بحث سريع 

 

New Page 1
عنوان الكتاب:
حليب التين
المؤلف:
سامية عيسى
المترجم:
الموضوع:
آداب ولفة/قصص وروايات/قصص وروايات عربية
الناشر:
بيروت - الآداب
عام النشر : 2010 الطبعة: 1
القياس:
21×14 سم
عدد الصفحات: 216
السلسلة:
رمز التصنيف:
ق ع  611
   

أراء القراء   
تعليق: أحمد زين الدين - الحياة 23/4/2010
عنوان التعليق: رواية العالم السفلي للمخيمات الفلسطينية

«حليب التين» رواية نقيضة لكل البناء الروائي النموذجي المتخيّل، عن القضية الفلسطينية ذات المكانة الأثيرة في القلوب. واذا كانت المخيلة الشعبية تمنح هذه القضية ورجالها كل العناصرالممثلنة، بأبعادها البطولية والأخلاقية. فإن الكاتبة الفلسطينية سامية عيسى ترتدّ في روايتها إلى الجوانب السلبية المضادة، لتكشف زيف التسامي والتعظيم اللذين يُخلعان عادة على مقاتلي الثورة وقادتها، ولتنزلهم من عليائهم إلى الأرض. فهم يعبثون، لا سيما أولي الأمر منهم، بحياة الفلسطينيين ومصيرهم. إننا إزاء مرثية مفعمة بهجاء قيادات فلسطينيي المخيمات، لا سيما مخيمات لبنان. والكاتبة إن لم تبرّئ النظام اللبناني كسواه من الأنظمة العربية، من تهمة إهمال المخيمات وحصارها والتنكيل بأهلها، إلّا أنها تحيل هذا التدهور المعيشي والاجتماعي الذي يعانيه الفلسطينيون، بالدرجة الأولى، الى تواطؤ القادة الفلسطينيين على أبناء شعبهم، واستغلالهم مناصبهم ومواقعهم القيادية، ليصادروا أموال الثورة الفلسطينية، وأرزاق الناس وأملاكهم ومقتنياتهم، ومخصّصات الشهداء، ويستضعفوا نساء المخيمات وأرامله، ويغرروا بهنّ.


وإذا كانت الأحداث تدور عادةً على تخوم المخيمات، أوعلى الحدود التي يرابط فيها المقاتلون لصدّ العدو. فإنّ رواية «حليب التين» تدور في القاع السفلي للمخيمات، في الأمكنة الأكثر عزلةً ونفوراً وتقزّزاً. تدور في بيوت الخلاء العمومية، حيث نكتشف حميمية الجسد في لحظات قضاء الحاجة التي لم تعتد الرواية أن تنقلها، أو تحدّق بها. بينما ينقل الراوي في قصة سامية عيسى، لحظة اختلاس الرجل النظر الى المرأة فاطمة عبرالثقوب. فالثقوب في جدران المراحيض هي انسب الأمكنة للتلصص على أسرار الناس وعلى خصوصياتهم. وإذ تدور الوقائع في مخيم عين الحلوة في جنوب لبنان، وملحقه مخيم «أوزو» فإن ضيق المكان يلعب دوراً أساسياً في حياة القاطنين، وفي عملية تقوقعهم، وكبتهم، وعدم قدرتهم على التفريج الجسدي والنفسي. فضيق الأفق ومحاصرة الجدران من العوامل التي دفعت «صديقة» إلى الفرار من المخيم إلى الخليج لتعمل في «دبي» في صالون حلاقة نسائي، لكنها وقعت فريسة بين أيدي قوّادة حملتها على ممارسة الرذيلة.


تصنع سامية عيسى من شظايا القهر النسائي في المخيم جدارية تصوّر فيها تاريخاً مثقلاً بالحرمان والاستغلال والانسحاق والعزلة. حيث تنشد النساء الخروج من جدران المخيم الكئيب والموحش إلى فضاء الحرية، كما فعلت «صديقة» لكن من دون أن يقعن فيما وقعت فيه. تعيش المرأة الفلسطينية في الرواية استلاباً مزدوجاً: فهي، إلى إقامتها في عراء العالم لاجئة من دون هوية، ومن دون وطن، ولا سلطة حامية. فإنها مهيضة الجناح، محرومة من العاطفة، ومن لمسةٍ دافئة، أوهمسةٍ رقيقةٍ. تعيش حياةً ميكانيكيةً، رتيبة الإيقاع، وغربة نفسية، أو قُل فراغاً روحياً عقيماً، من مظاهره الانفكاك بين الروح والجسد، وضمور الرغبة الجسدية، على رغم الحاجة إلى شريك يشعر المرأة بكيانها وبحقيقة مشاعرها، ويلبي صبواتها، ويبدّد وحشتها.


المرأة في «حليب التين» تتمزق في ضوء هذا الاستلاب المزدوج بين حياتين: حياة عامة ظاهرة، وحياة خاصة سرية. بين الحياة الحقيقية والحياة المتخيلة. وإذ تؤثر المتخيّل والموهوم والمحلوم، على الواقعي والحقيقي، فلأنه من آليات التعويض، ومن الحيَل التي تتجاوز رقابة الماضي والحاضر الشديدة على النفس، والكابحة جماح الرغبات والأحاسيس الذاتية والنرجسية الدفينة. فالأفلام العربية في حياة فاطمة تهزّ مشاعرها. وقراءة الكتب تشرّع أمام «صديقة» أبواب المخيّم لتحلّق عالياً في آفاق بعيدة نائية.


وإذ تُسرف القاصّة عيسى في نقل واقع المخيم القاسي بكل تفاصيله وفجاجته وانعكاساته المباشرة، لا سيما ما يدور في بيوت الخلاء العمومية، فلأنها تريد أن تزيل الأقنعة عن هذه الحياة الفقيرة التي يغلفها الكتمان والأسرار والصمت. وتريد أن تضع أمام القارئ ما اعتادت الرواية العربية أن تهمله. فالرواية هنا تضيء على الأمكنة المنزوية والمتوارية، لنكتشف أنها مرتع لشتى الممارسات المكبوتة والمرغوبة، واختلاء الإنسان فيها ليس لحاجته الجسدية فحسب، بل لاختلاء الإنسان بنفسه. لذلك عندما علم أحمد بوفاة أخيه المقاتل، دخل إلى المرحاض ليمسح دموعه. كذلك في هذا المكان المخفي كانت «صديقة» تقرأ الكتب والمجلات. وبوطأة حرمانها من وجود مرحاض داخل بيتها في المخيم، فإنها عند سفرها الى مدينة «دبي» عزمت على ان تجعل من المرحاض الموضع الأجمل في شقتها. وتحوّل، بعبارة القاصّة، إلى «تواليت» بما تحمل هذه الكلمة المعرّبة من دلالة على الزينة والنظافة والأناقة. وقد أفردت القاصّة صفحات عدة للحديث عن هندسة التواليت، وغرقها بالزهور والنباتات البرية المجففة، والعطور، وروائح الصابون، وأضواء الشموع، واللوحات، حيث يفيض الجسد بنشوة أثيرية، بعد أن كان الجسد في المخيم، يلتصق بإفرازات الأرض ونتانتها.


المكان البديل، هو دائماً خارج أسوار المخيم الضيق، الذي أطبق على حياة نساء «حليب التين» وأعاق حركتهن ولجم خيالهن. لذلك صنعت «صديقة» في شقتها في مدينة «دبي» فضاء بديلاً، وعالماً أثيرياً مضيئاً، فتحرّرت فيها رغباتها المكبوتة، وعواطفها المتحجرة، من قبضة الزمن الكئيب. كذلك تحررت هنا لغة القاصّة من القوالب التصويرية الواقعية، لتغدو لغةً شفافةً مجنحة وإيحائيةً ولمّاحةً، معبّرة بذلك عن هذه التحوّلات الطارئة في حياة «صديقة» التي انتقلت من الضيق النفسي والمكاني، إلى رحابة الروح والفضاء الشاسع.


بيد أنّ القاصّة لا تقف عند هذه المواضع والمحطات، إلا لتسترسل فيما بعد، على حساب البعد الجمالي والفني للرواية، في وصف معاناة المرأة الفلسطينية، ولترثي وضعيتها ودونيتها وانسحاقها واستغلالها من الرجال جميعاً. رجال الثورة في المخيم، ورجال الأعمال في «دبي». فأفكار كثيرة تجتاح ذاكرة الكاتبة، وتحاول أن تعثر لها على مكان في سردها الروائي المثقل بالحماسة، والمنافحة الأخلاقية عن المرأة المظلومة. لذلك تستطرد وتعقّب، وتقحم أفكارها ورأيها في الثورة ورجالها، وفي مسارها وانقلاباتها وإخفاقاتها. وعلى رغم ارتباكات الرواية من حيث عدم مراعاة الدقة في تقطيع المشهديات الروائية والأزمنة، واحتجاب بعض وجوه الأبطال وغيابهم، من دون مسوغ فني، فإنّ سامية عيسى تصبو إلى استيعاب كل تفاصيل المأساة الفلسطينية التي حدثت بعد عام النكبة 1948 وما زامنها من حروب في الداخل والخارج، وما أحاقها من نوازل، وما أصاب العائلة الفلسطينية من تفكك أواصرها بسبب الهجرات القسرية، وما لحق بالمرأة الفلسطينية من غبن وإجحاف. تصبو إلى استيعابها في متن رواية لا تتعدى مئتي صفحة. لكن ما يميز هذه الرواية الباكورة أنها رسمت للقارئ العربي فضاءً آخر لمعاناة المرأة الفلسطينية، ولأمكنة معاناتها، غير تلك التي اعتدنا عليها، وقدمت صورة سلبية غير تطهّرية، عن نموذج المقاتل الفلسطيني، الذي كان منزّهاً في العقلية الشعبية في ما مضى، عن شهوة الرغبات الرخيصة.

 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟   
الاسم:
عنوان التعليق:
نص التعليق:
 

آداب و لغة
فلسفة
ديانة مسيحية
الإسلام و أديان العالم
علم النفس و التربية
علوم اجتماعية
تاريخ و جغرافيا
سياية و اقتصاد
علوم طبيعية و طبية
فنون
قانون
مراجع عامة
 
عن المكتبة | كتب | أفلام | تراتيل | الصفحة الرئيسية
SWS المكتبة الروحية 2005 - جميع الحقوق محفوظة - صمم هذا الموقع بواسطة شركة
Powered by O2 TECHNOLOGY