بحث سريع 

 

New Page 1
عنوان الكتاب:
أثر ابن رشد في فلسفة العصور الوسطى
المؤلف:
زينب محمود الخضيري
المترجم:
الموضوع:
فلسفة/فلسفة وسيطية/فلسفة عربية
الناشر:
بيروت - التنوير
عام النشر : 2007 الطبعة: 1
القياس:
21x14 سم
عدد الصفحات: 426
السلسلة:
رمز التصنيف:
فل و  129
   

أراء القراء   
تعليق: عمر كوش - البيان 22/10/2009
عنوان التعليق: ابن رشد في العصور الوسطى

تمسك ابن رشد الشديد بالعقلانية لم يحل دون اهتمامه بالدين، نظراً لعدة ظروف تاريخية تجسدت في السيطرة، التي بلغت ذروتها لعلماء الكلام والفقهاء على الحياة الفكرية والسياسية في عصر ابن رشد، وفي هجوم الغزالي على الفلسفة وعلى الفلاسفة.


حظي ابن رشد، ومازال يحظى، باهتمام كبير من طرف الدارسين والباحثين والمؤرخين سواء في الشرق أو في الغرب، فدرست أعماله وتأثيراته في الفلسفة الوسيطة، خاصة منذ من منتصف القرن العشرين المنصرم، من قبل بعض المستشرقين، كان في مقدمتهم رينان في كتابه الشهير عن «ابن رشد والرشدية»، الذي وضع فيه الخطوط العريضة لسلسلة هائلة من الدراسات. ثم توالت الدراسات من طرف مؤرخي فلسفة العصور الوسطى، الذين راحوا يهتمون بابن رشد وبأثره في فلسفة العصور الوسطى. وفي هذا السياق تتناول مؤلفة هذا الكتاب أثر ابن رشد في فلسفة العصور الوسطى، وتستند إلى ما قدمه رينان من جهد كبير، مسح من خلاله جل المخطوطات المتعلقة بالموضوع، وما قدم من لمحات عديدة حول الموضوع، فكانت تلك اللمحات سليمة حيناً، خاطئة أحياناً نتيجة لندرة المنشور والمحقق من المخطوطات في هذا المجال وقت ذاك. وتعتبر أن أبرز أخطاء رينان هو اعتباره المدرسة الفرنسيسكانية رشدية النزعة واعتبارها معقلاً من معاقل الرشدية اللاتينية في القرن الثالث عشر.


وتنظر المؤلفة إلى ابن رشد، بوصفه فيلسوفاً عقلانياً جريئاً، جعل رسالته تفسير الحقيقة العقلية الفلسفية التي توصل إليها المعلم الأول أرسطو. وترى أن تمسك ابن رشد الشديد بالعقلانية لم يحل دون اهتمامه بالدين، نظراً لعدة ظروف تاريخية، تجسدت في السيطرة، التي بلغت ذروتها لعلماء الكلام والفقهاء على الحياة الفكرية والسياسية في عصر ابن رشد، وفي هجوم الغزالي على الفلسفة وعلى الفلاسفة، الذي ما زال ماثلاً أمام الأذهان. وبسبب هذين العاملين وضع ابن رشد ثلاثة مؤلفات توفيقية، هي «فصل المقال»، و«منهاج الأدلة»، و«تهافت التهافت»، حاول فيها التوفيق بين الفلسفة الأرسطية، وهي الحق العقلي في نظره، وبين ما جاء في الدين الإسلامي، متأوّلاً هذا الأخير في حالة تعارضه مع ما جاءت به الفلسفة بما يحقق الوفاق بينهما. وفي عام 1255 وضعت كلية الآداب بجامعة باريس تنظيماً لمناهج التدريس، ودخلت فلسفة أرسطو رسمياً في التعليم الجامعي، حيث وضع ألأبرت الكبير كتاب «في وحدة العقل ضد ابن رشد».


وبما أن أنه يعلم أن فلسفة أرسطو دخلت أوروبا مصطبغةً بصبغة عربية، أي متأثراً بالتأويل المادي للإسكندر الأفروديسي، لذلك أراد ألبرت الكبير من كتابه أن ينقي أرسطو قدر الإمكان من الفلسفة العربية، والرشدية على وجه الخصوص. وعليه يتضح أنه كانت هناك محاربة قوة ومتصاعدة للتيار الرشدي في الجامعات والثقافة الأوروبية، وتبلورت تلك المحاربة مع توما الإكويني عام 1269 في كتابه «في وحدة العقل رداً على الرشديين» الممثلين بسيجر برابانت. وتلك الفترة كانت تعدّ زمن أعظم المعارك الفكرية في القرون الوسطى، والتي دفعت بأسقف باريس تومبييه إلى إصدار قرار تحريم جديد عام 1270 ضد الرشدية والمشتغلين بها، ولكن فلسفة ابن رشد استمرت في كل أنحاء أوروبا حتى القرن السابع عشر، معلنة انتصار العلمانية كحتمية لا بد منها.


وتختار المؤلف من فلسفة ابن رشد ثلاث مشاكل فلسفية، هي مشكلة التوفيق بين الفلسفة والدين، ومشكلة العالم، ومشكلة النفس العاقلة، لتدرسها عند ابن رشد أولاً، ثم تدرس أثرها في فلسفة العصور الوسطى. ولا شك في أن دراسة هذه المشاكل الثلاث، تفضي إلى دراسة جانب كبير من فلسفة ابن رشد، وهو نفس الجانب الذي كان له أعظم الأثر فيمن تأثروا بالرشدية، كونها تشكل محور اهتمام كافة الفلاسفة المسيحية المهتمين بفلسفة ابن رشد، سواء كانوا مؤيدين له أم معارضين.


ويجري التركيز على الفلسفة الرشدية اللاتينية في القرن الثالث عشر في باريس وحدها، دون غيرها من المدن التي عرفت جامعاتها تلك الفلسفة. والسبب في هذا الاختيار يعود إلى أن القرن الثالث عشر يمثل ذروة ما وصل إليه الفكر في العصور الوسطى المسيحية، وإلى اعتبار باريس منارة هذا الفكر في ذلك الوقت، وما كان يحدث في جامعاتها وبأوساطها العلمية كان ينعكس بالضرورة على كل المراكز الفكرية الأخرى في أوروبا المسيحية. إضافة إلى أن القرن الثالث عشر في باريس يعد أهم مرحلة في تاريخ الرشدية اللاتينية، حيث يمثل دخول هذه الفلسفة لأوروبا وبلوغها الذروة، كما أنه يمثل العصر الذي حدثت فيه ما يشبه الصدمة للفكر المسيحي، تلك الهزة التي ساهمت إلى حد كبير في خلق الفكر المسيحي الفلسفي المنفصل عن الفكر اللاهوتي.


وتحدد المؤلف عدة اعتبارات لاختيارها الفلاسفة المتأثرين بابن رشد، حيث ترجع اختيار القديس ألبرت الكبير، لأنه أول من أراد استيعاب أرسطو في علم اللاهوت المسيحي، وبالتالي لا بد وأنه تأثر بشارح أرسطو الأعظم وهو بصدد تحقيق هذا الغرض. ولا تنفصل فلسفة القديس توماس الأكويني عن «فلسفة» ألبرت الكبير، كونها مكملة لها إلى درجة أنه يُطلق على الفلسفتين معاً اسم «الفلسفة الألبرتو ـ توماوية». لكن المؤلفة ترى أن القديس توماس لم يكن فيلسوفاً، حسب رأي بعض الباحثين، بل كان عالم لاهوت مخلصاً لدينه، رأى كنوز الأرسطية يقدمها له ابن رشد، فأخذ منها ما يخدم دينه ويفسره تفسيراً عقلياً، وهاجم ما يتعارض مع عقيدته. وقد حددت المسيحية حدود فكره، حيث حددت له كل الحقائق التي كان عليه أن يثبتها عقلياً بواسطة الفلسفة. وبالرغم من اختلاف فكر فيلسوف قرطبة ومتفلسف المسيحية الأعظم، إلا أن العديد من الحلول الفلسفية الرشدية للمشاكل المختلفة تسلل إلى فكر الأكويني. وبفضل تأثير ابن رشد تجاوزت فلسفة الأكويني، حسبما يؤكد ماكسيم جورس في كتابه «ذروة الفكر في العصور الوسطى»، النمط الفكري السائد وقت ذلك الوقت، أي ذلك النمط المتمثل في خلاصات الكسندر دي هالس والقديس بونافنتورا والقديس ألبرت وموسى بن ميمون، فحقق بذلك اتجاهاً تجريبياً مادياً أرسطياً رشدياً. وبغية تفسيرها للتوفيق ما بين الدين والفلسفة الأرسطية، ترى المؤلفة أن أرسطو ذهب إلى مجموعة من الحقائق، التي كانت تؤلف نسقاً فلسفياً شامخاً، وهي تختلف مع هذه الحقائق الدينية الأساسية التي تتفق عليها الأديان السماوية، والمجسدة في اعتبار الله واحد، عليم بكل شيء، ويشمل بعنايته الكون الذي خلقه من عدم، والنفس الإنسانية خالدة وثمة ثواب وعقاب في الحياة الأخرى.


ونتيجة لهذا الاختلاف بين الأديان الثلاثة من جهة، والمذهب الأرسطي من جهة أخرى، كان على الفلاسفة، الذين عرفوا باسم المشائين، على اختلاف أديانهم التوفيق بين أرسطو وبين العقيدة، فقدم ابن رشد للإنسانية توفيقاً عبقرياً بين البناء الفلسفي الأرسطوي الشامخ وبين الدين الإسلامي، هو توفيق يصلح للمسلمين كما يصلح للمسيحيين ولليهود على السواء، لأن الأديان الثلاثة واحدة في جوهرها. وإذا كان رجال الكنيسة في القرنين الثالث عشر والرابع عشر قد حاربوا هذا التوفيق بضراوة، وحرّموا كتب ابن رشد، بل وذهبوا إلى حد قتل من يتمسك بقضاياه، فإن ذلك لم يكن إلا تعصباً من جانبهم، فالدين المسيحي لا يتعارض مع هذا التوفيق الفلسفي الذي يحترم حقائق الأديان الأساسية. والدليل هو أن رجال الكنيسة أقحموا بعض قضايا القديس توماس في أحد التحريمات، ليعودوا بعدا ذلك بقليل فيجعلوا فكر القديس الأكويني هو فكر الكنيسة الرسمي. ومعنى هذا أنه من الممكن أن تتغير وتتبدل تأويلات رجال الدين لدينهم بتغير الأزمنة والظروف لتبقى حقائق الدين المنزل خالدة ثابتة لا تتغير، وصالحة لأن تمثل الحق على مر العصور. وبمعنى آخر من الممكن أن تطرأ تغييرات على كل من علم الكلام الإسلامي واليهودي وعلم اللاهوت المسيحي ـ وقد حدث هذا بالفعل! على مرّ العصور وباختلاف الأحوال، ولكن تبقى الأديان ثابتة خالدة.


المؤلفة في سطور


الأستاذة الدكتورة زينب محمود الخضيري، أكاديمية وكاتبة مصرية، رئيس قسم الفلسفة في كلية الآداب بجامعة القاهرة. أصدرت العديد من الدراسات والمؤلفات، منها، «دراسة فلسفية لبعض الفرق الشيعية، 1986»، و«ابن سينا وتلاميذه اللاتين، 1999»، و» فلسفة التاريخ عند ابن خلدون، 2006»، وترجمة بعض الكتب والدراسات عن الفرنسية، مثل:» في قلب الشرق : قراءة معاصرة لأعمال لويس ماسينيون».

 

 
تعليق: مصطفى عبد الرازق - البيان 24/3/2008
عنوان التعليق: أثر ابن رشد

مؤلفة هذا الكتاب باحثة حاصلة على درجة الدكتوراه من كلية الآداب بجامعة القاهرة، وتقدم من خلال كتابها الذي نعرض له عملا متميزا للمكتبة العربية يحاول تلمس الآثار التي خلفها ابن رشد على أوروبا المسيحية خلال القرون الوسطى من خلال استعراض ملامح فلسفته وتأثيرها على معظم مفكري وفلاسفة تلك الفترة. وفي التأكيد على أهمية الكتاب تشير الدكتورة زينب محمود الخضيري إلى أن ذلك يأتي من أنه لم يثر أي فيلسوف على مر تاريخ الفكر الفلسفي ما أثاره ابن رشد من دوي. ورغم ما تذكره المؤلفة بشأن قيام المستشرق إرنست رينان بتقديم دراسة مماثلة إلا أنها تشير إلى أن رينان لم يتبين الحجم الطبيعي لأثر ابن رشد في الفلسفة اليهودية. فضلا عن ذلك تشير المؤلفة إلى عدم التطرق لتأثير ابن رشد على العديد من فلاسفة ومفكري العصور الوسطى ومن ذلك تأثر ألبرت الكبير وتوما الإكويني بالفلسفة الرشدية الأمر الذي لم يبرز على نحو واضح في الكثير من الدراسات التي تناولت هذا الجانب.


وعلى ذلك ارتأت المؤلفة أو الباحثة أن تتناول الدراسة جوانب من تأثيرات ابن رشد على بعض الفلاسفة المسيحيين واليهود لتكون دراسة تفصيلية لبعض النظريات الرشدية ولأثرها في هؤلاء. وقد اختارت من فلسفة ابن رشد ثلاث مشاكل هي مشكلة التوفيق بين الفلسفة والدين ومشكلة العالم ومشكلة النفس العاقلة، والتي تمثل جانبا كبيرا من فلسفة ابن رشد، لتقوم بدراستها أولا عند ابن رشد ثم دراستها في فلسفة العصور الوسطى. وتركز الدراسة على الرشدية اللاتينية في القرن الثالث عشر في باريس وحدها دون غيرها من المدن التي عرفت جامعاتها تلك الفلسفة وسبب هذا الاختيار أن القرن الثالث عشر يمثل بحق ذروة ما وصل إليه الفكر في العصور الوسطى المسيحية وأن باريس كانت في ذلك الحين هي منارة هذا الفكر. فضلا عن ذلك فقد كان القرن الثالث عشر في باريس أهم مرحلة في تاريخ الرشدية اللاتينية حيث مثل دخول هذه الفلسفة لأوروبا وبلوغها الذروة كما أنه مثل العصر الذي حدثت فيه ما يشبه الصدمة للفكر المسيحي، تلك الهزة التي ساهمت في خلق الفكر المسيحي المنفصل عن الفكر اللاهوتي.


أما بالنسبة لاختيار الفلاسفة فقد تم الاستقرار على القديس ألبرت الكبير باعتباره أول من أراد استيعاب أرسطو في علم اللاهوت وبالتالي فإنه تأثر بشارح أرسطو الأعظم وهو بصدد تحقيق هذا الغرض. كما استقرت الباحثة على اختيار توماس الإكويني باعتبار ان فلسفته لا تنفصل، حسبما ترى، عن فلسفة ألبرت الكبير فهي مكملة لها حتى أنه يطلق على الفلسفتين معا اسم الفلسفة (الألبرتو ـ توماوية).


كما يتطرق الكتاب الى دراسة من يعتبره الجميع الفيلسوف الرشدي الصميم وهو سيجر دي برابانت. وقد تم التركيز في تناول أثر ابن رشد في فلسفته على التطور الذي طرأ على هذه الفلسفة نتيجة لتصاعد الضغط الديني الهائل في عصره فحاولت الباحثة بيان ما إذا كان هذا التغير الفكري تغيرا حقيقيا صادقا أم أنه كان تغيرا ظاهريا دفعته إليه ظروف الحياة الفكرية التي سيطرت عليها الكنيسة دفعا.


كما يقدم لنا الكتاب دراسة مفصلة لكل من موسى بن ميمون وإسحاق البلاغ كممثلين للرشدية اليهودية باعتبار الأول أعظم مفكري اليهودية ولأن الحديث كثر عن رشديته ما يستدعي تقييم ذلك أما الثاني فهو يعتبر الرشدي الحق في العصور الوسطى على الإطلاق. مشيرة الى أن البلاغ ربما يكون الرشدي الوحيد لالتزامه بمعظم قضايا الفلسفة الرشدية وإن اضطر في بعض الأحيان إلى التراجع عن بعض جزئيات هذه الفلسفة إذا ما تعارضت مع العقيدة الموسوية.


وتشير المؤلفة في معرض الإشارة إلى دور ابن رشد بالنسبة لفلسفة أرسطو إلى أن هذا الأخير ذهب إلى مجموعة من الحقائق تؤلف نسقا فلسفيا شامخا يختلف مع بعض الحقائق الدينية، وأن ابن رشد قدم توفيقا عبقريا بين هذا البناء الفلسفي الشامخ وبين الدين الإسلامي، وهو توفيق يصلح ـ كما ترىـ للمسيحيين واليهود على السواء لأن الأديان في جوهرها واحد. وتذكر أنه إذا كان رجال الكنيسة في القرنين الثالث عشر والرابع عشر قد حاربوا هذا التوفيق بضراوة وحرموا كتب ابن رشد بل وذهبوا إلى حد قتل من يتمسك بقضاياه فإن ذلك، لم يكن إلا تعصبا من جانبهم، باعتبار أن الدين المسيحي لا يتعارض مع هذا التوفيق الفلسفي الذي يحترم حقائق الأديان الأساسية. مدللة على هذا بأن رجال الكنيسة أقحموا بعض قضايا القديس توما في أحد التحريمات ليعودوا بعد ذلك بقليل فيجعلون فكر القديس الإكويني هو فكر الكنيسة الرسمي ما يعني أنه من الممكن أن تتبدل وتتغير تأويلات رجال الدين لدينهم بتغير الأزمنة والظروف لتبقى حقائق الدين المنزل خالدة ثابتة لا تتغير.


ثم تستعرض المؤلفة بعد ذلك تأثير أرسطو في العالم المسيحي في العصور الوسطى، الأمر الذي استتبعه ترجمة مؤلفاته وشروحها العربية. وتضيف أن الأمر انتهى بقرار تحريم كتب أرسطو وضعته مجموعة من رجال الدين جراء أنه جاءها بواسطة المسلمين الذين تحاربهم المسيحية. غير أن التيار الأرسطي كان أقوى من كل الإجراءات ولذلك اضطرت جامعة باريس عام 1255 أن تضع في برامجها كل كتب أرسطو السيكولوجية والطبيعية والميتافيزيقية. وفي هذه الفترة غزت شروح ابن رشد كل المراكز العلمية في أوروبا وعلى رأسها باريس.


وقد تلا ذلك مرحلة أخرى ثالثة هي الأرسطية الرشدية في باريس فيما بين 1250 و 1255 وكان من أهم ما ميز تلك المرحلة أعمال وجهود كل من ألبرت الكبير وتلميذه توما الإكويني وكانت بداية هذه الجهود تكليف البابا الإسكندر الرابع لألبرت بنقض (ضلالة) ابن رشد الخاصة بخلود النفس الإنسانية الفردية، على النحو الذي تذهب معه المؤلفة إلى أن ابن رشد كان معروفا تماما في أوروبا. حيث فرض فكر ابن رشد نفسه بعد أن تسلل إلى العقول على أثر ترجمة كتبه في أوائل القرن الثالث عشر. ثم كان بعد ذلك تحريم عام 1277 ضد أساتذة كلية الآداب باريس الذين يأخذون بالقضايا الرشدية. وإن كانت المؤلفة ترى أن هذا التحريم لم يحل دون استمرار الرشدية في باريس ومدن أخرى في كل أنحاء أوروبا حتى القرن السابع عشر، فبعد أن كان لا يوجد أحد في القرن الثالث عشر يجرؤ على الاعتراف بأنه رشدي . فإن الأمر تحول تماما في القرن الرابع عشر حيث أننا نجد مدرسة تحمل راية الرشدية، ووصل الأمر إلى أن رشديي هذا القرن استبدلوا بكتب أرسطو شروح ابن رشد وكان أهم شخصية ضمن هذه المجموعة هو دي باكونثورب والذي يطلق عليه أمير الرشدية وإن كان يرفض نظرية وحدة العقل. وانتهى الأمر بازدهار الرشدية في القرن السادس عشر، على نحو لم تعد معه تمثل مذهبا فحسب، بل أصبحت تمثل الثقة الممنوحة للشرح الكبير الذي كان ابن رشد أول من ابتكره لتأويل أرسطو وحدث في هذا القرن تحول عظيم لصالح ابن رشد إذ أصبح لقب (رشدي) يطلق على أكثر الناس تمسكا بالدين. وأصبحت الكنيسة تؤيد صراحة وبقوة دراسة أرسطو وتعترف بأن ابن رشد هو شارحه الأعظم، وأصبح الرشدي هو من انكب على دراسة الشرح الكبير، أي أن الكلمة أصبحت مرادفة لكلمة فلسفة عموما وكأن الرشدية والفلسفة أصبحتا شيئا واحدا.


تعرض المؤلفة بعد ذلك لعدد من القضايا التي تشير إلى محورية دور ابن رشد في فلسفة العصور الوسطى فتتطرق إلى محاولات التوفيق بين الفلسفة والدين مستعرضة هذه القضية بالتفصيل عند ابن رشد من خلال عدة أبعاد يأتي من بينها، حسب تناول المؤلفة لفلسفة ابن رشد، يأتي على رأسها مبدأ التأويل المجازي كأساس للتوفيق. ثم تعرض للتوفيق عند ألبرت الكبير والتلميذ توما الإكويني وعند سيجر دي برابانت، لتنقلنا بعد ذلك إلى التوفيق بين الفلسفة اليهودية والرشدية من خلال تناول التوفيق عند موسى بن ميمون مع تقديم مقارنة بين ابن رشد وابن ميمون وكذلك التوفيق عند اسحق البلاغ.


وفي مجال آخر وفي سياق تناول موضوعها تعرض المؤلفة لمشكلة العالم في الفلسفة الرشدية من خلال استعراض القضية عند أرسطو والتي تتكون من ثلاثة مشكلات فرعية هي مشكلة الوجود : هل الوجود أو العالم قديم أم حادث، ومشكلة الحركة ومشكلة التغيير، وتتطرق إلى موقف ابن رشد من الخلق من عدم، وتقدم تفاصيل نظرية الخلق المستمر عند ابن رشد. وعلى نفس النحو تتناول مشكلة العالم عند مجموعة المفكرين والفلاسفة ممن تأثروا بابن رشد. وتشير هنا الى أن ألبرت الكبير كان له موقفا مضطرباً بشأن مشكلة العالم، فهو يذهب تارة إلى أن العالم قديم فلسفيا بمعنى أنه يمكن البرهنة على هذا القدم بأدلة برهانية. كما أنه يذهب تارة أخرى إلى أن الخلق محتمل احتمال القدم، وأما الخلق في نظره فيتم عن طريق الفيض مما يدل على تأثره ، بالأفلاطونية المحدثة مثله مثل كل المشاءين العرب وعلى رأسهم ابن سينا. أما ابن ميمون فقد ذهب مثل أستاذه ابن رشد الى أن المادة قديمة ومخلوق في آن واحد وإن لم يذهب إلى حد القول بقدم العالم، والذي يعد عنده من صنع الخالق.


ثم أخيرا تتناول المؤلفة مشكلة النفس العاقلة عند أرسطو وشارحه ابن رشد وعند مجموعة المفكرين والفلاسفة الغربيين القدامى الذين أثر عليهم الفيلسوف المسلم. وفي ذلك تشير إلى أن توما الإكويني عندما أراد القضاء على النظرية الرشدية في النفس اضطر أن يضع نظرية مصبوغة بصبغة أفلاطونية فجاءت نظريته هذه متناقضة الأجزاء لأنه لم يكن موقفا في توفيقه بين أرسطو وبين هذه الأفلاطونية.


وختاما تخلص الباحثة إلى التأكيد على تميز ابن رشد عن كل الفلاسفة المسلمين بالحرص الشديد على الاستقلال التام للعقل في مجال الفلسفة مما جعل لمحاولته التوفيقية طابعا خاصا وجريئا للغاية. وتشير الباحثة إلى أن النتيجة التي انتهت إليها من خلال دراسة كل الجوانب المتعلقة بحركة الترجمة أن الترجمة عن العربية للكتب الأرسطية ومعها في معظم الأحيان الشروح الرشدية غالبا ما سبقت الترجمة عن اليونانية لنفس هذه الكتب على النحو الذي يؤكد حقيقة أن ابن رشد من الفلاسفة الذين تخطت فلسفتهم حدود الدين والوطن والزمان، ومن الذين لعب فكرهم دورا بارزا في الربط بين الثقافات العالمية المختلفة.

 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟   
الاسم:
عنوان التعليق:
نص التعليق:
 

آداب و لغة
فلسفة
ديانة مسيحية
الإسلام و أديان العالم
علم النفس و التربية
علوم اجتماعية
تاريخ و جغرافيا
سياية و اقتصاد
علوم طبيعية و طبية
فنون
قانون
مراجع عامة
 
عن المكتبة | كتب | أفلام | تراتيل | الصفحة الرئيسية
SWS المكتبة الروحية 2005 - جميع الحقوق محفوظة - صمم هذا الموقع بواسطة شركة
Powered by O2 TECHNOLOGY