بحث سريع 

 

New Page 1
عنوان الكتاب:
التصوف الإسلامي
المؤلف:
صهيب الرومي
المترجم:
الموضوع:
دين إسلامي وأديان العالم/دين إسلامي/تصوف إسلامي
الناشر:
بيروت - بيسان
عام النشر : 2007 الطبعة: 1
القياس:
24X17 سم
عدد الصفحات: 720
السلسلة:
رمز التصنيف:
دص  69
   

أراء القراء   
تعليق: باسكال تابت - النهار 16/11/2007
عنوان التعليق: ما أعظم شأنك أيها الحب!

يشكّل كتاب "التصوّف الإسلامي" لصهيب الرومي، الصادر أخيراً عن "دار بيسان"، دراسة معمّقة ومرجعاً حديثاً ومهماً عن حياة روحية سامية كانت ثورة في الإسلام وفي الفلسفة. شغلت حركة التصوف الإسلامي كبار الباحثين العرب والمستشرقين أمثال نيكولسون وماسينيون وماكدونالد وهارتمان وغيرهم. يتناول المؤلف حركة التصوف الإسلامي منذ نشأتها وتطوّرها وبلوغها مرحلة الطرق العديدة التي تفرّعت منها حتى عصر انحطاطها.


تعدّدت سبل المعرفة وتم حصرها في ثلاث: الأولى هي المعرفة الحسيّة ويعتبر أعلامها أن ما لا يناله الحس محال وجوده، والثانية هي المعرفة العقلية التي تؤكد طاقة العقل على إدراك كلّ شيء، أما الثالثة فهي المعرفة الدينيّة التي تتوق إلى إدراك الحقائق السامية. أقرّ سالكو هذا الطريق بالمذهب الصوفي وركنوا إليه؛ وأداة معرفتهم هي القلب الذي يشكّل مرآة جليّة ترتسم فيها الصفات الإلهيّة.


كان الجاحظ أول من استعمل لفظة "الصوفيّة" وتعدّدت الآراء حول مصدر هذه التسمية، فمنهم من ينسبها إلى الصفاء أو إلى الصفة، ومنهم من ينسبها إلى الصفو، ومنهم من يرجعها إلى الكلمة اليونانيّة "صوفيا" التي تعني الحكمة أو المعرفة. لم يقرّ الباحثون بهذه الإشتقاقات اللغويّة لخروجها على قاعدة الإشتقاق فنسبوا الصوفيّة إلى الصوف. هذا ما يذكره ماسينيون، وإبن خلدون في مقدمته، وأبو نصر السراج في كتابه "اللمع".


تدل كلمة الصوفيّة إلى جماعة من المؤمنين انقطعوا إلى عبادة الله وأعرضوا عن زخرف الدنيا وزهدوا فيها في الحرام وفي الحلال لاعتبارهم أن الزهد في الحرام واجب وفي الحلال فضيلة، وانفردوا عن الخلق في الخلوة للعبادة.


بدأ التصوف الإسلامي منذ فجر الإسلام ومرّ بأدوار مختلفة وتأثر بمصادر متعدّدة كالمصدر الهندي، والصيني، واليوناني، والفارسي، وبخاصّة المسيحي. ومما لا شك فيه أنّه رغم التأثيرات الأجنبيّة تبقى مصادر التصوّف الإسلامي إسلاميّة. ويؤكد ماسينيون ذلك في قوله "إن القرآن ينطوي على البذور الحقيقيّة للتصوّف وإنّ تلك البذور كافية لتنميته في غير حاجة إلى أي غذاء أجنبي". يبيّن الكاتب ذلك من خلال استناده إلى آيات قرآنيّة، منها "الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكّرون في خلق السماوات والأرض"، وإلى حياة الرسول التي تظهر فيها نزعتان مختلفتان، الأولى إلى الزهد والثانية إلى السعي وراء الحياة. فمن الأقوال التي نسبت إليه مثلاً  "وإنما حبّب إليّ من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرّة عيني في الصلاة"، كما يستند الباحث أيضاً إلى حياة الصحابة.


يؤكّد الكاتب أن الحب الإلهي هو أساس الطريق الصوفي والنقطة التي يتمحور حولها. إنّه بالنسبة إلى الصوفيين سرّ الوجود وعلّته الأولى. هو شوق الروح إلى لقاء الله. يعتبر ابن عربي وهو أشهر الصوفيين المسلمين وصاحب نظريّة وحدة الوجود، أن ليس من دين أرفع وأسمى من دين الحب. هو هذا الإلهام الرباني للروح الذي يدفعها إلى الفناء عن ذاتها لتبقى في المحبوب، الله، الذي سبقها فأحبّها فدعاها. ويقول أبو يزيد البسطامي في هذا السياق "توهّمت أنّي أذكره وأعرفه، وأحبّه وأطلبه، فلمّا انتهيت رأيت ذكره سبق ذكري، ومعرفته سبقت معرفتي، ومحبّته أقدم من محبتي، وطلبه لي أولاً حتى طلبته". عبّر الصوفيون عن هذا الحب بأشعار وقصائد ضمّت الغزليات والخمريات التي لم تبد في غير التصوف بمثل هذا الغنى، فجاءت أشعارهم نتيجة لوحي أحوال الوجد الصوفي الذي لم يكن لهم سبيل أقدر من الشعر للتعبير عنه. يقول مثلاّ جلال الدين الرومي "الله ساقينا والله خمرنا/ والله يعلم أي حبّ حبّنا"، أو "جاء حبيبي، قمرا لم ترَ السماء، ولن ترى، له مثيلا. يقظان أو حالماً متوّجاً بشعاع خالد، لا يثنيه سيل أي سيل".


هذا الحب في القلب نار تحرق كلّ دنس على حدّ تعبير الورّاق. أضف إلى أنها تمحو كلّ خوف فيعشق المحبوب لذاته لا لغاية. نذكر في هذا الصدد رابعة العدويّة أو قديسة الإسلام كما سمّاها بعض الباحثين، فهي شكّلت لنفسها مذهباً من العشق الإلهي وعبّرت به عن مختلف حالاتها النفسيّة والعاطفيّة. عشقت الله لذاته وكانت تردد "إلهي إن كنت أعبدك مخافة النار فاحرقني فيها. وإن كنت أعبدك رغبة في الجنّة فأبعدني عنها، وإن كنت أعبدك لذاتك فلا تصرف عني جمالك السرمدي". من أجمل أبياتها الوجدية: "أحبّك حبين: حب الهوى/ وحباًّ لأنك أهل لذاكا / فأما الذي هو حب الهوى/ فشغلي بذكرك عمّن سواكا/ وأما الذي أنت أهل له/ فكشفك للحجب حتى أراك/ فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي/ ولكن لك الحمد في ذا وذاكا".


هذا العشق الإلهي، يؤدي، كما سبق وأسلفنا، إلى حال الفناء، فيكون التجلي والجذب وحال الإتحاد. يقول الباحث في هذا الصدد: "وحال الإتحاد – أيما كانت العبارات التي توصف بها – هي غاية لطريق بسيطة، تتحرر بها الروح شيئا فشيئا، من كل ما هو غير رباني، وهي تختلف عن "النرفانا". فالنرفانا زوال للشخصيّة لا غير، وأما "الفناء" فهو تلاشي الصوفي عن وجوده الحسي، ويستلزم ذلك الفناء "البقاء" أو الإتحاد بالحياة الربانيّة. والغاية القصوى عند الصوفي المسلم، في اختصار، أن يصير ربانياً". ففي هذه الحال يغيب السالك عن ذاته ولا يعود يشعر إلا بالله. الأفضل في هذه الحال أن يسكت الصوفي ويكتم ما يراه وإلا عدّ من أهل الشطح "وكان ما كان ما لست أذكره/ فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر".


كفّر الإسلام الكثير من المتصوفين وقد تمّ قتلهم صلباً أو حرقاً، وذلك لأنهم عند الفناء والإتحاد تفوّهوا بما لا يقبله الشرع، كالحلاّج مثلا الذي قال: "أنا الحق" و"أنا من أهوى/  ومن أهوى أنا/ نحن روحان/ حللنا بدنا". أو البسطامي في قوله: "إني أنا الله، لا إله إلا أنا فاعبدوني" و"سبحاني ما أعظم شأني". ويذكر صهيب الرومي في هذا الصدد أن "التفوه بمثل هذه العبارات في حال الصحو لا يقرّه الشرع الإسلامي أبداً، بل إن ثبت أن قائل هذه الكلمات يعتقدها، ويعتقد صحتها، ويدين بها فهو إلى الكفر أقرب، وقد تزندق بذلك ومرق من الدين... أما التفوه بمثل هذه الشطحات في حال الفناء والغيبة، فالشرع لا يقرّه أيضاً بحال ولكن دون أن يصم قائلها بالكفر، إذ إنّ الذي قال هذه العبارات كانت له في أثناء شطحه ملابسات لا نعلمها. فربما كان لا يقصد ذلك، فعلينا التحقق من ذلك بسؤاله".


لا يخفى على الباحث تأثر الصوفيّة وبخاصة في عهدها الأخير بالفلسفة الأفلاطونية المحدثة أو الأفلوطينيّة التي تقوم على نظريّة الفيض. ففي حال الإتحاد هذه، تمتزج الطبيعة الإلهية بالطبيعة البشريّة. فالإنسان فيض من الوجود المطلق وشخصيته عدم لأنه لا وجود لها، والإنسان هنا هو الله ولكن مع وجود الفارق، الأمر الذي يتنافى جذرياً مع مبدأ الوحدانيّة التي قام عليها الإسلام.


في الحقيقة، نجد متعة في قراءة هذا الكتاب وذلك لدقّة الموضوع والمصطلحات الخاصّة بهذه الجماعة والتعبير والأسلوب. يعبّر الكاتب عن أفكار دينيّة وفلسفيّة عميقة، بأسلوب شائق، سلس وسهل، بعيد عن التعابير الغوغائيّة والمعقّدة.  كما أنه يتناول موضوعاً أثار الجدال في تاريخ الفلسفة وفي الإسلام. فهو، الى كونه يقدم دراسة عن نشأة التصوف وتأثره بالديانات الأخرى، وتطوره من الزاهدين إلى المجذوبين، وعن حياة الصوفيين ومعرفتهم التي تسمّى عرفاناً وليس علماً (رغم أننا كنا نتمنى لو أنه ألقى الضوء بطريقة أوسع وأوضح على سيكولوجيّة الصوفي)، وعن مقاماتهم وأحوالهم وعن أبرز المحاور التي تتمركز نحوها هذه الحركة، يذكر أبرز أعلام التصوف الإسلامي من رابعة العدويّة، إلى البسطامي وإبن الفارض والحلاج والسهروردي وإبن عربي والغزالي وغيرهم من سالكي الطريق الذي اعتبره الغزالي، حجّة الإسلام، الطريق الوحيد "المنقذ من الضلال".


في كتاب الرومي هذا، يقف الباحث موقف المدافع عن الصوفيين، فهو يُرجع إليهم اعتبارهم، ليس فقط لأجل التراث الأدبي - الديني أو الأدبي - الروحي الذي زوّدونا اياه بل أيضاً لأنه من خلالهم أعلن الإسلام عن روحانيته.


يبقى السؤال: أيّ قيمة للبحث في التصوف في عصرنا هذا؟ ألم يصبح ذاكرة في التاريخ؟ نجيب أننا اليوم في عصر التكنولوجيا والتطور العلمي السريع والمذهل وعصر المادة، وبعد تأثرنا بفلسفة مادية وإيديولوجيات متعدّدة ومتضاربة، وسياسة عالميّة ومحليّة تلهي الإنسان عمّا سواها، فقدنا الكثير من روحانيتنا ومن الوعي بأن بشريتنا تتوق إلى الله وهي في حاجة ملحّة أقلّه إلى قراءة تنعش فينا الشعور بإنسانيتنا وتوقظ فينا بعض الروح.

 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟   
الاسم:
عنوان التعليق:
نص التعليق:
 

آداب و لغة
فلسفة
ديانة مسيحية
الإسلام و أديان العالم
علم النفس و التربية
علوم اجتماعية
تاريخ و جغرافيا
سياية و اقتصاد
علوم طبيعية و طبية
فنون
قانون
مراجع عامة
 
عن المكتبة | كتب | أفلام | تراتيل | الصفحة الرئيسية
SWS المكتبة الروحية 2005 - جميع الحقوق محفوظة - صمم هذا الموقع بواسطة شركة
Powered by O2 TECHNOLOGY