بحث سريع 

 

New Page 1
عنوان الكتاب:
إسلام عصور الانحطاط
المؤلف:
هالة الورتاني - عبد الباسط قمودي
المترجم:
الموضوع:
دين إسلامي وأديان العالم/دين إسلامي
الناشر:
بيروت - الطليعة
عام النشر : 2007 الطبعة: 1
القياس:
19x13 سم
عدد الصفحات: 181
السلسلة: الإسلام واحداً ومتعدداً
رمز التصنيف:
دا  292
   

أراء القراء   
تعليق: إبراهيم غرايبة - الجزيرة نت
عنوان التعليق: عصور الانحطاط

يعرض المؤلفان في هذا الكتاب المسار التاريخي والفكري والاقتصادي للعالم الإسلامي، ويحاولان أن يوضحا انعكاسات الانحطاط السياسي والاقتصادي للمسلمين على الممارسة الفكرية والتطبيقية للإسلام. ويلاحظ الكاتبان هالة الورتاني وعبد الباسط قمودي أن الحياة الفكرية والثقافية للمسلمين تسرب إليها الجمود والانحراف والتخلف مع تخلف العالم الإسلامي، وتشظيه سياسيا وتراجعه اقتصاديا.


التاريخ الإسلامي والعصر الذهبي


تقول الورتاني وقمودي إن النموذج التطبيقي للإسلام بدأ بعد مرحلة التأسيس يتحول إلى تجربة تاريخية إنسانية تسهم المجتمعات والتحولات والبيئة المحيطة والأحداث في تشكيلها، ومن ثم كانت تنشأ أحكام فقهية وقراءات للنصوص الدينية قائمة على التفاعل مع البيئة والتحولات الزمنية الطبيعية وأحيانا الكوارث والهزائم.


وهكذا فإنه -برأي المؤلفين- تشكلت الظاهرة الدينية بين حيزين: حيز المقدس الذي يكسبها سمة التعالي وهو حيز يحكمه الفعل الإلهي، وحيز الدنيوي الذي يحكمه البشر. فتوضع الظاهرة حينئذ في مسار تاريخي، فإذا هي منظومة عقدية تنشأ عنها حركة تاريخية هي بالأساس نتاج أنماط من التمثلات البشرية التي تحركها غالبا معطيات اجتماعية متضافرة وتخضع الظاهرة الدينية عندها لمقتضيات الحدث التاريخي الذي تتضافر عدة معطيات في توجيهه.


فعندما انبثق الإسلام من الجزيرة العربية خلال القرن السابع الميلادي وتوسع ليبلغ أقصى مدى له من أفريقيا الشمالية وجزء من أفريقيا السوداء إلى أجزاء كبيرة من آسيا وصولا إلى سومطرة، وإلى أوروبا الشرقية وصولا إلى أبواب فيينا في ظل الإمبراطورية العثمانية، وهي فترة طويلة امتدت خمسة عشر قرنا، في هذه الفترة تشكل التاريخ الإسلامي، وهو تاريخ كان فيه الإسلام وما زال المحرك الأساسي في إنتاج أنماط الوجود في المجتمعات المسماة الإسلامية، وهو العصر الذهبي للحضارة الإسلامية.


وهنا التاريخ ينقسم إلى فترتين: فترة أولى هي العصر الذهبي الذي يمتد إشعاعه ليشمل كل المجالات سواء كانت الدينية أو السياسية أو الاقتصادية أو الفكرية، وهي الفترة التي بلغ فيها كل شيء مداه الأقصى.


والفترة الثانية التي تنطلق من الأوج والزخم الإبداعي في حركة انحدار مرعبة وسريعة انتهت إلى اللاحركة والركود، وهي الفترة التي توسم بعصور الانحطاط وفيها أُفلتت الصورة المثالية لإسلام صاف موروث عن هذا الزمن. والتدهور برأي الكاتبين لا يعني ضرورة تدهورا فكريا، والأمر يبدو واضحا إذا تتبعنا حركة الفكر الإسلامي في ظل تفتت الإسلام سياسيا. فأمراء الدولة أنعشوا الفلسفة في فترة حكمهم وبرز فلاسفة أثروا في مسار الفكر الإسلامي من بينهم التوحيدي ومسكوية، والصاحب بن عباد...الخ.


وينطبق ذلك على الدولة السامانية التي شهدت نهضة علمية وثقافية، وكانت بخارى من أهم المراكز الثقافية في العالم الإسلامي حيث احتضنت عدة مفكرين مثل أبي بكر الرازي وابن سينا والخوارزمي. أما الدولة الغزنوية فقد رعت كلا من البيروني والبيهقي، وساهمت في توسيع المدى الإسلامي في عهد محمود الغزنوي الذي غزا الهند وضم إقليم خرسان غزنة في جبال سليماني شمال الهند إضافة إلى إقليم البنجات.


والانحطاط ليس انحطاطا عاما للحضارة وإنما هو تراجع مسَّ المجتمع الإسلامي في فعالياته الأكثر حيوية ليستولي بشكل أساسي على نظام الثقافة، ويقلص من الإشعاع الحضاري لدين كانا مساهما إلى حد كبير في المسيرة العامة للتاريخ ليس الإسلامي فحسب بل الكوني أيضا. إن الانحطاط الذي دشنه تشظي الإسلام السياسي هو نتاج معطيات تكاثفت على مر فترات متعددة، ومن هنا يدعو المؤلفان إلى فهم الخريطة السياسية للعالم الإسلامي بعد القرن السابع الهجري تاريخ انهيار الخلافة العباسية التام. فقد شهد القرن الثاني مع الأدارسة في المغرب والأغالبة في أفريقية، بداية التفكك الإمبراطورية الإسلامية التي كانت منضوية تحت حكم خلافة موحدة. وأفرز هذا الوضع الجديد تغيرات كبيرة سواء على الصعيد السياسي أو الجغرافي لينفرط عقد كيان سياسي وديني.


فالخلافة العباسية التي تأسست على أساس ديني يضمن الاستمرارية المستمدة من هيبة الاتصال بشخصية الرسول الضامنة لاستمرارية البعد الديني المقدس والبعد القيادي التوحيدي، والتي ظلت في مسار تصاعدي حتى وفاة المأمون (218هـ) في ما بعد أصبحت تعاني من أزمات متعددة مثلت بداية فقدان التوازن الذي كانت إرهاصاته قد بدأت تتشكل منذ الاعتماد على خدمات العناصر غير العربية في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.


إضافة إلى مواجهة الحركات السرية ذات المنحنى الديني والمهددة لوحدة كيان متشكل حول نواة دينية مثل الرواندية، وقد مهدت هذه العوامل لتغلغل العنصر التركي في صلب الخلافة العباسية، بأن أصبح الأتراك أصحاب النفوذ الفعلي وخاصة في فترات خلافة كل من المتوكل والمنتصر والمستعين والمعتز والمهتدي والمعتمد والمقتدر...إلخ، وهي كانت نقطة مهمة في تاريخ مؤسسة الخلافة وذلك باستيلاء البويهيين على السلطة. وبدأت سلطة العنصر غير العربي على رأس الخلافة الإسلامية رغم بقاء المنصب الصوري في يد الخلفاء من العباسيين الذين يعينون من قبل الأمراء البويهيين، وشاعت النزاعات المذهبية واستفحل أمرها وتنامت الانقسامات العنصرية بين مختلف عناصر الجيش الإسلامي من عرب وأتراك وديلم. وقد شهد القرن الرابع نشوء كيانات سياسية مختلفة انشقت عن مركز الخلافة في بغداد، وهي كيانات تأسس أغلبها مستلهما لدعوة دينية شيعية بالأساس إلى جانب كيانات جديدة أسستها شعوب جديدة أُدمجت في الوجود التاريخي الإسلامي.


وقد نشأت هذه الدول في أطراف العالم الإسلامي الممتد مثل الدولة السامانيتية، والدولة الغزنوية، والدولة الغورية، والدولة الخوارزمية، والدولة السلجوقية، والدولة المدرارية، والدولة الرستمية، والدولة الأغلبية، والدولة الفاطمية، والدولة الصنهاجية، ودولة المرابطين، والخلافة الأموية في الأندلس التي انتهت إثر الفتنة الكبرى في عهد هشام الثاني المؤيد بالله، وقامت دولة مستقلة عرفت بدولة الطوائف، والدولة الصفوية التي تحول فيها الثقل المذهبي مع الصفويين من السنة إلى الشيعة، وتزامن وجود هذه الدولة مع وجود الإمبراطورية العثمانية وخاضت معها صراعا طويلا، ثم كانت هي نواة الدولة الإيرانية الحديثة.


أما الدولة العثمانية التي كانت محاولة لاستعادة وحدة العالم الإسلامي، ونجحت هذه الإمبراطورية في تشكيل وحدة نسبية في العالم الإسلامي، وهكذا خضع العالم الإسلامي لسلطة الباب العالي ونجحت الإمبراطورية في إقامة كيان متوازن. وشهد التاريخ الإسلامي إشعاعا جديدا، وذلك من خلال استعادة النزعة التوسعية الرامية إلى توسع المجال الإسلامي خاصة في الفضاء الأوروبي. هذا الواقع السياسي للعالم الإسلامي يكشف عن تفكك الكيان الموحد في عصور الانحطاط، وتجزئة دار الإسلام إلى مجالات متنوعة عربية وإيرانية وتركية وهندية وبربرية وأفريقية، مما أحدث شرخا كبيرا في وحدة دار الإسلام التي أريد لها أن تندمج ضمن المعطى الديني.


الفكر في عصر الانحطاط


تقول الورتاني وقمودي إن القرن الثامن الهجري يمثل الانتصار النهائي للتقليد في مقابل الاجتهاد، والنهاية الفعلية للإضافة في السياقات الإسلامية. ومفهوم البدعة هي النواة الأولى للانقطاع في مسار الفكر المبدع والحر البعيد عن الإكراهات الخارجية، فقد كان أهم مصطلح في إحكام ربط مستقبل الأجيال اللاحقة بالأفق الفكري للأجيال السابقة من دون اعتبار حركة التاريخ هو مصطلح البدعة الذي أشهره حراس الفقه الصحيح للإسلام في وجه كل إضافة خلال عصور الانحطاط.


وقد وقف العلماء ضد كل تجديد في تفسير القرآن، فرفضوا تأثير الفلسفة اليونانية في التفسير، وقد استقر النهج الذي تبنى مقولة "العلم إما نقل مصدق عن معصوم وإما قول عليه دليل معلوم" وبذلك وصلنا في عصور الانحطاط إلى مرحلة التحجر في علم التفسير الذي كانت نتيجة طبيعية لهذا المسار.ثم انتقل التفسير القرآني من مرحلة التعامل المباشر مع النص القرآني إلى التعامل مع النصوص الثواني، وهكذا غاب النص القرآني في عصور الانحطاط تحت تراكمات سميكة بدأت بالتفاسير الأولى وصولا إلى شروحها والحواشي المتصلة بها.


وهكذا كان دخول الإسلام في عصور الانحطاط مرتبطا بانقطاع الاستمرارية في كل المجالات بدءا من الوحدة السياسية إلى الإبداع الفكري في مختل في العلوم الإنسانية سواء الفلسفة وعلم الكلام والفنون، وهو الانقطاع الرئيسي الذي جزأ العالم الإسلامي إلى سياقات متنوعة وفكك وحدة الأمة الإسلامية، وأنهى اتصال هذا العالم في ترقية الحضارة باختلاف العبقريات المشاركة في تشكيلها.


ممارسة الإسلام في عصور الانحطاط


يلاحظ المؤلفان أن أهم ما يميز ممارسة الإسلام في عصور الانحطاط هو انتشار إسلام شعبي، يستلهم الطرق والتفاسير الصوفية والخرافية، وقد اعتمد الكاتبان على مقاربة وصفية تحليلية بين النصوص الأدبية والمدونات ونتاجات الثقافة السائدة، وتتمثل هذه في الكتب مثل الرحلة المغربية لمحمد العبدري، والرحلة التيجانية للتيجاني ورحلة ابن حمادوش. وقد سمحت هذه المصادر على اختلافها بإدراك تلك الفترة الزمنية التي تعني بمظاهر التدين وممارسة بعض السلوكيات الأخلاقية، وبالتعليم بالطرق الصوفية والزوايا. فقد أشارت كتب الرحلات إلى أن معالم الإسلام في بعض المناطق مثل شمال أفريقيا، تقوم على تهميش الدين في المناطق الداخلية التي تحافظ على تنظيمات قبلية وتمارس الدين وفق معتقداتها التي تكون موغلة في القدم، وأن ممارسة الدين في تلك المناطق تخضع لسلطة المعيش (واقعا وعادات وأعرافا). فهي التي توجه المسلم نحو فهم معين للدين، إذ قد توجد مظاهر أخرى خارج الأطر التنظيمية قد تظهر في شكل احتفالات وممارسات أو عقائد أو شعائر لا تشكل منظومة بل هي قائمة على التناثر والتلقائية أو العفوية، تنتهي هذه التلقائية بالمسلم إلى أن ينهج نهج تبسيط العقيدة لترويج الممارسة الدينية. وقد يقدم تبسيط الممارسة حتى على صحة العقيدة نفسها ويساعد على التقليص من جهد الإيمان وطاقة التعبد،ليجعل الممارسة الدينية متاحة وممكنة للجميع مهما اختلفت الحالات وتبدلت الأوضاع.


وقد نتج عن ضعف الوازع الديني نتيجة الخروج عن القيم والمبادئ التي ينص عليها الدين الرسمي أو عدم هضمها أو رفضها،ضعف في الوازع الأخلاقي حتى أنها شملت الخاصة والعامة على حد سواء. ولقد اقترنت الممارسات الأخلاقية بإطار جغرافي هو المدينة، ويمكن أن نذهب في تفسير هذه السلوكيات الأخلاقية مذهب لوبرا عندما اعتبر أن المدينة تقدم حضارة دنيوية محضا تبرر الإقبال على اللذائذ، وتؤثر في العادات والتقاليد وفي أنماط العيش والتفكير بل تتيح فضاءات قد تفسر تقلص مستوى الممارسة الدينية الرسمية وتتيح هامشا لممارسات غير رسمية. وهذا يفسر سبب "الانحطاط" الأخلاقي ولكن ظاهريا، إذ نعتقد أن ثمة أسباب أخرى أعمق لها الأثر في ضعف الوازع الديني وتراجع السلوكيات الأخلاقية لعل أهمها درجة الوعي والمعرفة المرتبطتين في تحققهما بحال العلم والتعليم.


تكاد كتب الرحلات تجمع على حالة تردي العلم في المجتمعات والبلدان الإسلامية التي تمت زيارتها، ففي تلمسان قدم العبدري فقد غاب عن قسطنينة من ينتمي إلى طلب العلم ومن له فن من فنون العلم، إلا قلة من الشيوخ. وعندما حل بتونس استغرب من غياب العلم عن أهلها ورغم وجود جامع ومدرسة على قدر من حسن الصنعة، وخلص إلى القول إنه "لا مكان للعلم فيها" وهو الوضع نفسه في المدن الداخلية، من مثل القيروان التي خفت نفس العلم بين أهلها "فلم يبق به رمق وكسدت سوق المعارف بينهم" وليس حال سوسة بأفضل من القيروان. ووضعية العلم في مدن الجزائر وتونس لا تختلف عن وضعيته في ليبيا وطرابلس، إذ رأى صاحب الرحلة أنها مأتم الجهل وما للعلم بها من عرس، وهو وضع شامل لكل بلاد المغرب والمشرق في تلك الفترة بل لأغلب البلاد الإسلامية، وهو ما يبرر وسم هذه العصور بالانحطاط بالنظر إلى تراجع العلم فيها.


وطريقة التعليم والتحصيل ممكن أن تمثل سببا من الأسباب إن لم تكن السبب الرئيس لهذا الانحطاط العام، ولضعف الوازعين الديني والأخلاقي. وقد كان التعليم قائما على السماع أو النسخ وهو تعليم تلقيني تغيب فيه روح النقاش بين المعلم والمتعلم، بالإضافة إلى أن الكتب المدروسة عبارة عن مختصرات في تلك الفترة.


ومن المعلوم أن الاختصار "فساد في التعليم وفيه إخلال بالتحصيل" وقد كانت تنتهي عملية العلم قراءة أو سماعا أو نسخا بإجازة من المدرس لطالب العلم، بإجازة خطية، وإجازة شفوية.


كذلك نلاحظ في عصر الانحطاط طقوس تعظيم الأولياء عبر الكرامات والرؤى وممارستها والإقبال عليها والاعتقاد في قدراتهم الخاصة والعامة، تفصح عن مدى حضور التصوف في حياة المجتمع والظاهر في تشعب الوظائف الاجتماعية للولاية واتساعها فيما أصبحت تجسده من سلطة كاريزمية، وهي ظواهر لم تكن ملفقة أو مجمعة بل إفرازا لتراكم تاريخي وسياق ثقافي سائد. ولقد اكتسحت ظاهرة التقليد الصعيد الديني لهذه المجتمعات وتفشت النزعة الأخلاقية انطلاقا من التبرك، وهو سياق مرتبط بحالة ضعف في مستويات أخرى كالإنتاج الزراعي والأنشطة التجارية من دون أن نبلغ حدود الإقرار بأن الكرامة خاصة بأنماط سحيقة من التنظيم الاجتماعي والمجتمعات البدائية والمجتمعات التي تعرف لحظات انحطاط أيضا.


ولكن رغم الطابع القاتم الذي طبع الوضع في عصور الانحطاط فقد تخللتها علامات مضيئة تتعلق أساسا بما شهدته الفنون والعمارة من تطور في هذه الفترة نلاحظها من انبهار الرحالة بالتطور العمراني في بعض الأماكن، وثمة إشارات إلى جمال العمران بالإضافة إلى التصوير إذ اشتهر في القيام به جملة من الرسامين.


وتعددت مواضيع التصوير لتشمل تصوير بعض الشخصيات الدينية مثل سيدنا يوسف في الجب، كما تم تصوير الأنبياء من بينهم النبي محمد من قبل رسامين إيرانيين. ورأى زكي محمد حسن أن هؤلاء المصورين الإيرانيين عندما رسموا صورا خيالية للنبي كانوا متأثرين بما سمعوه عن صورة النبي في الصين عن تصوير البوذيين فضلا عن المسيحيين لآلهتهم ورسلهم وقديسيهم، إضافة إلى أن الإيرانيين شعب ميال إلى الفن.


إن النظر في إسلام عصور الانحطاط وقد أبان عن انقطاع في كل مجالات المعرفة، وغياب الأطر الاجتماعية الحاضنة للإبداع الفكري، وعن استشراء الانحرافات والبدع والمظاهر الشركية والعقلية الخرافية وبانقطاع السند العلمي وتغلغل سلطة الأولياء في الأوساط الشعبية، فإنه أيضا يكشف عن وجود حركة عميقة ثاوية وراء الجمود والركود وسمت عصور الانحطاط بمستويات إبداع راقية. تجسدت هذه الحركة أساسا في الفن والعمارة سواء عند المهندسين الصفويين أو المغول في الهند أو الفنانين المصريين في ظل السلطنة المملوكية، وهو ما يجعل مفهوم الانحطاط في حضارة ما مفهوما نسبيا لا يخضع لأسئلة الاستمرارية والانقطاع في كل المجالات.

 

 
تعليق: خالد غزال - الأوان 14/4/2009
عنوان التعليق: إسلام عصور الانحطاط

تكتسب دراسة عصور الانحطاط في المجتمعات العربية والإسلامية أهميتها، لا من امتدادها التاريخي الطويل لعدة قرون فحسب، بل لكون نتائجها ومفاعيلها لا تزال ترخي بثقلها على الحاضر، وتقوده في الكثير من الجوانب. وهي مفاعيل تتصل بالسياسة والثقافة والعقلية السائدة وغيرها من التأثيرات البنيوية التي تخترق الكثير من المجتمعات العربية والإسلامية في القرن الحادي والعشرين. يشكّل كتاب "إسلام عصور الانحطاط" لهالة الورتاني وعبد الباسط قمودي واحدة من الدراسات التي تسعى لقراءة الماضي من منظار الحاضر، وتبيان الزائل من هذا الماضي المتواصل بقوّة في الذهنية العربية والإسلامية. نشر الكتاب في سلسلة "الإسلام واحداً ومتعدّداً" التي يشرف عليها الدكتور عبد المجيد الشرفي، وأصدرته كلّ من "دار الطليعة" في بيروت و"رابطة العقلانيين العرب".


يطلق تعبير عصور الانحطاط على فترة زمنية في التاريخ العربيّ والإسلامي أتت بعدما شهدت مجتمعاته فترة من النهوض والازدهار على جميع المستويات. فالانحطاط هنا نقيض الازدهار، أو ما يطلق عليه مجازاً العصر الذهبي، الذي امتد من عهد النبوّة ووصل إلى مرحلة بدء انهيار الإمبراطورية العباسية وانقسامها إلى دويلات. يحدد الكاتبان مفهومهما للانحطاط بالقول: "الانحطاط ليس انحطاطاً عامّاً للحضارة، وإنّما هو تراجعٌ مسّ المجتمع الإسلامي في فعاليته الأكثر حيوية، ليستولي بشكل أساسيّ على نظام الثقافة، ويقلّص من الإشعاع الحضاري لدين كان مساهماً، إلى حدّ كبير، في المسيرة العامّة للتاريخ، ليس الإسلامي فحسب بل الكوني أيضاً".


تكاد مجمل الدراسات والأبحاث حول عصور الانحطاط تتلاقى على التفسيرات السياسية والاقتصادية التي أوصلت إلى هذه العهود. بالنسبة إلى العوامل السياسية، يمثّل الغزو المغولي للدولة العباسية وخصوصاً للعاصمة بغداد أهم العوامل في انهيار الخلافة العباسية، يضاف إليها تراجع موقع العنصر العربي لصالح تغلغل العنصر التركي، وأقوام أخرى غير عربية، بدأت تحتل المواقع الرئيسية في السلطة. توّج هذا التطور بتشقّق الخلافة إلى كيانات ودويلات بدأت تنفصل عن المركز العباسي في بغداد، وتتخذ كل واحدة لنفسها كياناً سياسياً لا تربطه بالخلافة سوى أمور جزئية. ليس أدلّ على ذلك من ذكر العدد الكبير من الدويلات الناشئة، وإن كانت متفاوتة في حجم سكانها ومدى قوتها، فهناك الدول – الكيانات الناشئة، مثل الدول السامانية والبويهية والغزنوية والخوارزمية ودولة المرابطين والدولة السلجوقية والفاطمية والصفوية.. وهي دويلات استمرت إلى أن قامت الإمبراطورية العثمانية التي أتى أصحابها ليضعوا حداً لانقسامات المجتمعات الإسلامية، ويوحّدوا المقاطعات التي كانت تحت سلطة الخلافة العباسية، وكلّ ذلك تحت عنوان إحياء الدين الإسلامي واستعادة موقع القوة العسكرية والاقتصادية للمجتمعات الإسلامية، وهي مرحلة امتدت لحوالي أربعة قرون ولم تنته إلاّ مع هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى، وإنهاء الخلافة على يد القائد التركي مصطفى كمال المعروف باسم "أتاتورك".


ترافقت الانقسامات السياسية بتطورات اقتصادية هامّة كان من أبرزها تراجع الموقع التجاري للعاصمة بغداد، وتحوّل المركز إلى القاهرة التي باتت تشكل البديل الرئيسي للطرق التجارية بين العالم الإسلامي وسائر دول العالم، خصوصا منها الشرق الأقصى. أدّت التطورات السياسية إلى تراجع موقع الاقتصاد الإسلامي الذي نجم عن الصراعات الناشبة بين الكيانات الوليدة على الثروة والتجارة. لكن الضربة الاقتصادية الأكبر هي تلك التي نجمت عن الحروب الصليبية التي غزت المجتمعات العربية والإسلامية، وهي حروب كانت في جوهرها سعياً للهيمنة على المنطقة واستغلال ثرواتها لصالح الدول الأوروبية، أي كانت بداية الغزو الاستعماري الذي تطور لاحقاً، وهو غزو استند إلى قوة أوروبية عسكرية متفوقة على ما كان موجوداً في المجتمعات العربية والإسلامية.


لكنّ إدراك دلالات عصور الانحطاط وآثارها السلبية، لا تبان إلاّ من خلال رؤية التجليات الفكرية والثقافية لهذه العصور وتعبيراتها العملية على جميع الصعد. أوّل هذه التجليات هو مركزية مفهوم "البدعة". فقد اعتبر علماء الدين أنّ كل ما لم يقل به القرآن أو السنّة يقع في باب البدعة، وهو ما ينظر إليه على أنه مروق من الدين الصحيح. نجم عن سيادة المفهوم تقديس لكل ما أتى به السابقون وتكريسه مصدر الحقيقة خصوصاً ما يطلق عليه العصر الذهبي من حياة المسلمين، أي العهد النبوي- الراشدي. حجز مفهوم البدعة على العقل في المراحل اللاحقة ومنع الاجتهاد في أمور الدين ونصّب الفقهاء الأربعة بمذاهبهم التي باتت مصدراً للتشريع واختتاما لعلوم الدين في وصفهم ختام العلم الديني.


ثاني تجليات الفكر في عصور الانحطاط يتصل بقضية تفسير النصوص الدينية والاجتهاد في شأنها. سادت مقولة أنّ علماء الماضي هم وحدهم من لهم الحق في ممارسة الاجتهاد والتفسير للنصوص الدينية. تكبّلت تلك العصور بما يعرف بـ"سنّة السلف الصالح"، حيث لم يعد يحقّ للّاحقين من أبناء العصور الزمنية التالية إضافة أيّ مدوّنات على ما جرى القول به. ورغم هذا الحجر في منع الاجتهاد ، إلاّ أنّ الكاتبين يشيران إلى أنه "لم يخل الإطار النظري لنشأة علم التفسير من صراعات حول توجيه التعامل مع النص وتسييجه حتى يحتفظ المعطى المنزّل بسلطته المطلقة على العقل الذي يجب أن يبقى دائماً في المرتبة الثانية ينقل الكلام الإلهي إلى كلام بشري من دون بذل الجهد في التحليل والتعمق". هكذا تواطأ الفقهاء على الإجهاز على أي تفسير عقلاني للقرآن، ورفضت أقوال المعتزلة بخلق القرآن وجرى هدر دم من يقول بذلك. لعل هذا الكلام لابن تيمية يلخص حال التفسير وعلومه وكيفية التعاطي معه. يقول ابن تيمية :"وقد تبيّن أنّ من فسّر القرآن والحديث وتأوّله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله، ملحد في آياته، محرّف للكلام عن مواضعه، وهذا فتح لباب الزندقة والإلحاد، وهو معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام".


من الطبيعي في هذا الجوّ المتحجّر تجاه النصوص الدينية والاجتهادات حولها، أن تصيب الفلسفة سهام الهجوم على ما تقول به من استخدام للعقل في قراءة النصوص والنظر إلى قضايا الوجود، وهو أمر كان يدور حوله سجال منذ الصراع بين العلوم الدينية والعلوم العقلية، والذي انتهى إلى انتصار التقليد على العقل خصوصاً بعد هزيمة المعتزلة وتصفية موقعهم ومنع نشر تراثهم. يرى الكاتبان أنّ اختفاء الفلسفة الكلي في عصور الانحطاط ارتبط بتغير الإطار الفكري العام في ذلك الزمن. "فليست كل أنواع المعرفة ممكنة في أي مجتمع، فهناك شروط معينة ينبغي أن تتوافر قبل أن تصبح المعرفة الفلسفية والعلمية البحتة أو التاريخية ممكنة الوجود في أي مجتمع" على ما يقول محمد أركون.


واستتباعا لما أصاب الفلسفة والتفسير، احتلّ الفقه موقعاً بديلاً حيث تحولت المقدسات إلى سلطة الفقهاء الذين باتوا ناطقين باسم النص المقدس والحارسين له ضدّ أيّ انحراف عقلي يقول به مخالفون لتفسيراتهم. مثلت رسالة الإمام الشافعي ذروة الإغلاق على الاجتهاد في النصوص ووضعت قاعدة للفقه الإسلامي عبر إغلاق النصوص ومنع أي تفتح في روح مضمونها. هكذا تحجّر علم الفقه وبات قائماً على الترداد والاجترار لمقولات عفي عليها الزمن في ظل رفض لتعديل في التفسير عما أتى به السابقون، فاختفى الزمان والمكان من علم الفقه، وبتنا أمام نصوص بشرية في واقعها لكنها تقدم نفسها بأنها صالحة لكل زمان ومكان على غرار النصوص الإلهية، بصرف النظر عن أي تطور أصاب هذا المجتمع أو ذاك.


أمّا التصوّف الذي مثّل في مرحلة تاريخية صورة متقدمة في الإسلام، من حيث حصر العلاقة بين "العبد والإله من خلال البحث عن حياة روحية مثالية باطنية في مدى داخلي تحدّده نظرية الحبّ الإلهي"، هذا التصوّف انتقل في عصور الانحطاط إلى إنغلاق الطرق الصوفية وتقوقع شيوخها في الزوايا والابتعاد عن الأساس الإسلامي الذي انطلق منه المتصوّفون الأوائل، وتحول هذا التصوّف إلى تقديس الأولياء والتشبث بعقائد أقرب إلى الخرافات، فخسر العالم الإسلامي وفكره تلك الحيوية الدينية والغنى الروحي الذي أسبغه المتصوفون على الممارسة الدينية وعلى أبعادها الروحية السامية.


إنّ أخطر ما تواجهه المجتمعات العربية والإسلامية اليوم، أنّ عصور الانحطاط عادت تشهد صعوداً متجدداً من خلال الإسلام السياسي، ورجال الدين والعلماء، الذين يستعيدون اليوم أسوأ ما عرفه التاريخ لجهة الإجهاز على العقل ومنع الاجتهاد في النصوص وتكريس الخرافات منظومات فكرية، على العصر الحديث الإسلامي أن يعمل بها. ويزيد الأمر سوءًا الإكثار من إطلاق التحريم بما يحمله من إهدار دم وتسليط سيف الإرهاب على المخالف أو المجتهد، وهو أمر لم يحصل في عزّ زمن الانحطاط الماضي. إنّ معركة خروج المجتمعات العربية والإسلامية من عصور الانحطاط نحو الدخول في التاريخ والعصر الحديث لا تزال في مراحلها الأولى، وهي تحتاج إلى نفس طويل في إدارة الصراع وتحمّل كلفته، ليمكن إعادة الاعتبار إلى العقل والمنطق في رؤية الواقع والتعامل مع المشكلات البنيوية التي لا حدود لاتّساعها.

 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟   
الاسم:
عنوان التعليق:
نص التعليق:
 

آداب و لغة
فلسفة
ديانة مسيحية
الإسلام و أديان العالم
علم النفس و التربية
علوم اجتماعية
تاريخ و جغرافيا
سياية و اقتصاد
علوم طبيعية و طبية
فنون
قانون
مراجع عامة
 
عن المكتبة | كتب | أفلام | تراتيل | الصفحة الرئيسية
SWS المكتبة الروحية 2005 - جميع الحقوق محفوظة - صمم هذا الموقع بواسطة شركة
Powered by O2 TECHNOLOGY