بحث سريع 

 

New Page 1
عنوان الكتاب:
سلطانات الرمل
المؤلف:
لينا هويان الحسن
المترجم:
الموضوع:
آداب ولفة/قصص وروايات/قصص وروايات سورية
الناشر:
دمشق - دار ممدوح عدوان
عام النشر : 2010 الطبعة: 2
القياس:
22×15 سم
عدد الصفحات: 319
السلسلة:
رمز التصنيف:
ق س  530
   

أراء القراء   
تعليق: ياسين رفاعية - المستقبل 28/4/2010
عنوان التعليق: الحب مكتوب على سيوفهن

تتابع لينا هويان الحسن، نبش حياة البدو من داخل ذلك العالم المستور بالرمل والعواصف والحكايا، وحرب القبائل من أجل إمرأة، عالم مسكون بشظف العيش وقسوته والماء النادر لرجال شجعان لا يهابون الموت، سلاحهم السيف والبندقية القديمة والجواد العربي السريع الذي يسابق الريح، هذا العالم لو كان في أميركا لكان وحياً لعشرات الأفلام السينمائية، كما حصل تماماً مع الهنود الحمر الذين صورهم الوافدون من كل بلد أنهم وحوش ومتخلّفون ويقتلون من أجل لقمة خبز، وهذا كذب رسمته السينما الأميركية للعالم على أنه الحقيقة.. حكايا البدو في الصحراء السورية والصحاري الملاصقة لها في السعودية والعراق والأردن كان يمكن أن تكون نبعاً ثراً لا ينضب للسينما العربية مصرية كانت أو سورية، إلا أن أحداً لم ينتبه الى ذلك إلا في بعض الحكايا التافهة الملتقطة من أفواه الذين لا يعرفون شيئاً عن البدو.


أما هذه البدوية الحسناء لينا الحسن، فقد قلبت الصورة رأساً على عقب، لتقدم لنا الحقيقة لا بما تعرف هي وحسب، بل ما كتبه المستشرقون الأجانب، وفي روايتها الثانية بعد "بنات نعش" التي تحمل عنوان "سلطانات الرمل" عنت فعلاً أن في هذه الصحراء الشاسعة الممتدة على أطراف الوطن العربي، هن سلطانات بكل ما تعني هذه الكلمة، اختارتهن لينا الحسن من بين عشرات أو مئات من البدويات المحصّنات وراء عباءاتهن وعيونهن الساحرة التي تفتن أي ناظر إليهن، و"لا زال قصر ابن وردان يقرأ كلمات السراب حولها ويتحداه، فكيف أجعل البادية التي هي أخت الصحراء" مقروءة مطبوعة في سطور منتظمة وأوراق ناعمة، هو إبن وردان يجول مثل بدوي يلوب في فراغ الكثبان يؤنسه حفيف ذاكرة ووقع حوافر المغيرات. وذلك بفضل الغوايات تركض الخيول هناك، تكون المتغيرات صبحاً وظهراً وعصراً، مغيرات من كل وقت عبر طيات الزمن على سرير الصحراء المبسوط على ناصية تاريخ عتيق، ترسم حدوده آفاق تصقل عريها المستقيم، الصافي المستفيض ودائماً لها معنى الصمت. ويغافل إبن وردان النسيان في رواحه ومجيئه ويندس بين بضع خرافات مع الزمن ستكفي لأن تكسو جسدها بحراشف الأسطورة، ها هي "حمراء الموت" كما أطلقوا عليها من لقب. لكن إسمها الحقيقي "حمرا" وهي مسرح الحكاية في المكان الذي يعطيك حرية الى حد العصيان. ففي ذلك الزمن لم تكن الظباء خرافة كما الآن. لم تكن الصحراء مشقوقة بأسفلت الطرقات أو مشوهة بأعمدة الكهرباء.


حصانه الأبيض


ومن هو هذا الفارس الذي على حصانه الأبيض أراد أن يقتحم المضارب الواطئة التي تكاد تلامس الأرض. ربما البدويات هن اللواتي سربن هذا الحلم الى باقي البدويات الملتحفات بعباءاتهن السوداء. وهنا، إذ ينتصر الحب فإذا بـ"حمرا" إبنة شيخ عشيرة "طي" أحمد بيك الأبو ريشة أمير قبيلة "الموالي" واحداً من أشهر محاربي الصحراء في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وأحمد كان قد لقّب بالبيك تودداً من باشا حلب. والذي كان يتقاضى مبلغاً سنوياً من والي حلب لقاء حمايته قراها من طغيان العشائر الأخرى، وهي هنا "حمرا" جميلة وذكية فأي خطر صاف يمشي على قدمين. وهنا غزا أحمد في عز الظهيرة قومها واستولى على "حمرا" مكرساً بذلك حقيقة أن الحب كلمة مكتوبة على أسلحة المحاربين وتيجان الملوك، لكل حب أثر من دم. وكما أرادت "حمرا" وهكذا جاء البيك على فرسه البيضاء الشهيرة ليختطفها وسط الدماء والدموع ونحيب الأمهات اللواتي ثكلتهن "حمرا" بسبب خفقة قلب.


لكن البدوية الأخرى "فطنة" لا تشبه أي إمرأة أخرى رأيتها في حياتي كانت أنثى مثل أنثى أي حيوان، ثمة شيء فيها حاد وموجع مثل حد السيف.. وهذه الجملة كتبها الأمير أمين أرسلان الذي رأى "فطنة" مرتين في عمان، لكن الكاتب والرحالة الأميركي ويليام ب. سيبروك" كتب عنها "كان هذا من جيل مضى، ولكن الذين عرفوا "فطنة" وتحدثوا معها من بني صخر والسردية كثيرون، وكثيرون هم الذين مات آباؤهم واخوتهم "منشان عيون فطنة" عندما التهبت فتوتها البهية وروت الصحراء بالدماء من تدمر حتى حدائق بغداد". لكن المستشرق أوبنهايم في كتابه "البدو" الجزء الثاني قال: "ومن الأحداث المشهورة بشكل خاص الحرب التي اندلعت بسبب وقوع طراد بن الزبن في غرام الفتاة الجميلة "فطنة" أخت متعب شيخ السردية وقد وصف بالتفصيل هذه الحرب بكل من "شوماخر وموزيل" أما "فطنة" وحكايتها حدث وأن اختار قلبها الرجل الناحل ذاته الذي خاطر بحياته لتقفيز "الرثوعي" على فرسه "رفعة"، طراد بن زين شيخ بني صخر أحد الذين رأوه ووصفه بقوله: "له جسم نمر نصف جائع" ويحكى أن "فطنة" رأته وحدها مرتين فقط، أول مرة جلس صامتاً أمامها وراح يرسم بإصبعه على الرمل خطوطاً متشابكة عابثة، ونهض لا فرحاً ولا حزيناً ولا قاسياً ولا رقيقاً، لكن صامتاً مثل ليل شتائي غير منته. رغم أنها لم تسمع صوته في تلك الليلة، فعرفت أن كل صوت سواه صدى يتلاشى.. وفي المرة الثانية كانت ترتجف، وضحك هو، ثم قام ومضى.. هذان المشهدان اخترقا قلب "فطنة".. فلم تمضِ أيام إلا وأصبحت زوجته فـ"زفّت فطنة"، وكان صوف خروف أبيض مبقع بدم بكارتها معلقاً على عمود خيمة عرسها و"طراد" في قلبها. وفي ليلة دُخلتها عوت الذئاب وجاوبتها الكلاب. وعرفت "فطنة" أن الحرب مقبلة"..


اسم


هذا المشهد يتكرر فالحروب والغزو تكون دائماً من أجل الاستيلاء على العلف والكلأ والماء والنساء.


وتتنقل الرواية من إسم نسائي الى إسم آخر: عنقا، ليز، شمس. بوران التي كانت تتجول في الصحراء مقنّعة بحطتها المرقعة بأشكال ملوّنة كثيرة وراء صمتها غابة معششة بألف عنكبوت من الشك في عينيها وثبات فرس. مشرقة مثل شجرة مشمش. ضرتها جربت كل خلطات الحناء لتحصل على اللون الغريب والمحير للون شعر بوران. وتستعيد الكاتبة الشابة هنا أيام دمشق القديمة ونشوء شارع بغداد وبار فريدي المحاذي لنهر بردى ومقهى أولمبيا والطاحونة الحمراء ومحل النيشان ـ تلك الأيام الجميلة ـ يا لها من أيام. وقصة أبريز التي تشبه الأفلام السينمائية، عندما أحبت عمر وهربت معه الى حلب، لكن زوجها يرسل من يغتال عمر قرب قلعة حلب. ومع ذلك رفضت العودة الى زوجها قاتل حبيبها، وتابعت حياتها في الحي الأرمني من حلب تقتات من فوائد الذهب الذي حملته معها وكانت تستثمره عند صائغ فهرب الى البرازيل، لتصبح بلا مال.


سكرى


وتنطلق الرواية متابعة "سلطانات الرمل" من مكان الى مكان فهذه ملكشاه التي حكلوها اسماً أعجمياً. تمردت عليه ليصبح اسمها "سكرى" الفارسة التي حفظت عن ظهر قلب أسماء وميزات البنادق والسيوف المعلقة على الجدران وبنادق "الصَّمع" وهي بندقية انكليزية عسكرية قديمة كان لها شعبية كبيرة بين عامة البدو قبل الحرب العالمية الأولى. تسأل "سكرى" أبوها: "كم ثمنها؟" ! يقول البيك: "حوالي خمسة وأربعين مجيدية. هذا سعر الأصلية منها. أما تلك التي تأتي من الهند فكانت تباع بين عشرين وثماني وعشرين مجيدية إلخ. فتقاطعه قائلة: إناث الجوارح أهم من كل هذه الأسلحة. فالباز يميزه فرط حرصه على أخذ طريدته والبازي هو الانثى وذكره هو "الزوق" والإناث أجرأ على الصيد من الذكر. لماذا؟ فيقول لها الأمير محمود: "إناث الجوارح مثل نسائنا أدهى منا نحن الرجال". ويتجلى هنا ذكاء البدوي: حكى لها عن تدريب الوحوش والجوارح عن الصيد وكيف أن واحداً من العرب العتيقين بلغ حذقه بتدريب الجوارح أنه درب ذئباً اصطاد له الظباء، ودرب فهداً حتى صاد له الأيائل، ودرب الزنابير فاصطاد بها الذباب ودرب حية يستخرج فيها الدراح.


يضحك وهو يرى دهشة "سكرى" التي لا تقول غير "حقاً"؟ فيقول لها الأمير: "وبعض النساء كالعقارب والزنابير والحبارى سلاحها في أذنابها". تعلو ضحكة الأمير البيك فتسأل مجدداً: من أين أتى البدو؟ "من نجد يا مزيونة" لماذا؟ "لأن الشام بلاد الخمر والخمير والأمر والتدبير والديباج والحرير". كانت في الرابعة عشرة من عمرها عندما قرأت سيرة الزير سالم وسألت الأمير محمود بجدية.. لماذا تتعاركون كثيراً؟ "سأجاوبك يا بدوية مما قاله النعمان جواباً لكسرى. إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد يعرف فضلهم على سائر غيرهم فيلقون اليهم أمورهم وينقادون لهم بأزماتهم وأما العرب فإن ذلك كثير فيهم حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكاً أجمعين". تبتسم سكرى وتسأل: كنتم قبل الإسلام بلا دين، ماذا يجمعكم؟ فقال لها: "النسب واللغة وحب الحروب".


فمن أين اذن وقعت سكرى في غرام هاملت "وآلان ديلون"؟ وتقول: الشعر: كائن متشرد وجواب شوارع وكذاب. هكذا كانت تظن. لكن ابن عمتها عاشق صحح لها معلومتها: الشعر ليس كذاباً. لكن يحق له الكذب. الكذب السلطة الوحيدة التي تخدم الحقيقة التي نشتهيها. الشعر يتسكع ليقبض على حلم جوال. قد يلقاه عند ناصية شارع ما، أو منعطف جادة مجهولة، الشعر يكره أن نسميه "نهاية المطاف"، يعلمك الشاعر كيف تشبهين الربيع، كيف ترحبين بالعاصفة. لتنقل الريح تنقل بذور المستقبل تحت أنظار ماضيك وكل فصولك الرمادية الفائتة. لأجل كتابة الشعر نصحها عاشق وهو يقول: "تأتي القصيدة عجولة، جارية، ساهية، امسكيها قبل أن تبتلعها أرض اللعبة".


هكذا تستمر الرواية ملتقطة الأسماء والأمكنة والتقاليد. عالم آخر غامض ومموه لا يعرف ابن المدينة عنه شيئاً، عالم مليء بالحركة والتبدل كما هو الرمل تحت رنين العاصفة، بدويات عاشقات جريئات لا يهبن الرجال الغلاظ يحببن الشعر ويتأوهن تحت بيت شعر في الهوى. لينا الحسن، وحدها قدمت لنا هذا العالم المليء بالقصص والحكايا أجمل من ألف ليلة وليلة لأنها حكايات واقعية عن نساء جميلات ليس على خدودهن إلا وهج الشمس الحارقة، وليس على شفاههن المثيرة بتشققها وعبثها إلا اشتهاء القبلة من حبيب مجهول لا بد يوماً أن يأتي على حصانه الأشهب ويخطفها من قلب القبيلة وبندقيته تطلق الرصاص تباعاً في الفضاء. ليس غيرها، لينا الحسن البدوية المثقفة والجميلة التي تخترق هذا الأسرار وتسجلها لنا بشغف المرأة أن تحب حباً سرياً لا تبوح به لأحد.

 

 
تعليق: شوقي بزيع - السفير 18/12/2009
عنوان التعليق: أنوثــة الصحــراء

منذ عملها الأول «معشوقة الشمس» وحتى عملها الأخير «سلطانات الرمل» تبدو الكتابة عند لينا هويان الحسن نوعاً من الاحتفاء التعبيري بعالم الصحراء الذي نادراً ما تم التطرق إليه من قبل الروائيين العرب باستثناء بعض كتابات عبد الرحمن منيف وابراهيم الكوني. وهو أمر ليس بمستغرب بأي حال لان أحداً لا يمكنه ان يسبر أغوار الصحراء ومجتمعاتها البدوية المغلقة على تقاليدها المزمنة وقوانينها الخاصة ما لم يكن قد تربى في كنف ذلك العالم بالولادة او النشأة، او اختبر الإقامة بين ظهرانيه واطلع على أسراره وخفاياه، في أسوأ الأحوال. واعتقد ان الكاتبة لم تكن لتنجح في تقصي احوال الصحراء ومجتمع البداوة القبلي لو لم تترعرع هي نفسها في البادية السورية الواقعة بين حماة وتدمر وتتنسم الكثير من أطياف تلك الكثبان المغلقة على غموضها الملغز وقسوتها المقيمة.


تمتلك لينا هويان الحسن كل ما يجب ان يمتلكه الروائي من ذاكرة غنية ومخيلة متوقدة وثروة لغوية غنية بالمرادفات والظلال الموحية وقدرة على رسم الشخصيات وتوظيفها بمهارة داخل فضاء السرد. لكن ما كان يثقل بعض اعمالها السابقة هو ذلك الحدب المفرط على الشعر والمبالغة في استخدامه اضافة الى رفع الوتيرة العصبية للجمل الى حدودها القصوى، بحيث لا تتمكن اللغة من الراحة او التنفس إلا في أحيان قليلة. وإذا كان مصدر هذه الظاهرة هو امتلاك الكاتبة لموهبة الشعر في الأساس فإن هذه الموهبة تحتاج في الكتابة الروائية الى من يروّضها ويكبح جماحها، بحيث لا تفيض عن الحاجة ولا تعوق تلقائية السرد ومواءمته لواقع حال الشخصيات. ومع ذلك فإن اشتغال الحسن في الأصل على عالم يختلط فيه الواقعي بالخرافي او الأسطوري يتيح للغة قدراً لا بأس به من التحليق الشاعري والتوظيفات الوجدانية والرومنسية، بما يجعل من اعمال الكاتبة ترجيعاً غنائياً مشبعاً بالحنين الى تلك الأزمنة التي كادت تضمحل وينفرط عقدها.


في روايتها الأخيرة «سلطانات الرمل»، صدرت عن دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع، تتخفف لينا هويان الحسن الى حد بعيد من حمولة الشعر الزائدة والتدخل المباشر في السياق السردي، كما كان يحدث في السابق، ليعود العمل الى نصابه الأساسي حيث الأبطال يولدون ويتجهون نحو مصائرهم المحتومة بلا تدخل متعسف من الراوي الذي يتوارى تماماً عن واجهة الأحداث. وكما يبدو من العنوان فإن الكاتبة تحتفي هذه المرة بالصحراء من جانبها الأنثوي عبر نماذج نسائية لعبت دوراً بارزاً على مسرح الأحداث في البادية السورية المترامية خلال ما يزيد عن قرن كامل من الزمن، أي في الفترة الواقعة بين الربع الأخير من القرن التاسع عشر وثمانينيات القرن العشرين. على ان ما يستوقف قارئ الرواية الجديدة هو اختلاط الواقعي مع المتخيل والتاريخي مع الروائي، بحيث يصعب على هذا القارئ ان يتبين خطوط تماس واضحة بين هذه العناصر المتغايرة، خاصة أن الكاتبة تنجح في إلغاء الحواجز بين ما هو من حصة التاريخ وما هو من حصة الرواية وتترك للأسلوب الواقعي والسلس أن يفرض منطقه المقنع على الأحداث كما على القراء.


الرواية والتاريخ


وإذا كان الالتباس القائم بين الرواية والتاريخ ليس أمراً جديداً على السرد العربي منذ جرجي زيدان ونجيب محفوظ وجمال الغيطاني ووصولاً الى أمين معلوف وربيع جابر وغيرهم، فإن قارئ «سلطانات الرمل» كان يمكن أن يعفي نفسه من مهمة التحقق من مساحة الاختلاط المتداخلة والاكتفاء بمتعة النص المكتوب لولا ان لينا الحسن تصدّر العديد من فصول عملها بنصوص منسوبة الى بعض الرحالة الغربيين ليس حول الصحراء وعاداتها وحروبها وقوانينها، فحسب بل حول بعض الشخصيات الواردة في الرواية بما يحيلنا الى الوجود الواقعي والتاريخي لهذه الشخصيات. فالكثير من فصول الرواية تتخذ من أقوال الرحالة والمستشرقين مفتاحاً للسرد او طريقاً للولوج إليه وهو ما نتلمسه في الاستشهادات المأخوذة من كتاب «البدو» للرحالة او بنهايم الذي زار المنطقة وأقام فيها أواخر القرن التاسع عشر، او من كتاب «قبائل بدو الفرات» لليدي آن بلنت التي ترسم بورتريهات تفصيلية لبعض أبطال الرواية مثل احمد باشا الأبو ريشة زعيم دولة الموالي التي طاول نفوذها مناطق دير الرحبة وسلمية وعانة والحديثة في سوريا، وكذلك في وصف آن بلنت لطيور الصحراء الجارحة كالباز والصقر والنسر وغيرها.


قد يكون عنوان «سلطانات الرمل» الذي اختارته لينا هويان الحسن لروايتها خير معبّر عن مكانة المرأة ودورها في المجتمع العربي البدوي الذي ينظر الى المرأة منذ الجاهلية بوصفها ريحانة الصحراء وقطرة الماء اليتيمة وسط عالم الجفاف والقسوة والفراغ اللامتناهي. لكن اللافت في هذا السياق ان الكاتبة تخرج بالمرأة من صورتها النمطية المتصلة بالشهوة والحب او بالطمأنينة والدفء لتضيف إليها صورة المرأة الشرسة المستعدة لإشعال الحروب وإراقة الدم من اجل الوصول الى غايتها والظفر بالرجل الذي تحبه. صحيح أن مثل هذه الصورة لم تكن غائبة تماماً عن الكتابة العربية، وبخاصة في جانبها الشعري، حيث الحب عند العذريين هو الوجه الآخر للجنون والمرض والموت، ولكن الحسن تتم تظهيرها في الرواية بشكل جلي وتكرر تمثلاتها عبر اكثر من «سلطانة» ونموذج أنثوي. يكفي ان نعود في هذا الإطار الى شخصية الفتاة الجميلة (حمرا) التي اطلق عليها الناس فيما بعد تسمية حمرا الموت لأنها استدرجت فارس تمر وزعيمها أحمد بيك الأبو ريشة لغزو قبيلتها طي وقتل الكثير من ابنائها لكي تحظى بالرجل الذي تحبه، ثم لم تتورع عن قتل الصبية الجميلة والمراهقة التي بدأت تنازعها على قلب زوجها. وكما تسببت حمرا الموت في اشعال الحرب بين تمر وطي فعلت الفتاة الأخرى قطنة الشيء ذاته حين أغار طراد، شيخ بني صخر الذي تحبه، على قبيلة عنزة التي ينتمي إليها الرجل الذي تزوجته بالإكراه. أما عنقا ابنة قطنة فقد أسالت بدورها الكثير من الدماء قبل ان تهرب الى دمشق وبعدها الى بيروت حيث يتم تهريبها عبر صياد لبناني عجوز اسمه جرجس، ثم تغير اسمها ليصبح ليز وتعود لتلتقي بالشاب دندل، حفيد حمرا الموت وتعود معه الى البادية متخذة اسم شمس، ليصبح اسمها المركب عنقا ـ ليز ـ شمس.


أدوار متفاوتة


سيكون من الصعب على أي قارئ لرواية «سلطانات الرمل» أن يحيط بوقائعها وأحداثها من دون أن يستعيد الرواية كاملة، وهو أمر متعذر بالطبع كما أنه ليس من شأن القراءة النقدية بأي حال. لكن الشخصيات النسائية الأخرى مثل سكرى ومنوى ابنتي عنقا ـ ليز ـ شمس، او مثل سكرى الثانية التي تزوجت من رجل مدمن على الخمرة. ثم هربت مع طراد، الشاعر والفنان والمثقف، متنكرة باسم آخر الى البادية، تلعب أدواراً متفاوتة الأهمية على مسرح الأحداث وتغطي المساحات الشاغرة من تلك الجدارية الروائية المتشابكة الوجوه والظلال. لا يعني ذلك بأي حال طغيان صورة المرأة المتسلطة او المتعطشة للدماء على ما عداها من الصور، لأن الكاتبة تلحّ على تقديم المرأة في تعددها وتبدّل ملامحها وتمزقها الداخلي بين الخيارات. فهناك المرأة الجلادة كما هناك المرأة الضحية، وهناك العاشقة بجنون والمعشوقة بجنون. وهناك الغيورة والشهوانية والمترفعة والمستخذية والخائنة والوفية.


لكن قيمة الرواية لا تتمثل في تظهير الصور المتباينة لسلطانات الرمل فحسب بل في الولوج غير المسبوق تقريباً الى عالم الصحراء المدهش، حيث تقوم بين الكائنات المختلفة ألفة ووشائج قربى يبدو معها البشر والحيوانات والطيور، وحتى الجمادات، شبه متساوين في سمفونية الرمال التي لا نهاية لمفاجآتها. وحتى الأنوثة نفسها تبدو بحسب لينا هويان الحسن مزيجاً شديد الغرابة من الواقعي والسحري، من الجمال الفاتن والشبق الملغز المفتوح على الرعب والموت. وهو ما يتمثل في وصف الكاتبة لبطلتها حمرا الموت حيث تقول: «البعض قال انها كانت ساحرة حرقت حافر حمار وحش وسحقته واكتحلت به.. بنات عمها قلن انها صنعت خلطة من مخ أرنبة ومرارتها تحول دون إنبات الشعر المنتوف. وحمت بشرتها البيضاء القرنفلية من النمش الذي تسببه شمس الصحراء بمرهم، قيل انها كانت تصنعه من مرارة ذئب مخلوطة بالورس، ومن دم أفعى وزيت نبتة صحراوية صنعت ما يجعل شعرها طويلاً كثيفاً لا يمكن لأنثى اخرى ان تنافسها». ثمة أوصاف اخرى بالغة الدقة والشاعرية للخيول العربية الاصيلة التي نافست بدورها النساء في اثارة الحروب والنزاعات، او للقصور التي حملت الجيل الثالث من بدو الرواية، ممثلاً بطراد ولورنس وراكان، للذهاب الى منغوليا من أجل اصطيادها.


تبدو «سلطانات الرمل» من بعض وجوهها أشبه بقصيدة حب طويلة لعالم الصحراء الذي تكاد تطمسه تحولات العالم المتسارعة وتقنياته الحديثة بحيث تكاد الخيول التي تمتدحها الكاتبة تستبدل بكاملها بسيارات المرسيدس او تتحول الى حيوانات للزينة وتشجيع السياحة، كما في قصيدة أمل دنقل. ثمة نبرة مأساوية تشيع بين ارجاء العمل وتجعله اقرب الى مرثاة طويلة للجمالات المخبوءة بين كثبان الرمال وللقيم الموازية الآيلة الى انقراض. واعتقد ان لينا هويان الحسن القادمة بدورها من أحشاء الصحراء هي واحدة من الكتاب القلائل الذين جعلوا من لغة السرد محلاً لإحياء المكان المعرّض للتشظي والانهدام. وجعلوا من الرواية ترجيعاً لعوالم الطفولة الجمعية التي تشكل الصحراء مهدها وفضاءها وينبوعها الأولي.

 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟   
الاسم:
عنوان التعليق:
نص التعليق:
 

آداب و لغة
فلسفة
ديانة مسيحية
الإسلام و أديان العالم
علم النفس و التربية
علوم اجتماعية
تاريخ و جغرافيا
سياية و اقتصاد
علوم طبيعية و طبية
فنون
قانون
مراجع عامة
 
عن المكتبة | كتب | أفلام | تراتيل | الصفحة الرئيسية
SWS المكتبة الروحية 2005 - جميع الحقوق محفوظة - صمم هذا الموقع بواسطة شركة
Powered by O2 TECHNOLOGY