مؤلفة هذا الكتاب باحثة حاصلة على درجة الدكتوراه من كلية الآداب بجامعة القاهرة، وتقدم من خلال كتابها الذي نعرض له عملا متميزا للمكتبة العربية يحاول تلمس الآثار التي خلفها ابن رشد على أوروبا المسيحية خلال القرون الوسطى من خلال استعراض ملامح فلسفته وتأثيرها على معظم مفكري وفلاسفة تلك الفترة. وفي التأكيد على أهمية الكتاب تشير الدكتورة زينب محمود الخضيري إلى أن ذلك يأتي من أنه لم يثر أي فيلسوف على مر تاريخ الفكر الفلسفي ما أثاره ابن رشد من دوي. ورغم ما تذكره المؤلفة بشأن قيام المستشرق إرنست رينان بتقديم دراسة مماثلة إلا أنها تشير إلى أن رينان لم يتبين الحجم الطبيعي لأثر ابن رشد في الفلسفة اليهودية. فضلا عن ذلك تشير المؤلفة إلى عدم التطرق لتأثير ابن رشد على العديد من فلاسفة ومفكري العصور الوسطى ومن ذلك تأثر ألبرت الكبير وتوما الإكويني بالفلسفة الرشدية الأمر الذي لم يبرز على نحو واضح في الكثير من الدراسات التي تناولت هذا الجانب.
وعلى ذلك ارتأت المؤلفة أو الباحثة أن تتناول الدراسة جوانب من تأثيرات ابن رشد على بعض الفلاسفة المسيحيين واليهود لتكون دراسة تفصيلية لبعض النظريات الرشدية ولأثرها في هؤلاء. وقد اختارت من فلسفة ابن رشد ثلاث مشاكل هي مشكلة التوفيق بين الفلسفة والدين ومشكلة العالم ومشكلة النفس العاقلة، والتي تمثل جانبا كبيرا من فلسفة ابن رشد، لتقوم بدراستها أولا عند ابن رشد ثم دراستها في فلسفة العصور الوسطى. وتركز الدراسة على الرشدية اللاتينية في القرن الثالث عشر في باريس وحدها دون غيرها من المدن التي عرفت جامعاتها تلك الفلسفة وسبب هذا الاختيار أن القرن الثالث عشر يمثل بحق ذروة ما وصل إليه الفكر في العصور الوسطى المسيحية وأن باريس كانت في ذلك الحين هي منارة هذا الفكر. فضلا عن ذلك فقد كان القرن الثالث عشر في باريس أهم مرحلة في تاريخ الرشدية اللاتينية حيث مثل دخول هذه الفلسفة لأوروبا وبلوغها الذروة كما أنه مثل العصر الذي حدثت فيه ما يشبه الصدمة للفكر المسيحي، تلك الهزة التي ساهمت في خلق الفكر المسيحي المنفصل عن الفكر اللاهوتي.
أما بالنسبة لاختيار الفلاسفة فقد تم الاستقرار على القديس ألبرت الكبير باعتباره أول من أراد استيعاب أرسطو في علم اللاهوت وبالتالي فإنه تأثر بشارح أرسطو الأعظم وهو بصدد تحقيق هذا الغرض. كما استقرت الباحثة على اختيار توماس الإكويني باعتبار ان فلسفته لا تنفصل، حسبما ترى، عن فلسفة ألبرت الكبير فهي مكملة لها حتى أنه يطلق على الفلسفتين معا اسم الفلسفة (الألبرتو ـ توماوية).
كما يتطرق الكتاب الى دراسة من يعتبره الجميع الفيلسوف الرشدي الصميم وهو سيجر دي برابانت. وقد تم التركيز في تناول أثر ابن رشد في فلسفته على التطور الذي طرأ على هذه الفلسفة نتيجة لتصاعد الضغط الديني الهائل في عصره فحاولت الباحثة بيان ما إذا كان هذا التغير الفكري تغيرا حقيقيا صادقا أم أنه كان تغيرا ظاهريا دفعته إليه ظروف الحياة الفكرية التي سيطرت عليها الكنيسة دفعا.
كما يقدم لنا الكتاب دراسة مفصلة لكل من موسى بن ميمون وإسحاق البلاغ كممثلين للرشدية اليهودية باعتبار الأول أعظم مفكري اليهودية ولأن الحديث كثر عن رشديته ما يستدعي تقييم ذلك أما الثاني فهو يعتبر الرشدي الحق في العصور الوسطى على الإطلاق. مشيرة الى أن البلاغ ربما يكون الرشدي الوحيد لالتزامه بمعظم قضايا الفلسفة الرشدية وإن اضطر في بعض الأحيان إلى التراجع عن بعض جزئيات هذه الفلسفة إذا ما تعارضت مع العقيدة الموسوية.
وتشير المؤلفة في معرض الإشارة إلى دور ابن رشد بالنسبة لفلسفة أرسطو إلى أن هذا الأخير ذهب إلى مجموعة من الحقائق تؤلف نسقا فلسفيا شامخا يختلف مع بعض الحقائق الدينية، وأن ابن رشد قدم توفيقا عبقريا بين هذا البناء الفلسفي الشامخ وبين الدين الإسلامي، وهو توفيق يصلح ـ كما ترىـ للمسيحيين واليهود على السواء لأن الأديان في جوهرها واحد. وتذكر أنه إذا كان رجال الكنيسة في القرنين الثالث عشر والرابع عشر قد حاربوا هذا التوفيق بضراوة وحرموا كتب ابن رشد بل وذهبوا إلى حد قتل من يتمسك بقضاياه فإن ذلك، لم يكن إلا تعصبا من جانبهم، باعتبار أن الدين المسيحي لا يتعارض مع هذا التوفيق الفلسفي الذي يحترم حقائق الأديان الأساسية. مدللة على هذا بأن رجال الكنيسة أقحموا بعض قضايا القديس توما في أحد التحريمات ليعودوا بعد ذلك بقليل فيجعلون فكر القديس الإكويني هو فكر الكنيسة الرسمي ما يعني أنه من الممكن أن تتبدل وتتغير تأويلات رجال الدين لدينهم بتغير الأزمنة والظروف لتبقى حقائق الدين المنزل خالدة ثابتة لا تتغير.
ثم تستعرض المؤلفة بعد ذلك تأثير أرسطو في العالم المسيحي في العصور الوسطى، الأمر الذي استتبعه ترجمة مؤلفاته وشروحها العربية. وتضيف أن الأمر انتهى بقرار تحريم كتب أرسطو وضعته مجموعة من رجال الدين جراء أنه جاءها بواسطة المسلمين الذين تحاربهم المسيحية. غير أن التيار الأرسطي كان أقوى من كل الإجراءات ولذلك اضطرت جامعة باريس عام 1255 أن تضع في برامجها كل كتب أرسطو السيكولوجية والطبيعية والميتافيزيقية. وفي هذه الفترة غزت شروح ابن رشد كل المراكز العلمية في أوروبا وعلى رأسها باريس.
وقد تلا ذلك مرحلة أخرى ثالثة هي الأرسطية الرشدية في باريس فيما بين 1250 و 1255 وكان من أهم ما ميز تلك المرحلة أعمال وجهود كل من ألبرت الكبير وتلميذه توما الإكويني وكانت بداية هذه الجهود تكليف البابا الإسكندر الرابع لألبرت بنقض (ضلالة) ابن رشد الخاصة بخلود النفس الإنسانية الفردية، على النحو الذي تذهب معه المؤلفة إلى أن ابن رشد كان معروفا تماما في أوروبا. حيث فرض فكر ابن رشد نفسه بعد أن تسلل إلى العقول على أثر ترجمة كتبه في أوائل القرن الثالث عشر. ثم كان بعد ذلك تحريم عام 1277 ضد أساتذة كلية الآداب باريس الذين يأخذون بالقضايا الرشدية. وإن كانت المؤلفة ترى أن هذا التحريم لم يحل دون استمرار الرشدية في باريس ومدن أخرى في كل أنحاء أوروبا حتى القرن السابع عشر، فبعد أن كان لا يوجد أحد في القرن الثالث عشر يجرؤ على الاعتراف بأنه رشدي . فإن الأمر تحول تماما في القرن الرابع عشر حيث أننا نجد مدرسة تحمل راية الرشدية، ووصل الأمر إلى أن رشديي هذا القرن استبدلوا بكتب أرسطو شروح ابن رشد وكان أهم شخصية ضمن هذه المجموعة هو دي باكونثورب والذي يطلق عليه أمير الرشدية وإن كان يرفض نظرية وحدة العقل. وانتهى الأمر بازدهار الرشدية في القرن السادس عشر، على نحو لم تعد معه تمثل مذهبا فحسب، بل أصبحت تمثل الثقة الممنوحة للشرح الكبير الذي كان ابن رشد أول من ابتكره لتأويل أرسطو وحدث في هذا القرن تحول عظيم لصالح ابن رشد إذ أصبح لقب (رشدي) يطلق على أكثر الناس تمسكا بالدين. وأصبحت الكنيسة تؤيد صراحة وبقوة دراسة أرسطو وتعترف بأن ابن رشد هو شارحه الأعظم، وأصبح الرشدي هو من انكب على دراسة الشرح الكبير، أي أن الكلمة أصبحت مرادفة لكلمة فلسفة عموما وكأن الرشدية والفلسفة أصبحتا شيئا واحدا.
تعرض المؤلفة بعد ذلك لعدد من القضايا التي تشير إلى محورية دور ابن رشد في فلسفة العصور الوسطى فتتطرق إلى محاولات التوفيق بين الفلسفة والدين مستعرضة هذه القضية بالتفصيل عند ابن رشد من خلال عدة أبعاد يأتي من بينها، حسب تناول المؤلفة لفلسفة ابن رشد، يأتي على رأسها مبدأ التأويل المجازي كأساس للتوفيق. ثم تعرض للتوفيق عند ألبرت الكبير والتلميذ توما الإكويني وعند سيجر دي برابانت، لتنقلنا بعد ذلك إلى التوفيق بين الفلسفة اليهودية والرشدية من خلال تناول التوفيق عند موسى بن ميمون مع تقديم مقارنة بين ابن رشد وابن ميمون وكذلك التوفيق عند اسحق البلاغ.
وفي مجال آخر وفي سياق تناول موضوعها تعرض المؤلفة لمشكلة العالم في الفلسفة الرشدية من خلال استعراض القضية عند أرسطو والتي تتكون من ثلاثة مشكلات فرعية هي مشكلة الوجود : هل الوجود أو العالم قديم أم حادث، ومشكلة الحركة ومشكلة التغيير، وتتطرق إلى موقف ابن رشد من الخلق من عدم، وتقدم تفاصيل نظرية الخلق المستمر عند ابن رشد. وعلى نفس النحو تتناول مشكلة العالم عند مجموعة المفكرين والفلاسفة ممن تأثروا بابن رشد. وتشير هنا الى أن ألبرت الكبير كان له موقفا مضطرباً بشأن مشكلة العالم، فهو يذهب تارة إلى أن العالم قديم فلسفيا بمعنى أنه يمكن البرهنة على هذا القدم بأدلة برهانية. كما أنه يذهب تارة أخرى إلى أن الخلق محتمل احتمال القدم، وأما الخلق في نظره فيتم عن طريق الفيض مما يدل على تأثره ، بالأفلاطونية المحدثة مثله مثل كل المشاءين العرب وعلى رأسهم ابن سينا. أما ابن ميمون فقد ذهب مثل أستاذه ابن رشد الى أن المادة قديمة ومخلوق في آن واحد وإن لم يذهب إلى حد القول بقدم العالم، والذي يعد عنده من صنع الخالق.
ثم أخيرا تتناول المؤلفة مشكلة النفس العاقلة عند أرسطو وشارحه ابن رشد وعند مجموعة المفكرين والفلاسفة الغربيين القدامى الذين أثر عليهم الفيلسوف المسلم. وفي ذلك تشير إلى أن توما الإكويني عندما أراد القضاء على النظرية الرشدية في النفس اضطر أن يضع نظرية مصبوغة بصبغة أفلاطونية فجاءت نظريته هذه متناقضة الأجزاء لأنه لم يكن موقفا في توفيقه بين أرسطو وبين هذه الأفلاطونية.
وختاما تخلص الباحثة إلى التأكيد على تميز ابن رشد عن كل الفلاسفة المسلمين بالحرص الشديد على الاستقلال التام للعقل في مجال الفلسفة مما جعل لمحاولته التوفيقية طابعا خاصا وجريئا للغاية. وتشير الباحثة إلى أن النتيجة التي انتهت إليها من خلال دراسة كل الجوانب المتعلقة بحركة الترجمة أن الترجمة عن العربية للكتب الأرسطية ومعها في معظم الأحيان الشروح الرشدية غالبا ما سبقت الترجمة عن اليونانية لنفس هذه الكتب على النحو الذي يؤكد حقيقة أن ابن رشد من الفلاسفة الذين تخطت فلسفتهم حدود الدين والوطن والزمان، ومن الذين لعب فكرهم دورا بارزا في الربط بين الثقافات العالمية المختلفة.