بحث سريع 

 

New Page 1
عنوان الكتاب:
قلب مفتوح
المؤلف:
عبده وازن
المترجم:
الموضوع:
آداب ولفة/قصص وروايات/قصص وروايات عربية
الناشر:
بيروت - الدار العربية للعلوم
عام النشر : 2010 الطبعة: 1
القياس:
22×15 سم
عدد الصفحات: 208
السلسلة:
رمز التصنيف:
ق ع  607
   

أراء القراء   
تعليق: أحمد زين الدين - السفير 30/4/2010
عنوان التعليق: متاهة الكتابة ومتاهة النفس

يبدأ عبده وازن مونولوغه الطويل في لحظة تتعادل فيها كفّتا الموت والحياة. لحظة استيقاظه من غيبوبة البنج عقب العملية الجراحية التي خضع لها قلبه. لحظة عبوره من عالم الظل إلى عالم الضوء، ومن العالم الداخلي إلى العالم الخارجي. يبدأ هذا المونولوغ الذي يستعيد فيه اكتشاف ذاته وعلامات الاستفهام عن الوجود والموت والمصير، ليقف عند التساؤل عن مغزى الكتابة، وعن علاقة حياته بما يكتب. الكتابة التي تُخرجه من هاوية جسده المعطوب، وتُسابق موته المفترض، الماثل على الدوام، في ثنايا حياته عينها. الكتابة المرآة التي يتأمل فيها ذاته والتي تحيلها على ما يقول، إلى أسطر من حبر.


هذه اللحظة الزمنية. هذه العتبة الوجودية البينية التي تساوي بين الحياة والموت. هذه المنطقة البرزخية، هي الينبوع الثر الذي يغتذي منه الإبداع الأدبي والفني. وعبره ينهل عبده وازن رؤاه وتداعياته الفكرية مقلّباً صفحات حياته على إيقاع سردي، قلّما غاب عن كتاباته الشعرية، لا سيما في كتابه الجديد «قلب مفتوح « (منشورات الاختلاف، ناشرون). في هذا الكتاب الذي تتألف مادته من بعض عناصر سيرته الذاتية، يعتمد وازن على سردية واضحة المعالم، تتبلور من خلالها حالة شعرية كثيفة، من داخلها، وليس على هوامشها وحوافيها، كأنما الوقائع والأحداث ليست مرصودة في حد ذاتها، إنما يتوسّلها الكاتب ليطلق العنان لتفاعلاتها مع النفس، وارتداداتها على الذات. فتخرج لديه الوقائع عن زمنيتها، وعن مألوفيتها واعتياديتها لتحلّق في فضاء المخيلة. يرفعها من مدارها المعيش والملموس إلى مدارها الإيحائي والمتخيّل. يحوّلها بعد أن يقلّب وجوهها وأبعادها وأعماقها إلى التماعة ذهنية، أو فكرة، أو مفهوم فلسفي.


وإذا كان عبده وازن قد قارب في «حديقة الحواس» حدود السرد الروائي، فإنّه في «قلب مفتوح» على سرديته الظاهرة، بقي على مزاوجته بين الشعرية والسردية. ولم يجزم في تعريف كتابه أو تصنيفه، فظلّ معلقاً بين الرواية والشعر. ولم يُذيّل الكتاب بأي عبارة تصنّفه وتحدد فئته. بل إنّ العنوان: قلب مفتوح، لا يخلو من ظلال تورية لطيفة تتردد بين المعنى القريب والمعنى البعيد. بين العملية الجراحية، وبين البوح الشخصي، بين الألم الجسدي والألم النفسي. وإذ يتقدم العنصر الحكائي في ضوء عملية السرد، فإنّه سرعان ما يغوص في الفضاء الداخلي. وتتحول مادته المروية، المعيشة، المرئية، إلى هيولى تتوالد في أغوار النفس أفكاراً ورغبات واستيهامات. وتتناسل كلماتها لتصنع عالم الكاتب الحقيقي، العالم السريع الهشاشة، والمهدّد بالاندثار والتلاشي. وهو العالم الذي ما برح يحتل فضاء قصائده الشعرية دون استثناء.


الحدث الصدمة


فوازن هو نفسه في شعره ونثره، وفي التعبير عن انهماكاته الوجودية ووساوسه وانشغالاته الفكرية. بيد أنّ ما يقدمه «قلب مفتوح» المكتوب على إيقاع اليتم والاحتضار والموت والانتحار والانهيار العصبي والحرب والليل والحب، هو الحدث الصدمة الذي وقف وراء هذا الأسى الدفين، والذي افرز هذه الرؤية المتكدّرة العميقة التي يتواشج فيها الحياة والموت. هو حدث وفاة الأب المبكر، ومعاناة اليتم منذ الصغر، وما أعقبه من تقلّبات وارتدادات نفسية بلغت حد الانهيار العصبي. وإذا كان غياب الأب ترك جرحاً معنوياً غائراً في نفس الصغير، فإنّ تجلياته الشعورية والفكرية، ما لبثت ان اختمرت مع تطور الزمن والعمر، وتراكم التجارب، وسعة الاطّلاع، والانفتاح على العالم المترامي، فاتخذت شكل حساسية أدبية شفّافة، تحوّلت إلى حمولة معرفية تواجه العالم، وتتأمل في صيرورته، وتستجلي مغزاه ومراميه، وتبحث فيه عن سر الموت والحياة، وعن معنى الليل والحلم واليقظة، وعن معنى النوم والأبوّة والترمّل، وعن حدود الموت وعبثيته، وعن علاقة النفس بالجسد، وعلاقة الماضي بالحاضر، والإيمان بالإلحاد.


المنحى السردي عند عبده وازن يضع الأشياء والأحداث والخبرات في ضوء جديد. حتى لكأنّ ما ألفناه نحن مجايليه، وما اختبرناه، أو شعرنا به، أو خطر لنا، أو فهمنا مضامينه، ليس هو الوجه الحقيقي، بل قل هو وجه واحد. اما الوجه الذي يرى فيه الكاتب عالمه، فهو الوجه الذي أسبغت عليه تجربة اليتم لوناً جديداً ودلالة جديدة.


فالتلفزيون الذي كان في طفولته وطفولتنا اختراعاً حديثاً انجذبت إليه النفوس والأفئدة، كان اقتناؤه يمثّل صبوة من الصبوات الصعبة التحقق، لا سيما عند الطبقات المتواضعة، وكان انتشاره في البداية، مؤشراً من مؤشرات الرفاه الاجتماعي والطبقي. بيد ان وازن أضاف إلى بُعده هذا، بُعداً نفسياً آخر استوحاه من رضّة يتمه المبكر. فبات الحرمان من التلفزيون حرماناً من الأب. وغدت العائلة التي هي بلا تلفزيون عائلة ناقصة. «كان التلفزيون في نظري فرداً من العائلة، مثل الأخ أو الأخت، ومن دونه لا يمكن أن تكون العائلة سعيدة».


الضوء الداخلي


باتت الأشياء وعناصر الطبيعة وحالات البشر أكثر شفافية، وهو يراها في ضوئه الداخلي، في ضوء تجربته الوجودية. وعبر لغة تومض بالصور المفاجئة والمحيّرة والمثيرة، فتدعونا إلى التفكير مجدداً في ما اعتدنا عليه، إن في الأمور الميتافيزيقية الكبرى، أو في الأمور المبتذلة. حيث نقف حيارى مندهشين ازاء صورة أمه الأرملة الصبية التي مات زوجها الشاب، وتعففت عن الاقتران بسواه، كيف «عاشت خارج جسدها». أو كيف بتكريس حياتها لسعادة عائلتها «لم تكن هي إلاّ لأننا كنا». وإذا عرفنا المشي بأنه حركة يومية يقوم بها الإنسان ليذهب الى عمله، او ليكتشف الشوارع التي يسير عليها، أو الأحياء التي يحاذيها، أو يدخل إليها، فإنّ نص عبده وازن يجعل من المشي، من خلال تجربته ومعاناته، اكتشافاً لا للشوراع والأحياء، وإنما للذات. كأنما المرء يمشي في نفسه. فالمشي لديه، لا سيما بعد إصابته بالانهيار العصبي، كان عملاً من أعمال الروح. اما شعر الجسم عند وازن فهو مدعاة تأمل في الجسد الإنساني، الذي طالما راقبه في حركاته وسكناته، وفي علاقته بالزمن وبالذات. وهو اذ ينتظر بفارغ الصبر أن ينمو شعر جسمه المحلوق، بسبب العملية، فكي يشعر بأنه يكبر مع الشعيرات التي بدأت تنبت. يشعر بأنه يستعيد الزمن الذي غاب فجأة، منذ أن حلقوا شعر جسمه، وبأنّه يستر به عريه الذي طال أمده بدون هذا الغطاء.


قي «قلب مفتوح» حيث يقلّب عبده وازن بعض صفحات حياته، نجد أنفسنا إزاء ضوء آخر، يكشف عن اختمارات لموضوعات أفصحت عنها هواجسه وعوالمه الشعرية السابقة، ووجدت تعبيراتها المتفاوتة والمتباينة في معظم قصائده، لكنها حجبت عنا جذورها وأصولها التي نكتشفها اليوم في سياق الكتاب. ومن هذه الجذور، الوحشة الشفافة التي قذفته إلى وهدة اليأس، وإلى حافة الانتحار. الوحشة التي مثّلتها شخصية أوفيليا في مسرحية «هاملت» الشهيرة، التي افتتن بها وازن، وسكنت وجدانه، وبهرته جرأتها، وصدقها مع نفسها، عندما انتحرت غرقاً في ماء النهر. وكان انتحارها هذا موضوعا اثيراً في مجموعته «سراج الفتنة» حيث أكمل ما لم يقله هاملت في رثاء أوفيليا. الانتحار الذي لم يجرؤ عليه وازن في حياته، وإن لامسه، ودار حوله، واقترب منه. ورغم توافر جميع حوافزه ومحرضاته، من اعتزاله العالم حيناً من الدهر، الى إحساسه باللاطمأنينة والكآبة والألم، إلاّ أنّه آثر الانكفاء والتراجع، وحوّل الانتحار إلى سؤال ميتافيزيقي فلسفي، واستعاض عنه بالإبحار في عالم الروايات التي تروي قصص أبطال انتحروا يأساً واحباطاً وحباَ، وبمختلف الأدوات، لكنهم تركوا انطباعاً رائعاً لديه، عن مضاء عزيمتهم وحدّة جرأتهم. فما لم يقدر عليه واقعاً، لأنّه يحب الحياة رغم كرهه لها، عثر عليه في عالم الكتابة والرواية، على بديل انتحاره المتخيّل والمفترض . وهو لا يرفع سؤال الانتحار فحسب، إلى مدار السؤال الميتافيزيقي، إنما يرفع أسئلة أخرى إلى هذا المستوى، مثل فكرة الليل والأحلام، وعلاقة اليقظة بالنوم، والدين بالإلحاد. وهو مسكون بهذه الأسئلة، أسئلة الكينونة والوجود والعدم، لأنه مفتون بالكتابة التي هي صنو الذات، فهو يقرّ بأنه يكتب لا ليواجه، أو ينتفض، أو يهرب، أو يغيّر وجه العالم أو الحياة، بل يكتب ليبحث داخل متاهة الكتابة عن نفسه. فالكتابة عند وازن فردية بامتياز، لكنها لا تنطوي داخل قوقعتها، بل تستمد نسغها من محيطها الاجتماعي، مؤثرة التحديق في انعكاسات الخارج على مرآة الداخل.

 

 
تعليق: فيصل دراج - الحياة 19/4/2010
عنوان التعليق: عبده وازن يكتب التباس السيرة الذاتية

بعض النصوص الأدبية يردع القارئ عن تصنيفه، جرّاء كتابة مبدعة، تمحو الفروق بين الشعر والنثر، وبين الحكاية وتأمل أحوال العالم، وبين السيرة الذاتية ومراتب الوجود. ومن هذه النصوص، وهي قليلة دائماً، نص عبده وازن، الذي حمل عنوان «قلب مفتوح». كتب عبده وازن عن تجربة ذاتية، أسلم فيها قلبه المريض إلى مهارة الأطباء وإرادة الصدفة، فدخل إلى غرفة بيضاء ونام طويلاً، كما اعتقد، وخرج من الغرفة البيضاء إلى غرفة بيضاء أخرى، وقد حظي بروح جديدة، تتأمل الفرق بين النوم واليقظة، وبين ندوب الجسد وندوب الروح. ذلك أن تجربة الموت تستدعي تجارب الحياة، وتجربة الخوف المنفتح على الموت تستدعي أطياف الولادة الأولى. إنها تجربة الرحيل والعودة التي تعبّر عنها الأطياف والصور، فبعد سطوة البياض يستيقظ غبش الذاكرة.


نص لا صفة له، يظنه القارئ، للوهلة الأولى، شعراً، بسبب صفة لازمت كاتبه. وبعد أن يدخل إليه يواجه «أنا واسعة»، مشغولة بتفاصيل التفاصيل فيحسبه رواية. لا يتلكأ النص في إرضاء «الناقد الروائي»، إن اطمئن إلى ما يطمئن إليه عادة. فهناك مصدر الكلام المهيمن، الذي يأتي بكلام يميزه من غيره، اجتهد الكاتب في صوغه اجتهاداً حميداً، وهناك انثيال الزمن، الذي يتقطّر قطرة قطرة، راصداً شكل النافذة ورحيل الغيوم وحركة الممرضات الهامسات، وانسياب الرؤى، التي يحاصر بعضها بعضاً وتسقط في التلاشي. وهناك العالم الداخلي للإنسان، فذلك الذي جازف بقلبه وربحه، يتخفّف من أوجاعه ويتأملها، محولاً قلبه إلى قلب إنساني كبير، يعرض شجون الإنسان كلها. عندها يطمئن «الناقد» إلى فرضيته، ويقتنع أنه أمام عمل روائي، يلبي ما طلبه منه، من دون تقتير.


بيد أن القارئ لا يلبث أن يضطرب، من دون أن يضطرب كثيراً، لأنه وقع في النص على سيرة ذاتية مكشوفة الملامح محددة المراجع، واضحة المكان والزمان، وواضحة في لغة من حنان وحنين ترسم صورة أب عصامي رحل منذ زمن طويل، وصورة أم اعتقد الولد، الذي كان، أنها ولدت أماً وتموت أماً، ولا تحتمل صفة «الأنثى». يتقدم النص الجميل، آنئذ، وقد حمل صفة «السيرة الذاتية»، التي تسير بانضباط من بداية إلى نهاية. لكن القارئ يلاحظ، سريعاً أن النص ملتبس البداية والنهاية، وأنه محمول على انفلات ذاكرة شجيّة حرة، تتذكّر ما يحرّضها المكان الأبيض على تذكّره، وتمشي في شقوق الزمان، مصافحة أختاً رحلت وأصدقاء ابتعدوا ومستذكرة، برعب شديد، حرباً مدمرة، أو مستعيدة، برضا ساخن، قوام امرأة أفريقية، نقلت الكاتب من طور «البراءة» إلى طور الرجولة.


لكن عبده وازن، أو نص عبده وازن، يعود وما يمحو ما صرّح به ويحتفظ به في آن، يحتفظ به مساوقاًً، في رحلة طويلة، أقدار إنسان وأحواله، معلناً عن قران الزمن الهارب والذاكرة «المتشقّقة»، التي تعطف ما ترى على ما رأته، أو تهبط عليها أطياف وتتبادل معها النظرات. مع ذلك ، فإن نص وازن، المتسامح الحنون، يخبر شيئاً فشيئأ عن أمرين: إنه سيرة الإبداع في شكل سيرة ذاتية، وإنه سيرة أحوال الروح، قبل أن يكون سيرة عن أحوال البشر. نص يحتقب سيرتين: سيرة مرئية الحدود، لا تحجب المراجع التي «استلهمت» منها دلالة الإبداع، وسيرة عن اللامرئي الجليل، الذي تحاول الكتابة جعله مرئياً. يتراجع عندها معنى إيقاع الذاكرة، الذي تبنيه السيرة الذاتية بصور متفرقة أقرب إلى التشتّث، ويتقدم شكل إنطاق الذاكرة، ونقل صورها الغائمة المزنّرة بالضباب إلى حيّز الكلام. إذ الصورة هي شكل صوغها، وإذا الصورة المصاغة من وجوه الثقافة المندرجة فيها، وإذا الصورة حسنة الصوغ، أنيقة الثقافة. عن هذا الحوار، المحسوب وغير المحسوب معاً، بين شقوق الذاكرة ومراجع الكتابة الأدبية المتعددة، صدر نص إبداعي أحسن الالتحاق بالمراجع التي تعلّم منها.


أدرج الكاتب في نصه ذاكرة تستيقظ وتنام كما تشاء، وجملة أسماء قالت ما أراد قوله، وأعاد ما قالته في شكل جديد، معلناً عن انتمائه إلى نسق من الكتابة المبدعة، أو طامحاً إلى هذا الانتماء أو متطلعاً إليه. والأسماء المتعاقبة، التي جاءت من دون تعمّل أو اصطناع، كثيرة: الشاعر البرتغالي بيسوا، الشاحب القلق الهارب من عزلة إلى أخرى، ابن عربي الحالم المشدود إلى تأويل الأحلام، الكتاب المقدس الذي تشرّب قلب الكاتب تعاليمه طفلاً، وميلتون الذي أجرى حواراً بين آدم والملاك وبودلير الذي أخذ على الملاك لهوه الخفيف، ورامبو الباحث عن اليقين في مواطن اللا يقين، وصولاً إلى «غريب» كامو وذلك «الرجل» الذي تنقصه «الصفات»، الذي كتب عنه روبرت موزيل رواية شاسعة. لم يتعمّل الكاتب نثر الأسماء في شكل مجانيّ، بل أضاء قوله واعتنى بالإضاءة، منتهياً إلى قول يظل قلقاً، على رغم حسن الإضاءة: يوحّد الشجن بين قلوب ترى في الحياة تجربة، وترى في الإبداع المؤلم خلاصاً لها. إنها أقدار المرايا، التي تعكس ملامح القلوب، ولا ترى إلى ألوان الوجوه إلا قليلاً. وبداهة فإن قيمة نص وازن، وهي عالية، لا تأتي من الأسماء المتناثرة فيه، أو من محاكاتها المستحيلة، بل من لغته وكثافته وعمقه والجهد، القصدي والعفوي، المبذول فيه. وذلك التكامل بين قول الكاتب وأصداء المراجع الشعرية والفلسفية والروائية التي ارتضى بها.


أما الوجه الأكثر نفاذاً ولمعاناً، في «قلب مفتوح»، فيتمثّل في شخصنة الخواطر الإنسانية، إن صح القول، ذلك أن السارد النجيب مرّ على ألوان مختلفة من «المرئي» الذي يحاور الإنسان من دون كلام، ومن «اللامرئي»، الذي يحاوره الإنسان ولا يصل إلى إجابة. عبّر، في الحالين، عن فضول إنساني لا يمكن إشباعه، وعن حيرة متأبدة تعالجها اللغة برتل من الإبداع طويل. يحضر المرئي المريب المراوغ المحيّر في أشكال كثيرة: الليل، القمر، العمى، الكآبة، الصورة، ومواضيع نظيرة، ملقية أسئلتها الواسعة على إنسان قلق محدود الوجود. ويأتي اللامرئي في متواليات متوالدة: الموت، الحنين، الملاك، الله، المقدس، الحلم، وأوجاع السيد المسيح وهو ذاهب إلى صلبه... حوّلت الكتابة المبدعة «الأحوال» إلى «شخصيات»، واشتقت من «شخصيات عارضة» دلالة الأحوال والوجد الإنساني.


وإذا كان الناقد الروائي، بالمعنى التقليدي، يقرأ «الفعل الروائي» في تفاعل الشخصيات والاعتراف المتبادل في ما بينها، فقد شاء عبده وازن «رواية أخرى»، شخصياتها من أطياف وهواجس ورؤى، حيث الحلم ينهض واقفاً واسع العينين، وللكآبة الثقيلة ملابسها الرطبة وخطوها الساحق، وحيث للرائحة قامة ممشوقة وجسد لدن وابتسامة تنعش الروح ثم تغيب. صيّر الكاتب، وبرهافة عالية، متواليات «أحوال الروح» إلى متواليات حكائية، مازجاً بين المرئي واللامرئي، ومستولداً من اللامرئي قامات واضحة، تسأل وتجيب، أو تكتفي بالسؤال وتمضي. أين الفعل الروائي في كل هذا؟ إنه تكامل الصور المتناثرة والحوار المربك بين المرئي واللامرئي، والإحالات المتـــبادلة بين الإشارات والمواضيع.


أين يكمن التميّز في عمل عبده وازن؟ إذا أراد السائل إجابة، أو شبه إجابة، قال: يكمن تميّز نص «قلب مفتوح» في العلاقات المتبادلة بين الموضوع ومنظوره وتقنيته الكتابية واللغة التي ترجمت ما أرادت في شكل مطابق. ولكن ما معنى هذا الكلام؟ أقام الكاتب نصه على موضوع: الولادة الجديدة، التي تأمر «الوليد المسيحي» بالعودة إلى «أصله القديم»، حيث الولادة مباركة، والأصل طاهر نقي، باركه السيد المسيح بإشارات متوارثة، تربط الولد بأبيه، وتشدّهما معاً إلى «هالة قديمة» عصيّة على التعريف. ومن هذا «البعيد» جاءت «أسرار القلب»، وإلى هذا البعيد تعود أسرار القلب، والأسرار جميعاً شفافة واضحة لعيني السيد المسيح لأنه قريب من الله. تتأتى الدلالة من عناق كلمات ثلاث: القلب، وهو أعمق ما في الإنسان، والمسيح الذي يستطيع قراءة القلوب، والسر الذي يدور طويلاً في القلب الإنساني، ولا يعثر الإنسان على جواب أخير. والمسيح، في هذه السيرة الذاتية التي تشبه الرواية، مجاز واسع، يصرّح بالإيمان المتسامح وبقوة الإنسان وضعفه، وبتلك الرحمة الواسعة التي تساوي بين البشر. وحضور المسيح طالب بلغة إشارية تنفذ من السطح إلى الجوهر، وتحاذر التعبير عن الراحة. ولهذا تعامل الكاتب مع جميع مخلوقاته بحنان دافق، وطرح أسئلة وعثر على بعض إجابات، وأعلن أن «السر الإنساني» لا يستنفذ، وأن حقيقة الإنسان من أصله البعيد، المسوّر بالنقاء والبراءة والجمال.


ولعل هذا المنظور، الذي يبدأ من غرفة بيضاء مغلقة ويعود إلى زمن طاهر قديم، أو الذي يبدأ بالسدر وينتهي به، هو الذي فرض كتابة يقترب فيها النثر من الشعر ويعانق الشعر فيها النثر، وأسلم المعاني إلى متواليات من الصور والأطياف والملامح الناقصة المتعانقة. ذلك أن كتابة السر لا تستقيم إلا بكتابة مغايرة تصالح بين الشعر والنثر وتطرق باب الأساطير ولو قليلاً.


قدّم عـــبده وازن، في «قــلب مفتوح»، سيرته الإبداعية، وأضاء فيهـــا معنى الإبداع، من حيث هو، مبرهناً أن المبدع الحقيـــقي امتداد لمبدعين حقيقيين رأى فيهم، ذات يوم، مثالاً متجدداً له. والكتاب هذا هو إضافة نوعية الى النثر العربي الحديث في العقود الأخيرة.

 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟   
الاسم:
عنوان التعليق:
نص التعليق:
 

آداب و لغة
فلسفة
ديانة مسيحية
الإسلام و أديان العالم
علم النفس و التربية
علوم اجتماعية
تاريخ و جغرافيا
سياية و اقتصاد
علوم طبيعية و طبية
فنون
قانون
مراجع عامة
 
عن المكتبة | كتب | أفلام | تراتيل | الصفحة الرئيسية
SWS المكتبة الروحية 2005 - جميع الحقوق محفوظة - صمم هذا الموقع بواسطة شركة
Powered by O2 TECHNOLOGY