بحث سريع 

 

New Page 1
عنوان الكتاب:
الإسلام في المدينة
المؤلف:
بلقيس الرزيقي
المترجم:
الموضوع:
دين إسلامي وأديان العالم/دين إسلامي
الناشر:
بيروت - الطليعة
عام النشر : 2007 الطبعة: 1
القياس:
19x13 سم
عدد الصفحات: 252
السلسلة: الإسلام واحداً ومتعدداً
رمز التصنيف:
دا  287
   

أراء القراء   
تعليق: إبراهيم غرايبة - الجزيرة نت
عنوان التعليق: الإسلام في المدينة

يقدم الكتاب فكرة عن تشكل دولة المسلمين ومجتمعهم في المدينة بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إليها، باعتبارها النموذج الرائد حتى اليوم للمسلمين في تصورهم للمجتمع والدولة، وباعتبارها أيضا المرجعية الحاكمة لتقييم التجارب الإسلامية اللاحقة للعصر النبوي. ولكن يبدو أن المؤلفة تعتمد على خلفية استشراقية غربية أكثر مما تملك خبرة عربية وإسلامية، ويبدو ذلك واضحا في استخدام المصطلحات والمفاهيم الغربية، وفي بعض الأحيان تذكر الأسماء العربية محرفة تحريفا غربيا، مثل النذر بن الحارث بدلا من النضر بن الحارث.


المدينة قبل الإسلام


تبدأ المؤلفة بعرض تاريخ المدينة قبل الإسلام، فقد عرفت باسم "يثرب" وتميزت بخصوبتها النسبية، وكان اقتصادها يقوم على الزراعة ومنتجات الواحات المحيطة، مثل خيبر وفدك وتيماء ووادي القرى. ورغم أهمية يثرب في خريطة المدن الحجازية، ورغم قدم تاريخها فإن هجرة الرسول إليها وإقامته فيها مثلتا الحدث الحاسم الذي حولها إلى مدينة استثنائية من حيث منزلتها الدينية والرمزية، فتحولت إلى مكان مقدس يمنع فيه ما يباح في غيرها من المدن، فلا يقتل حيوانها ولا تقطع أغراسها ولا يستباح أهلها في شيء. وبالنسبة للمجموعات البشرية المكونة لمجتمع يثرب قبل الإسلام، فإن المصادر القديمة تبدأ بتاريخ قدوم اليهود، وتشترك في ذكر قدم استقرارهم في المدينة، فقد توافدوا عليها قبل الأوس والخزرج بأمد طويل. ويفسر الحموي والسمهودي ذلك بأن استقرار اليهود في يثرب جاء لعلمهم بأمر نبوة محمد وهجرته إلى بلد فيها نخيل، وعندما حلَّ الأوس الخزرج بيثرب كان اليهود وقتئذ مقيمين فيها منذ زمن، حتى أن السمهودي يشير إلى أن القبيلتين قد خضعتا لوصاية اليهود ونفوذهم، وكانوا يؤدون لهم الضريبة.


غير أن العرب الوافدين لم يقنعوا بمنزلتهم تلك، فسعوا إلى الاستقلال بأنفسهم عن اليهود بفضل مساعدات مرجحة من الغساسنة أو من عرب الجنوب، وبقيت علاقة الأوس والخزرج باليهود حربا باردة لم تتحول قط إلى المواجهة مباشرة بسبب تطاحن العرب أنفسهم وتفرق كلمتهم. وكانت يثرب فضاء اجتماعيا غير متجانس، وكانت على قدر كبير من الاختلاف العرقي والتنوع العقدي: يهود من الشام، ويهود عرب، وقبائل من عرب الجنوب وأعراب بدو مرتحلون على التخوم، وكانت فضاء زاخرا متنوع التجارب. غير أن التنوع لا تتكفل الدولة بتنظيمه وكانت الحروب أمرا متوقعا في ظل غياب قوانين تلزم الجميع، غير أن اختلاف الأجناس المكونة لمجتمع يثرب قبل الهجرة لم يفرز تباينا في أنماط العيش ولا تنافرا في السلوك اليومي ولا في طرق التفكير، وإنما انصهرت كل المكونات الثقافية في نسيج واحد رغم حالة التوتر والصراع، وبسبب علاقات الزواج والتحالفات توحدت الأطر الثقافية.


ونتيجة احتكاك الأوس والخزرج باليهود في فضاء المدينة اطلعت المجموعات العربية عن كثب على فكرة الوحدانية ومبادئها، رغم أن دينها الرسمي هو الوثنية، فلم تكن فكرة الوحدانية فكرة غريبة على أهل يثرب قبل أن يتخذها الرسول عليه الصلاة والسلام مقرا لإقامته. ومن ثم كان للتراث التوراتي وللعقيدة اليهودية دور فعال في تيسير تقبل الوحدانية وترويج فكرتي الإله الواحد والكتاب المنزل، فانتشر الإسلام في المدينة بمرونة أكبر من مكة. كما أإن هشاشة يثرب الاجتماعية والاقتصادية سهلت تقبل الوافد الجديد، وأعطته المجموعات قيادتها آملة في تحقيق الاستقرار وإيقاف سيل الدماء.


الاتجاه إلى المدينة


تورد المؤلفة بداية الاتجاه الإسلامي إلى المدينة لتكون بديلا لمكة، فتشير المصادر إلى أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان على اتصال ببعض أهل يثرب قبل معركة بعاث، مما يعني أنه كان يفكر منذ وقت بعيد في نشر دعوته خارج حمى مكة. وربما فكر منذ ذلك الزمن الاستقرار في غيرها إن ضاقت عليه السبل، فالهجرة لا ترتبط بموت أبو طالب ولا بالأخطار التي تواجه المسلمين، فهي لم تكن برأي بعض الباحثين مثل جاكلين الشابي على درجة كبيرة من الخطورة والأذى الشديد. فالقرآن لا يعتبر الهجرة طردا تعسفيا للنبي وصحبه، ولكن يبدو -خاصة بعد حصار "الشعب" الذي فرض على المسلمين وبني هاشم- أنه توصل إلى فكرة أن عدد المسلمين في مكة وتأثيرهم سيظل محدودا.


تعد الهجرة أشهر محاولة للرسول عليه الصلاة السلام للخروج بالدعوة بعدما عرض دينه على أهل الطائف، ولكنه لم يجد فيهم السند، وكانت مواسم الحج تهيئ له فرصة للقاء القبائل، وكان لقاؤه مع الأوس والخزرج فوجد لديهم حماسا نادرا. وقد سبقت الهجرة إلى المدينة مفاوضات امتدت إلى نحو ثلاث سنوات توجت بهجرة الرسول بصحبة أبي بكر بعدما سبقه إليها سائر المسلمين. ويندرج إرسال مصعب بن عمير في إطار توفير مناخ فكري وديني وسياسي مناسب، إضافة إلى نشر الإسلام في أكبر عدد ممكن من سكان يثرب حتى تزداد فئة المسلمين عدديا فيقوى الإسلام بكثرتهم. فكان لإقامته دور مهم في رأب الصدع القديم بين الأوس والخزرج، فقد اجتمعا بإمامته ليصليا خلفه في فضاء واحد ويجمعهما طقس واحد وعقيدة مشتركة.


وقد استطاع مصعب استقطاب عشائر بأسرها إلى الإسلام بعد إقناع زعمائها بمبادئ الدين الجديد، ومن أمثلة ذلك ما حفظته المصادر من خبر سعد بن معاذ وأسيد بن حضير إذ أسلم قومهما بمجرد إسلامهما، وما أمسى في دار عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة. ثم إن مصعب بن عمير وفّر وجود الظروف المناسبة لإبرام بيعة العقبة الثانية، وقد سميت أيضا بيعة الحرب، وكانت العهد الرسمي الذي تحول بالهجرة من مطمح إلى واقع تاريخي، فبعد البيعة توافد المسلمون على المدينة. والهجرة من مكة إلى يثرب تدل على أن الإسلام يرفض أن يكون دينا محليا، فهي مؤشر يوحي برغبة في التوسع، فالعقيدة الجديدة لا تخص فئة محددة وإنما هي موجهة للناس جميعا على اختلاف نسبهم وانتماءاتهم الاجتماعية.


ومنح الرسول عليه الصلاة والسلام المدينة مرتبة الحرم فلم تعد مدينة عادية، وإنما صارت مدينة مقدسة يمنع فيها ما يباح في غيرها، وشيد الرسول مسجده فكان مركز إشعاع على المدينة بأسرها، حيث كان المسلمون يجتمعون ويناقشون فيه أمر الدين والدنيا. وأنتج المهاجرون واقعا جديد بعيدا عن انتماءاتهم القبلية، لأن نظام القبيلة تعطل وأبطل، وصار المهاجرون لا يعرفون أنفسهم إلا باعتبارهم مسلمين أولا ومهاجرين ثانيا. وقد عانى المهاجرون محنة نفسية زادتها الفاقة شدة على شدة، فقد ضاقت يثرب بأهلها، وعجزت الواحة الصغيرة عن إطعام كل أبنائها.


هذا الواقع الجديد جعل الرسول يسرع في اتخاذ القرارات حتى يهون على المهاجرين كربهم، وحتى يصوغ للمسلمين أنصارا ومهاجرين شكلا جديا يستبدل به القبيلة وعلاقاتها ومنظومة القيم التي تولدت عنها، فكانت "الصحيفة" التي حسمت الأمر وجعلت محمدا عليه الصلاة والسلام صاحب مقاليد الأمور ومرجع إدارة الشؤون. ثم أعلنت الصحيفة عن انضواء مجموع المسلمين في فضاء اجتماعي جديد هو الأمة، وقد كان الإجراء التطبيقي لهذا النمط ما عُرف "بالمؤاخاة"، أي المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار التي كانت محاولة لتخفيف وطء الغربة والفاقة، ومحاولة لترسيخ علاقات جديدة تقوم على أساس ديني عوضا عن العلاقات الدموية.


بناء الدولة والمجتمع في المدينة


تصف المؤلفة في هذا الجزء المجتمع والدولة المتشكلين حول الإسلام في المدينة، فقد أصبح للمدينة وضع اجتماعي جديد، ونمط انتظام عمراني يختلف اختلافا جوهريا عن نمط الانتظام القبلي، إذ انقسمت إلى قسمين: الأول هو المسلمون ويتكون من المهاجرين والأنصار، والثاني قائم على الكافرين والمنافقين. وشكل اليهود طرفا مهما في بنية المدينة الاجتماعية الثقافية، وتعود أهمية منزلتهم إلى الوضع الاقتصادي، فقد كانوا أصحاب الثروة وأرباب التجارة، بالإضافة إلى امتلاكهم إرثا توحيديا تليدا، فهم أهل كتاب، وقد كانوا يترقبون قدوم الرسول وحلوله بينهم حتى يدعم نفوذهم ويرسخه ويفرضه على القبائل العربية.


ويجمع جل الباحثين على أن علاقة الرسول بيهود المدينة شهدت أطوارا ثلاثة: المهادنة والتعايش السلمي، ثم الجدال، ثم المواجهة والتصفية، وقد دخل في الإسلام منهم عدد قليل مثل عبد الله بن سلام، ومخريق الذي قتل يوم أحد، وقد أوصى بكل ثروته للرسول. وقد كان للمسجد العديد من النشاطات الدنيوية وكان الرسول يفصل في النزاعات في المسجد ويقسم فيه الغنيمة بين الناس، ويخوض معهم في أمور البيع والشراء، ويحتجز فيه الأسرى من المشركين، كما كان الصبية يلعبون فيه. وبعدما اطمأن الرسول عليه الصلاة والسلام بالمدينة، واستحكم فيها أمر الإسلام فقامت الصلاة وفرضت الزكاة والصيام وقامت الحدود وفرض الحلال والحرام وتبوأ الإسلام بين أظهرهم، انتابت المسلمين حيرة عندما طرحت وسيلة للإعلام بموعد الصلوات. فالمسلمون كانوا ينزلون الإسلام في محضن الأديان الكتابية التوحيدية السابقة، لذلك لم يجدوا ضيرا في أن يقترض الدين الجديد من سابقيه أدوات يستعين بها على ترسيخ ممارساته الطقوسية التعبدية وتنظيمها، إذ ليست صلة الإسلام بالمسيحية أو باليهودية قطيعة نهائية، ثم اتفقوا على الأذان، وأقيمت صلاة الجمعة التي لم تقم إلا في المدينة. والملاحظ أن صلاة الجمعة حظيت في القرآن بمنزلة مهمة، إذ خصها بعدد من الآيات في سورة الجمعة وهي تنص على ضرورة الانقطاع إلى الصلاة وترك شؤون التجارة من بيع وشراء فور الشروع فيها، خاصة إذا نظرنا إلى أهمية النشاط الاقتصادي الذي كان يمارس يوم الجمعة من كل أسبوع. فقد كانت تنشط حركة الناس من المناطق المجاورة للواحة، وبالتالي تعتبر صلاة الجمعة من حيث وظائفها وخصائصها مختلفة عن صلاة الكتابيين يوم السبت أو يوم الأحد اختلافا جوهريا.


ومن العبادات التي تضطلع بوظيفة اجتماعية مهمة، هي الزكاة بوصفها واجبا دينيا وركنا من أركان الإسلام، والقرآن لم يكتف بأن فرض الزكاة على الأغنياء، ولكنه حدد الفئات الاجتماعية التي ينبغي أن تنتفع بعوائد الزكاة مثل الفقراء والمحتاجين والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، والرقاب والغارمين، وأبناء السبيل.


ودخل المسلمون في حرب مع قريش دون سواها من قبائل العرب، وتفسر المؤلفة ذلك بأنه يهدف إلى كسر احتكار السلطة النخبوية لأقلية تجارية على الجزيرة العربية، وقد استهدفت العمليات العسكرية قوافل قريش وتجارتها. وفسر البعض النزوع إلى السرايا بالحاجة الاقتصادية إلى تمويل سكان المدينة بموارد مالية جديدة، وقد اقتصرت السرايا في المرحلة الأولى على المهاجرين، وكانت غزوة بدر أول حدث يضم صفوف المسلمين من مهاجرين وأنصار، وتستمد قيمتها من اقترانها بانتصار ساحق على المشركين في ظرف كان فيه المسلمون قلة مقارنة بأعدائهم. وقد عبرت غزوة بدر عن تماسك الأمة الإسلامية واتحادها من أجل محاربة عدو مشترك تحت راية الإسلام، وزادت من رسوخ سلطة الرسول في المدينة، ودعمت الإحساس بوحدة المصير. وبعد ذلك توالت الغزوات والمعارك مع قريش خاصة والمشركين عامة، وتمكن المسلمون من فرض وجودهم، ويعتبر صلح الحديبية ترسيخا للوجود السياسي للمسلمين والمدينة، واعتبره القرآن الكريم انتصارا سياسيا وفتحا مبينا، فقد اعترفت قريش بموجبه بالمسلمين بوصفهم مجموعة تتساوى معهم في القوة ورفعة الشأن. والتزم الرسول بالصلح لمدة سنتين إلى أن ارتكبت قريش خطأ فادحا بمساندتها لحلفائها من بني بكر ضد بني خزاعة حلفاء المسلمين فنقضت بذلك صلح الحديبية، وشرعت للمسلمين قتالهم. ولما كانت قريش أضعف من مواجهة جيش المسلمين العظيم اختارت الاستسلام، وأعلنت إسلاما جماعيا سلميا، ودخل الرسول مكة وقضى على الوثنية قضاء مبرما، وأدخل مكة في رحاب فضاء الإسلام المقدس، وبدأت القبائل تدخل في الإسلام أفواجا.

 

 
تعليق: خالد غزال - الأوان 17/1/2009
عنوان التعليق: تبلور إيديولجيا الجهاد ضد غير المسلمين

تشكّل هجرة النبيّ محمّد من مكة إلى المدينة الحدث الأبرز في الإسلام التأسيسيّ، بل المرحلة الأهمّ في تكوين الإسلام من الناحية العقائدية، ومن انتقاله إلى مجال بشريّ أوسع بعدما بدأ يتجاوز القبائل التي انطلق منها. فالتأصيل النظري الإيديولوجي والعقائدي يضاف إليه بعض التشريعات الاجتماعية، كلها أمور ستترسخ لاحقا في الوجدان الإسلامي وتتحول إلى قوانين "أبدية"، وهي عمليا تكوّنت خلال إقامة الرسول في المدينة وقيادته دفّة إخراج الإسلام من "قمقم" الإطار الضيّق لمكة والمدينة نحو المدى الأوسع في الجزيرة العربية. لذا ليس غريبا في التاريخ الإسلامي المديد أن يتمّ النظر إلى "الطور المديني" بوصفه يمثل النموذج الأعلى للحياة الإسلامية، وأن تضفى عليه القداسة، بحيث يتحوّل إلى نموذج يجب احتذاؤه في كل زمان ومكان، بعد أن دخلت "الأسطرة" على الكثير من مقوماته. سيكون لهذه الأسطرة والإلزام بهذا النموذج دور هام في سيادة الجمود العقائدي في الإسلام. يشكّل كتاب "الإسلام في المدينة" لبلقيس الرزيقي مساهمة مهمّة في الإضاءة على تلك المرحلة من تطوّر الإسلام من جميع مناحيه. نشر الكتاب ضمن سلسلة "الإسلام واحدا ومتعدّدا" التي يشرف عليها الدكتور عبد المجيد الشرفي، وأصدرته "رابطة العقلانيين العرب" و"دار الطليعة" في بيروت.


قبل مجيء الرسول إلى المدينة، كانت تعرف بـ"يثرب"، وكانت تحوي مجموعات بشرية من اليهود ومجموعة من القبائل أهمّها قبائل الأوس والخزرج. لم تكن فكرة التوحيد غريبة عن المدينة نظرا لوجود التراث التوراتي والعقيدة اليهودية فيها، ممّا جعل فكرة الإله الواحد والكتاب المنزّل تجد لها قبولا. لكنّ يثرب هذه تحوّلت مع وجود الرسول فيها إلى قطب دينيّ مركزيّ، واتّسمت أيضا بنوع خاصّ من القداسة والسلوك المتوافق مع الدعوة الدينية. بعيدا عن إسقاط وإضفاء نظرات غير موضوعية حول أسباب هجرة الرسول، فإنّ السبب الحقيقيّ يتّصل بالموقف المعادي لأهل مكّة للدعوة المحمّدية، واضطرار الرسول التفتيش عن مكان آمن لنشر الدعوة، وهو انتقال استوجب مفاوضات مع القبائل للقبول بالوافد الجديد. لكنّ النتائج التي ترتّبت على الهجرة طالت أهالي مكّة لجهة الانسلاخ عن قريش وتفريقا لشملها، وأدّى إلى تغيير الانتماء القبليّ للمهاجرين مع الرسول من أهل مكة إلى انتماء يقوم في الأساس على الدين الإسلامي، مما يعني تحوّلا في المحدّد الاجتماعيّ للمجموعات القبلية السائدة. أمّا النتيجة الثانية والأهمّ فإنّ الهجرة نقلت الإسلام من الإطار المحلّي نحو الأفق الأوسع والأشمل، وهو ما سيترجم نفسه في الفتوحات للأقاليم ونشر الإسلام فيها.


تبلورت لدى الرسول خلال وجوده في المدينة جملة أمور "تشريعية" أوجبتها العلاقة الاضطرارية مع المحيط الذي يعيش وسطه، كانت "الصحيفة" أوّل نصّ تشريعيّ وضعه الرسول تنظيما للعلاقة مع غير المسلمين ومحدّدا فيها قواعد التعامل، فاعتبرت "الصحيفة" بمثابة دستور للمسلمين. إذا كانت الإيديولوجيا الإسلامية تتعاطى اليوم مع هذا الدستور بوصفه نموذجا لا يزال قائما إلى عصرنا الحاضر، إلا انه يظل مرهونا بالمرحلة التي وضع فيها، حيث وحّد بين المهاجرين القادمين من مكّة مع الرسول وبين الأنصار الذين استقبلوه في المدينة بما جعلهم أمّة واحدة، إضافة إلى تكريس الرسول صاحب سلطة دينية وزمنية في الآن نفسه، خصوصا بعد أن حدّد الرسول القرآن بوصفه المرجعية التي تتضمّن فيما تنصّ عليه على طاعة الرسول المطلقة. كان على الرسول أن يقدّم أجوبة على نمط العلاقة الاجتماعية التي يجب أن تسود في المدينة، كانت المشكلة الرئيسية تتّصل باليهود وكيفية التعاطي معهم. اتّسمت العلاقة بمراحل سادت فيها المهادنة في مرحلة أولى ثم تطوّرت إلى جدال يهوديّ حول نبوّة محمّد إلى أن وصلت إلى مراحل المواجهة العسكرية والتصفيات الدموية.


لا شكّ أنّ إصرار النبيّ مستندا إلى القرآن على وجوب تذويب الفوارق بين المسلمين واليهود وبالتالي إجبار اليهود على ترك دينهم والانضمام إلى الإسلام، بكلّ ما يعنيه ذلك من تقلّص أو زوال الامتيازات والمصالح اليهودية، إنما كانت السبب الرئيس في صراع المسلمين واليهود. هكذا نزلت آيات كثيرة تحطّ من شأن اليهود وتدعو إلى نبذهم وصولا إلى قتالهم بعدما قدّم صورة عنهم بوصفهم مضطهدي الأنبياء. إضافة إلى اليهود، واجه محمّد فئة صنفت بـ"المنافقين" الذين يظهرون إيمانهم فيما هم يقيمون فعلا في الكفر، وقدّم النفاق في القرآن على أنّه التواطؤ ضدّ الإسلام والتنكر لميثاق الوحدة المدنية. كما اتخذ الرسول موقفا معاديا ومتشدّدا من الشعراء الذين يقال إنّ قسما واسعا منهم قد هجاه، لذا لم يتورّع عن الأمر بقتلهم. وأخيرا، احتل موضوع المرأة حيزا من اهتمامات الرسول الذي حاول تنظيم علاقة الرجل بالمرأة في إطار مؤسّسة الزواج. تقع هذه الأنماط من التشريعات في سياق اضطرار الرسول إلى الإجابة عن أوضاع مستجدة واجهته، ولم تكن في إطار تشريع لدولة دينية أسقطت لاحقا على التاريخ الإسلامي بوصفها دولة الرسول والخلفاء المثالية للمسلمين في كلّ زمان ومكان.



خاض الرسول جملة معارك عسكرية انتصر في أغلبيتها وخسر بعضها، أهمّ المعارك كانت غزوة بدر التي اشترك فيها المهاجرون والأنصار ضدّ المشركين الذين أمر القرآن بقتالهم. إضافة إلى معركة بدر، انتصر الرسول في معركة الخندق وتمكّن من فتح مكّة وهزيمة أخصامه. في المقابل خسر الرسول معركة "أحد" التي استطاع المشركون تسجيل انتصار على المسلمين فيها. أدّت المعارك إلى نقلةٍ في موقع الإسلام كدين وفي موقع الرسول كسلطة. لكنّ النتائج الأهمّ لهذه المعارك والتي لا تزال تكتسب راهنية لدى جمهرة المسلمين إنما تتحدّد في ولادة أيديولوجيا الجهاد ضدّ غير المسلمين، وهي أيديولوجيا كرّسها النصّ القرآنيّ وشكلت دافعا معنويا للمسلمين في معاركهم اللاحقة. وهي الأيديولوجيا نفسها التي تستند إليها اليوم الحركات الإسلامية الأصولية المتطرّفة في عملياتها الإرهابية، من دون الأخذ في الاعتبار الظرف التاريخيّ التي نزلت به آيات الجهاد، وهو ظرف لم يعد قائما في عصرنا الراهن. إضافة إلى ترافق هذه الأيديولوجيا مع تمجيد الشهداء والوعد بالجنّة مما يعطي المقاتل شحنة معنوية ضخمة تعده بحياة في الآخرة مليئة بكل أصناف السعادة التي يفتقدها في حياته الدنيوية.


يقدم لنا كتاب "الإسلام في المدينة" جملة خلاصات يتّصل أوّلها بالجزم أنّ هذا الطور التأسيسيّ لم يشهد إقامة الدولة الإسلامية بالمؤسّسات التشريعية والتنفيذية أو القضائية. أمّا الخلاصة الثانية فتتصل بالأسطرة التي رافقت المعارك التي خاضها النبيّ وأهمّها أنّ الملائكة كانوا جنودا في قلب معركة بدر، وكانوا سببا أساسيا في الانتصار، وهي مقولة لا تزال سائدة لدى جمهرة واسعة من المسلمين، ممّا يطرح تساؤلا عن سبب إحجام الملائكة عن نصرة الرسول في معركة "أحد" التي شهدت هزيمة للمسلمين. أما الخلاصة الثالثة وهي الأخطر، تتعلّق برفض الإسلام لوجود الديانات الأخرى والتعاطي معها على قاعدة المساواة خصوصا وأنّ الإسلام يعترف لها بأنّها ديانات توحيدية نصّ عليها القرآن، والمقصود باليهودية والمسيحية، وهي نقطة تشير إلى أنّ الأديان التوحيدية هي أديان "اصطفائية" تذهب كلّ واحدة منها إلى اعتبار نفسها الدين الصحيح وترفض الاعتراف بالآخر. وهو أمر يثير اليوم من الإشكالات والصراعات خصوصا في ظلّ التوظيف المتواصل للأديان السماوية في الصراعات السياسية والاجتماعية، سواء أكان هذا الدين الإسلام أم المسيحية أم اليهودية.

 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟   
الاسم:
عنوان التعليق:
نص التعليق:
 

آداب و لغة
فلسفة
ديانة مسيحية
الإسلام و أديان العالم
علم النفس و التربية
علوم اجتماعية
تاريخ و جغرافيا
سياية و اقتصاد
علوم طبيعية و طبية
فنون
قانون
مراجع عامة
 
عن المكتبة | كتب | أفلام | تراتيل | الصفحة الرئيسية
SWS المكتبة الروحية 2005 - جميع الحقوق محفوظة - صمم هذا الموقع بواسطة شركة
Powered by O2 TECHNOLOGY