بحث سريع 

 

New Page 1
عنوان الكتاب:
إسلام المجددين
المؤلف:
محمد حمزة
المترجم:
الموضوع:
دين إسلامي وأديان العالم/دين إسلامي
الناشر:
بيروت - الطليعة
عام النشر : 2007 الطبعة: 1
القياس:
19x13 سم
عدد الصفحات: 175
السلسلة: الإسلام واحداً ومتعدداً
رمز التصنيف:
دا  294
   

أراء القراء   
تعليق: خالد غزال - النهار 8/9/2008
عنوان التعليق: مانيفست للتجديد في الإسلام

يشكل التجديد الفكري في الدين الاسلامي وما ترتب عليه من احكام تشريعية وفقهية واحدا من الشروط الاساسية في نهضة المجتمعات العربية والاسلامية. لم تخل هذه المجتمعات من محاولات تجديدية منذ القرن التاسع عشر انتهت بالاحباط والفشل بالنظر الى عدم توافر المناخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي الحامل لها، ولفقدانها القوى الحاضنة لها والناشرة مبادئها. تجري اليوم محاولة تجديدية في دول المغرب العربي خصوصا، منها "المدرسة التونسية" التي اخذت على عاتقها وضع الفكر الاسلامي على محك النقد والتجديد، وهي مدرسة تعمل تحت اشراف الدكتور عبد المجيد الشرفي، وتصدر كتبها ضمن سلسلة "الاسلام واحدا ومتعددا" التي نشرت حتى الان ستة عشر كتابا، تولّت "رابطة العقلانيين العرب" و"دار الطليعة" في بيروت  طبعها. يشكل كتاب "إسلام المجددين" لمحمد حمزة احدى المساهمات في هذه المدرسة، وتكمن اهميته في تأشيره الى المبادئ التي ترشد اصحاب التجديد وتحدد لهم وجهة عملهم.


اول القواعد والتوجهات للاسلام الجديد ان تتحدد خصائصه في حقل الحداثة الفكرية التي تشكل اطارا لعملية معرفية تقوم في الاساس على الاحتكام الى العقل القادر وحده على تمكين الانسان من السيطرة على مقدرات الحياة وعلى الطبيعة في آن واحد. الانطلاق من العقلانية، سيدفع مباشرة الى قراءة جوهرية للاسلام وبالتركيز على مضمون الرسالة ذات المبادئ الروحية، وبالابتعاد عما اورثنا اياه اللاهوت حول الدين الحق والرأي الواحد والصواب المطلق، بكل ما يعنيه ذلك من انغلاق للدين على نفسه ورفض التفسيرات المستندة الى العقل واحكامه. من الطبيعي ان يجر رفض المجددين هذا المنطق "الاصطفائي" للاسلام الى طرح مسألة التنوع والتعدد بوصفهما شعارين مركزيين لهذا التوجه. وهو امر يستتبعه رفض التوظيف الايديولوجي للنصوص الدينية ووضعها في خدمة السياسة الساعية الى ابقاء المجتمعات العربية في الغيبيات والخرافات والاساطير.


يعتمد اسلام المجددين منهجية النقد التاريخي للنص والتراث الاسلامي، وهي المنهجية التي تشكل نقطة الانطلاق في قراءة النص والتجديد فيه. لا ينكر المجددون دور التراث وامكان الافادة منه في الحاضر، وهي قراءة علمية تقرأ التراث الماضي بعين الحاضر، لا لتقترح تاريخا آخر انما لتحدد ما هو حي ويمكن توظيفه، وتتجاوز ما تقادم به الزمن الذي يبقى جزءا من التاريخ والتجربة الحية. يدرك المجددون، من خلال التمييز بين الاسلام رسالة وقيما روحية وانسانية، وبين احكام فرضها الواقع المعيش، ان ما تقول به المؤسسة الدينية من صلاحية النص الديني لكل زمان ومكان، هو امر يجافي العلم والعقل ويساهم في وضع عقبات امام التقدم. هنا تقدم المنهجية التاريخية السند الذي يضع النص الديني في مكانه، كما يضع التشريعات ايضا في مكانها بوصفها جوابا عن قضايا فرضها الزمن الذي صدرت فيه، ولا صلة لها بمعضلات حاضرنا والاجوبة اللازمة في شأنه.


يتخذ الاسلام الجديد موقفا ايجابيا من الايمان الديني ويرى فيه حاجة نفسية واجتماعية تلعب دورا اساسيا في حياة الشعوب، وهو منطق يردّ به اصحاب هذه الدعوة على كل الاتهامات بالالحاد التي توجهها المؤسسة الدينية الى المجددين. فالمجددون لا يقطعون مع الدين، بل مع الاسلام الذي نصبه الفقهاء على المسلمين وفق فتاوى بعيدة عن جوهر الدين، وكثيرا ما كانت في خدمة المؤسسة الدينية التي تسعى الى الحجر على عقول الناس، او في خدمة السلطان السياسي الذي شكل الفقهاء في غالب الاحيان "مثقفيهم ومنظّريهم" لتبرير قراراتهم واعطاء المشروعية لسلطتهم. ومن اجل ذلك يرفض المجددون مقولة الاسلام الواحد او "الينابيع الصافية للشريعة" ويدعون الى الحق في الاختلاف والى ممارسة التأويل والاجتهاد في فهم النص الديني والشريعة والتراث الناجم عنها. ويصرّ المجددون من اجل تكريس هذ الوجهة على الاحتكام الى العقل ومنتجاته في دراسة كل الظواهر الدينية وما تنتجه من خيالات ورموز وافكار. واستتباعا، يرفض المجددون اطلاقية الحقيقة التي يقول بها النص الديني، فلكل نص حقه في الحقيقة انطلاقا من قراءته في زمانه ومكانه واستنادا الى الوقائع التاريخية التي حددت صدوره.


تحتل مسألة حرية التفكير والدفاع عنها اولوية في فكر المجددين، بحيث يستحيل نشر اطروحاتهم التجديدية من دون توافر الحد الادنى من السماح بحرية الفكر، وهي معركة سياسية وفكرية سيكون على المجددين خوضها في ظل الرفض الذي تمارسه المؤسسة الدينية لاي اجتهاد في النص يخالف ما سطّرته وفرضته على العقل الاسلامي. في السياق نفسه يصر المجددون على الحق في حرية الاعتقاد واختيار الانسان لدينه او تغيير معتقداته، والانتهاء من مقولة "المرتد" التي كان لها تاريخ وفهم محدد في المرحلة الاولى من الاسلام، والتي تجاوزتها التطورات التاريخية وخصوصا حق الانسان في الحرية والاختيار. لذا يؤكد المجددون التزام مبادئ حقوق الانسان التي تضمن المساواة بين ابناء البشر وتشدد على الحقوق العامة والخاصة التي يجب صونها.


يرفض المجددون الاحكام الفقهية الخاصة بالمرأة والمليئة بنظرة تحرم المرأة حقوقها وتضعها في وضعية دونية تجاه الرجل وضمن المجتمع، وتعتبر ان النضال من اجل مساواة الرجل بالمرأة يقع في صلب التجديد الديني في الاسلام، وخصوصا ان الفقهاء يستندون الى احكام دينية تعود الى المرحلة الاولى من الدعوة الاسلامية كرّست في قسم منها تقاليد واعرافا كانت سائدة في العصر الجاهلي. لذا يرى المجددون ان هذه الاحكام التمييزية تجاه المرأة لم تعد صالحة لزمننا، وانه يجب تجاوزها لمصلحة المساواة في الحقوق والواجبات. ويشدد المجددون على رفض منطق تعدد الزوجات لما يشكله من تحقير لدور المرأة ومكانتها الاجتماعية، ويرون ان النص على هذا التعدد سبق وفرضته احكام لوضع حد للزواج "الفالت" آنذاك في المجتمع العربي، وهي ظروف لم يعد لها وجود في عصرنا الحاضر سوى اصرار المؤسسة الدينية على الموقع الدوني للمرأة وتكريس هيمنة الرجل عليها.


مما لا شك فيه ان ما يطرحه المجددون اليوم يشكل حاجة ماسة في سياق المشروع النهضوي المطلوب لادخال المجتمعات العربية والاسلامية في العصر. لا يضير المجددون انهم  لا يزالون في اطار نخبوي ولم يتحولوا الى قوة مادية على الارض تستطيع ان تغير في موازين القوى، فهذه مسؤولية المجتمع بأحزابه وقواه السياسية والاجتماعية. ان ما يطرحه المجددون يشكل اساسا لولادة هذه القوى ولتفعيل دورها، وهو امر دونه صعوبات في ظل زحف الحركات الاصولية على المجتمعات العربية بكل ما تحمله من افكار تريد عبرها اعادة العالم العربي مئات السنين الى الوراء بما يغرقها في لجة الظلامية ويبقيها اسيرة التخلف المقيمة فيه اصلا والممسك بتلابيبها.

 

 
تعليق: إبراهيم غرايبة - الجزيرة نت
عنوان التعليق: إسلام المجددين

يعرض الكتاب رؤية حداثية لدى مفكرين إسلاميين يحاولون توظيف منتجات الحداثة والتقدم والمناهج العلمية المعاصرة في فهم النصوص والتجارب الإسلامية وتطبيقها.


فإسلام المجددين وفق رؤية المؤلف محمد حمزة هو محصلة التفاعل بين الإسلام والفلسفات والمكتسبات العلمية والمنهجية التي حققتها الحضارة الإنسانية، أو هو الخطاب الإسلامي في بيئة من الحداثة القائمة اليوم.


الحداثة الدينية


يعرض المؤلف للحداثة الفكرية والفلسفية التي سادت في القرن التاسع عشر وتبلورت في القرن العشرين، ومثلت وضعا فلسفيا ووجوديا وتاريخيا جديدا كان له رؤى مغايرة في تفسير الظاهرة الدينية وفي التفاعل معها في الحياة المعاصرة اعتقادا وتطبيقا. ويقول المؤلف إن الحداثة تتميز على المستوى المعرفي بتطوير طرق وأساليب جديدة في المعرفة، قوامها الانتقال التدريجي من "المعرفة التأملية" إلى "المعرفة التقنية"، التي تعتمد على العقل بمعناه الرياضي، وتسعى إلى السيطرة الداخلية والخارجية على الإنسان والطبيعة، هكذا صارت العقلانية إحدى مرتكزات الحداثة، حتى أصبح الكون كله صورة للعقل.


وقد أدت الثورات المعرفية الكبرى التي حصلت منذ نهاية القرن الماضي في الفكر الغربي إلى فصل المعنى عن الوعي، والمعرفة عن اليقين، والمعنى عن التمثل، ولعل مبدأ الذاتية هو أهم السمات الفلسفية للحداثة تجسيدا لما يسمى بالنزعة الإنسانية بما يعني من مركزية الذات الإنسانية وفاعليتها وحريتها وعقلانيتها. وكما أن الحداثة تتجسد في مفهوم الذاتية فهي تتجسد في مفهوم لا يقل أهمية هو مفهوم الحرية، عندما يصبح الإنسان صانع تاريخه، ويتوق إلى المغامرة نحو المستقبل والانفلات من قيود الحاضر وماضيه.


وقد شهدت المجتمعات العربية منذ العشرينات انهيار الأنظمة الاجتماعية والسياسية والثقافية التقليدية، ويمكن القول إن الحداثة كانت شاهدة على معطيات سياسية واقتصادية جديدة، هي بروز الدولة الوطنية بحدودها الجغرافية الثابتة، وسيادة التشريعات الوضعية وعلاقة أسس تتجاوز المصالح المحلية والقطرية، وشيوع التعامل بين البشر بالوسائل الرمزية، وانتشار القيم التي تتجه إلى الفرد بعد أن كانت تتجه إلى المجموعة، وتطور الخطاب الإصلاحي التجديدي إلى السياق الإصلاحي المرتبط بعلاقة مخصوصة مع الآخر الغربي. فالغرب في منظور المجددين ليس غربا واحدا، بل هو متعدد ولا بد من التعامل معه باستحضار وجوهه المتعددة، لذلك هم لا ينكرون فضل الدراسات الاستشراقية في فتح الباب أمام استخدام أدوات منهجية جديدة ومقاربات لا عهد للفكر الإسلامي بها.


ويلاحظ المؤلف أن توظيف العلوم والمناهج الغربية في دراسة الظاهرة الدينية أدى إلى مواجهة فكرية ونشوء تيار جديد من المفكرين والمصلحين ينتمون إلى واقع ثقافي واجتماعي وسياسي جديد يحاول إعادة فهم الإسلام، وهو ما يمكن وصفه بإسلام المجددين. فإسلام المجددين -كما يقول المؤلف- يسعى إلى تقديم خطاب بعيد كل البعد عن الرقابة الذاتية، فهو خطاب يبشر بموات القيم السائدة التقليدية، وبالرغم من أن هذا التيار لا يمثل الأغلبية وربما لا يعبر عن الانسجام والتوافق مع العقائد السائدة، لكنه يعكس التعبير عن الوضع القلق لدى العديد من الفئات الاجتماعية التي غادرها الاطمئنان، والتي لم تعد راضية عن أنماط التدين التقليدي، وعن الحلول التقليدية التي يوفرها لهم علماء الدين.


النص في إسلام اليوم


دأبت فئة معينة في كل ديانة على تحديد قواعد لعملية القراءة وضبط من له أهلية القراءة، ولكن المشروع التأويلي الجديد ينفتح على قطاع متنوع من القراء ذوي مشارب مختلفة، مثل كتابات محمد الطالبي، وعبد المجيد الشرقي، ومحمد الشرفي، ونصر حامد أبو زيد، ومحمد أركون، وعلي شريعتي وغيرهم. وهم يطبقون مناهج حديثة، ويعتمدون أدوات قراءة متنوعة مستمدة من حقول معرفية شتى، كالإنثروبولوجيا بفروعها، وعلوم اللسان بمدارسها، أو هم على الأقل يدعون إلى الانفتاح على مكتسبات العلوم الإنسانية وإلى تجديد أدوات القراءة، وأهم ما يميز الفكر الحديث هو نزع التعالي عن النصوص الدينية وإخضاعها لسنن القراءة شأنها في ذلك شأن بقية النصوص. فالموقف النقدي الذي يبلوره إسلام المجددين للنص يقوم على مراجعة مفهوم النص الإسلامي، وعدم التقيد بالحدود التي يصفها المؤلف باللاهوتية، ويقول إن القدامى جعلوها سياجا حول النص، ثم ارتكزوا على توسيع حدود النص ليشمل إلى جانب النص الرسمي النصوص الهامشية التي أقصاها الإسلام الرسمي وأهملها. وهذا الموقف يعكس رأيا مبدأيا لا يرى الإسلام ممثلا في المقالة الرسمية فحسب، مثلما يرى المؤسسة الدينية هي الطرف المخول بضبط النص الصحيح وحدوده.


ومن مرتكزات الموقف النقدي لإسلام المجددين أنه ينظر في المستوى التأويلي، أي علاقة النص الديني بقراءته، لأن النص القرآني برأي التيار التجديدي كان عرضة لمختلف ضروب القراءة الإسقاطية، سواء بالاحتجاج بأجزاء من آيات لا آيات كاملة، أو باقتطاع آيات من سياقها التاريخي وسياقها النصي. وبرأي هذا التيار فإن العديد من الأحكام التي أحاطت بفهم المسلمين لطبيعة النص ووظيفته في الحياة الروحية للمسلمين لا تعدو أن تكون أحكاما تاريخية، فهي بالتالي أحكام قابلة للمراجعة وللمساءلة وللنقض، خاصة أن القراءة التقليدية للنصوص المقدسة تتبنى الإيمان بواحدية المعنى وثباته، واعتبار كل اختلاف في المعنى قصورا، وتعتبر التفسير الرسمي للنص المقدس هو التأويل الوحيد المطابق للمعنى الأصلي. إن القراءة الحديثة للنص تقوم على سؤال مركزي، هل الإنسان هو الذي ينتج المعنى أم أنه معطى إلهي فوقي بصاحب الكتاب المقدس، وما على الإنسان إلا الاهتداء بنور الله لملامسة المعنى النهائي؟


يؤكد إسلام المجددين على أن معرفة العالم وإنتاج المعنى هما مسؤولية الإنسان وحده، وهذا يعني نزع كل أسطورة عن النصوص أيا كانت منزلتها، وإسناد الأهلية للإنسان لفهم هذه النصوص وتدبرها، فإن الرؤية الحديثة لمسألة القراءة تتصل اتصالا وطيدا بمسألة تعدد المعنى، وخصوصا فيما يتعلق بالنص الديني باعتباره نصا مجازيا. فالنص القرآني الذي نعتبره من النصوص الثرية الراقية التي تستعمل الإشارة والإيحاء والرمز والمجاز، يحتمل عددا غير محدود من وجوه التأويل، وهي ثمرة التفاعل الخصب بين النص وقرّائه على اختلاف نفسياتهم وثقافتهم وظروفهم. فهناك علاقة جدلية بين المجتمع وقيمه من ناحية ومستوى المعرفة السائدة فيه ونوعيتها، والقارئ لا ينفك وهو يقرأ يؤول وينتج المعنى بما يتلاءم مع ظروفه العامة والخاصة، والمعرفة البشرية ليست معطى جامدا بل هي إبداع مستمر متدفق تدفق الحياة، متناغم مع حركة التاريخ في بطئها أو تسارعها.


ويقترح محمد الطالبي المنهج المقاصدي لقراءة النص الديني، وجوهر هذا المنهج الاعتماد على التحليل الاتجاهي للنص، ويستشهد الكاتب هنا بالمنهج التاريخي والمقاربي للباحث عبد المجيد الشرفي، الذي يجمع بين النظر التاريخي الصارم، وأخلاقية قوامها المسؤولية العلمية.


وينادي الشرفي بصياغة نظرة علمية للتراث التي قوامها الأخذ بعين الاعتبار تغير وضعية الدين، الذي أصبح خاضعا للتفسير واستقلت عنه العلوم، مثلما تخلت المؤسسات المجتمعية عن تبريراته، ثم إخضاع الفكر الديني لقوانين عامة يمكن أن تشترك فيها مختلف الديانات، وخاصة الديانات التوحيدية. وأهم خصائص هذا المنهج الذي يقترحه الشرفي أنه ينهض على بلورة قراءة تأويلية حديثة تتجاوز منهج الانتقاء، أو التقيد بالقراءة التفسيرية التقليدية التي لم تعد تفي بمقتضيات البحث والشروط المنهجية، ويستفيد الشرفي من الدرس المقارن الذي لا يفاضل بين التأويلات التي تم القضاء عليها بقوة السيف والسلطان لا بقوة الحجة في أحيان كثيرة. أما فيما يتعلق بالتعامل مع النص القرآني فتنهض منهجية الشرفي على قراءة النص في كليته بعيدا عن ضروب الإسقاط والانتقائية، واعتماد القراءة المقاصدية للنص وتجاوز الرؤية الحرفية له.


أما محمد أركون فيسعى إلى نقد العقل الإسلامي بوضع التجربة الثيولوجية في الإسلام على محك النقد التاريخي الصارم عبر النظر في التركيبات الثيولوجية في الإسلام بكل أنواعها من تفسير وحديث وعلم كلام وفقه باعتبارها نتاجا بشريا يحق للدارس نقدها وتفكيكها وتجاوزها. ويدعو إلى الانخراط الواعي والمسؤول في حداثة فكرية حقيقة، مثلما يرصد العوائق الحائلة دونها، وأهمها فيما يتصل بالفكر الإسلامي هيمنة المعجم الاعتقادي القديم، وغلبة الخطاب اللاهوتي التقليدي الذي يعمل على تأييد مبدأ الثبات والاستمرارية والتجانس. فيدعو أركون إلى "العقل المنبثق حديثا" الذي يعتمد فكرة التنازع بين التأويلات بدلا من الدفاع عن فكرة واحدة في التأويل، ومن شروط هذا العقل ألا يتورط في بناء منظومة معرفية تؤصل للحقيقة، لأن نتاجات هذا العقل ستنقلب بدورها إلى سياج دوغمائي مغلق. ويتبنى أركون النقد المنفتح على آخر مكتسبات علوم الإنسان والمجتمع، ويطبق القراءة الحية والمتحركة، لأنها قراءة تشكل ما هو بديهي، وتزحزح المفاهيم التقليدية من مواقعها لتفكيكها من النسق الذي ركبت عليه في الوعي الإسلامي. فهو يحاول أن يخضعها باستمرار للتحديات التي تطرح على التاريخ المقارن للأديان، ويقترح أركون إعادة النظر في العلوم الإسلامية التي شكلت منهجا وسبيلا إلى فهم النص القرآني ومن بينها علم الناسخ والمنسوخ، وعلم أسباب النزول وغيرهما، التي تكشف برأيه عن التلاعبات الخطيرة التي يقوم بها العلماء.


القيم الحديثة وإسلام المجددين


يتميز العصر الحديث الذي اخترقته الحداثة أخلاقيا واجتماعيا واقتصاديا وحتى جماليا ورمزيا، بانتشار قيم جديدة قامت على نقيض القيم القديمة وأهمها قيم المساواة والحرية والتسامح والديمقراطية. وجعلت الثورة الاتصالية التي يشهدها العالم القيم الحديثة تتجاوز الحدود الجغرافية لها وتكتسب بعدا كونيا، واتجهت نحو الفرد بعد أن كانت تتجه إلى المجموعة، حتى صارت القيم الحديثة وبالخصوص قيم المساواة والتسامح وحرية الفكر والحرية الدينية مطلبا ملحا في الضمير الديني الحديث. إنها ليست ترفا يدعو إليه بعض المثقفين، بل ضرورة من المقتضيات اللازمة للمعاصرة، حتى أصبحت مقولة الإسلام صالح لكل زمان ومكان لا تتعارض لدى العديد من المفكرين مع منطق تحديث الفكر الإسلامي، ذلك أنه من الممكن الاحتفاظ بها لكن بشرط تحديد بعض العناصر التي من شأنها أن تكون قيما خالدة لا تشكل عقبة في وجه الرسالة واستجابتها للمقتضيات المعرفية وتعبيرها عن نزعة الضمير الديني الحديث إلى المواءمة بين موروثه الديني والقيم الحديثة.


وأخيرا لقد مثل خطاب التجديد ثورة فكرية حقيقية وعدولا عن العديد من الحلول التي ارتضاها القدماء، ونقيضا صارخا لكل ما انطوى عليه الفكر الإسلامي المحافظ من تقليد، وأكد على أن المعرفة الدينية شأنها في ذلك شأن بقية المعارف. ووفق هذا المفهوم فإن المؤلف يرى إسلام المجددين يبدو واعدا ومتنوعا يعمل على تقديم أجوبة لأسئلة تطرح نفسها بحدة على الضمير الديني الحديث، ويشكل مصالحة مع الذات ومع الوعي التاريخي الحديث، فهو يبدو واثقا من الأرضية التي يقف عليها ويتحمل مسؤولية الأخطار الإبستمولوجية والاجتماعية التي يمكن أن تنتج عن خطابه. وهو اتجاه حسب محمد الطالبي يشكل دعوة إلى المعاصرة الواعية التي يسهم فيها المسلم، ودعوة إلى مجابهة الإنسان مسؤولية الوضعية التأويلية التي يحياها، و"أن يعيش المسلم عصره ويحيا المعاصرة بإيمان وإخلاص، لا الاكتفاء بالتفرج والتحسر".

 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟   
الاسم:
عنوان التعليق:
نص التعليق:
 

آداب و لغة
فلسفة
ديانة مسيحية
الإسلام و أديان العالم
علم النفس و التربية
علوم اجتماعية
تاريخ و جغرافيا
سياية و اقتصاد
علوم طبيعية و طبية
فنون
قانون
مراجع عامة
 
عن المكتبة | كتب | أفلام | تراتيل | الصفحة الرئيسية
SWS المكتبة الروحية 2005 - جميع الحقوق محفوظة - صمم هذا الموقع بواسطة شركة
Powered by O2 TECHNOLOGY