بحث سريع 

 

New Page 1
عنوان الكتاب:
المسألة العلمانية 2: نصوص من الأوان حول مفهوم العلمانية
المؤلف:
محمد الحداد - جاد الكريم الجباعي - رجاء بن سلامة - ياسين الحاج صالح - عبد الرزاق عيد - إتيين محجوبيان - راتب شعبو - رزان زيتونة - عساف محمد العساف - أبو يعرب المرزوقي - لؤي حسين - سلامة كيلة
المترجم:
بكر صدقي
الموضوع:
سياسة واقتصاد/سياسة
الناشر:
دمشق - بترا
عام النشر : 2009 الطبعة: 1
القياس:
17X12 سم
عدد الصفحات: 200
السلسلة: كراسات الأوان
رمز التصنيف:
رك  8
   

أراء القراء   
تعليق: بشير عيسى - الأوان 2/2/2010
عنوان التعليق: هواجس على خلفية المسألة العلمانية

كي لا تتحوّل العلمانية إلى "إيديولوجية خلاصية"، ودفاعا عن حرية الرأي المختلف، لأنّه حالة فكرية ومعرفية سابقة لمبدأ النقد الذاتيّ، القائم على خلفية إيديولوجية تؤطّر مساره الفكريّ. وهو ما تراه، رجاء بن سلامة في مادّتها المعنونة "عن العلمانية باعتبارها مبدأ توحيد ومساواة بين المختلفين"، من أنّ "العلمانية ليست دينا، وليست رأيا، بل هي الاتّفاق المبدئيّ على إمكان تعدّد الآراء، وجواز تعدّدها، وجواز اختلافها اختلافا لا رجعة فيه، فلا حاجة إلى التوفيق بين المختلفين ما دام المشترك الذي يجمعهم رغم اختلافهم وقبل اختلافهم أساسيا، أي سياسيا. والغفلة عن هذا البعد اللامذهبيّ للعلمانية تؤدي إلى تحويلها إلى ديانة جديدة مناهضة للديانات، وهو التصوّر الذي يريد الإسلاميّون (التراثيون) اختزال العلمانية فيه " ( الكراس، ص68). هذا أسّ حرية التفكير، الذي من شأنه أن يفتح الطريق أمام إمكانية تفكيك الفضاءات الرمزية، وإيجاد فضاءات مغايرة، تستمد شرعيتها من ذاتها بعيدا عن السقوف التي تفرضها تابوات الآخر، الأمر الذي يلغي المشروعية المطلقة أمام نسبية ترفض الدوران في فلك المطلق.


موضوع البحث يبدأ بدراسة للمفكّر التونسيّ محمد الحداد " في نشأة الجدل العربي حول العلمانية "، مادة مهمّة، لناحية العمق في التحليل والرؤية، تجعلنا نتوقّف عند بعض النقاط فيها. يقول الحداد: " إنّ الفكر الدينيّ يميل عادة إلى المحافظة، لكنه قابل للتغيير والتبدّل بفعل الضغوط التي تسلّط عليه". يمكن أن يكون التوجّه الديني ميّالا إلى المحافظة، على الأغلب، فالفكر الدينيّ "الرسميّ" قد يستجيب للضغوط من منطق سياسة المصلحة النفعية. لكن هذا الكلام لا ينسحب بالضرورة على التيار الراديكالي، ولنا فيما يحدث الآن، خير دليل على ما نذهب إليه فيما يعرف بـ"الحرب على الإرهاب".


أمّا الموقف، من الفكر الإصلاحيّ النهضويّ، فيرى أنّ : "الخطاب الديني حول الإصلاح يغلب أن يكون حيلا فقهية من أن يكون طروحا مبدئية للقضايا"، لينهي دراسته حول ذات النقطة "لقد فقد خطاب الإصلاح الديني موقفه في وجه الخطاب الأصوليّ الذي أحلّ العنف محلّ الدّين". فمن جهة يعتبره خطابا لغويّا متحايلا، أبعد عن الإصلاح كمفهوم- وهو عكس ما يراه عبد الرزاق عيد، في دفاعه عن الفكر الإصلاحي، النهضوي - ليعود بعدها ويعتبره إصلاحياً. والسؤال هنا: ما هي المعايير المتخذة، في تحديد مفهوم الإصلاح؟ وما الخلفية التي نحكم ونحاكمه عليها، أي "الإصلاح". ثم لماذا يعتبر الحداد أنّ خطابا حلّ مكان آخر! أليست الموضوعية تقتضي القول، إنّ خطابا له حضور أكثر من آخر! على اعتبار كلا الخطابين، مازال قائما.


وفي صدد الخلاف بين انطون وعبده، يشير الحداد بقوله : "يعلم انطون أن الآية (أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله)، لم تحل دون سيطرة الكنيسة على العقول ألف سنة، وأن الأطروحة العلمانية نشأت في أوربا في صراع ضدّ الدين والكنيسة، ويعلم عبده أنّ الآيتين المنتقاتين من القرآن (لا إكراه في الدين) و(قل الحقّ من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، يمكن لمن شاء معارضتهما بآيات أخرى". أليس في هذا مداورة، يُنكر على المسيحية خصوصيتها، لجهة ربط النص، بالسلوك و الممارسة "للنبيّ"!. حيث دعوة المسيح قامت على "الكلمة" بينما دعوة النبي محمد قامت على "الكلمة والسيف"، مما يجعل فصل هذا الرابط، أي "الكلمة والسيف" من الذهنية الإسلامية أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا، والذي كان أيسر بقليل لدى تحرير المسيحية من سلطة الاكليروس. أرجو ألا يفهم هذا تفضيلا، وإنما محاولة لمقاربة مغايرة تضع الأمور في سياقها الطبيعي، لتكون لدينا ذات الجرأة التي واجه فيها الغرب موروثه الديني. فالإصلاح في الغرب أعاد اكتشاف حقيقة الأناجيل بعد تخليصها من التفاسير والشروح وهو ما كان بداية لظهور النقد العلمي للنصوص الدينية. وعلم الأديان المقارن. وهنا يحضرني، شبلي الشميل كأوّل مفكّر دعا إلى تغيير عقلاني للقرآن في معرض جداله مع محمد عبده قائلا : " إنّ هذه الصور القرآنية التي تبدو مخالفة للإثبات والمنطق يجب أن تؤول". وهو ما دفع الأفغاني إلى أن يصفه بأنه " أكبر هرط في العصر الحديث، إن مبدأه هدم الدين ونشر الشيوعية" (الأفغاني، الأعمال الكاملة، ص182).


إن مجرد فكرة التأويل في النص القرآني بما يخدم التوجه العقلي والإنساني، من خارج طبقة الكهنوت للجماعة، اعتبر هدما للدين ونشرا للشيوعية. علما أن الشميل كان من رواد المذهب الدارويني ولم يكن شيوعيا، وهو ما يدلّ على الحضور الدعائيّ للغرب السياسي في الذهنية الإسلامية - ضد الشيوعية- كما في أكثر المواقع الحساسة في شرقنا العربي، حماية لمصالحه الاقتصادية والجيواستراتيجية، وهو ما كان يعرف بنظرية "ملء الفراغ". ولنا أن نلاحظ، أن التيار الإصلاحي، بشقيه التقليدي والوسطي، لم يقم بإحلال دم الشميل، كما يحدث الآن!.


أمام واقع كهذا، ومع دخول الغرب السياسي و"الاستشراقي"، لم يعد مقبولا فصل الأشياء عن بعضها، لا سيما بعد أن بات الغرب حاضرا، ولو بشكل ضمنيّ في شرقنا، لذلك هو مطالب قبل غيره في الدفاع عن قيمه، ليكون مرآة حقيقية للشعوب، كي تقبل هذه الأخيرة به. وبما أن العلمانية خرجت إلى العالم من الغرب، فإنها كثيرا ما ظلت ملازمة له، لذلك كان الفصل بينهما، أمرا صعبا، أقله لدى شعوبنا، من هنا، الغرب معنيّ بالدفاع عنها، ليس في فضائه وحسب ولكن في العالم، لما تحمله من أفكار وقيم إنسانية، يمكن أن تساهم في دفع المجتمعات المتأخّرة نحو الحداثة. ففي هذا التوجّه عامل داعم للنخب الثقافية في العالم الثالث، وعكس ذلك كارثة.


يرى أمين معلوف" أنّ مأساة الغرب اليوم، كما بالأمس، ومنذ قرون، هي أنّه كان على الدوام حائرا بين رغبته في تمدين العالم وإرادته السيطرة عليه، وهذان أمران لا يمكن الجمع بينهما. لقد تكلم عن أنبل المبادئ في كلّ مكان، لكنه حرص على الامتناع عن تطبيقها في الأراضي التي غزاها".(اختلال العالم، ص67).


كيف السبيل إلى علمنة الدولة والمجتمع؟


يعتبر معظم الباحثين العرب، أن العلمانية "فصل أو حياد الديني عن السياس" وفي هذا "نقل" أكثر منه "عقل" حتى ولو كان هذا النقل يتضمن العقلانية. فهو لا يأخذ خصوصية الحالة الإسلامية، كما يبيّنها طرابيشي : "لئن قامت العلمانية في الغرب على أساس التحييد الديني للدولة، فأن العلمانية في المجال العربي الإسلامي لا بد أن تقوم أيضا على التحييد الطائفي للدين نفسه. وذلك مادام الدين - وهنا الإسلام – لا إلى طوائف متباينة فحسب، بل أيضا وأساسا متعادية متكارهة، يقوم كيانها على الضدية المتبادلة وتعتمد في التعامل فيما بينها معجم التكفير والتنجيس" (هرطقات2، ص92-93). جانب أغفله أغلب الكتّاب، إذ لا تستقيم الرؤية أو تتجانس من دونه.


في سؤالنا، كيف السبيل إلى العلمنة، يفتح طرابيشي خطوة على الطريق، إذ يقترح آلية للبدء والسير في إيلاج العلمانية إلى المجتمع، كي لا تبقى محصورة على النخب، حيث يؤكّد أهمية "التربية العلمانية والتي لا بد أن تبدأ في سياق عملية تحديث شاملة، من المدرسة الابتدائية، الخلية الأولى للمجتمع الحديث (…) قبل ترجمتها إلى مادة أساسية في دستور الدولة، مع كل ما يترتب من تعديل مواد القانون المتعارضة والمبدأ العلماني". (هرطقات2 ص95).


إنّ وضع تصور لسياسة تربوية تعتمد مناهج تحفّز على التحليل العلمي والنقدي والعمل عليهما، هو في غاية الأهمية، بحيث تكون بديلا عن التقليدية المتبعة في عالمنا العربي والتي تقوم على الحفظ والتلقين. وهو ما ساهم في ترهّل الجسم التعليمي، مما جعله حاملا إضافيا للفكر السلفي والعقل الصوري، الأمر الذي أبقى دور العلم والتعليم، بعيدا عن فلسفته الموضوعية. ولعل الأخطر في هذا النكوص، استحداث مدارس دينية تبدأ من المرحلة العمرية الأولى، بحيث تعمل على تمّلك عقول مرتاديها، وغسل أدمغتهم عبر تنشئتهم على ثقافة دينية منغلقة، تجعل "العقل" عاجزا عن فهم العلمانية إن لم نقل كارها ورافضا لها.


بالعودة إلى الكراس، نجد أن التباين في وجهات النظر حول فهم العلمانية، لا يعدو إلا كونه حالة خلافية تفيد في تعددية الرؤية للفكرة ذاتها، فالكل متّفق هنا- باستثناء المرزوقي- على ضرورة العلمانية. ولكنّ السؤال هو في كيفية تظهيرها في المجتمع؟ بمعنى آخر: بعد الرؤية التنظيرية، التي شارك بها الباحثون والكتّاب، ما هي الآلية أو الخطوات العملية التي يمكن لها أن تواكب "تغيّر وتطوّر" المجتمع، الذي ينوس بين الانكفاء على ذاته التاريخية وبين عالم يتعولم! فالنخب من تطالب؟ الأنظمة السلطوية؟ أم الإسلام المنغلق على مذهبيّته؟ ونحن في مجتمع لم يخرج من قبليّته بعد، حيث أمّية المرأة تقارب الـ50% بينما تصل الى 30% لدى الذكور، عدا عن الأمّية الثقافية التي تتعدّى الـ95%، نحن أمام أقلّ الشعوب ممارسة للقراءة. ربما يزيد الوضع تعقيدا في عالمنا العربي والإسلامي، وجود برجوازية، لا تعي دورها الحضاري، فتكتفي بالزكاة وبناء المساجد وبعض المشاريع الخيرية، لتضمن استقرار مصالحها.


وهنا نسأل: لماذا كان العامل الاقتصادي غائبا عن موادّ الكراس؟


ثمّة مقالة للكاتب، راتب شعبو بعنوان "عن العلمانية والديمقراطية، الأسس الاقتصادية للصراع بين العلمانية و اللاعلمانية في تركيا " الغريب في الأمر، أنّ المقالة لم تتضمّن أيّ ذكر للاقتصاد ولا حتى لتركيا! ربما كان العنوان لغير النص!. الاقتصاد هو أكثر ما يقلق، لجهة ابتعاده عن المعرفة العلمية في مجتمعاتنا، إذ يكفي أن نقارن بين حجم التمويل الذي يصب في خدمة التيّار الديني، أمام ما يرصد لمشاريع البحث العلمي وتطوير المناهج والوسائل التعليمية، معطوفا عليها، مراكز الثقافة والفنون، لنعرف إلى أين تسير الأمور.


الأستاذ جاد الجباعي في مادته، أسهم مطوّلا بالحديث عن الدولة الوطنية والمساواة بين المواطنين بغضّ النظر عن انتماءاتهم معتبرا "أنّ الدولة إما أن تكون علمانيّة وإمّا لا تكون دولة وطنية، بل لا تكون دولة..". من حيث المنطق، تصوّر مهمّ، لكن أليس للواقع المتغيّر مناخات متعددة لا تقبل قولبتها ضمن هذا المنطق المثاليّ، يبدو أنّ المفكر الراحل ياسين الحافظ ما زال محقّا حين اعتبر أنّ الانتلجنسيا العربية مازالت تنطلق في رؤيتها من أهدافها إلى الواقع وليس العكس. وهو ما أبقاها عائمة على السطح. إذ ماذا نقول للكرد الذين لديهم حلم تاريخيّ بالدولة، هل يكفي أن نقول لهم إنّ المواطنة هي بديل لكم عن الدولة، ثمّ لدينا مشكلة اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية، فهل يقبل لبنان وسورية والأردن بتجنيسهم؟ هذا إذا قبل الفلسطينيون! ناهيك عن جنوب السودان وشعب الصحراء جنوب المغرب، حيث الجميع يبحث ويدافع عن هوية ضائعة، هل يكفي أن نعرض عليهم العلمانية فتنتهي هذه المشاكل الهيكلية. لقد باتت البشرية مضغوطة بشكل غير مسبوق، بحكم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، مع تطور سرعة وسائل النقل، ما جعل حدود الدول تتخلخل أمام عالم جديد، عابر للدول والقارات، الشيء الذي أنتج تكتلات اقتصادية وسياسية كبرى في محاولة للتماشي مع عصر ما بعد الحداثة ،"عصر ما بعد الدولة الوطنية"، في مقابل شعور الكثيرين بضياع الهوية الوطنية، محاولين استحضار هوية، قد تكون أصولية، تمكنهم من الصمود أمام المدّ المتنامي، للعولمة.


بالعودة إلى الجباعي، حيث يؤكّد- ولا يفترض- " يجب أنّ نؤكّد أنّ الإسلام يستمدّ قيمته من الإنسان، لا العكس، فقد وجد الدين من أجل الإنسان". ثمّ يضيف "إنّ ما هو جوهريّ هو حقيقة الإنسان ذاته، بتعبير ماركس. ومن ثمّ الإنسان هو أساس المواطن، الذي هو أساس الدولة السياسية (الليبرالية)". توليفة جميلة في النظرة إلى الإنسان، لا أدري كيف تم الربط بين هذه الأقانيم الثلاثة، إذ لكل منها نظرة مختلفة إلى الإنسان والإنسانية، وكيفية خدمته. وهل تكفي هذه الانتقائية لجمع هذه المتناقضات التي تلغي واحدتها الأخرى؟ لا شكّ أنّ الإنسان هو جوهر الفكر، إنّما الاختلاف يكمن في الطريقة التي ننظر بها إلى هذا الإنسان، ممّا يعيد إنتاج الأفكار والمعاني، ليصير المطلق البديهيّ، نسبيّا، يفتح باب الخلاف.


في الكرّاس، يثير عنوان ياسين الحاج صالح "أيّ دولة تقتضي العلمانية فصلها عن الدين؟" جدلا يثري النقاش الدائر، لجهة فهم الدولة بالمفهوم التاريخيّ والحضاريّ، مقابل دولة السلطة والمؤسّسات والقانون الحالية، مع ما يقابله من إسلام ديني ثقافي، أمام إسلام سياسي. هذا التصّور الذي يقدمه من خلال تساؤله، يجيب عليه في نهاية مقالته، من خلال حضور المثال التركي، متسائلا : "ما إذا كانت علمنة الدولة كمؤسسة حكم تقتضي في العالم الإسلامي، علمنة قسرية للكيان الوطني ذاته، أي فصله بقوة الدولة عن مكونات ثقافته التي تكوّنت تاريخيا". ينبغي أن يكون الردّ على هذا السؤال سلبيا لأنّ من شأن ردّ إيجابيّ عليه أن يغيّر معنى العلمانية في المجال الإسلامي، جاعلا منها قرينا للاغتراب الثقافي" ليختم مقالته، "على أنّه ينبغي القول إنّه لم يتطوّر في العالم الإسلامي تصوّر للإسلام يستجيب لمطلب استقلال الدولة السياسية". متابعا "ينبغي القول كذلك، إنّ تركيا واحدة من أكثر الدول الإسلامية تقدّما، وأكثرها ديمقراطية أيضا رغم كلّ شيء، هذا يجعل خيارات النخبة التركية هي الأسلم، في انتظار تبلور خيارات أكثر ديمقراطية في عالم الإسلام الفسيح".


من جهة يرفض العلمنة القسرية على المجتمعات الإسلامية، بينما يقرّ أنّ الإسلام تاريخيا وحتى الآن لم يستجب لمطلب استقلال الدولة السياسي. ثم يعود ليثني على الحالة التركية، بأنها الأفضل في العالم الإسلامي. فلا الإسلام استطاع أن يفعل شيئا ولا القسرية التي أنتجت حالة متطوّرة، هو معها، فما البديل الذي يرتئيه للخروج من هذا التأرجح، وأنا لست مع القسرية مع تفهّمي لها. إلا إذا كان الحلّ كما جاء في مادّته الثانية "هل العلمانية ممكنة في بلد واحد؟" متروكا لتفاؤله "بحكمة التاريخ" والتي نتمنّى ألا تكون بديلا عن "الحتمية التاريخية" التي كان يعوّل عليها سابقا. لأنّ الفرد في كلا الرؤيتين لا يحضر دوره إلا هامشيا والذي هو الأساس في تغيير بنيته المؤسسية والاجتماعية. أمّا الحديث عن "علمانية إسلامية" فهو أمر ممكن، كمرحلة أولى، كما أشار إليها طرابيشي، تتبعها مراحل بالتزامن معها، مع اعتقادنا أنّها تنتج إسلاما آخر وعلمانية غير التي نعرف. من هنا، نرى في التوّجه الذي يسير عليه جمال البنا وآخرون، بارقة أمل لجهة عدم التفريط بالإسلام، لصالح التيار الدعووي، السلفي. دون أن يعني هذا ابتعاد العلمانيين عن متابعة الخطاب الإسلامي بكل حيثيّاته، إن لم نقل المشاركة في تطويره والعمل على أنسنته.


فيما يخص مقالة الدكتور عبد الرزاق عيد "التفكير العلمي في الفكر العربي الحديث : النهضة-العقلانية-الحرية"، فما نراه، أنّ معظم الدراسات ذات الطابع العقلانيّ، غالبا ما تقع في استحضار متناقضات منتهية، مثل استحضار الإصلاحي كمخرج للتغيير، والمستبدّ كرجعيّ معاد للعلم والتطوّر، حيث يقوم، هذا المستبدّ، بسدّ المخارج بوجه النهوض المفترض. ليصبح العرض والتحليل كمن يميّز بين الأبيض والأسود. مع هذا كلّه يصل إلى نتيجة تختلف 180 درجة مع الحداد، إذا جاز لي القول " هل كان الإصلاح النهضويّ إصلاحا؟"، رغم أهمية العرض الذي تمّ، في الثناء على استنهاض قيم ثقافية قام بها روّاد الإصلاح، إلا أنّ هذا، لا يعفي هذه القيم النهضوية، التي توفّرت في "العصر الراشديّ أو الذهبيّ" من أنها كانت برعاية خليفة لا يشاركه في سلطانه أحد. أليس من الغنى أكثر لو قارب، الدكتور عيد، على سبيل المثال لا الحصر، مفهوم محمد علي باشا أمام محمد عبده من حيث المبدأ ليكون الجدل في التداخل فيما بين الحالتين أكثر غنىً! حيث يتواجد السلطوي والديني على أرضية الإصلاح!


أمّا مقالة الختام، لسلامة كيلة "سوء فهم العلمانية"، يُفهم منها ردّ على نهج، ربّما يمثّله الحاج صالح، وإن لم يسمّه، بعكس الردود الأخرى، التي قوّلت الرجل- أي صالح- ما لم يقله، لجهة ما ذهبت إليه في استنتاجاتها، كتعقيب عساف محمد العساف عليه، بأن وضعه في خانة المغامر الذي يريد أن يشاطر الإسلاميين، العلمانية. الأمر الذي أثار شهية المرزوقي ليعلن "انتهاء الدولة العلمانية كما انتهت الدولة الدينية"، تصوّر مليء بالرغبة أكثر منه حقيقة، وهو ما عكسته القطعية المنتهية التي جاءت في عنوان المقالة "انتهاء الدولة العلمانية"؟ لقد حسم المرزوقي الأمر بجرّة قلم! ضاربا بعرض الحائط كلّ السجالات الفكرية، التي تدور في العالم الآن.


بالعودة إلى مقالة كيلة، المهمّة، يعتبر "أنّ الساعين الى تحقيق الحداثة يجب أن يكونوا علمانيين لكي يكونوا منسجمين مع توجّهاتهم. دون أن يُخضعوا العلمنة للتكتيك السياسي، أو للمماحكات السياسية. لهذا يجب النظر المنسجم لمسألة العلمانية، ولعلاقتها بالديمقراطية، وبكلّ مسار الحداثة. حيث لا حداثة دونها". كلام فيه تأطير حادّ، يضعه ضمن خانة الاختيار، مع أو ضدّ، وهو ما يدخل الفكر في الرؤية المانوية للأشياء والعالم. إنّ الاستنتاج الذي توّصل إليه كيلة في نهاية مقالته، جاء بمثابة، خروج عن سياق النص، أشعرني لوهلة أننا أمام تابو من نوع جديد لا يمكن التعرّض له! ونحن على قناعة بأنّ الفكرة مهما بدت موضوعية وحقيقية إلا أنها تبقى نسبية بفعل التقادم والتطوّر المعرفي، وهو ما تذهب إليه العلمانية ذاتها.

 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟   
الاسم:
عنوان التعليق:
نص التعليق:
 

آداب و لغة
فلسفة
ديانة مسيحية
الإسلام و أديان العالم
علم النفس و التربية
علوم اجتماعية
تاريخ و جغرافيا
سياية و اقتصاد
علوم طبيعية و طبية
فنون
قانون
مراجع عامة
 
عن المكتبة | كتب | أفلام | تراتيل | الصفحة الرئيسية
SWS المكتبة الروحية 2005 - جميع الحقوق محفوظة - صمم هذا الموقع بواسطة شركة
Powered by O2 TECHNOLOGY