبض بعد وصول صدام حسين إلى الحكم وشروعه في مذبحة الشيوعيين العام 1979، فيودع في السجن لمدة شهرين ويتعرض لتعذيب شديد. غير أنه يطلق سراحه بعد ذلك فيهرب إلى الاتحاد السوفياتي ويعمل في وكالة نوفوستي فترة، ثم يطرد ويلاحقه الشيوعيون أنفسهم إذ يتهم بالعمالة للاستخبارات العراقية، فيصل إلى أديس أبابا للعمل في مؤسسة أوروبية لحماية الحيوانات البرية، ولا سيما الذئاب.


كانت المعلومات التي استقاها من جمال وحيد سطحية ومعكوسة، ولكن في نهاية الرواية يتوصل القارئ شيئاً فشيئاً إلى حل لغز حياة جمال وحيد، ذلك أن خروجه من السجن كان لقاء وشايته برفاقه، غير أن هذا الاعتراف كلفه غالياً، لا عبر شكوك رفاقه به فقط، إنما جعله ضحية وسواس الاضطهاد القهري. وفي الليلة الأخيرة التي يعترف فيها للبطل بكل تفاصيل حياته، يعترف له أيضا أنه لا يعمل في مؤسسة أوروبية لحماية الحيوانات البرية، إنما في مؤسسة لمطاردة الذئاب في أفريقيا وقتلها وبيع جلودها، وما حماية الحيوانات البرية إلا غطاء لأعمالها.

 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟   
الاسم:
عنوان التعليق:
نص التعليق:
 

آداب و لغة
فلسفة
ديانة مسيحية
الإسلام و أديان العالم
علم النفس و التربية
علوم اجتماعية
تاريخ و جغرافيا
سياية و اقتصاد
علوم طبيعية و طبية
فنون
قانون
مراجع عامة
 
عن المكتبة | كتب | أفلام | تراتيل | الصفحة الرئيسية
SWS المكتبة الروحية 2005 - جميع الحقوق محفوظة - صمم هذا الموقع بواسطة شركة
Powered by O2 TECHNOLOGY