بحث سريع 

 

New Page 1
عنوان الكتاب:
حيث لا تسقط الأمطار
المؤلف:
أمجد ناصر
المترجم:
الموضوع:
آداب ولفة/قصص وروايات/قصص وروايات عربية
الناشر:
بيروت - الآداب
عام النشر : 2010 الطبعة: 1
القياس:
21×14 سم
عدد الصفحات: 263
السلسلة:
رمز التصنيف:
ق ع  615
   

أراء القراء   
تعليق: صباح زوين - السفير 25/2/2011
عنوان التعليق: هويتان ومانان في ذاكرة واحدة

لا شك في ان رواية أمجد ناصر «حيث لا تسقط الأمطار»، رواية الازدواجية والانفصام بامتياز، كتاب الانشقاق بين هويتين ومكانين لكن في ذاكرة واحدة. إنه أيضا ً كتاب الحنين، إنما ذلك الذي يعتريه الضياع والتيه والحيرة، قصة إنسان تمزق بين اسمين شاءه له القدر والتصق به، ربما حتى النهاية، حتى آخر يوم من حياته. ألم يتساءل الراوي، أو إذا شئنا، كاتب السيرة، يونس، أيهما من الإسمين سيكون محفورا ً على شاهدة قبره؟ هل سيكون يونس أم أدهم؟ «أحسستُ، بقوة، أنه فكر بنفسه، باسمه، أو الأحرى باسميه. أيهما سينقش على شاهدة القبر؟ «منذ أن عاد يونس الى مسقطه، منذ ان أخذ قرار العودة الى جذوره ومكانه الأول ومطرح نشأته وطفولته ثم شبابه، وهو منقسم بين هويتين تتصارعان في دواخله ولا يتمكن من الاستقرار ولا الركون، لا إلى اسم ولا إلى بلد، هو الذي تشتت في بلدان عدة وعواصم مختلفة الى أن استقر ولو موقتا ً رغم طول انتظار، في المدينة «الحمراء والرمادية» كما يسميها.


صور الماضي


يستعيد يونس في زيارته الى مسقطه كل صور الماضي، ذلك الذي كان يظن أنه أضحى بعيدا، لكن ما إن لمس عن قرب كل ما كان يخصه من حبه الأول إلى رفاقه في النشاط السياسي، الى أفراد عائلته من أهل وإخوة وأولاد إخوة، حتى انفجر في قلبه الحنين إنما أيضا وبشكل خاص، انفجر فيه الضياع النفسي والتيه.


يبدأ أمجد ناصر روايته أو سيرة يونس - أدهم، بفصل شبه سوريالي، يشوّش على القارئ الذي لا يعود يعرف أين واقعه من خياله، وأين يقع هذا المكان الذي فيه تدور الأحداث، وأي احداث!! فهي شبه خيالية، أو فانتازية محض، وكأن الكاتب كان بحاجة الى هذا المدخل الغريب لكي يتسلح بكل ما عنده من كلام وذاكرة يلجأ اليها بعد معمودية الخراب التخييلي والهلوسي الذي من خلاله رأى إمكانية العودة نوعا ما الى أرضية الواقع الذي كان وراءه، وتمكن من هذه العودة فقط من خلال كابوسية الإقامة في المكان غيرالصحيح وغير الشبيه بذاكرته الأولى وبثقافته. ألا يقول في مكان ما من الكتاب «لم يتراء لك في أسوأ كوابيسك، أن المدينة ....البابل الرمادية والحمراء، المتوجة بذهب الزمن الكولونيالي، ستخوي على عروشها، ستعود اليها الأسلحة القديمة...»؟! هذا إذا ًهو المدخل الغريب ولكن الوحيد المعقول الذي ارتآه الكاتب، لكي ينتقل في الفصل اللاحق مباشرة إلى واقع الذاكرة، أو الى واقع الواقع. فهو يدخل مباشرة إلى الكلام على العودة الواضحة حيث يقول «عدت إذن. لقد مرت عشرون سنة على فرارك من الحامية». فبعد فصل أول من الهلوسة والهذيان المؤثر، بعده بفصل واحد فقط، يقرر الكاتب بدء رحلة الحنين الطويلة والمضنية في واقع الذاكرة، واقع لصيق بترابه وبجسده. فهنا تختلف لغة أمجد ناصر لتتضح الرؤية رغم كل التشويش الذي يرافق السرد العميق والمثير للغاية الذي ملأ به صفحات كتابه.


راح أمجد ناصر منذ الفصل الثاني يتبنى لغة الحنين كما أسلفتُ، ولكنه حنينٌ قاس ولا يمت إلى أي رومنتيكية أو غنائية بصلةً. إنه حنين الذاكرة والنسيان، إنه الحرقة إلى ما مضى إنما حرقة مصبوغة بانفصام وحيرة وتشويش. والتشويش يبدأ منذ اللحظة الأولى للكتاب، إذ آثر أمجد ناصر التكلم بصيغة المخاطب. الراوي يتوجه الى ذاته من خلال مخاطبة الذات، الأنتَ، وكأنه كائن منقسم على نفسه، بل كأنه يريد أن يضع مسافة وفاصلا ً بين الأنا الضائعة في أروقة الماضي والأنا - أنت التي صنعها هو من صلب الحياة بعيدا عن «الحامية - المكان الأصل». انه حنين الخيبة والكآبة والحيرة والحزن والخيانة، خيانة الأصدقاء وخيانة الحياة ذاتها. وكل هذا على الراوي أن يواجهه بمفرده، لأنه وحده رأى هذا التغيير، عن مسافة، للزمن والجغرافيا، مسافة ازدواجية الهوية التي اضطر على تكبدها. من بقي في الحامية لم ينتبه الى التغيير كما انتبه هو لدى عودته. يقول أمجد ناصر «... ولكنك عدتَ اخيراً. ولم تجد الكثير مما حملته في الذاكرة. التغيير كم يعصف بك وحدك بل طالت تقريبا كل شيء. الذين يقيمون خارج بلادهم طويلا ً يرغبون في بقاء كل شيء هناك على ما تركوه. وهذا مستحيل. تعرف ذلك ولا تتذمر». يعرف يونس ذلك، لا يتذمر، إنما يرى ويأسف وينتابه الشجو ويتألم، بل يبكي. يبكي في عزلته الوجودية. ما من أحد في الكون، من أقاربه وأصدقائه وحتى حبيبته الأولى يمكنهم أن يخرجوه من عزلته القاتلة. «لكنك أحيانا تبكي. يغمرك جيشان هائل فتبكي. وحيدا...». لا يهم أن يكون بكى لدى عودته أو قبلها، فأمجد ناصر يدرك معنى هذا التجاوز للذات المنقسمة على ذاتها ومن خلال بصيرة حادة تستبق الرؤية والحدث.


لافت كتاب ناصر ويشدنا إلى أدق تفاصيله المتوهجة ألما وناراً، لأنه كتبه من العمق، من الداخل، من ألم كاتب يعرف معنى الأحداث كلها التي يصفها وينثرها عبر كلمات براقة وحارقة. إنه الثاقب في التحليل وفي وصف حالات بشرية شتى، في كل تنوعاتها، في تمايزها ومزاجيتها الوجودية. إنه المراقب للذات الإنسانية. يراقبها بغية التشريح. كتاب سيرة أو رواية فحسب، فهو من بين أجمل ما كتب في هذا المجال في السنوات الأخيرة. بدءا بمخاطبة الذات، مرورا ًبخلطه بين الأنا والأنت، ووصولا الى تعداد وإحصاء تفاصيل حياتية من الماضي، ليمرّ عليها ليس بعين المتفرج البارد، إنما بروح فتتها الهروب والبعد كما فتتها الاشتياق إلى صورة الحياة ما قبل الانشقاق داخل الذات. فصول برمتها قائمة على هذه العودة التي من خلالها شاء الراوي أن يستعيد ما كانه من قبل، ربما ما لم يكنه. يزور أصدقاء ورفاقا ً قدامى، يتردد إلى مقاهي أيام زمان، يلتقي بالمرأة التي أحبها مرةً، يدخل بوقار إلى غرف البيت وخصوصا الى غرفة - مكتبة والده. يقف امام المرآة ويتساءل من قد يكون! يجد في غرفته كل ما كان يخصه. يمرر عينيه كمن يقوم بجردة لمحتويات المكان. يرى نفسه فيها وينتابه الحزن الكبير. إنه هو لكن هذا الهو تركه هنا في بصمات الأشياء وراح!


بل لم يذهب، وكأنه الأحرى بقي في مكانه، أو طيفه هو الذي ظلَ في الغرفة، في البيت. ويقول «رغم ان أفراد عائلتك يحتلون طبقات البيت... فبدا مغلقاً على روائح الماضي وأطيافه». لم يأت يونس إلى «الحامية» لأنه مشتاق إلى أفراد العائلة، عاد لأنه يدرك تماما أن طيفه بقي حيث تركه قبل عشرين سنة. لكن طيفه ليس فقط في الأشياء الجامدة التي انتظرته في غرفته، إنما أيضاً في الفتاة التي أحبها وتركها وراءه ليعود ويراها من جديد، مصادفة، بل وجيزاً كالبرق. هنا أيضا يدخل أمجد ناصر إلى تجاويف في عمق الإنسان حيث الإدراك المرهف لشؤون الحياة، فيتناول مسألة الوقت في المقاس الإنساني عندما تتعلق الأمور بالعاطفة والحب. ففي هذا المجال يتوقف ناصرعند الفرق بين الوقت العادي والوقت الذي تنتجه مخيلة العاشق، ليقول «لكن أمورالقلب، وربما الذاكرة، لا تقاس بالأيام. لها مقياس آخر... هكذا ظلت صورتها تطاردك...»! وهذا يعيدنا كل مرة إلى ما هو قائم عليه الكتاب، اي إلى مسألة الحنين الذي يتناوله أمجد ناصر بتمايز جميل حين يتكلم على المرأة التي يحبها ليقول «أم هو الحنين العجيب الذي يضخم الصغير ويمحو الحواشي ... ويبقى على جوهر ثابت...، إكسير يكون من صنعه لا تبدده الأيام». إنه العشق الأبهى، هذا الذي يصفه لنا أمجد ناصر على لسان يونس خصوصاً حين يخبرنا الأخير، في وصف رائع لهذا العشق العميق، عن «البحة التي كانت تصيبك بدوار». هذا من أسرار العشق وهذيانه، ويبرع ناصر في تكثيفه، لكنه يبرع أيضا في تبديده بطريقة متميزة جدا. فاللقاء يبدأ وينتهي في لحظات، وكان هذا الموقف من بين اللقطات الأجمل وهي كثيرة في الرواية. رلى ويونس الخطاط يرتبكان في وجودهما وجهاً لوجه. قال أمجد «لم يفتها هذا. فهي أحبت يونس الخطاط. ويونس الخطاط ليس أنا»! هذا ما يكرره الراوي أمام مرآته حين يتيه بين أنيَيْه. الأنا خارج المرآة والأنا داخلها. لعبة انعكاسية مذهلة ومؤثرة تتركنا في نشوة هذا التيه البديع والمقلق. ألا يقول في مكان آخر ما يذهل أيضاً «كيف أشرح لك ذلك أفضل؟ يكفي أن اقول لك إنه موضوع وجوديّ. قضية وجود من عدمه. يعني أن تكون أنت وغيرك في الوقت نفسه»؟!


في هذا السياق، ومن أجمل ما ورد في كتاب أمجد، وفي صفحات وفصول عديدة، كتابته عن علاقة يونس الخطاط بالخط العربي وهندسته ومعاني أحرفه الرائعة صوفيا. ومن الكلام على الخط العربي وأسرار أحرفه في بهائها وفتنتها كما يتناولها ناصر، إلى الكلام على المتصوفة ومنهم بشكل خاص السهروردي. وفي السهروردي يجد يونس المعنى، او يفك لغزاً قديماً، وهو الكلمتان الإثنتان اللتان حفرهما الوالد على مدخل البيت «ناكوجا آباد». ظلت هاتان الكلمتان لغزاً الى أن تذكر أن «السهروردي قد نحت مصطلحاً بالفارسية يشير الى مكان اللا - أين أو بلاد اللا - أين ومعناه ناكوجا آباد». لم يستوقفني كلام أمجد عن المتصوفة والخط العربي ومعنى ناكوجا آباد للسهروردي، سوى لأن كل هذه المحطات أبدع فيها الكاتب أيما إبداع متوغلاً في أسرار الكلمة وثنائياتها، ولم يستوقفني كلامه على طائر السيمرغ الذي كان ملك الطيور لكنه الطيور كلها في آن، لم يستوقفني كل هذا الغوص في أعماق الروح والفكر، ليس لأنه براق فحسب، بل أيضا وبشكل خاص لأنه يرتبط وثيقاً بثنائية وازدواجية هوية يونس الخطاط، من حيث اسمه ومكانه وهويته. هل أراد أمجد ناصر أن يحسم مأزق يونس وأدهم من خلال نظرة بعيدة ومتجاوزة للأمكنة والهويات الضيقة مرتفعاً بذات الراوي الى الصوفية ليجد حلاً مناسبا لأزمته الوجودية فيقول في أواخر الصفحات «فعندما نظرتْ الطيور الثلاثون الى السيمرغ، كان هو نفسه الثلاثين طيراً، وحينما نظرت الطيور الى نفسها كانت هي السيمرغ»!

 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟   
الاسم:
عنوان التعليق:
نص التعليق:
 

آداب و لغة
فلسفة
ديانة مسيحية
الإسلام و أديان العالم
علم النفس و التربية
علوم اجتماعية
تاريخ و جغرافيا
سياية و اقتصاد
علوم طبيعية و طبية
فنون
قانون
مراجع عامة
 
عن المكتبة | كتب | أفلام | تراتيل | الصفحة الرئيسية
SWS المكتبة الروحية 2005 - جميع الحقوق محفوظة - صمم هذا الموقع بواسطة شركة
Powered by O2 TECHNOLOGY