بحث سريع 

 

New Page 1
عنوان الكتاب:
بيوغرافيا الجوع
المؤلف:
آميلي نوثومب
المترجم:
بسام حجار
الموضوع:
آداب ولفة/قصص وروايات/قصص وروايات فرنسية
الناشر:
بيروت - المركز الثقافي العربي
عام النشر : 2006 الطبعة: 1
القياس:
21x14 سم
عدد الصفحات: 239
السلسلة:
رمز التصنيف:
ق ي  396
   

أراء القراء   
تعليق: إبراهيم غرايبة - الحياة 20/10/2009
عنوان التعليق: الجوع والطعام يفسران الحضارة والتقدم

تلاحظ إميلي نوثومب في روايتها «بيوغرافيا الجوع» أن اللوحات الفنية الرائعة في تصوير الأعياد والاحتفالات والطبيعة والمشاعر الإنسانية مصدرها ندرة الأطعمة التي تعرض عادة في اللوحات، وفي مشاهداتها للحياة والفن في الجزر الأوقيانوسية، وهي الجزر التي اعتبرها دايموند أفضل مختبر لدراسة تاريخ البشرية تلاحظ أن غينيا الجديدة هي أكثر الجزر تصويراً لصنوف الطعام، وكان إبداعها الفني أيضاً هو الأغنى والأكثر حيوية وابتكاراً ليس فقط في رسومه الغذائية، بل أيضاً في بعض الأشياء التي لا تخلو من صنعة حقيقية وفذلكة.


فكيف لا نخلص من ذلك – تتساءل نوثومب – إلى أن هؤلاء جاعوا، وأن هذا الجوع قد أيقظ ملكاتهم، وفي المقابل فإن جزيرة فانواتو المجاورة والأكثر روعة ووفرة كانت تخلو تقريباً من الفنون والإبداع والدهشة، لأن أهلها لم يجوعوا يوماً، ولم يحلموا بالطعام، فهناك الطعام وفير لدرجة لا تحتاج معها للعمل أو الجهد أو الخيال! والناس هناك لا يحتاجون لصناعة الحلوى طالما أن الغابة تمدهم بأحلى أنواع الفاكهة، ولا يحتاجون للتحايل في الطهو، والطعام يتاح شهياً لدرجة لا تحتاج إلى إبداع الطهو، فلم يتكبد الإنسان مشقة العمل والتفكير عندما يكون كل ما نبدعه من أطعمة وحلويات وصلصات تبدو شيئاً تافهاً بالنسبة الى جوز الهند الطازج والموز المتاح وثمار البحر وصدفياته التي تكاد تصل إلى الإنسان من تلقاء نفسها.


ولكن لحسن/ سوء الحظ أن العالم كله مختلف عن فانواتو، فالشعوب كلها يجمع بينها ذاكرة الجوع، وعندما نتزاور في البيوت نبادر بالسؤال عن الغداء والعشاء ثم نمضي وقت الضيافة في تناول الطعام والشراب حتى لو لم يكن ثمة حاجة للطعام، ولا تبدو النزهات والرحلات لنا سوى تناول الطعام وإعداده كأنها هي هدف الرحلة وليس الطبيعة أو الهدوء أو البحر أو المشي أو السباحة أو النسيان والتجديد! ولذلك فإن الصين اليوم وفي التاريخ أيضاً هي أكثر الحضارات تألقاً، والطعام الصيني هو الأكثر شعبية في العالم، لأن الصين هي زعيمة الجوع بلا منازع، تملك أفضل تاريخ في الجوع.


والغريب أن جزر الوفرة الهائلة لم تجتذب المحتلين والمستعمرين في موجة الاستعمار الأوروبية التي أغرقت العالم كله، على رغم أن أكثر البلدان تعرضاً للاستعمار كانت أغناها وأخصبها كما نعرف جميعاً، ولكنها جزر ليست غنية بالمفهوم الذي تعارفت عليه البشرية للغنى، فالثراء هو محصلة عمل، وليس هناك عمل، ولا زراعة ولا تجارة، فما كان يجذب المستعمرين ليس ثروة البلدان في حد ذاتها، بل الجهد الذي بذله الناس فيها، أي نتاج الجوع، إنه تحليل أقدمه على ذمة نوثومب.


وإذا شاء القارئ العزيز ألا يصدق ذلك أو ألا يعجبه فأرجو ألا يلقى اللوم علي، بل على الروائية البلجيكية المدهشة إميلي نوثومب، ولكن لو تأملنا في التاريخ والجغرافيا فسنجدهما زاخرين بالأمثلة التي تصدقها وتؤكد على مقولتها بأن غياب الجوع مأساة وكارثة على البشر.


في روايته الفلسفية «حي بن يقظان» يجد ابن طفيل أن «حي» في عزلته ووحدته على جزيرته وجده أهل المدينة عندما تعرفوا عليه حكيماً فاختاروه ليرشدهم وينظر في خصوماتهم ومشكلاتهم، فكانت قضايا الناس كلها متعلقة بالمال والخلاف عليه، فكان يعجب من حاجتهم للمال وقتالهم عليه، فهو كان يراه شيئاً عديم القيمة ولا حاجة للناس به فضلاً عن التقاتل عليه، ولكن هل كان ممكناً أن نجد هذا التراث الرائع من القوانين والأنظمة والمواثيق والحريات وحقوق الإنسان والمساواة والشعر والرواية وملاحم البطولة والفداء والكرم لو صدقنا حي بن يقظان؟


تتساءل الطفلة الصغيرة ذات السنوات العشر لماذا تدرج قصة حاتم الطائي في مناهج الدراسة، وهي تبدو لها ليست سوى حماقة، لماذا يذبح الإنسان حصانه ليقدمه للضيوف، ويترك نفسه وأسرته؟ لماذا يقدم ماله وطعامه للآخرين وهو وأطفاله أحق به؟ أليس النبل هو أن يعمل الناس بدلاً من يتمتعوا بجهود وأموال الآخرين؟ سيبدو كلامها منطقياً لو أن الكرم كان بالفعل كما نقدمه في مناهجنا ووعينا المتأخر على أنه هواية أو خلق منزه عن حياة الناس ومصالحهم وعقدهم الاجتماعي، ولكن عند النظر إليه (الكرم) على أنه مورد ومجال خدماتي مشترك للناس يحتاج إليه كل الناس في ترحالهم وتنقلهم وتبدل أحوالهم وتعاقبها فسوف نجده متطلباً ضرورياً للحياة والبقاء واستمرار المصالح، ففي الطرق والبوادي والجبال التي يعبر بها التجار والناس سعياً وراء عملهم يجدون في الكرم محركاً للازدهار ونمو الأعمال والمصالح يتبادلون فيها الأدوار والمنافع، فالمقيم الذي يكرم الناس اليوم في مكان ما سيكون هو ضيفاً في وقت ومكان آخر.


ما حاجتنا لنعرف سر الجوع وأهميته؟ يعرض جارد دايموند في كتابه «أسلحة، جراثيم، فولاذ» على نحو ظريف وممتع قصة الوجود الإنساني متتبعاً رحلة الإنسان منذ بدأ قبل 13 ألف عام رحلة حياته صياداً وجامعاً للطعام، ثم بدأت مسارات التطور للمجتمعات البشرية بالتفرق جذرياً، فبعضها اكتشف الزراعة وتعلم تدجين المواشي وتربيتها، ثم بدأت الكتابة والتكنولوجيا والحكومات والثقافات.


الغذاء والجوع يمثلان الجزء الرئيس من قصة الإنسانية، وفي تراثنا العربي نعلم أن رحلات القبائل وهجرات الشعوب ونهاية الممالك والغزوات والهزائم كانت جميعها (تقريباً) مرتبطة بالجفاف والصراع والبحث عن الماء والكلأ!


يشرح دايموند كيف أن إنتاج الغذاء، أي الحصول على الغذاء بالزراعة والتجميع بدلاً من الصيد وجمع الطعام الخام أدى في النهاية إلى ظهور العوامل التي أتاحت لبعض القبائل والمجتمعات أن تنتصر على الآخرين. كانت الزراعة هي التي حولت المجتمعات والناس من الصيد إلى المدن والحواضر ثم الثقافة والفنون، فمجتمعات الصيادين غير مجتمعات المزارعين! وبدأ الإنسان «تدجين النبات» وكانت هذه الخضراوات والفواكه التي نعرفها اليوم نباتات برية، وبالطبع فلم يكن لدى هذه الشعوب وعي مسبق بنتيجة أفعالها، هي تبحث عن الطعام وتحسين حياتها فقط، ولم تكن تدرك أنها تصنع التاريخ وتغير مسار البشرية، تماماً مثلما كان الكومبيوتر آلة حاسبة لتسهيل أعمال الإحصاء والجمع والطرح، ولم يخطر ببال مصمميه أنه سيغير موارد البشرية ونقاط قوتها وضعفها. وكانت القنبلة النووية والصواريخ حلقة في البحث عن الطعام، وتلك قصة أخرى!


وبعد إنتاج الغذاء كانت الكتابة أهم اختراع مفرد في البضعة آلاف سنة الأخيرة، وقد تطورت الكتابة مجدداً مرات قليلة فقط في التاريخ الإنساني في مناطق كانت الأقدم في مجال إنتاج الغذاء، وما ينطبق على الكتابة ينطبق أيضاً على التكنولوجيا. هل كان التجديد التكنولوجي يعتمد على قلة نادرة من المخترعين العباقرة وعلى الكثير من العوامل الثقافية ذات الخصوصية الفردية، التي تجرأت على تحدي التفاهم السائد في شأن الأنماط العالمية؟ يجيب دايموند أننا سنرى أن عدداً كبيراً من العوامل الثقافية تسهل ولا تصعب فهم الأنماط العالمية للتكنولوجيا، ومن خلال تمكين المزارعين من تحقيق فائض غذائي، أتاحت عملية إنتاج الغذاء للمجتمعات الزراعية فرصة لدعم متخصصين لم يلجأوا إلى زرع غذائهم الخاص، بل تفرغوا للتطوير التكنولوجي.


وعلاوة على إسهام عملية إنتاج الغذاء في الإنفاق على الكتاب والمخترعين فقد مكنت تلك العملية المزارعين من دعم السياسيين، ومع نشوء التجمعات ذات الكثافة السكانية المستقرة في مناطق إنتاج الغذاء شهدت في تلك المناطق ظهور زعماء القبائل والملوك والبيروقراطيين، وكانت تلك البيروقراطية ضرورية ليس فقط لحكم إقطاعيات كبيرة ومكتظة، ولكن للاحتفاظ بجيوش جاهزة ولإرسال أساطيل الاستكشاف وإدارة حروب الغزو.


المسألة ليست ترفاً فكرياً، ولكنها تصلح أساساً لكل برامج وسياسات التدريب والتنمية والإدارة، فلا يمكن لأفضل البرامج والمشروعات أن تنجح وتمضي بغير الدوافع الكبرى التي تحرك الناس نحوها، برامج التدريب وتطوير الكفاءات على سبيل المثال، والتعليم والابتعاث والبحث العلمي أيضاً، لا يتوقع أن يقبل الناس عليها إلا نادراً إذا لم يكونوا يملكون من الدوافع، وتلح عليهم الحاجات الأساسية وضغوط المنافسة والبقاء والترقي في العمل والحياة.

 

 
تعليق: اسكندر حبش - السفير 6/10/2006
عنوان التعليق: كل أمة هي معادلة حول الجوع

تبدو الكاتبة البلجيكية آميلي نوتومب وكأنها محكومة بأشغال الأدب <الشاقة>. في حين يعيش كُتّاب آخرون حياتهم الكتابية بطريقة <بوهيمية>، أي يصدرون كتبهم وفقا <لوحيهم>، الذي لا يأتي إلاّ في فترات متباعدة، نجد أن نوتومب تمارس هذه الحياة بشكل منتظم، وكأنها تجري في سباق للمسافات الطويلة. لأن الكتابة عندها، تبدو بمثابة دينامكية داخلية تُنظم إيقاع أيامها. فمن كل عام، في شهر أيلول، ومنذ بداية تسعينيات القرن المنصرم، تصدر رواية جديدة (صدرت رواية جديدة لها منذ أسابيع قليلة بعنوان <يوميات سنونوة>). ربما لم تكن تتصور حين بدأت النشر، أن يصبح هذا الأمر، ظاهرة ما، في بداية الموسم الأدبي الفرنسي. لكن ها هي تتصدر دائما قائمة الكتب الأكثر مبيعا، فالعديد من القراء ينتظرونها، والنقاد أيضا الذين يحتفون بها كتابا وراء آخر (تقول عنها مجلة <لير> مثلا، إن كل رواية لنوتومب هي بمثابة نبيذ <البوجوليه> الجديد، حيث يهم الفرنسيون بأسرهم لتذوقه كل عام). هذا النجاح، قد يكون مرده إلى انتظامها الدقيق بالعمل، حيث تخصص أربع ساعات كل يوم، في الصباح الباكر، لتكتب <وهي تشرب شايا قويا> (مثلما قالت ذات يوم في احد أحاديثها الصحافية). هذه الحياة المنتظمة، وهذا التواجد الدائم في المكتبات، في خريف كل سنة، بالإضافة إلى شخصيتها البلجيكية الغريبة الأطوار، من الأمور التي تزعج البعض. بيد أن ذلك لا يجعلنا ننسى أمرا أساسيا: إنها كاتبة حقيقية، وأسلوبها حاذق وفعال ويتطور أكثر فأكثر، رواية بعد أخرى (على الرغم من أن روايتها الأخيرة، <يوميات سنونوة> لم تثر الكثير من الحماسة المعهودة). لقد عرفت الكاتبة كيف تتخلى تدريجياً عن المحسنات والزخارف التي وسمت كتاباتها الأولى، كي تذهب أكثر إلى أعماق السؤال الكتابي، كما أنها بدأت تقطع اندفاعات جملها لكي لا تترك منها إلا ما هو أساسي. من هنا أصبحت تميل أكثر، إلى الجمل القصيرة، التي لم تتخلَ فيها عن الإيقاع.


سيرة للجوع


<بيوغرافيا الجوع> الصادرة حديثا في ترجمة عربية، هي بالفعل أول سيرة ذاتية <كاملة> عن المؤلفة، منذ ولادتها وحتى عملها كمترجمة في قلب شركة يابانية كبيرة (ولدت في اليابان حيث كان والدها دبلوماسيا بلجيكيا في سفارة بلاده هناك) وهذا ما أفضى في مرحلة سابقة، إلى كتابة روايتها الممتازة <دهشة وارتجافات>. للوهلة الأولى، وأنت تقرأ أولى صفحات الكتاب، لا بدّ أن تشعر بالخوف من تكرار سيرة هذه الطفولة التي تدور بين اليابان والصين. بمعنى آخر، لا بد أن تعتقد أنك ستعود لتقع على نفس الموضوع الذي تطرقت إليه في كتابيها <تشويه عاشق> و<ميتافيزيقيا الأنابيب>، اللذين تحدثت فيهما عن هذه المرحلة، إذ أن متابع روايات نوتومب يعرف هذه الأشياء، هذه العلاقة <الجسدية> إن جاز التعبير التي تجمع ما بين الكاتبة والطعام. من هنا، قد لا نصاب بالدهشة القصوى حين نعرف أنها تستدعي شهيتها الكبيرة لكل أشياء هذا العالم الذي تعيش فيه.


الخوف الذي يراودك، قبل القراءة، هو أن تجد أن ليس لدى الكاتبة أي شيء آخر لتستثمره، كتابيا، إلا سبر أغوار طفولتها الأولى. لكن بعد مرور الصفحات القليلة تجد أن <بيوغرافيا الجوع> تأخذ أقصى مداها. إذ لو وجدنا أن <تشويه عاشق> و<ميتافيزيقيا الأنابيب> كانتا تتجاوزان الطفولة لتستعمل الحبكة السردية بشكل يتخطى الحد، نشعر هنا بأن نوتومب تذهب أكثر إلى كتابة الصدق أكثر مما كانت تفعله في الماضي.


ما نكتشفه هنا، وبدهشة جميلة، أن هذه الطفولة أمضتها في التجوال عبر مدن العالم المتعددة، خلال فترة السبعينيات، من جراء عمل والدها الدبلوماسي: اليابان، الصين، نيويورك، بنغلادش، لاوس... مدن موجودة عبر هذه التوصيفات للوضعين السياسي والاجتماعي التي كانت تعيش فيها، لكنها مكتوبة هنا بوجهة نظر طفلة، وهي توصيفات لا بد أن تدفع إلى الضحك والسخرية كأن تقول مثلا: <في بكين، كان الرفيق تريه، الذي لم يكن يملك سوى مهمة واحدة تتمثل في شد شعري في الصباح، كان يتكلم لغة تلك الحقبة العائدة لعصبة الأربعة، وهي نوع من لغة معادية للإمبراطورية، لغة تبدو بالنسبة إلى الشخص الصيني ما كانت عليه ألمانية هتلر بالنسبة إلى غوته: ضلال نجس ذو تناغم يشبه الصفع على الأفواه...>. وفي مقابل هذه الجغرافيا العالمية نجد بالتأكيد هذه الجغرافيا العقلية المدهشة لطفل موهوب يشعر بالجوع دائما: جوع للغات والكتب، للكحول والشوكولا، للجمال والاكتشافات...


بيد أن الآسر أكثر في رواية نوتومب هذه، عدم إخفائها لأي من صدمات وجودها، وهذا ما كنا نشعر به في كتبها السابقة: عمر الطفولة الذهبي والمحمي، الذي اغتالته استدارات المراهقة، التي أحالت الجسد قبيحاً ونهشت الروح: <تشوه جسدي، كبرت 12 سم في سنة. بدأ نهداي بالتكور، صحيح ما زالا صغيرين، لكنهما كانا يمثلان الكثير بالنسبة إلي: حاولت أن أحرقهما بواسطة قداحة مثلما كان أهل الأمازون يحرقون نهودهم كي يطلقوا السهام بشكل أقوى...>. من هذه النقطة، تبدأ الرواية بفتح آفاق جديدة أمامنا، تبدأ سيرة جغرافيا الجسد الأليمة التي تصل حتى فقدان الشهوة للطعام، وهي فكرة كانت موجودة في رواية سابقة لها بعنوان <نظافة القاتل>، ما جعل هذه المراهقة في حالة من المرض لمدة سنوات عدة.


بعيداً عن الاستعراض


إحدى خاصيات كتابة أميلي نوتومب، هي طريقتها في رواية <الحدث> بأناقة وفكاهة، من دون أن تقع لا في الاستعراضية ولا في المجاملة. وإذا ما كانت المادة التي تقدم إلينا، تفرض أن نقرأها، في الواقع، بمثابة سيرة ذاتية، فإن عمل الكاتبة الذي يشبه عمل الصائغ والذي يترجم الواقع كي يهديه إلى آخرين، يسير بشكل فعال وساحر، عبر رسمها لهذه <الاستدارات الجغرافية> كما لشغفها الذي يلتهم كل شيء: الجوع للسكر، للمساحات الواسعة، للكتب، للأفلام، للثقافة، ولكننا نجد أيضا جوعها للآخرين، جوعها لأن تشعر بالجوع، أي جوعها لكل شيء في نهاية الأمر. من هنا تكشف لنا الكاتبة عن سمات عديدة من سمات شخصيتها <المعقدة>، لتكتب لنا في نهاية الأمر <كتاباً> مدهشاً من كتب <سوسيولوجيا الرواية> حيث تحاول أن تظهر فيه بأن الجوع ليس سوى هوية البلدان الأرفع والأعلى، وبأن كل أمة <هي معادلة تتشكل حول الجوع>.


في الكثير من <السير> التي نقرأها، نجد أن عمل غالبية الكتاب يتبدى في أن يقدموا السيرة من دون <تفكير>، بمعنى أنهم يُهملون في ذلك، الشيء الأساسي الذي عليهم أن يفكروا فيه أحيانا: متعة القراءة (من قبل الآخرين بالطبع). ربما هذا ما تنساه غالبية الكتاب: متعة القراءة التي هي في الأساس متعة الكتابة. آميلي نوتومب هي من دون شك، من أكثر الكاتبات (باللغة الفرنسية) إمتاعا. من قال إن المتعة ليست أدباً حقيقياً؟ من هنا أنصحكم أن تلتهموا هذا الكتاب بسرعة وبخاصة إذا كنتم تشعرون بجوع القراءة.

 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟   
الاسم:
عنوان التعليق:
نص التعليق:
 

آداب و لغة
فلسفة
ديانة مسيحية
الإسلام و أديان العالم
علم النفس و التربية
علوم اجتماعية
تاريخ و جغرافيا
سياية و اقتصاد
علوم طبيعية و طبية
فنون
قانون
مراجع عامة
 
عن المكتبة | كتب | أفلام | تراتيل | الصفحة الرئيسية
SWS المكتبة الروحية 2005 - جميع الحقوق محفوظة - صمم هذا الموقع بواسطة شركة
Powered by O2 TECHNOLOGY