بحث سريع 

 

New Page 1
عنوان الكتاب:
من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث: النشأة المستأنفة
المؤلف:
جورج طرابيشي
المترجم:
الموضوع:
دين إسلامي وأديان العالم/دين إسلامي/قرآن وحديث
الناشر:
بيروت - الساقي
عام النشر : 2010 الطبعة: 1
القياس:
24×17 سم
عدد الصفحات: 643
السلسلة:
رمز التصنيف:
دا  342
   

أراء القراء   
تعليق: نزيه كوثراني - الأوان 22/5/2012
عنوان التعليق: أسئلة المقدس وعلاقتها بالتاريخ

«كنا أغبياء وجبناء وكانوا أذكياء وجبابرة. تنازلنا عن حقوقنا طواعية وكانوا أذكياء في أن يضعوا أيديهم على أي شيء ليس له مالك، وهكذا أصبحنا في وضع غير متكافئ، ليس من حيث الملكية، وإنما من حيث معرفة ما لنا وما لهم، والجهل هو دائما الوجه الأخر للعبودية، ولذلك انتهينا إلى الوضع الذي وصلنا إليه!» عبد الرحمن منيف


وأنت تقرأ كتاب الأستاذ جورج طرابيشي "من إسلام القران إلى إسلام الحديث " تضطر منذ الصفحات الأولى إلى الخروج عن مألوف القراءة التي تعودتها، سواء كنت من المعجبين بكتب المؤلف أو لا، فأنت ملزم بخوض تحدي المنازلة حتى النهاية، فالاختيار صار صعبا كما يقولون: ليس الخروج من الحمام كالدخول إليه، مع الصفحات تتبين بأن المعركة ليست سهلة، لكنك تدرك في قرارة نفسك أن لا سبيل أمامك إلا أن تشمر على ساعدك لتنازل ذاتك، وليس بإمكانك أن تفوز بالضربة القاضية. لأن معركة الذات هذه تخضع لجدلية المد والجزر والنهوض والسقوط ، أو بتعبير أدق تلزمك بالفوز عن طريق احتساب النقط ، وكلما تقدمت في فصول جولات الكتاب من صفحة لأخرى إلا وتشعر بحالة من الشك والتساؤل الممزوج بذهول التأمل في حصيلة الاكتشافات الجديدة. نعم أنت في وضعية تشبه رحالة الاكتشافات العظيمة، أي أنك مقبل على تعرف قارة جديدة طمستها شفرة الوراثة النفسية والثقافية والدينية. فالسؤال أو الأسئلة التي كانت مغيبة في النظرة والتفكير والعلاقة مع الاشياء والناس والعالم، بسبب نمط الحياة الوجودية التي تربيت عليها بطريقة التلقين وحشو الذهن باليقين المطلق النهائي والكامل المكتمل، كما أريد لك أن تعتقد من طرف الذين تولوا نقله إليك أبا عن جد، وكان للجهل والتدليس والخداع ومصلحة سياسة القهر دور خطير في إشاعته وانتشاره وتكريسه مطلقا حقا أريد به باطل. تنفجر تلك الأسئلة المعقدة والمترابطة والمركبة بتمفصل تضافري في أعماقك، وأنت تنظر بذعر مفاجأة الصدمة التي لم تتوقعها تجاه كيانك الملفوف كلعبة الدمى الروسية. وتصرخ بقوة في دواخلك آه..! كم كنت غارقا في هذا الوحل الديني الثقافي المتراكم والذي حال بيني وبين ذاتي الحقيقية؟ تستغرب أنه لم تتح لك منعطفات الحياة أن تتخلص من جلدك القديم، وفي كل محطة من مسار حياتك كنت تراكم جلدا فوق آخر، كما لو كنت تتحنط في حفلة تراث الموتى هذه التي استوعبت كيانك دون أن تترك كوة لشعاع أمل الحياة عوض هذا العود للموات الأبدي. وتسأل نفسك وأنت غارق في قراءة الكتاب – من إسلام القران إلى إسلام الحديث- " وهل أقوى على ابتلاع هذا الكم الهائل ليس من الأوراق وإنما من العذاب وحدي؟ "(1) عندها تقفز إلى ذهنك تلقائيا الكثير من المفاهيم والعبارات مثل الجهل المقدس٬ وتحاول تذكر أين سمعت أو قرأت ذلك دون أن تتوقف لتفكيك العبارة٬ أو تتساءل كيف فاتك ذلك دون ان تحكم عقلك أو بالأحرى شيئا اقرب إلى ما يسمى العقل النقدي٬ فتقول في نفسك بنوع من الاحتجاج والمحاسبة الساخرة في حق نفسك هل هي الزلة الوحيدة أم أن سيف المس بالمعتقدات والتشكيك في الإيمان لحشرك في خانة الزندقة والكفر والردة كان مسلطا في النظرة والتفكير وأسلوب الحياة؟ أي كنت خاضعا ببراعة لعملية اجتياف ممنهجة إلى حد الرقابة الذاتية على نفسك، مما جعلك تغرق من حيث لا تدري في المستنقع الآسن للجهل المقدس. لقد كنت خاضعا لعملية التلاعب بالعقول والتحكم بالإدراك . تكتشف أن مصادرك ومرجعيات هويتك وانتمائك هي وضعية بشرية تحايل فيها العقل البشري ضد نفسه في عملية وأد ذاتي لكل ما هو جميل ومميز في الإنسان، وعلى رأس ذلك امتيازه الوجودي وفرادته الإحيائية : العقل . " ولكن العقل – ومكره ليس بأهون من مكر التاريخ – عرف كيف يشق طريقه ولو ملتويا. إلى ممارسة الفعالية الوحيدة المتبقية له بعد كف يده : فمادام ليس له حجة إزاء حجة السنة . فليمارس حجيته من داخل السنة نفسها بانتحال الأحاديث وتلفيقها محتميا خلف درع آلية الإسناد السهلة المداورة . وعلى هذا النحو يمكن القول إن العقل بقي يمارس وظيفته كمشرع حتى بعدما أنكرت عليه كل فعالية تشريعية . فمن خلال تسييد السنة ورهن صحة الأحاديث بسلاسل إسنادها انفسح له المجال ليطلق يده الخفية في تصنيع المدونة الحديثية وتضخيمها وليمارس بالتالي فعالية لا محدودة وإن متنكرة في التشريع للمشرع له الذي هو الرسول في الإسلام القرآني كما للشارع الذي لا يعود إلى احد سواه حق التشريع والذي هو الله في ذلك الإسلام القرآني عينه "(2).


هكذا تتزلزل الارضية الصلبة التي كنت واثقا من حقيقتها الوثوقية في ذروتها العليا المقدسة، فتعود أدراجك عبر ذاكرتك البعيدة المدى لترى هول المأساة التي تشربتها تحت سطوة ورهبة رجال الدين بطريقة الحكي الشعبي الشفوي والقصص الديني لما تعتبره تراثك وهويتك الفكرية والثقافية والدينية، فتكتشف كم كنت ضحية للأساطير القديمة والمستحدثة . إنك الآن في محراب الشك الديكارتي أي على برزخ الفناء أو الولادة من جديد، قوة النور قد تلتهم ذاتك وهي تكتسح البداهات المضللة والمظلمة والمترسبة في أعماقك. فتتعرف طريقك الذي لا يزيغ عن ضرورة المرور بكتاب " المعجزة أو سبات العقل في الإسلام لأنه يمثل مربط الفرس كما يقال عادة.


تجد نفسك أمام تراث هائل من المعجزات الخارقة للعقل والواقع الحي، فتتساءل عن رداءة الإبداع الأسطوري الغرائبي الذي استطاع أن يسخر من العقل إلى هذه الدرجة، وعن السيطرة والهيمنة للخرافي الغيبي وهو يتشكل كنص مكون لذهنية ولشخصية المسلم . وتتصفح الوجه المظلم والعفن والمتخلف لما يسمونه الهوية الإسلامية، المنمق بعبارات الدين الحق ونقاء العقيدة وخير امة …وتشاطر المؤلف استحضاره هذا الكم الهائل والمفزع من المعجزات من بطون الكتب العقيمة للمصادر العربية الإسلامية، ولا ترى في ذلك إرهاقا نفسيا للقارئ بل ضرورته من منطق الكتابة التي يتطلبها الموضوع، إنها أشبه بالجلسات النفسية التي تساعدك على تحرير كل الترسبات العميقة والمنتشرة في ثنايا ذاتك مع تطاول زمنك في الزمان العام الاجتماعي والثقافي الذي احتضن وجودك . إن أي اختزال أو اقتضاب أو بتر فيما أورده المؤلف من معجزات، و إن أي قراءة انتقائية للجزء دون قراءة الكل لن يؤدي إلى عملية تحرير كامل للمكبوت والمندس في ذاكرة اللاوعي الفردي والجمعي، كلاوعي ثقافي اجتماعي مقنع بالعفوية والتلقائية والبداهة الطبيعية، في حين أن المؤلف يعري ويفضح بفكر نقدي حقيقته كشكل تاريخي اجتماعي ثقافي لإنتاج المخيال الديني .


وأنت تقرأ كتاب سبات العقل تكتشف جزءا من ذاتك كان مطمورا، لأنك كنت تجهل جذوره وينابيع زقومه الآسن، في وقت كنت تعتقد بسمو دينك ونقاء عقيدتك وكمال تراثك وفخر تاريخك وعظمة حضارتك. وهكذا لم تكن مستعدا ولا مهيأ تحت وطأة هذاء العظمة لتقبل أي خدش أو شك أو نقد يمس معطيات وجودك، ليس التراثي والديني فحسب بل أيضا كل ما له شأن أو علاقة بحياتك، أي كانت هالة ومسحة بركة التقديس تطال كل ذرة في عالمك المعلوم/المجهول، بمعنى أن الجهل كان يلعب لعبته الوقحة في المزيد من إغراقك في مستنقعات المعجزات السابحة في سماء خيال الهلوسة المرضي . وأنت لا تكف عن ممارسة هوامات طهارة النقاء و صلاة الهروب من الواقع التاريخي الحي . ربما الآن صرت تفهم مدى تحكم عقل المعجزات في التدين الشعبي، في الزواج، البيع والشراء، الإنجاب، الحصول على وظيفة، النجاح في الامتحان، الحب و السيطرة على الزوج …فالمسلم في مثل هذه الوضعيات لا تربطه أية علاقة مع إله القرآن الذي يعبده في طقوسه وشعائره بانشطار في الشخصية اقرب إلى النفاق السلبي. لذلك يستنجد بعقل المعجزات ويتوجه إلى الأضرحة، الكهوف القديمة، ينابيع المياه…هناك حيث تسكن القداسة والقدرة الخارقة لعقل المعجزات الذي يقف بالمرصاد في وجه شك وردة مريديه، مما يجعلهم غير قادرين على القسم باسمه، في وقت لا يجدون أدنى صعوبة أو حرجا في أن يقسموا بالله صباحا ومساء في مواقف كاذبة فيها الكثير من الغش والتدليس والتحايل…


غالبا ما تكون قراءتك لسبات العقل أو لكتاب من إسلام القران إلى إسلام الحديث متقطعة، حيث تجد نفسك مجبرا على التوقف، لأن الكتابين يفتحان مسارب عديدة تصلك بالواقع الحي وأنت تقبض على ما تقرأ حيا ملموسا، وكأن الأمر يتعلق بالتحليل الملموس للواقع الملموس. مثلا تتوقف أثناء القراءة حيث يحيلك النص لترى بأم عينك كيف يمارس إسلام الحديث مسنودا بعقل المعجزات دوره في انتخابات مصر، حيث يصوت النبي لصالح الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل عبر تقنية المنامات التدليسية. إننا أمام كتابين يمثلان ما قصده رولان بارط في لذة النص "أن أكون مع من أحب وأفكر في ذات الوقت في شيء أخر هكذا أتوصل إلى أحسن الأفكار وأخترع بصورة أفضل ما هو ضروري لعملي. كذلك شأن النص يبعث في لذة أحسن إذا ما تمكن من أن يجعلني أنصت إليه بكيفية غير مباشرة إذا ما دفعني وأنا أقرؤه إلى أن أرفع رأسي عاليا وأن اسمع شيئا آخر. فلست بالضرورة مأسورا بنص اللذة قد يكون فعله خفيفا معقدا دقيقا شاردا على وجه التقريب كحركة رأس طائر لا يسمع شيئا مما ننصت إليه ينصت إلى ما لا نسمعه. "(3)


نحن لم نبتعد عن مضمون الكتاب بل إننا بفضله نرى الدروب الملتوية والغامضة التي سلكها عقل المعجزات إلى حد التحكم في صياغة العقلية العربية والإسلامية، وجعلها غيبية أسطورية خرافية حتى النخاع . من هنا خطورتها في هضم الجديد وفق آليات التقليد المتوارث. هناك بنية أسطورية تقوم بعملية البنينة في التكون والتطور. إن علاقة المسلم بالواقع ليست مباشرة والتوسط هنا ليس فكريا عقليا، بل هو توسط اسطوري غيبي خرافي بمسحة المخيال الديني، وجذور ذلك في النص الديني الذي أيد ورسخ ودعم عقل المعجزات الكامن في القصص الديني، حول أنبياء عرفوا بالمعجز الخارق والغريب المدهش والساحر الخلاب. فالواقع التاريخي الذي ولد وتكون وتطور فيه عقل المعجزات هو واقع مترع بالأسطوري والغيبي الخرافي التوحيدي والوثني، كأنماط ثقافية اجتماعية متعددة ومتنوعة، متعايشة كتجاور تركيبي لا يتوخى احد تياراتها السيطرة والهيمنة، إلا أن واقع الفتوحات في بنيته الاقتصادية الاجتماعية والثقافية أوجد نمطا ماديا ريعيا، كمحدد أساس للكل الاجتماعي وهو المتمثل في طبيعة الاقتصاد الريعي الذي يطابقه إلى حد ما عقل المعجزات، المختلف كليا عن عقل الإنتاج الذي يتطلب العمل والجهد وطول النفس، في البناء المادي الاقتصادي الاجتماعي، وفي البناء الثقافي الإيديولوجي . ففي واقع تسوده ثقافة الرزق، الغنيمة، الرق والسبي…وتسيره مشيئة الله وقدرته يستحيل أن يسود الجهد الإنساني المسؤول والحر، والعقل الإبداعي النقدي المستقل. لذلك تلاشى ذلك التعايش المتجاور بين الأنماط الثقافية الاعتقادية، فساد عقل سبات العقل لهذا نرى المسلم في حياته أميل إلى الحلول السحرية الآنية، والتفكير التواكلي الغيبي الأسطوري، المنسجم أصلا مع البنية الاجتماعية الريعية المتخلفة.


نفهم من هذا كله أن مشكلة العقل العربي الإسلامي لم تكن بسبب الحلقة المفقودة في الإعجاز القرآني كنص مقدس، ولا في نبيّ بلا معجزات. إن الأمر لا يتعلق بثغرة كشفها إسلام الفتوحات المترابط بالعامل المادي: الغنيمة. إنه لم يكن أصلا مهتما بإقناع الآخرين بالدين الجديد لأن مفهوم الجزية كآلية للنهب ترك أيضا هوامش للأديان التوحيدية والوثنية. نقصد أن الأمر يتعلق بعملية احتواء للمعتقدات الأخرى بما فيها الوثنية، أي أسلمة المعتقدات الأخرى. نعني بذلك أن النص الديني كان منذ نشأته مسكونا باحتواء واستيعاب جميع أشكال المعتقدات الأخرى، التوحيدية والوثنية. وهو في نصه كقرآن لدليل على هذه المرحلية في النشأة والتكون والتطور، من الدعوة والجدل والحوار بالتي هي أحسن إلى السيطرة والهيمنة. وفي كل منعطف تاريخي كانت تبرر الصراعات الاجتماعية المادية باسم الأشكال الرمزية المقدسة، بمعنى أن الشرعية كانت تجد أساسها في الشرع، أي في احتكار المقدس وإنتاج الفعل المجتمعي من خلال استبداد التحدث باسم السماء. إن شكلا ما من الوحي كان ضروريا لأن الوقائع المجتمعية في صيرورتها وطبيعة تطورها البشري هي في أمس الحاجة إلى إعادة إنتاج الوحي، من خلال توسط مقدس ما، فكان ذلك أساس صراع بين التصور العقلاني المعتزلي والفلسفي وبين التصور الصنمي للنص مستعينا بالتسييج الإلهي والنبوي للقول البشري، المتمثل في معركة تسييد السنة، لذلك زجّ بالرسول في حرب عنف المقدس من اجل السيطرة والهيمنة. لأن معركة النص الأول القرآن التي عرفت صراعا متعددة الجوانب في الكتابة والجمع والقراءات، وما قيل عن الإضافة والتعديل في المصادر العربية الإسلامية، هذه المعركة انتهت بحرق المصاحف كنفي للتعدد والاختلاف بدواعي توحيدية في السياسة الدينية. كما قلنا سابقا نتيجة الضرورة الموضوعية للواقع المتغير والمختلف في زمن الفتوحات وما بعدها كانت هناك أسباب موضوعية إلى توسط مرجعي، يغرفه منه المسلم شرعه لكسب شرعيته. وإذا كان إنتاج المعجزات جاء في هذا السياق، فإن هذا التوجه التقديسي هو ما ستبلوره المدونة الحديثية بشكل بارز، وهذا ما اشتغل عليه الأستاذ طرابيشي في كتابه من إسلام القران إلى إسلام الحديث.


بما أن النص القرآني كان حاسما في تكسيره للجسور بين السماء والأرض، بإعلانه نهاية الرسالات الدينية، باعتباره الرسول خاتم الأنبياء، فإن صيرورة المقدس كانت تفرض، بحكم طبيعة الاجتماع الإنساني المحكوم بالتحول والتغير والتطور، أن يتم التفكير في إنتاج المقدس كشكل تاريخي يوافق التحولات التي عرفها المجتمع العربي الإسلامي، في صراعاته الاجتماعية والسياسية، لذلك اتجهت أنظار أطراف التخلف والصنمية الذهنية المتصلبة إلى استغلال المصدر البكر " الحديث" الذي يسمح بالتأسيس الديني الإلهي للطموحات والأفكار والمواقف السياسية الاجتماعية. ولكي تضمن أطراف أهل الحديث لنفسها الغلبة والسيطرة، كان لا بدّ أن تتلبس قناع القداسة من خلال التسييج الإلهي للحديث، ولجميع ما ادعت أنه من سنن الرسول "قد بين الله لنا أن كلام نبيه إنما هو كله وحي من عنده"(4) بهذه الاستراتيجية للهيمنة تم التأسيس للمشاركة البشرية في القول الإلهي، بمعنى أن صناعة الحديث وضعت الأرضية الصلبة "المقدس" لتحقق الأهداف السياسية الاجتماعية. وحتى يتأتى لها ذلك شرعت في قرأنة الحديث كوحي غير متلو بتعبير الشافعي. "فبعد التسييج الإلهي للمصحف يتصدى ابن حزم لتسييج مماثل للحديث بنقل نصابه الماهوي من كلام للرسول إلى كلام الله."(5) وهذا ما أسس له الإمام الأوزاعي عندما قال "إن السنة جاءت قاضية على الكتاب، ولم يجئ الكتاب قاضيا على السنة. "(6) وقد سار على هديه في التأسيس لحق المشاركة في القول النبوي والإلهي الشافعي الذي اعتبر الحديث قرآنا غير متلو، ولذلك نشطت صناعة الحديث لتقوية هذا الاتجاه، حيث "ينطلق الخطيب نفس منطلق الشافعي في قرأنة السنة «أخبرني احمد بن محمد الأزهر قال سمعت ابن موسى يقول سمعت المعتمر بن سليمان يقول سمعت أبي يقول " أحاديث رسول الله (ص) كالتنزيل» . « قال ابن الأزهر سمعت أبا موسى يقول سنن رسول الله (ص) عندنا مثل كلام الله عز وجل»(7). ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ من التشبيه لسنن الرسول بالقران بل تبلورت أحاديث تعطي الأفضلية لأهل الحديث "مجلس فقه خير من عبادة ستين سنة"(8) أو "فقيه أفضل عند الله من ألف عابد وفي رواية مرفوعة إلى عمر بن الخطاب « قال رسول الله (ص) إن الفقيه اشد على الشيطان من ألف ورع وألف مجتهد وألف متعبد»(9).


واستغلت في هذا السياق تقنية المنامات لتقوية هذا التيار وفي ذلك " يروي الخطيب على لسان أبي عبد الله المروزي أن «رجلا رأى يزيد بن هارون بعد موته في المنام فقال له ما فعل الله بك قال أباحني الجنة فقال بالقرآن قال لا قال فبماذا قال بالحديث.»(10) وعندما انطلقت صناعة الحديث كفعل بشري، كان ضروريا وفق منطق الاجتماع الإنساني الذي يؤسسه مبدأ التناقض أن تأتي مرويات أهل الحديث متناقضة إلى درجة يصعب الجمع بين حديث وآخر، مما شكل تحديا خطيرا لجماعة أهل الحديث "إن الاختلاف الكبير بل التناقض في مرويات أهل الحديث من الأحاديث ينهض دليلا – ضمنيا على الأقل – على أنها من عند البشر لا من عند الله"(11). وللتحايل على هذا الانسداد في متاهتهم تمت الاستعانة بآليات مختلفة كالناسخ والمنسوخ وتقنية الترجيح والتخفيف والتشديد …لها غرض واحد هو نفي التناقض الذي هو في نظرهم ليس أكثر من دليل على قصور العقل البشري في فهم حكمة الله في ذلك، "إذا تعارض الحديثان أو الآيتان أو الآية والحديث فيما يظن من لا يعلم ففرض على كل مسلم استعمال كل ذلك، لأنه ليس بعض ذلك أولى بالاستعمال من بعض ولا حديث اوجب من حديث أخر مثله ولا أية أولى بالطاعة لها من أية أخرى مثلها وكل من عند الله. "(12) واستعملت حيلة التسييج الإلهي للحديث بناء على النص القرآني - ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) (أن اتبع إلا ما يوحى الي)- وذلك لتجاوز التناقض. والغرض المسكوت عنه في كل هذا هو تبرير المشاركة البشرية في صناعة القول الإلهي، مما لا يفتح أي مجال للشك والنقد والاعتراض والتساؤل. وهكذا وصلت الجرأة بأهل الحديث والسنة أن ينسبوا أقوالهم إلى الرسول، ومن ثم إلى الله، من خلال أسطرة الرجال والرفع من قيمتهم إلى مستوى القداسة والعصمة "إن كل ما يقوله ثقة من الرجال الثقات على لسان الرسول، فإنما يكون قد قاله الله بذاته على لسان رسوله". (13) وهم مستعدون للقبول حتى بالزيادة في الحديث "الزيادة مقبولة إذا كان راويها عدلا حافظا ومتقنا ضابطا."(14) ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل يسمحون حتى بالتدليس، "إذا كان التدليس تدليسا عن ثقة …قبل منه. "(15)


إن فهمنا لما حدث في الماضي يجعلنا ندرك اليوم هذا الترابط بين السلفية والإخوان وبين الإسلام، بمعنى أن خطابهم يغرف من هذه المرجعية التي تسترت وراء التسييج الإلهي، وكأنها تقول بصريح العبارة أن خطابها هو من عند الله. بهذه الممارسة العميقة الجذور يتم السطو على الرأسمال الثقافي الديني للشعوب في نوع من التملك الاحتكاري للقداسة، فيما يشبه الكهنوت المسيحي. بهذا التوسيع للرؤية بناء على المعرفة النقدية التاريخية التي يتيحها لنا كتاب طرابيشي نفهم اليوم رؤوس رجال الدين الملصقة بجثة الحديث الضخمة. إن عصمتهم تنطلق من هذا الإرث المختلف كليا عن إسلام الرسالة والذي أنتج مقدسه بآليات فيها الكثير من الكذب والنفاق والتدليس والاختلاف والتناقض في وصف الرواة في وقت واحد بالثقات والدجاجلة والتدليس والعصمة، " فممارسة التناقض امتياز إلهي. "(16) متحايلين على الناس من خلال التسييج الإلهي، "وكل عدل روى خبرا أن رسول الله قاله في الدين أو فعله عليه السلام فذلك الراوي معصوم من تعمد الكذب – مقطوع بذلك عند الله تعالى – ومن جواز الوهم عليه. "(17) وهم في الحقيقة لا يهدفون إلى تأكيد عصمة الرواة إلا للتستر وراء القداسة لإخفاء حقيقة صناعتهم البشرية للمقدس، وللتغطية على ما قد يعتري أقوالهم من كذب صريح وضعف وترهل واختلاف، وكل ما يمكن ان يفضح ممارساتهم الدنيوية الدنيئة التي تجر مجتمعاتهم إلى العنف والجمود والتخلف، ويقلل من هيبتهم الدينية ويضعف من سلطتهم السياسية قبل الدينية. لذلك اتخذوا من الرسول والله مرجعية سياجية لتأسيس سلطتهم التشريعية التي يصعب مناقشتها أو رفضها، " فلأنهم كانوا ينسبون اختلافاتهم إلى الرسول ومن ثم إلى الله نفسه فقد حبوا أنفسهم بسلطة تشريعية لا تعلوها ولا يجوز أن تعلوها سلطة، وذلك بقدر ما نسبوها إلى الرسول وبالتالي إلى الله نفسه . فهم – أو هكذا نصبوا أنفسهم – شركاء في القول النبوي ومن ثم في القول الإلهي في شريعة توحيدية تميز نفسها عن غيرها من شرائع التوحيد بكون الله لا يحضر فيها إلا بكلامه. " (18)


إذا كانت القرون الأولى عرفت صراعا عنيفا في احتكار النص المقدس، وهي المعركة التي عرفت نهايتها بحرق المصاحف، فإن مرحلة الفتوحات ستعرف صراعا مختلفا يتجاوز ويقضي تدريجيا على تعدد إسلام الرسالة والقران. لأن هذا الأخير لم يعد كنص مغلق نهائي يسمح بأية إضافات أو تعديلات، لاستغلاله في المعارك السياسية الاجتماعية. لذلك كما قلنا سابقا كان ضروريا من إعادة إنتاج أو بلورة مقدس يسمح بكسب المعارك المجتمعية، لهذا ستعرف المعركة بأنها معركة إحراق الطوائف والمذاهب، سواء من خارج الإسلام " والحال أن الإيديولوجيا الحديثية – ونقول ذلك باختصار شديد- انحرفت بموقع الحوار الذي كان لأهل الكتاب في الاسلام القراني إلى موقع العداء الذي انزلوا فيه من الأحاديث التي وضعت على لسان النبي ونموذجها الحديث التالي « لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه النار يهوديا أو نصرانيا »(19)، أو بالنسبة للفرق الأخرى من داخل الإسلام " التي كفرت وأخرجت من الإسلام والتي عدد منها عبد القادر البغدادي في كتابه "الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية" منهم سبع عشرة فرقة في عدادها الفرقة المدموغة باسم الباطنية ومنها الفاطمية بفرعيها الاسماعيلي والدرزي التي حكم البغدادي بأنها " انتسبت إلى الإسلام وليست منه. "(20) ونتيجة هذه الرغبة في السيطرة والهيمنة انطلقت آلية صناعة الحديث بجنون ضد العقل المنطقي في إباحة للمسلم أن يتقبل جميع التناقضات بنوع من الانشطار في الشخصية، و بخنوع وخضوع للمشيئة الإلهية/البشرية، ولما هو مسطر في المكتوب والقدر المحسوم/سياسيا واجتماعيا، "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب الرسول( ص) والاقتداء بهم وترك البدع وكل بدعة فهي ضلالة وترك المراء والجدال والخصومات في الدين، والسنة عندنا أثار رسول الله (ص) والسنة تفسر القران وهي دلائل القران . وليس في السنة قياس ولا تضرب لها الأمثال ولا تدرك بالعقول والأهواء إنما هو الإتباع وترك الهوى . ومن السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة ولم يقبلها ويؤمن لها لم يكن من أهلها : الإيمان بالقدر خيره وشره والتصديق بالأحاديث فيه …من أحاديث الرؤية كلها و إن نبت عن الاسماع واستوحش منها المستمع، فإنما عليه الإيمان بها وأن لا يردّ منها حرفا واحدا …فإننا نسلم لها وإن لم نعلم تفسيرها. "(21)ومن هذه المرجعية تناقلت المجتمعات العربية والإسلامية بناءها الذاتي كشخصية مسلمة وتكوينها الذهني الثقافي الفكري والديني. "ماذا تفعل لو تعاملت مع شخص فوجدته كاذبا، كلما وعد لا ينفذ وعده وكلما قال شيئا تبين أن الحقيقة عكس ما يقوله؟ النتيجة الطبيعية أن تفقد الثقة تماما في هذا الشخص الكاذب ولكن اذا كان هذا الكاذب، يرتدى الجلباب الابيض ويطلق لحيته و علامة الصلاة ظاهرة على جبينه و يقدم نفسه على أنه داعية اسلامي يسعى لإقامة شرع الله.. عندئذ سيتعقد الأمر. المفترض في هذه الحالة أن تكون جريمة المتحدث باسم الدين مضاعفة، مرة لأنه كذب ومرة لأنه أعطى نموذجا سيئا للمسلم. على أن ما يحدث في مصر عكس ذلك، فالمتحدثون باسم الاسلام مهما كذبوا وخانوا العهود ومهما تورطوا في فضائح سيجدون دائما أناسا يدافعون عنهم ويلتمسون لهم الأعذار. هؤلاء المدافعون ليسوا أغبياء ولا حمقى انما هم يعتبرون المتحدثين باسم الاسلام جزءا من الإسلام، وبالتالي فإن الحديث عن أخطائهم أو أكاذيبهم يعتبر هجوما على الاسلام لا يسمحون به أبدا. الاخوان المسلمون خالفوا كل العهود. تعهدوا بأن ينافسوا على ربع مقاعد مجلس الشعب ثم نافسوا على المقاعد جميعا، وأثناء الانتخابات ارتكبوا كل أنواع المخالفات الانتخابية بدءا من شراء الأصوات الى تشويه المنافسين لهم بالإشاعات المغرضة والطعن في دينهم. وقد تعهدوا بأنهم سيكتبون الدستور بمشاركة كل القوى السياسية الأخرى ثم نقضوا عهدهم واستأثروا وحدهم بلجنة كتابة الدستور . وقد تعهدوا مرارا وتكرارا بأنهم لن يتقدموا بمرشح رئاسي وكالعادة نقضوا عهدهم وتقدموا بمرشحهم خيرت الشاطر.


كثيرون من مشايخ السلفية، في تسجيلات مصوّرة، وقفوا ضد الثورة ودعوا المتظاهرين الى العودة الى منازلهم وحرموا الخروج على حسني مبارك ومنهم من حرّم الديمقراطية والانتخابات وتداول السلطة. لكنهم انقلبوا جميعا بعد نجاح الثورة وغيّروا آراءهم و أنشأوا أحزابا وخاضوا الانتخابات."(22)


ونحن حين نقرأ كتاب طرابيشي نفهم ما كان يبدو لنا غريبا في ازدواجية شخصية المسلم، واختلالا ته واضطراباته الفصامية، بين تناقض قوله الصريح ونفسيته المضمرة، أو بين أقواله وأفعاله، بما يفيد الابتعاد عن الصدق والاقتراب من الكذب والخداع. لكن الحفر الذي قام به طرابيشي بين لنا ما كان ملتبسا حيث تلعب المرجعية القديمة لمدونة الحديث لعبتها الخطيرة وفق جدلية الخفاء والتجلي، أو التقية والتمكين، أو سياسة المراحل . فما يبدو لنا غير مبرر مثلا ككذب الاخوان حول عدم الترشح للانتخابات الرئاسية في مصر، ثم التراجع عن ذلك، أو في القبول الظاهري بالحرية والديمقراطية والدولة المدنية… كل هذا يسهل فهمه كلما حاولنا الإلمام بموروث إسلام الحديث الذي أسس لعقلية إسلامية نكوصية، لا تريد ان تخسر أوهامها الطفولية، فظلت متعلقة بمرحلة الكمون والتفكير القبل منطقي حالمة بامتلاك كلية القدرة، " فالتناقض هو شكل التفكير النكوصي بينما الهلوسة هي مضمونه…الهلوسة تؤدي وظيفة التناقض إياها فهي الأخرى لعبة إلهية." (23) وهذا ما حاول جورج طرابيشي تفكيكه بتفصيل مقنع إلى درجة تجعلنا نقف على المترسب في اللاوعي الثقافي الجمعي والذي يلعب لعبة البداهات الطبيعية، كخصوصية وأصالة وثوابت مزعومة لهوية المسلم و للأمة بصفة عامة. لكن الحفر في طبقات تشكل المقدس وسطوته لقرون، حيث انزاح عن منطق الضرورة التاريخية ليسمو كذروة عليا منزلة ومعطاة بشكل طبيعي من عند الله. إن هذا التفكيك النقدي لمدونة الحديث تتيح لنا فهم الكثير من أفكار ومواقف وعلاقات اليوم، فمثلا عندما يحتج "علاء الأسواني" ضد منطق الكذب والنفاق الديني في مقاله "هل يمثلون الاسلام أم يمثلون أنفسهم "فإنه يفعل ذلك ربما بمعزل عن طرح المشكلة في سياق عام شامل تجعله يدرك أن هؤلاء يغرفون من مرجعية الكذب والتدليس والنفاق التي أنتجتها صناعة الحديث والتي تضخمت إلى حدود التناقض والاختلاف في المتن والسند. فعند عبد الوهاب الشعراني يجد الإسلاميون مخرجا لتدليسهم وكذبهم "كما أن للشارع أن يبيح ما شاء لقوم ويحرمه على قوم آخرين، فكذلك للعلماء أن يفعلوا مثل ذلك …فمن اعترض عليهم في ذلك قلنا له إن العلماء تابعون للشارع في ذلك بدليل ما نقل إلينا في الخصائص النبوية من أنه اوجب على نفسه ما أباحه لامته وحرم عليهم ما أباحه لنفسه بإذن من ربه عز وجل إذ العلماء أمناء على شريعته من بعده فلا ينبغي لأحد أن يعترض عليهم إذا تناقض كلامهم في أبواب الفقه." (24) والفقه لم يكن في تاريخه إلا سياسيا في خدمة سلطة التسلط القهري والكهنوتي. الآن تزول – ربما - الالتباسات التي دفعت علاء الأسواني للاحتجاج في مقاله السابق . وبناء على هذا السطو على المقدس نما الكهنوت الاسلامي لرجال الدين الذين يتحكمون اليوم في قلوب ورقاب الناس ويخنقون أنفاسهم. لكن المعرفة النقدية التاريخية تعريهم كأعداء للشعوب في طموحاتها وتطورها وسعادتها، وانخراطها في التاريخ الانساني من موقع الرحمة والتسامح، ولندية والجدارة والاقتدار العلمي والمعرفي، وترك باب المغفرة والتوبة مفتوحا حيث لا دخل للإنسان فيه (إنا إلينا إيابهم ثم إنا علينا حسابهم).


وعبر قراءتنا لكتاب طرابيشي نقف على حجم التعسف في بناء آليات ومعايير وأدوات إثبات صدق وصحة الحديث النبوي من عدمه. لقد كانت نتائج ذلك كارثية بين الحديث والحديث المضاد وبين وصف الرواة بالدجاجلة والثقات في أحاديث معينة أو لكتب الفقه والتفسير والسيرة …ومع الاعتراف لنفس الرواة بالثقة والمصداقية. هكذا خبطت صناعة الحديث بشكل عشوائي أملته المصالح السياسية والاجتماعية والعشق الجنوني للسلطة، فتم تسخير المقدس فنشطت تجارة الحديث " نستطيع توصيف الصناعة الحديثية بأنها صناعة إسقاطية وابعد كل البعد عن أن تكون قابلة للوصف بأنها أثرية. فهي لا تقوم على الحفر للوصول إلى طبقات الماضي الغائرة بل تعيد تصنيع الماضي وفق هوى الحاضر، وضرورات السياسة والتفقه أو محض الشهرة أو حتى محض التجارة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن التكسب ببيع الحديث كان غدا ابتداء من منتصف القرن الثاني تجارة رائجة. "(25) هكذا انقلبت المدونة الحديثية ضد مدونة القرآن فانتقمت لنفسها بجعل السنة قرآنا غير متلو يقضي نسخا على القرآن المتلو، مما يرفع من قيمة السنة كإسلام مستحدث ومبتدع. ووعيا من أهل صناعة الحديث بمدى هشاشة مدونتهم وترهلها منطقا وعقلا لافتقارها لما يسمى إعجاز القران المتلو تم ابتداع إعجاز القوة وسيف التكفير في وجه المعارضين، وكل الفرق و الطوائف والمذاهب الأخرى، فكانت هذه المرحلة بداية لتشكل الكهنوت الاسلامي من رجال سموا بأنفسهم، مقنعين بالدين لقضاء مآربهم الخاصة ولفرض سيطرتهم وسطوتهم كحاكمية إلهية مفوضة من السماء لتطبيق الشرع/المقدس. " فمن جراء الانقلاب السني والتأليف الجماعي للمدونة الحديثية لم يتحول الرسول إلى مشرع إلا في ظاهر الأمر فحسب، أما في حقيقته فقد غدا هو نفسه مشرعا له ولكن بشريا لا إلهيا هذه المرة . ذلك أن ما حدث في إسلام التاريخ على نقيض واقع الحال في إسلام الرسالة هو أن أولئك الذين أباحوا لأنفسهم أن يكذبوا على الرسول و أن يتمادوا في الكذب عليه قد نصبوا أنفسهم في حقيقة الأمر مشرعين ونسبوا إلى تشريعهم هذا مصدرا إلهيا وذلك بقدر ما نسبوا إلى الرسول ومن ثم إلى الله عن طريق الرسول باعتبار الرسول لا ينطق عندما ينطق إلا بوحي من الله طبقا للتأويل الذي كرسه الشافعي." (26)


فانطلاقا من هذه المرحلة، لنشأة مدونة الحديث كصناعة بشرية لإنتاج مقدس ضد التنوع والتعدد والاختلاف النابع أصلا من التناقض المجتمعي، كتناقض سياسي اجتماعي اقتصادي، وتكريسا للأحادية والقطعية والتسلطية في الرؤية والمواقف والأفكار والعلاقات، تبلور إسلام الخرافة والأساطير والمعجزات الخارقة السخيفة في بنائها القبلمنطقي، ومضمونها الفكري الهلوسي، كما تبلورت وتضخمت عبر القرون جثة الحديث إلى درجة صارت شخصية الرسول كانسان بشري لا تقوى على تحمل مسؤولية هذه الاسفار من تجارة الحديث التي سادت بالحديد والنار والجهل، وتناقلتها الأجيال بأرسخ وسائل الثقافة الشعبية، المتمثلة في الحكي والسرد على شاكلة القصص الديني في ضرب الأمثال، ومع تطاول الزمن صار هذا الشكل التاريخي للمقدس الإسلامي حقيقة منزلة مطلقة ونهائية، كمعطى من عند الله، لا تقبل الشك والجدل والسؤال …و إلا تعرض صاحبه للنبذ والزندقة والتكفير والتصفية، وهذا ما يبدو في كلام أبي المظفر السمعاني " إن طريق الدين هو السمع والأثر و أن طريق العقل والرجوع إليه وبناء السمعيات عليه مذموم في الشرع ومنهي عنه …فبماذا يحتاج المسلم إلى الرجوع إلى دلائل العقل وقضاياه والله أغناه عنه بفضله وجعل له المندوحة عنه؟ …وهل زاغ من زاغ وهلك من هلك و ألحد من ألحد إلا بالرجوع إلى الخواطر والمعقولات وإتباع الآراء في قديم الدهر وحديثه؟ وهل نجا من نجا إلا بإتباع سنن المرسلين والأئمة الهادين من الأسلاف المتقدمين؟ …واعلم أن مذهب أهل السنة أن العقل لا يوجب شيئا على أحد ولا يرفع شيئا عنه ولا حظ له في تحليل أو تحريم، ولا تحسين، ولا تقبيح، ولو لم يرد السمع ما وجب على أحد شيء ولا دخلوا في ثواب ولا عقاب …واعلم أن فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو مسألة العقل". (27)


ففي غياب مثل هذا الحفر والتفكيك الذي يتيحه كتاب المفكر الباحث طرابيشي، وفي غياب النقد التاريخي وتجميع وتنظيم مادة المصادر العربية الإسلامية، بشكل منهجي نقدي، أي بدون هذا الجهد الكبير الذي أنجزه طرابيشي في كشف المستور لإسلام الحديث الذي أريد له أن يكون وحده الإسلام الحقيقي الشرعي كمقدس أنزل من عند الله، متنكرا فيه الفعل البشري وراء قناع القداسة والتسييج الإلهي الذي أضفي على صناعة الحديث، في أقوال وأفعال وجميع حركات وسكنات الرسول، كوحي غير متلو ناسخ للقران المتلو، "وبهذا المعنى لا يكون الرسول قد تحول من مشرع له إلى مشرع إلا في الظاهر فحسب، أما في الباطن، أي على صعيد البنية التحتية للصناعة الحديثية، فالعكس هو الصحيح لان سلسلة الثقات تكون هي التي استأثرت عمليا بسلطة التشريع، وهذا في سياق مسار تاريخي للإسلام طغى فيه بعد الشريعة على بعد الديانة ، "(28) قلت في غياب هذه المعرفة التي أنتجها طرابيشي يعيش المسلم حياته الدينية والاجتماعية، كبديهيات طبيعية مرسومة البداية والنهاية، وفق قدر محسوم. ولكونه ضحية الجهل بحقيقة ما جرى في التاريخ من طرف إسلام التاريخ يغلب عليه التعصب والقطعية والتبعية والتصلب الذهني والنفسي والاجتماعي والمعرفي ، في فهم دينه والدفاع عن معتقداته. هكذا تأخذ ضرورة الاختراق والزحزحة ثم التجاوز التي نادى بها محمد أركون كامل أهميتها، لأنها السبيل الأقرب إلى تفجير المسكوت عنه وفضح المستور اللامفكر فيه أو المستحيل التفكير فيه، بسبب طغيان حركات الإسلام السياسي التي تتكئ على جذور عميقة في تربة ما خلفته الآلة الرهيبة لصناعة الحديث بتواطؤ مع السلطة السياسية للانفراد بالحكم والثروة والجاه والعظمة …


فالطبقات المتراكمة التي حاول طرابيشي زحزحتها بإنتاج معرفة تاريخية نقدية حولها، هو ما يسمح لنا اليوم بتعرية الكثير من الأقنعة الدينية، وفهم الكثير من الأفكار والممارسات والمواقف الأصولية التي قد تبدو ملتبسة ومتناقضة، وفيها الكثير من الخداع والتحايل والكذب، كما هو الشأن في الأمثلة التي اشرنا إليها عن حازم أبو إسماعيل، أو مقال علاء الأسواني، أو في الحوار الذي نشرته الأوان مع طارق رمضان …لكن في ظل تمكننا من مثل هذه المعرفة التي يتيحها كتاب طرابيشي تزول جميع الطلاسم السحرية الأصولية، ويظهر الساحر المخادع عاريا أمام عدالة النقد التاريخي المنهجي العقلاني العلمي التي لا ترحم الطغاة والمندسين في لعبة الأقنعة الدينية والدين منهم براء .


من الصعب جدا على الإنسان المسلم اليوم أن يقبل بهذه الحقائق التاريخية الموضوعية التي أنتج معرفتها الأستاذ طرابيشي من خلال تفكيك نشأة وتكون وتطور سيرورة المدونة الحديثية، كقول بشري تستر عن حقيقته السياسية الاجتماعية، باعتماد آلية التسييج الإلهي للحديث. والأخطر في هذا كله هو درجة التماهي النبوي الإلهي التي وصل إليها أهل الحديث والفقهاء- في الماضي واليوم- إلى حدود الربط الآلي المباشر بينهم وبين الإسلام، وهذا ما تبلور فيما يعرف بالحاكمية الإلهية، أو الإسلام هو الحل ،أو المطالبة بتطبيق شريعتهم في الرجم والتكفير والتصفية بعيدا عن الرحمة والمغفرة والتسامح لإسلام القرآن. وقس على ذلك الكثير من العبارات والأحاديث التي ربطوا فيها بينهم وبين الإسلام كتسمية أنفسهم بالإخوان المسلمين، أو حزب الله، أو أنصار التوحيد، أو المجاهدون …فمن خلال هذا النقد التاريخي المنهجي للقول البشري يقف المسلم على حقيقة معتقده الذي هو ليس أكثر من انقلاب بشري تاريخي في حق إسلام الرسالة. فقد طالت سطوته كل شيء في حياة المجتمعات الإسلامية التي أصبحت أسيرة نصوص عصمة رجال الدين في الفهم والتفسير والفتاوي…والغريب في الأمر أن يدعي أحفاد هذا الانقلاب التاريخي على إسلام القران رغبتهم في استعادة ما يسمونه عصر النبوة والخلافة الراشدة، وهم في حقيقتهم التاريخية أول من انقلب على ذلك المشروع التاريخي، وعلى ما يسمونه العصر الذهبي الإسلامي . لم يكن ذلك التدليس والنفاق والانقلاب ليتحقق لهم في الماضي واليوم إلا من خلال القضاء النهائي على الفكر العقلي والتفكير النقدي الفلسفي برفع سيف الزندقة والتكفير في وجه الخصوم الحاملين لإرهاصات الفكر المنطقي العقلي المعتزلي والفلسفي والتنويري والحداثي. بالفعل إنه لأمر صعب على الإنسان المسلم أن يرى مرجعيته الدينية المقدسة عارية أمامه كحقيقة بشرية مشاركة ومنتجة للقول النبوي والإلهي، لكن بالمقابل سيرى الإنسان المسلم إسلام رسالة القرآن في شكل إيماني جديد لهدم الانغلاقات والعنصرية والطائفية …التي رسخها إسلام الحديث.


هنا تكمن القيمة المعرفية والعلمية النقدية لكتاب جورج طرابيشي الذي استطاع بمرونة منهجية لإستراتيجية الكتابة أن يضع بين يدي القارئ المصادر العربية الإسلامية، من خلال النقد التاريخي . إنه اختراق علمي ابستمولوجي للتسييج الإلهي للقول البشري، بعيدا عن الطرح الإيديولوجي المباشر الأقرب إلى الشتيمة والخصام العدائي الذي يستهدف الروابط الإنسانية، من خلال المس الغوغائي بمعتقدات الناس، دون مساعدتهم على إدراك ومعرفة خطورة المتاهة المسدودة التي يورطهم فيها الجهل المقدس، المولد للنكوص المعرفي، ولوهم كلية القدرة لمعجزة سبات العقل على إتيان الفعل الخارق. بالعكس كتاب طرابيشي يساعد على فك شفرة الوراثة النفسية الدينية الثقافية للإيمان التقليدي الموروث، بقدر ما يولد أسئلة تفتح إمكانيات التخلص من الوعي التقليدي الأسطوري، ومن متاهة الجمود والتخلف والانسداد الأصولي، بنشر ثقافة الوعي التاريخي التي تسمح باستئناف النمو الصحي المعرفي و المنطقي العقلاني النقدي الذي يمكن أن يؤسس لفك الارتباط الاستبدادي الكهنوتي بين الإسلام ومن يسمون أنفسهم رجال الدين، " فالإسلام لم يكن سنيا ولا شيعيا ولا خارجيا على مستوى النبي ولحظة القران. ولو قرأ هذا الكلام أحد المختصين بعلم التاريخ والإسلاميات لضحك من سذاجتنا وقال وهل هذا بحاجة إلى تأكيد أو برهان؟ لكننا نحن الذين ولدنا في الإسلام أو بالأصح في إحدى فرقه سوف نجده ( كل واحد من وجهة نظره بالطبع ) شاذا غريبا وربما هرطقة وخروجا على الإسلام فكيف حصل أن كل فرقة قد أخذت تعتبر نفسها بمثابة الفرقة الناجية أو الممثل الوحيد للخط الصحيح في الإسلام دون غيرها؟ كيف حصل أن تحاربت بالحديد والنار و لا تزال بشكل من الأشكال؟ ولماذا يعتقد الأتباع " المؤمنون" في كل فرقة أنهم وحدهم على حق و أن الآخرين كل الآخرين على ضلال؟ كيف حصل ذلك؟ ومتى؟ وأين؟ ".(29) هذه المسلمات الإيديولوجية هي التي حاول طرابيشي تفكيكها وهدمها ونزع أقنعتها ونقض هلوستها الأسطورية ونكوصها المعرفي وذلك ضدا على عودة أية قرون وسطى جديدة.


الهوامش:


1- عبد الرحمن منيف الآن هنا المؤسسة العربية للدراسات والنشر ط3 س1992ص 66


2- جورج طرابيشي من إسلام القران إلى إسلام الحديث دار الساقي ط1س 2010 ص 538


3- رولان بارط لذة النص ترجمة فؤاد صفا والحسين سحبان دار توبقال ط1 س 1988 ص 31


4- جورج طرابيشي من إسلام القران إلى إسلام الحديث ص 372


5- المرجع نفسه ص 370


6- المرجع نفسه ص 547


7- المرجع نفسه ص 554


8- المرجع نفسه ص 556


9- الخطيب البغدادي "الفقيه والمتفقه" ص 59 ضمن كتاب طرابيشي من إسلام القران إلى إسلام الحديث ص 556


10- المرجع نفسه ص 557


11- المرجع نفسه ص 414


12- المرجع نفسه ص 371


13- المرجع نفسه ص 373


14- المرجع نفسه ص 562


15- المرجع نفسه ص 571


16- جورج طرابيشي المرض بالغرب (2) ازدواجية العقل رابطة العقلانيين العرب ط1 س 2005 ص 64 . نعتقد انه لو اتيحت الفرصة لطرابيشي لكتابة هذا الكتاب بعد كتاب من إسلام القران إلى إسلام الحديث سيكون عميقا ومختلفا عما هو عليه الآن في دراسته لازدواجية العقل المسلم في حده الاقصى (عند الفيلسوف النبي) من خلال كتابات حسن حنفي نموذجا وماذا عن المرض بالإسلام؟


17- جورج طرابيشي من إسلام القران إلى إسلام الحديث ص 375و376


18- المرجع نفسه ص 466


19- المرجع نفسه ص 625و626


20- المرجع نفسه ص 627


21- المرجع نفسه ص 533


22- علاء الأسواني هل يمثلون الإسلام أم يمثلون أنفسهم مقال منشور في الاوان


23- جورج طرابيشي المرض بالغرب (2) ص 68


24- جورج طرابيشي من إسلام القران إلى إسلام الحديث ص 476


25- المرجع نفسه ص 380


26- المرجع نفسه 478 و479


27- المرجع نفسه ص620


28- المرجع نفسه ص388


29- هاشم صالح مخاضات الحداثة التنويرية دار الطليعة ط1 س 2008 ص 244

 

 
تعليق: هاشم صالح - الأوان 24/1/2012
عنوان التعليق: جورج طرابيشي وتحرير الذات العربية من الانغلاقات التراثية

إلى متى سيظل الماضي يتحكم بالحاضر، والعصور الوسطى بالعصور الحديثة؟ ما الذي ينقصنا الآن بشكل موجع؟ الخبز والملح دون شك. ولكن بعد ذلك مباشرة يجيء الفكر: قصدت التحرر من تراثية التراث، أو ماضوية الماضي التي تشدّ إلى الخلف وتعرقل الإقلاع الحضاري. وكيف نتحرر مما هو أقرب إلينا من حبل الوريد؟ بالقفز فوقه؟ بدفن الرؤوس في الرمال كما تفعل النعامات أو حزب البعث وبقية الأحزاب التقدمية العربية؟ أبداً لا. عن طريق مواجهته وجهاً لوجه. وهذا ما يفعله جورج طرابيشي في كتابه الضخم الصادر عن دار الساقي في أكثر من ستمائة صفحة. إنه يستعرض تاريخ التراث من أوله إلى آخره: من اللحظة القرآنية إلى اللحظة المعاصرة مروراً بكيفية تشكّل السنّة والفقه وعلم الكلام والصراع الحنبلي- المعتزلي وانتصار الحنابلة وهزيمة العقل وسقوط الحضارة العربية الإسلامية برمّتها والدخول في عصور التكرار السكولائية الاجترارية أو ما يدعى بعصر الانحطاط الخ..إنه يقوم بغربلة كاملة للتراث وما أحوجنا إلى مثل هذه الغربلات النقدية الجريئة. قد يقولون: وما علاقة كل ذلك بحاضرنا والمشاكل الملحة الملتهبة التي نعاني منها؟ لماذا تريد أن تغطسنا في الماضي، بل والماضي البعيد، ونحن أحوج ما نكون إلى الانهماك في الحاضر ومشاكله العويصة؟


لطالما سمعت هذا الاعتراض من السطحيين والمتسرعين. علاقته أكثر من علاقة. هل انتهت السلفية؟ هل انتهت الحنبلية؟ هل انتهت العقلية التراثية الطائفية أم أنها لا تزال تتحكم برقابنا من المهد إلى اللحد؟ انظروا إلى اكتساح الإخوان والسلفيين لكل الانتخابات العربية مشرقاً ومغرباً. هذا الانتصار يؤكّد أن الماضي هو الذي يتحكّم بالحاضر وليس العكس. الأموات هم الذين يحكمون الأحياء وليس العكس. هذا يعني أننا لم نصفِّ حساباتنا مع الماضي حتى الآن ولم نتجاوز العقلية التراثية بل ولم نتجرأ على مواجهتها أو مساءلتها بالفعل. والسبب هو نقص الكتب الفكرية التي تستعرض تاريخ التراث بشكل علمي تاريخي، لا بشكل غيبي تقديسي أسطوري. فهذا الأخير يملأ المكتبات والمدارس والجوامع والجامعات. كتب التراث تملأ معارض الكتب، بل وتفترش الشوارع والأرصفة في كل المدن العربية.


طرابيشي والحفر الاركيولوجي عن أعماق التراث


من لم يطّلع على التراث الإسلامي من خلال مصادره الرئيسية، من لا يملك الوقت الكافي لنفض الغبار عن كتب التراث وقراءتها قراءة متأنية والصبر على وعورة أسلوبها القديم المغرق في القدم، فليطّلع على كتاب جورج طرابيشي وبقية الكتب التجديدية المعمّقة. إنها توفّر عليه معاناة كبيرة ووقتاً ثميناً جداً. بعد قراءتها تشعر بأن التراث استضاء أمامك، كصفحة بيضاء متسلسلة، من أوله إلى آخره. وأهم ميزة للبحوث الفكرية الرائدة هو أنها تسقط التصورات اللاتاريخية الضخمة عن التراث العربي الإسلامي. وهي تصورات تسيطر على وعي الملايين من الهند والباكستان وبنغلاديش وأندونيسيا إلى بلاد الفرس والترك والعرب وحتى الجاليات الإسلامية في البلدان الغربية المتحضرة. وهي الجاليات التي صوتت لحزب أصولي تونسي بنسبة كبيرة مؤخراً.. هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنأخذ مصطلح النبيّ الأمّي الذي يفكّكه طرابيشي ويحرّره. أقصد يفكّك المعنى التراثي الراسخ في العقلية الجماعية منذ مئات السنين، ويحلّ محل المفهوم العقائدي الإيماني اللاتاريخي المفهوم التاريخي الحقيقي. كل الأبحاث الريادية الجديدة تصدم الناس في البداية وبخاصة جمهور المؤمنين التقليديين لأنها تطيح بيقينيات راسخة رسوخ الجبال. هذا ما فعله كبار مفكري الغرب بالنسبة للمسيحية. انظر مثلا ارنست رينان وكتابه الشهير عن يسوع. وهذا ما يفعله طرابيشي هنا بالنسبة للإسلام. لا تحرّر بدون صدمات كهربائية، بدون خلخلات عقلية.


لنفكر هنا ولو للحظة بالعصبيات الطائفية والمذهبية التي تعمر العقول والتي تهدد الآن دولنا بالحروب الأهلية، فالانشطار والتقسيم. من يجرؤ على نقدها أو تفكيكها؟ من يجرؤ على نقد المقدسات؟ ذلك أن نقد الطائفية يعني نقد حديث الفرقة الناجية وهو مقدس ومعصوم في الوعي الجماعي ولا يمكن المساس به. ما دام هذا النقد ممنوعاً في الثقافة العربية فلا تحرير ولا حرية، لا ديمقراطية ولا دولة مدنية دستورية حديثة. كله كلام فارغ للاستهلاك المحلي أو للمتاجرات السياسية. كتاب جورج طرابيشي يعتبر بمثابة حفر أركيولوجي في أعماق التراث بغية الكشف عن الجذور الدفينة لهذه المعتقدات اللاهوتية والعصبيات الطائفية الراسخة. بهذا المعنى فهو كتاب تحريري بدون شك. كل الكتب التحريرية تعود إلى الماضي البعيد لنبشه وتبيان تاريخيته أي بشريته ونزع هالة القداسة والمعصومية عنه.. لنفكر هنا ولو للحظة بكتب سبينوزا التي عرّت العقائد اليهودية- المسيحية وشكّلت فضيحة كبرى في عصرها بسبب ذلك. نفس الكلام ينطبق على نقد نيتشه للمسيحية أو نقد ارنست رينان المذكور آنفاً. ومعلوم أنّه يقدّم صورة تاريخية عن نشأة المسيحية وشخصياتها الكبرى بما فيها شخصية يسوع ويسقط التصورات التبجيلية الأسطورية التقديسية اللاتاريخية. ولذلك غضبوا عليه وهدّدوه. فقد صدم الوعي المسيحي آنذاك في الصميم.


محمد أركون في كتابه الجديد الذي من المقرّر أن يصدر بالفرنسية والعربية بشكل متزامن الشهر المقبل يمشي في هذا الاتجاه بالطبع. وفيه يتحدث لأوّل مرّة بشكل مطوّل عن حياته الشخصية ومساره الفكري. ويمكن اعتباره بمثابة وصيته الأخيرة التي تصدر بعد رحيله. إنه يشبه كتب المذكرات إلى حدّ كبير. وقد فاجأني العنوان لكيلا أقول صدمني للوهلة الأولى. فإذا صدمني أنا فما بالك بالجمهور العريض؟ العنوان نيتشوي بامتياز: "التشكيل البشري للإسلام". (منشورات ألبان ميشال، باريس. والمركز الثقافي العربي، الدار البيضاء). إنه يذكرك بالعنوان الشهير لكتاب نيتشه: "بشري، بشري أكثر من اللزوم. كتاب موجه إلى "الرجال الأحرار" وبالطبع إلى النساء الحرائر أيضا، أي إلى كل شخص حرّ يريد أن يخرج من سجون الماضي وأغلاله وتصوراته الغيبية اللاتاريخية. وهو مهدى إلى فولتير: إلى فولتير، أحد كبار محرري الروح البشرية… ولكن سوف أطمئن القارئ فوراً: هذا الكتاب لا يعني إطلاقاً إنكار البعد السماوي الإلهي المتعالي للقرآن والإسلام. وإنّما يعني فقط الكشف عن البعد الآخر الذي طُمس بعد هزيمة العقل المتزامنة مع سقوط المعتزلة والفلاسفة وانتصار الحنابلة: أي الكشف عن البعد التاريخي والإسهام البشري في تشكيل تراث الإسلام. وبالتالي هدّؤوا من روعكم…


M. Arkoun, La Construction Humaine de l’Islam: Entretiens avec Rachid Benzine et Jean-Louis Schlegel, Albin Michel, Paris, 2012.


لكن لنعد إلى كتاب "من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث" الذي لا يخرج أصلا عن إطار هذا التراث الفلسفي الطويل العريض الممتد من سبينوزا وحتى اليوم، تراث الأنوار الأوروبية والعالمية للفكر البشري. يفرّق طرابيشي منذ البداية بين القرآن والسنّة. وهو نفس التفريق الوارد لدى بلاشير وتلميذه أركون بين الحدث القرآني، والحدث الإسلامي. لماذا هذا التفريق؟ لأنه يوجد لدى الوعي الإسلامي خلط كبير بينهما حتى ليكادان يشكلان شيئاً واحداً. ولكن القراءة التاريخية المتدرّجة التي يتبعها طرابيشي تثبت العكس. فلحظة القرآن غير لحظة تشكّل السنّة والحديث النبوي والفقه والتشريع.. من هنا عنوان الكتاب: "من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث". هذا لا يعني أنه لا توجد علاقة بينهما! ولكن يوجد تمايز لا ينبغي إغفاله. من هنا تلك العبارة الشهيرة التي يستشهد بها طرابيشي ويضعها في مقدمة كتابه: السنّة هي القاضية على القرآن وليس القرآن هو القاضي على السنّة. بالطبع لا ينبغي أن نفهم هذه العبارة المنسوبة إلى الإمام الشاطبي أو الإمام الأوزاعي قبله على أساس أنّ السنّة أعلى من القرآن أو أفضل منه. وإنّما ينبغي ان نفهمها على الأساس التالي: بما أن السنّة جاءت بعد القرآن من حيث الزمن فإنها هي التي عن طريقها نفهم القرآن ونحكم عليه(قاضية)، وليس عن طريق القرآن نحكم عليها.القرآن ليس حكما أو قاضيا على السنّة لسبب بسيط: هو أنه جاء قبلها وبالتالي لم يعرفها فكيف يمكن أن يحكم عليها؟


لكي يوضح طرابيشي فكرته أكثر عن الفرق بين إسلام القرآن وإسلام الحديث أو السنّة فإنه يدرس بشكل تاريخي كيفية تشكّل السنّة على مدار القرون الثلاثة الأولى من عمر الحضارة العربية الإسلامية وارتباط ذلك بتشكل الفقه ومجموعات الحديث الكبرى. وهنا يكشف عن الدور الكبير الذي لعبه الفرس في تشكيل السنّة. ومعلوم حجم المنافسة التي حصلت بين الفرس والعرب في القرون الأولى. والواقع أن معظم مؤلفي كتب الحديث والمذاهب كانوا من الموالي لا من العرب: أبو حنيفة، والبخاري، وسيبويه فيما يخص علم اللغة، الخ..يقول المؤلف بالحرف الواحد: "ذلك أنه ما كان لنار النزعة الاثنية الفارسية أن تخمد تحت رماد الإسلام. فالإسلام الذي حمل إلى أعاجم البلدان المفتوحة، وفي مقدمتهم الفرس، كان إسلام قرآن لا يد لهم فيه، وما أنزل أصلا برسمهم. بالمقابل فإن الإسلام الذي أعادوا تصديره إلى فاتحهم كان إسلام سنّة كانت لهم اليد الطولى في إنتاجه، وهو الإنتاج الذي استطاعوا أن يؤسّسوا أنفسهم من خلال إتقان صناعته -كما سيتضح في الفصول التالية- في طبقة متفقّهة عاتية النفوذ حبت نفسها، عن طريق التطوير المتضافر للمدونة الحديثية والمدونة الفقهية، وبالتالي للمؤسسة الإفتائية، بسلطة تشريعية لم يقرّ بها القرآن للرسول نفسه". (ص 103). لقد أصبحت طبقة رجال الدين هي الوسيطة بين المسلم والله في حين أن القرآن لم يقرّ بأية وساطة اللهم إلا للنبي نفسه مبلّغ الرسالة. وهكذا تحول الإسلام إلى دين كهنوتي مثله في ذلك مثل غيره في حين أن المسلمين يرددون مفتخرين على المسيحيين: لا كهنوت في الإسلام! ولكن ماذا يفعل القرضاوي اليوم ومئات شيوخ الفضائيات؟ القرضاوي أصبح رئيساً للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين: أي تقريباً البابا أو حتى الناطق الرسمي باسم الله على الأرض! فتاواه أصبحت أشهر من نار على علم! إنه يأمر وينهي، يزجر ويردع، على هواه: أو قل على هوى الأوامر التي يتلقاها من دويلة قطر العظمى التي أصبحت تتحكم بالعالم العربي وتريد إدخال كل العرب في العصر الوهابي السلفي الإخواني. والغرب الأبله يصفق! كما يقول المازري حداد..


كتاب طرابيشي وان لم يكن يتحدث عن ذلك مباشرة إلا أنه يكشف لنا كيف وصلت الأمور إلى هنا. إنه يعرّي لنا الجذور الأولى الدفينة لكيفية تشكل طبقة الفقهاء العاتية النفوذ. فالقرضاوي ليس بدايتها ولا نهايتها وإنّما حلقة من حلقاتها الممتدة على مدار التاريخ. إنه أحد فقهاء السلاطين لا أكثر ولا أقل. أقول ذلك رغم أنه يبدو لي أحياناً أكثر وعياً واستنارة من بعض مشائخ السلفية الآخرين المغلقين كلياً على العصر الحديث. على أي حال فالقصة طويلة تعود إلى ألف سنة على الأقل. من هنا صعوبة مواجهة رجال الدين في العالم العربي حالياً. لا أحد يتجرأ على مناقشتهم أو دحض أفكارهم المتخلفة. يستحيل على أي مثقف عربي أن يواجه أصغر رجل دين على شاشات التلفزيون. إنه مهزوم سلفاً أمامه. لماذا؟ لأنهم يستطيعون تكفيرك في أي لحظة من لحظات النقاش بل ويدعون إلى قتلك علناً وشرعاً. ويصدّقهم الجمهور البسيط الجاهل بشكل أتوماتيكي. من هنا اكتساحهم لكل الانتخابات والاستفتاءات الشعبية. فهم يتمتعون بمشروعية تعود إلى ألف سنة إلى الوراء. هذا في حين أن عمر الحداثة قصير لدينا. ولذا فإنها تبدو غريبة، طارئة، لا مشروعية لها ولا جذور راسخة في الأرض العربية الإسلامية. الجذور الراسخة هي للأصوليين فقط. لهذا يكتسحون الانتخابات "الديمقراطية" حالياً. لذلك أقول بأن المواجهة غير متكافئة على الإطلاق. ولن تصبح متكافئة قبل مرور وقت طويل. وضعنا الحالي يشبه وضع المسكين جان جاك روسو أمام مطران باريس "كريستوف دو بومون" الذي لم يكن يقل طغياناً وهيمنة عن القرضاوي حالياً. ومع ذلك فإن روسو تصدى له بكل جرأة وشجاعة في إحدى أهم معارك عصر التنوير. وقد خاطر روسو بنفسه إذ تجرأ على الرد عليه وعلى تكفيره له. ولكن ما همّ؟ روسو كان مُلاحقاً من كل الجهات عندئذ وكانت كتبه تحرق في باريس وجنيف وبيرن وامستردام وبرلين دفعة واحدة! أنا الغريق فما خوفي من البلل؟..من هنا عظمة روسو. ولكن بعد ذلك بربع قرن فقط اندلعت الثورة الفرنسية وانتقمت لجان جاك روسو خير انتقام. ولاحقت مطران باريس وجماعة الأصوليين في كل مكان حتى اختفوا عن الأنظار.. تلك كانت ثورة حقيقية لها معنى! ثورة تدفع إلى الإمام، ولا ترجع بك إلى الخلف!


الفقه القديم يقضي على التاريخية ويشل التطور


لكن هناك ما هو أخطر من ذلك: فالفقه القديم بسبب خلع المشروعية الإلهية من قبل الفقهاء أصبح معصوماً لا يتغير ولا يتبدل مهما تغيرت الظروف والأحوال. وهذا ما شلّ العرب والمسلمين عموماً عن التقدّم والتطوّر. إنه يلجمهم في كلّ مرة يحاولون النهوض أو التقدّم إلى الإمام. إنه يعيدهم إلى الوراء صاغرين. وذلك على عكس القانون الوضعي الذي يساير تقدّم المجتمع ويتغير في اللحظة المناسبة لكي يسمح بتطوره. هذا التجميد للقانون الإسلامي كانت له نتائج كارثية. يقول طرابيشي: "ولكن ما ربحه الوجود العربي الإسلامي على صعيد الاستمرارية التاريخية -رغم الفاصل الطويل الذي مثلته الخلافة العثمانية- خسره على صعيد الانقطاعية الحضارية. فلئن يكن التشريع الإسلامي، الذي عزا نفسه من خلال السنّة المنسوبة إلى النبي مصدراً إلهياً قد صان ذلك الوجود وحفظه، فإنه بالمقابل قد شلّه عن التطوّر بقدر ما جمّده في وضعية ثابتة ومكرّرة لنفسها وعابرة لشروط الزمان والمكان". (ص 106). ثم يردف قائلا: "فتشريع كهذا ما كان له إلا أن يكون حاكماً على التاريخ بدلاً من أن يكون -كما في مثال التشريع الوضعي- محكوماً به. والخروج من حكم التاريخ هو بمثابة خروج من التاريخ نفسه. وربما تكون تلك هي كبرى مفارقات إسلام التاريخ: فنسبته نفسه، على منوال إسلام الرسالة، إلى مصدر الهي قد قضى عليه أن يكون إسلاماً لاتاريخياً. وهذه اللاتاريخية كانت ولا تزال هي النسغ المغذي للممانعة العربية، على صعيد العقليات والبنى الاجتماعية على الأقل، لآمر الحداثة". (ص 107).


كيف يمكن أن نعلق على كلام طرابيشي هذا؟ لا ريب في أن كلامه صحيح. ولكن عدم تركيزه بشكل كاف على التفريق بين العصور الوسطى والعصور الحديثة قد يوهم بالوقوع في خطيئة المغالطة التاريخية وهو لا يقع فيها أصلاً. فما يأخذه على التراث كان شيئاً إجبارياً بل وطبيعياً بالنسبة لعقلية العصور الوسطى. وما كان للأمور أن تسير في تلك العصور إلا على هذا النحو الذي وصفه بدقة. وبالتالي فلا ينبغي أن نلوم تلك العصور أو أهلها على شيء يتجاوز سقفهم أو سقفها. فالتشريع الوضعي المنفصل عن السماء الإلهية كان أمراً مستحيلاً آنذاك. كان يدخل في دائرة اللامفكر فيه أو المستحيل التفكير فيه إذا ما استخدمنا مصطلحات محمد أركون أو ميشيل فوكو أو الابيستمولوجيا المعاصرة بشكل عام. وبالتالي فلا يمكن أن نلوم أناس تلك العصور الغابرة على عدم تبني القانون الوضعي ذي الأصل البشري القابل للتعديل والتحسين والتطوير. ولكن الشيء الذي لم يعد مقبولاً ولا مفهوماً هو أن تستمر هذه العقلية التبجيلية في العصور الحديثة وأن تهيمن على فكر المسلمين حتى هذه اللحظة. هذا هو الشيء الذي يبرّر الاستنكار وليس حصول ذلك في العصور الخوالي. لا يمكن أن نلوم المسلمين السابقين لأنهم فعلوا ذلك: أي قدّسوا تاريخهم وأسطروه. فهذا ما فعلته كل الشعوب والأديان من اليهودية إلى المسيحية إلى الإسلام. ومعلوم أن فلاسفة عصر التنوير أمضوا جلّ عمرهم في نزع التقديس والأسطرة عن التراث المسيحي. ولاقوا في سبيل ذلك صعوبات ومقاومات وتكفيرات لا حصر لها. بل وعرضوا أنفسهم للخطر الأعظم أكثر من مرة.. ولكن يمكن أن نلوم المسلمين المعاصرين على استمراريتهم على نفس نهج أسلافهم: أي عدم فعل أي شيء لتحرير تراثهم من أغلال الماضي وتحرير أنفسهم بالتالي من رواسبه وعراقيله وانغلاقاته المزمنة. هنا يتخذ كلام طرابيشي كل دلالاته ومعناه.


أضيف إلى ذلك أن إسلام الرسالة هو أيضا تاريخي مثل إسلام التاريخ. فأرخنة القرآن الكريم سوف تحصل يوما ما بل وقد ابتدأت تحصل منذ الآن على الأقل في اللغات الأجنبية الاستشراقية كالألمانية والانكليزية والفرنسية. انظر أرخنة القرآن من نولدكه وحتى جاكلين شابي.. ولكن يبقى منهج طرابيشي صحيحاً ومضيئاً إذ يحاول التفريق بين الإسلام القرآني وإسلام الفقهاء الذي تلاه. فهناك فرق حتى في الصياغات اللغوية: فأسلوب القرآن غير أسلوب الفقهاء والمحدثين..


هل سيتحكم النص القديم بالواقع أو بالحياة إلى أبد الآبدين؟!


أنتقل الآن مع المؤلف إلى مسألة أخرى. في فصل بعنوان: مالك بن أنس: هامش من الحرية، يحاول طرابيشي توضيح العلاقة بين النص المقدس والواقع. وهي علاقة رهيبة لا تزال تتحكم بالعقل العربي حتى هذه اللحظة. بل وتشكل وسواساً للمؤمنين التقليديين وكابحاً للتقدّم والتحرّر من قيود العصور الوسطى اللاهوتية وفتاواها الإكراهية التكفيرية. يقول المؤلف موضّحاً الإشكالية: "من الممكن تعريف العقل النصي، وهو العقل المميز لجميع الحضارات المتمركزة دائرياً على نفسها نظير الحضارة العربية الإسلامية، بأنه العقل الذي يقدّم تعقّل النصوص على تعقّل الواقع، أو يرهن الثاني بالأول. ولكن حتى مثل هذا التعريف ينطوي على تدرجات تتراوح بين عقل اندفاعي ينطلق من النص إلى الوقائع ليكاثر من تأويلاته ويغنيها ويطورها، وعقل نكوصي يرتد من الوقائع إلى النص فيفقرها ويعدم فروقها ويلاشي تلاوينها، ويفقر، بالضربة نفسها، النص وقابليته للتعدد التأويلي ومطواعيته للتكيف مع شروط الزمان والمكان تبعاً للقاعدة الفقهية الشهيرة: تتبدل الأحكام بتبدل الأحوال. ثم يضيف: النص بحكم مصدره الإلهي، أو المقدّس في الأحوال جميعاً، لا يمكن أن ينطق إلا بحقيقة واحدة هي الحقيقة بألف ولام التعريف (أي الحقيقة المطلقة) (ص 111-112).


كيف نفهم هذا الكلام؟ كل من تناقش مع أحد الإخوة الأصوليين حتى المعتدلين منهم يسمع منهم في إحدى اللحظات عندما يحتدم النقاش هذه العبارة: يا أخي حيث يوجد نص لا أستطيع أن أفعل شيئا! بمعنى أني مضطر لإلغاء عقلي أمام النص. مثلا عندما يقول النص: ولا تشربوا الخمرة، فإن ذلك يعني السمع والطاعة وعدم شرب قطرة خمر حتى نهاية الأزمان وإلا فإنك تخرج عن أمة الإسلام. هذا الخوف من النص، هذا الرعب أمام النص، أكاد أقول هذا الانبطاح أمام النص، يميز كل العقليات الأصولية الحرفية ليس فقط في الإسلام وإنّما أيضا في المسيحية واليهودية الأرثوذكسية. لاحظ شلل اليهود يوم السبت وعدم القيام بأي حركة حتى ولو أدى ذلك إلى كارثة في البيت! لاحظ ملاحقة اليهود السلفيين للمرأة خصوصاً في إسرائيل حالياً. فهم يعتبرونها فاجرة وفاسقة إذا ما لبست القصير مثلاً تماماً كما نفعل نحن. هذه العبودية للنص لا يمكن أن يتحرر منها المؤمن الليبرالي أو العلماني إلا عن طريق التفريق بين جوهر النص وحرفيته. أما الأصولي المتشدّد فيظل مرتبطاً بحرفية النص. فتحريم الخمرة مثلا يمكن تأويله على أساس أن الإكثار منها يؤدي إلى السكر، فالعربدة، فالعبث بحقوق الآخرين والتعدي عليهم، الخ.. أما شرب القليل منها فمفيد للصحة بحسب رأي الأطباء ولا يؤدي إلى أي تجاوز للحدود أو تكسير للصحون أو اعتداء على الآخرين. وبالتالي فلماذا تحريم القليل بحجة أن الكثير ضارّ؟ لماذا تحريمه إذا كان مفيداً للجسم ومنشّطاً للروح؟ وهل ينبغي أن نبقى سجناء المعنى الحرفي للنص إلى أبد الآبدين؟ لكن ينبغي أن نذهب إلى أبعد من ذلك. ينبغي أن نتجرأ على أرخنة النص المقدس نفسه: أي ينبغي أن نربطه بظروفه وحيثياته الزمكانية (القرن السابع الميلادي. شبه الجزيرة العربية). هذه الأرخنة التحريرية حصلت في المسيحية واليهودية ولكنها لم تحصل حتى الآن في الإسلام. من هنا الحيرة الرهيبة والمعضلة الكبرى التي يعيشها عالمنا الإسلامي اليوم.


الإمام الشافعي يرفع السنّة إلى مرتبة القرآن


هنا "يمسك طرابيشي نص الإمام الشافعي بتلابيبه" إذا جاز التعبير، مسكة حقيقية. وويل لمن يقع في يد جورج طرابيشي! فهو قارئ ماهر وفيلولوجي حقيقي لا يخفى عليه شيء! إنه لا يقل خطورة عن المؤرخين الفيلوجيين الألمان. كيف حصل ذلك؟ ينبغي أن نقرأ الصفحات من 178 وما تلاها لكي نفهم الجواب. فالشافعي وجد أنه لا يمكن رفع السنّة، أي الحديث النبوي، إلى مرتبة القرآن إلا إذا استطاع المطابقة بين كلمة "الحكمة" الواردة كمرادف للوحي في القرآن وكلمة السنّة. ولكي يتوصل إلى هدفه فانه يقوم بقراءة انتقائية تحيّزية للآيات التي ترد فيها كلمة حكمة. كيف؟ يقول طرابيشي بأن كلمة حكمة واردة في إحدى وثلاثين آية من آيات القرآن. ولكن الإمام الشافعي لا يركّز إلا على سبع منها مهملاً الآيات الأربع والعشرين الأخرى تماماً. فهل تم ذلك بمحض الصدفة يا ترى؟ هل نسيها؟ ألم يرها؟ أبداً لا. عندما نطّلع على الآيات كلها نلاحظ أن الجواب هو بالنفي. فالآيات التي يذكرها ويركز عليها تذكر الحكمة كمرادف للوحي القرآني أو الإسلامي فقط. أما الآيات التي يهملها فتذكر كلمة الحكمة كمرادف للوحي اليهودي أو المسيحي أيضا وليس فقط القرآني! والواقع أن القرآن يذكرها كمرادف لكل أنواع الوحي التوحيدي سواء أكان يهوديا أم مسيحيا أم إسلاميا. قال الشافعي: "فرض الله على الناس إتباع وحيه وسنّة رسوله، فقال في كتابه: ربّنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم. (البقرة 129) وقال جل ثناؤه: كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون. (البقرة 151) أما الآيات التي أهملها الإمام الكبير في رسالته الشهيرة فتقول ما يلي: ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل (آل عمران 48)، أي يعلم عيسى بن مريم. ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين (الجاثية 16) الخ.. نستنتج من ذلك أن الحكمة مرتبطة بكل النبوات وليس فقط بنبوة النبي الأكرم. ولكن الإمام الشافعي لم يذكر الآيات الأخرى التي تقول بأن الحكمة أعطيت أيضا للشعوب غير الإسلامية وذلك قبل ظهور الإسلام. لماذا؟ لأن ذلك يتيح له أن يطابق بين مفهوم الحكمة ومفهوم السنة، وانطلاقا من ذلك يتوصل إلى هدفه النهائي والأخير: أي رفع السنة إلى مرتبة الوحي القرآني من حيث العصمة والقداسة. إنها حيلة ذكية أو تخريجة ماهرة فعلاً.


إذن كان الإمام الشافعي أول من رفع السنة (أي الحديث النبوي أساساً) إلى مرتبة القرآن في الإسلام. وهذه حقيقة يعترف بها كبار الباحثين المختصين بالدراسات الإسلامية. ولكن هذه هي أول مرة أجد فيها باحثاً يكشف بدقة عن خفايا عملية الرفع هذه وكيف تمّت. وهذا شيء يذكر لطرابيشي ويبرهن على انه قارئ بارع لكتب التراث القديم. أتذكر أن أستاذنا أركون كان دائما يفرق بين الخطاب النبوي، أي القرآن، وبين كل الخطابات التي جاءت بعده بما فيها الحديث النبوي وكلام كبار الفقهاء والمفسرين والمحدثين والمتكلمين الخ. كان يقول ما معناه: الخطاب القرآني هو خطاب نبوي مثل الإنجيل والتوراة: أي خطاب مجازي عالي المستوى. وبالتالي فهو مفتوح على مطلق الله وتعددية المعنى. من هنا عظمة القرآن وبقاؤه الخالد. أتذكر أني كنت سائراً في إحدى المرات في شارع محمد الخامس بالقنيطرة، وفجأة لمحت أمام عيني لافتة كبيرة تتصدر الشارع مكتوبا عليها بالحرف العريض هذه الآية: "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون". فجمدت في أرضي للحظات لكي أتذوق بلاغة الآية وعظمتها قبل أن أواصل مسيرتي. كنت قد قرأت هذه الآية في صغري مئات المرات ولكن قراءة تلاوة عبادية، أما الآن فإني أقرؤها قراءة فكرية وميتافيزيقية وجمالية بكل ما للكلمة من معنى. ليس غريبا إذن أن يكون الفقهاء القدامى قد تحدثوا عن إعجاز القرآن. فهو فعلا معجزة النبي محمد عليه الصلاة والسلام. عندما تصيب المسلم مصيبة يكفيه أن يتذكر إحدى الآيات ويتلوها لكي يزول عنه الهم والغم.. ولكن الفقهاء الذين جاؤوا فيما بعد كالإمام الشافعي وسواه حصروا الخطاب القرآني في معنى واحد وجمدوه وأفقروه ودفعوه في اتجاه التعصب للطائفة الوليدة: أي للطائفة الإسلامية. ومعلوم أنها كانت في طريق التشكل والانبثاق آنذاك من خلال المواجهة الصراعية مع الطائفتين الأخريين الموجودتين في بلاد الفتوحات بكثرة وبخاصة الطائفة المسيحية التي كانت تسيطر على معظم البلدان آنذاك من سوريا وفلسطين إلى مصر إلى العراق…لهذا السبب بالذات أخفى الشافعي، وهنا يكمن اكتشاف طرابيشي المدهش، كل الآيات التي تذكر الحكمة كمرادف للوحي اليهودي والمسيحي ولم يستبق إلا الآيات السبع التي تذكرها كمرادف للوحي القرآني فقط. هنا نلمس لمس اليد مدى انفتاح القرآن على الآخرين ومدى انكماش الفقهاء ورغبتهم في نبذ كل من ليس مسلماً. وبالتالي فهم الذين أسسوا الانغلاق اللاهوتي الطائفي في تاريخنا وليس القرآن الكريم الذي يحتوي على آيات مدهشة في انفتاحها على بقية الأديان والقبائل والشعوب.


اللاهوت القديم والانسداد التاريخي


لهذا السبب يرى بعض المؤرخين أن موقف التعصب ضد الأديان الأخرى هو من بلورة الفقهاء بالدرجة الأولى لا من بلورة القرآن الكريم. فبالإضافة إلى بعض آيات التشدد هناك آيات التسامح العديدة جداً في كتاب الله. ولكن المشكلة هي أن الفقهاء منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم يتصرفون وكأن آيات التسامح غير موجودة في القرآن! لا تعجبهم إلا الآيات العنيفة الحادة اللهجة ضد أتباع الأديان الأخرى. ابن حزم كان يعتقد بأن آية السيف وحدها نسخت نحواً من تسعين آية كما يقول طرابيشي (ص 385) في هامش طويل. أكتب هذه الكلمات بعد أن وقع بصري على مقالة لصبري حسنين من القاهرة في جريدة إيلاف الالكترونية وهي مقالة شديدة الدلالة والمعنى. يقول فيها الكاتب: "وصف داعية سلفي مصري الأقباط واليهود بأنهم كفار. وقال ياسر برهامي زعيم السلفيين بالإسكندرية في مؤتمر انتخابي بمحافظة الدقهلية أن اليهود والنصارى كفار بحكم القرآن مشيرا إلى أن لهم حقوقا أقرّها الله. وأضاف برهامي موازين الأمر لا بد أن تكون على ميزان الشريعة، ولن أتحمل القول بغير الشريعة، وعندما يسألوني عن اليهود والنصارى، ويطلبون مني أن أغير قولي من أجل السياسة، أرفض وأقول إن النصارى واليهود كفار، ولن أقول إنهم مؤمنين، كلام ربنا حأغيره؟!"


كيف نقرأ هذا الكلام؟ إنه شديد الدلالة والمغزى. إنه يعبر عن أكبر انسداد تاريخي في تاريخنا. وعلى صخرة هذا الانسداد تتكسر كل محاولات المفكرين لفتح ثغرة في جدار التاريخ المسدود منذ أكثر من ألف عام. انه انسداد لاهوتي بالدرجة الأولى قبل ان يكون انسداداً سياسياً او اجتماعياً. وينبغي ان نقر للشيخ السلفي بفضيلة الصراحة والوضوح على الرغم من اختلافنا الجذري معه. فعندما فاوضوه لتعديل كلامه بغية التكتيك السياسي رفض قائلا هذه العبارة المرعبة: كلام ربنا حأغيره؟! هنا يكمن الانسداد التاريخي او اللاهوتي بالضبط. هنا تكمن أزمة الوعي الإسلامي المعاصر في الصميم. ما معنى الأزمة المستعصية؟ ما معنى الأزمة المدمرة التي لا منفذ فيها ولا مخرج ولا خلاص؟ إنها الأزمة التي تجعلك تقف بين موقفين متضادين فتشعر وكأنك محصور بين فكي كماشة. فالشيخ الجليل إذا ما استجاب لطلبهم وقال بأن اليهود والنصارى ليسوا كفاراً يكون قد أرضى قيادة الحزب السلفي ووفّر عليها عناء الانتقادات الداخلية والخارجية التي تضعف مواقف السلفيين سلطوياً وسياسياً. وإذا ما رفض ذلك يكون قد أرضى نفسه وربه وظلّ مخلصاً للقناعات الراسخة التي تربى عليها. ضع نفسك مكانه ولو للحظة واحدة. إنه موضع صعب لا يكاد يحتمل. ذلك أن التأويل السلفي للدين الإسلامي يكفّر ليس فقط اليهود والنصارى وإنّما أيضا الطوائف الشيعية برمتها. والسلفي لا يستطيع أن يخرج على هذه القناعات إلا إذا خان نفسه وضميره. هل تريدون أن يقتل نفسه؟ على هذا المستوى من العمق ينبغي أن نموضع أزمة الوعي الإسلامي المعاصر. وهي نفس الأزمة التي عاشها الوعي المسيحي في المنعطف الفاصل بين القرنين السابع عشر والثامن عشر والتي كان بول هازار قد شخصها مطولاً في كتابه الشهير: أزمة الوعي الأوروبي.


الانقلاب المتوكلي والانتصار السلفي الحنبلي التكفيري الدائم (نهاية التاريخ في الإسلام؟)


أتابع هنا مع طرابيشي على نفس الخط لفهم سبب انتصار الخط السلفي في الإسلام على الخط المعتزلي هذا ناهيك عن الخط الفلسفي. فإذا كان المعتزلة هم عقلانيو الإسلام بحسب التسمية الفرنسية فإن الفلاسفة هم الأكثر عقلانية في الإسلام. لقد تقدموا على المعتزلة خطوة إضافية في اتجاه العقلنة بقدر ما يسمح به سقف القرون الوسطى بالطبع. أقول ذلك رغم أني سمعت أركون مرة يقول بأنّ الفارابي مشى في العقلانية إلى تخومها القصوى. ولكن هل ينبغي أن نعتبره عقلانياً محضاً كفلاسفة التنوير الأوروبي مثلا؟ كسبينوزا أو فولتير أو ديدرو أو كانط؟ ألا يعني ذلك السقوط في المغالطة التاريخية: أي إسقاط عقلية العصور الحديثة على عقلية العصور القديمة؟ يخيل إلي أن أركون كان متردداً في ذلك. فهو ليس كالجابري الذي يخلع على ابن حزم كل صفات العقلانية النقدية! انظر الفصل الذي خصصه له طرابيشي في الكتاب. إنه ممتع ومضيء. أياً يكن من أمر فالمسألة ليست هنا الآن. السؤال المطروح هو التالي: كيف انتصر أهل الحديث والنقل على أهل الرأي والعقل؟ كيف أسسوا الأرثوذكسية الدينية: أي العقيدة "القويمة المستقيمة" رافضين كل اختلاف معتبرين إياه بدعة أو عقيدة بدعوية شيطانية؟ هذه مسألة شديدة الأهمية لأن آثارها لا تزال سائدة حتى اليوم. يقول طرابيشي بالحرف الواحد موضحا هذه النقطة: "من هنا نستطيع أن نتكلم على رُهاب الاختلاف لدى ابن قتيبة وسائر أصحاب الحديث الذين تسمّوا على سبيل المرادفة باسم: أهل السنّة والجماعة" (ص 393).


معلوم أن أهل السنة والجماعة بسبب من انتصارهم السياسي ودعم خلفاء بني العباس لهم بشكل كامل بدءاً من المتوكل استطاعوا أن يحتكروا مفهوم الإسلام الصحيح، أي الأرثوذكسية، لأنفسهم رامين في مهاوي الزندقة والضلال كل الفرق الإسلامية الأخرى من معتزلة وشيعة وفلاسفة الخ.. ولكن لا ينبغي أن ننسى أن الشيعة أنفسهم شكلوا أيضا أرثوذكسية عقائدية بعد انتصارهم السياسي أو حتى وهم في المعارضة عندما دعوا أنفسهم باسم: أهل العصمة والعدالة. وأما المعتزلة فقد انقرضوا من شدة الاضطهاد ولم تقم لهم قائمة بعد أن أباح الخليفة القادر دمهم في نص شهير. وطرابيشي على حق عندما يقول بأن القادر أكمل، فيما وراء الفاصل البويهي (العقلاني المستنير)، عمل المتوكل. (ص 493). وكذلك الأمر بالنسبة للفلاسفة فقد اختفوا من الساحة بعد العصر الذهبي على أثر تكفير الغزالي وكل الفقهاء الكبار الذين تلوه لهم. وهكذا خلت الساحة لكلا الأرثوذكسيتين السنية والشيعية. وهذا هو الوضع الذي ورثناه نحن عن عصور الانحطاط وهزيمة العقل. ونحن الآن أمام هذا الإرث الثقيل الضاغط لا نعرف كيف نتصرف ولا كيف نعيد الأمور إلى نصابها. أقصد بذلك يستحيل علينا أن نفرض مفهوم التعددية العقائدية والدينية في المجتمع العربي ضمن هذه الظروف. وبالطبع فإن مفهوم الحرية الدينية أو حرية الضمير والمعتقد مرفوضة رفضاً باتاً في كل المجتمعات الإسلامية سنية كانت أم شيعية. ذلك أنه لا يمكن أن يوجد إلا دين واحد صحيح أو حتى مذهب واحد صحيح وكل الأديان والمذاهب الأخرى في النار بحسب منظور الأرثوذكسية الدينية أو المذهبية. وهذا الاعتقاد الراسخ يؤدي مباشرة إلى الذبح والقتل على الهوية. يحق لي أن أذبحك لأنك كافر، زنديق، مرتد، الخ..ماذا نستخلص من هذا الموقف؟ نستخلص أن لكل ذلك جذوراً عميقة جداً في تاريخنا ولهذا السبب فإن موقف التقليديين راسخ لا يستطيع أحد مقاومته أو تفكيكه في المدى المنظور. ولهذا السبب يستطيع الشيخ السلفي المعاصر أن يصول ويجول وكأنه بابا الإسلام، أو يمتلك الحقيقة المطلقة للإسلام. يستطيع أن يكفر من يشاء ويبرئ من يشاء. وسوف يظل الأمر كذلك ما دام التراث الإسلامي لم يتعرّض للنقد التاريخي الصارم كما حصل للتراث المسيحي في أوروبا بدءاً من لحظة سبينوزا. ميزة كتاب طرابيشي هي أنه يمارس هذا النقد التاريخي بكل مرونة وجرأة عندما يحفر على الأساسات العقائدية للتراث ويخرجها إلى دائرة الضوء. يقول موضحاً هذه الجذور العميقة: "ولكن بما أن الصناعة الحديثية كانت تنكر أصلها البشري، وتنسب نتاجها، ابتداء من انقلاب الشافعي الابستمولوجي، إلى أصل إلهي لا يتميز وحيه عن وحي القرآن إلا بكونه غير متلوّ، فقد كان لا مناص من أن تنفي عن ذلك النتاج كل شبهة اختلاف أو تناقض، وإلا حام الشك حول مصدره الإلهي" (ص 413). ثم يواصل طرابيشي كلامه في الصفحة التالية قائلا: "ويبدو أن معتزلة القرن الثالث الذين كانوا قرآنيين بالأحرى، قد أدركوا نقطة الضعف هذه عند خصومهم أصحاب الحديث وأرادوا، من خلال التركيز على ما في رواياتهم الحديثية من التناقض، إثبات مصدرها البشري… صحيح أن المعتزلة لم ينتقلوا من الإضمار إلى التصريح، لكن موقفهم الاحترازي هذا يمكن أن يفهم على ضوء قوة الشارع التي باتت لأهل الحديث ابتداء من الانقلاب المتوكلي، ولا سيما أن المعتزلة كانوا - وبقوا حتى انقراضهم– أهل نخبة".


كلام رائع. وأكاد أقول: ما أشبه الليلة بالبارحة! ماذا يحصل الآن تحت أعيننا؟ من يكتسح الانتخابات من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق وما بينهما؟ أليس أهل الحديث والنقل من الإخوان والسلفيين؟ من يسيطر على ساحة "الفتاوى الإلهية" والفضائيات؟ أليس رجال الدين الذين تحولوا إلى نجوم تلفزيونية أين منهم عباقرة المسرح والنجوم السينمائية! منذ ألف سنة والشارع لهم يصولون فيه ويجولون. لا يزال الحشوية وأهل الحديث منتصرين منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا. أما أحفاد المعتزلة والفلاسفة من ليبراليين وحداثيين وعقلانيين فلا تأثير يذكر لهم على العامة، أي على الجماهير بلغتنا المعاصرة. إنهم يظلون نخبويين كالفلاسفة والمعتزلة سابقا. وبالتالي أسلافنا مهزومون ونحن مهزومون أيضاً! فهل سنظل مهزومين إلى أبد الدهر؟ لا أعتقد. ولكن القصة طويلة. على أي حال هنا يكمن أحد أسباب الانسداد العربي والتخلف العربي عن الأمم الأخرى. انظر مكانة رجال الدين على التلفزيون الفرنسي أو الألماني أو السويسري او بقية الدول المتطورة؟ انهم مختفون عن الأنظار تقريبا. ليس لهم وجود إلا يوم الأحد. وحتى عندئذ تجد الفلاسفة والمؤرخين يتحدثون عن المسيحية بكل حرية. وليسوا مضطرين لتكرار نفس الكلام المجتر منذ مئات السنين. هذا في حين أن وجودهم طاغ عندنا. نادراً أن تفتح قناة تلفزيونية إلا وترى شيخاً جليلاً بلحية ضخمة، مخيفة، وهو يتحدث عن كل شيء ويفتي في كل شيء وكأنه يعرف كل شيء. وهذا اكبر دليل على مدى التخلف العربي. بدلاً من أن ترى فلاسفة أو علماء نفس واجتماع وأنتربولوجيا كفراس السواح مثلاً يتحدثون عن الدين لا ترى إلا المشائخ التقليديين وأحياناً المشعوذين والدجالين. ألا يستحق الإسلام وهو من أكبر أديان البشرية شيئا آخر؟ أين هم عقلانيو الإسلام ومفكروه الكبار؟ أين هو العصر الذهبي؟ أين هو عصر النهضة؟


انهيار العقل في تاريخنا منذ ألف سنة وحتى اليوم!


ثم ينتقل جورج طرابيشي بعدئذ إلى تحليل دقيق لكيفية انهيار التيار العقلاني المستنير في تاريخنا وصعود التيار السلفي الذي لا يزال مسيطراً وطاغياً حتى هذه اللحظة. يقول: "فاستتباع السلطة الدينية للسلطة السياسية في عهد المأمون والمعتصم والواثق أطلق شرارة إصلاح ديني قاده المعتزلة الذين قالوا بوجوب توافق العقل والنقل واستبعاد كل ما يتعارض من النص مع العقل، وفي أدنى الأحوال، إعادة تأويله. أما تسليم سلطة الدين لأهل الحديث في ظل الانقلاب المتوكلي فقد وأد تلك المحاولة الإصلاحية وقطع الطريق أمام كل احتمال لتجددها، ولا سيما منذ أن استأنف الخليفة القادر بالله -بعد الفاصل البويهي– المشروع التسنيني الذي دشنه المتوكل. ذلك أن السلطة الدينية عند أنصار السنة، الذين هم أهل الحديث، هي – كما سنرى في مثال أحمد بن حنبل– سلطة نقلية خالصة. سلطة "سنية" بتعبير أدق، وبالتالي سلفية متشددة لا ترى في الجديد -أي جديد– إلا بدعة، ولا تعترف بأي استقلالية ذاتية للعقل، وتجعله في تبعية مطلقة للنقل، ولا تسمح بأن يسرح -هذا إذا سمحت- إلا بقدر ما يسرّحه النقل،على حد تعبير الشاطبي". (ص 493). مقطع هام جداً ليس فقط لفهم الماضي وإنّما لفهم ما يحصل حالياً. وأعتقد أنه ليس بحاجة إلى شرح. فهزيمة العقل في الإسلام عمرها ألف سنة على الأقل. وحتى هذه اللحظة لا تزال هذه الهزيمة قائمة أو سارية المفعول إلى درجة انه لم يعد أحد يصدق أن المعتزلة قد وجدوا يوماً ما، أو إن مقولة خلق القرآن كانت سائدة يوماً ما، أو إن الفلاسفة قد صالوا وجالوا يوماً ما.. باختصار لم يعد أحد يصدق بأن العصر الذهبي من عمر الحضارة العربية الإسلامية قد أشعّ على العالم يوماً ما. كل شيء يحصل كما لو أن الانتصار السلفي الحنبلي شكل نهاية التاريخ في الإسلام. لقد ختم بالشمع الأحمر على الحضارة العربية الإسلامية وجمّدها إلى الأبد.


لكن مخاطر الانقلاب المتوكلي على المأمون والمعتزلة والعصر الذهبي لا تتوقف عند هذا الحد. وإنّما تتجاوزه إلى تأسيس التعصب الطائفي كعقيدة راسخة، رسمية وشعبية. يقول طرابيشي بالحرف الواحد: "ولم يكتف المتوكل برد الاعتبار إلى أصحاب الحديث واسترضائهم والإغداق عليهم، بمن فيهم ابن حنبل نفسه، بل سعى أيضا إلى تعزيز موقعه عند العامة بإجراءات شديدة في حق أهل الذمة أقدم عليها في سنة 235 هجرية". من هذه الإجراءات إجبار المسيحيين على لباس يختلف عن لباس المسلمين من أجل تحقيرهم، وكذلك هدم الكنائس أو البيع المستحدثة، وكذلك رسم شياطين من خشب مسمورة على أبواب دورهم، الخ.. عندما نقرأ هذا الكلام نتذكر ما يحصل في مصر حاليا من هدم للكنائس واعتداء على الأقباط. وبالتالي فالمسألة قديمة ولها تاريخ طويل عريض. ثم يردف المؤلف في الصفحة التالية قائلا: "ولم تكن هذه هي الهدية الوحيدة التي قدمها المتوكل لأهل الحديث. فثمة هدية ثانية -لم يتوقف عندها مؤلف المحنة– تمثلت بالقرار الذي اتخذه المتوكل بهدم قبر الحسين، حفيد الرسول، وتسويته بالأرض" (ص 490). ثم يواصل طرابيشي تحليله العميق قائلا: "إن الانقلاب المتوكلي الذي تجلبب ببعدين طائفي وطوائفي، من خلال معاداة الشيعة من داخل الإسلام والنصارى من خارجه، قد أرسى جذوراً سوسيولوجية -فضلا عن الايديولوجية– غير قابلة للاجتثاث ولا للتجاوز لصيرورة التحول من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث" (ص 491).


كتعليق على كلام طرابيشي أكاد أقول: ليته فعل ذلك فقط! فالواقع أنه لم يؤدّ إلى التحول من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث فحسب وإنّما أسس جذور الطائفية والمذهبية في تاريخنا. وهي جذور مشرشة في الأعماق والأقاصي ويستحيل اقتلاعها في المدى المنظور. فتطاول الزمن ومرور القرون خلعا عليها مشروعية تاريخية لا تناقش. كيف يمكن أن تناقش شيئاً مكرّساً في العقلية الجماعية منذ ألف سنة أو أكثر؟ هذا بالإضافة إلى فتاوى الفقهاء التي كفّرت كما قلنا المعتزلة والفلاسفة وجميع المذاهب الإسلامية الأخرى. لهذا السبب لا يستطيع أحد الآن مواجهة المشكلة الطائفية والمذهبية التي تنخر في جسد المشرق العربي وتهدّده بأفدح الأخطار. على هذا النحو يكون جورج طرابيشي قد وضع المشكلة الطائفية ضمن منظور "المدة الطويلة للتاريخ" كما يقول المؤرخ الفرنسي الشهير فيرنان بروديل في مصطلحه الهام. وهذه هي الطريقة الوحيدة لتشخيص المشكلة العويصة بشكل صحيح واركيولوجي عميق تمهيداً لحلّها يوماً ما.


ينبغي أن يطلع القارئ أيضاً على الفصل الذي بعنوان: ابن حنبل إمام السنة. فالواقع أن المذهب الحنبلي هو أساس كل الانغلاقات التراثية والسلفية المعاصرة. بعدئذ نصل مع المؤلف في هذا الكتاب القيم إلى الخلاصة النهائية التي تتخذ العنوان التالي: من انتصار الايديولوجيا الحديثية إلى هزيمة العقل. فهنا في ختام الكتاب يشخّص طرابيشي المرض العضال الذي أصاب الحضارة العربية الإسلامية وجمّدها لقرون عشر وجعل الآخرين يتفوقون عليها. يقول طرابيشي بالحرف الواحد: "لقد نصب أهل الحديث أنفسهم الفرقة الناجية الوحيدة دون سائر فرق الإسلام الهالكة كلها في النار. وقد استمر هذا التمييز ساري المفعول ابتداء من القرن الخامس ووصولاً إلى العصر الحديث.. (ص 619).


لا أستطيع أن أتوسع أكثر من ذلك في عرض هذا الكتاب الضخم الذي يستعرض تاريخ التراث من أوله إلى آخره والذي يمكن أن يقرأ وكأنه رواية ممتعة متسلسلة الفصول. إنه بمثابة ملحمة للتراث الإسلامي على مرّ العصور…

 

 
تعليق: خليل عيسى - الأخبار 19/3/2011
عنوان التعليق: الشيخ طرابيشي ناقداً العقل في الإسلام

قليلون هم المفكّرون العرب الذين يضاهون جورج طرابيشي موسوعية وعمقاً. الناقد والروائي والمترجم السوري الذي تنقّل منذ الستينيّات من أيديولوجيا إلى أخرى، ناصرياً ثم بعثياً فماركسياً ثم ليبرالياً، رسا منذ بداية التسعينيات، على برّ صناعة الابستيمولوجيا، ونقد نظم المعرفة. لقد كان لمشروع «نقد العقل العربي» للمفكّر المغربي الراحل محمد عابد الجابري، عميق الأثر في توجيه اهتمامات المفكّر السوري نحو إنتاج سلسلة ردود بعنوان «نقد نقد العقل العربي». كانت خاتمة تلك السلسلة كتاب طرابيشي الجديد «من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث».


إذا أردنا استعمال أدوات التحليل النفسي التي اشتهر طرابيشي بإدخالها إلى نقد الرواية العربية، يمكن وصف علاقة طرابيشي بمشروع «نقد العقل العربي» وبصاحبه، بأنّها علاقة الذات بـ«الأنا الأخرى». وها هو يقرّ بذلك في آخر هذا الجزء الخامس والأخير، بعدما خطف الموت الجابري نهاية العام الماضي. لقد كان ذلك بمثابة التحرّر له من شبح «الأنا الأخرى» الجابرية، فاتّجه إلى بناء «إشكاليته الخاصة عن استقالة العقل في الإسلام»، من دون أن يحتاج إلى أن يعنون العمل «جزءاً خامساً» من مشروع «نقد نقد العقل العربي».


يبدأ كتاب طرابيشي بالجملة المفتاح «القرآن خطاب قبل أن يكون نصّاً». المسألة بالنسبة إلى الكاتب دراسة الخطاب الإسلامي، قرآناً وسنّةً، وتبيان كيف «أنّه، في حضارات النص المقدّس التي تقدّم الحضارة العربية الإسلامية نموذجها الأكثر نموذجية، قد يكون العقل أوّل ما يتقدّم، كما أوّل ما يتأخّر».


يبدو طرابيشي في كتابه أقرب إلى شيخٍ متبحّرٍ في الأحاديث النبوية والعلوم الشرعية، السنّية حصراً من دون الدخول في فرضياتها أو نتائجها. يحاول البرهنة على نشوء إيديولوجية حديثية (من كلمة «حديث»)، منذ مهمة الرسول وهي التبليغ «حصراً» التي كرّست ما سمّاه الكاتب «الإسلام القرآني»، مروراً بكتّاب السيرة والتفسير والفقه والحديث. ومن بين هؤلاء، يبدأ مع مالك بن أنس، صاحب «مدرسة الرأي» الحجازية في الحديث بحسب طرابيشي، مروراً بالإمام الشافعي الذي يصفه بالـ«وسطي» في «الإيديولوجيا الحديثية»، مخالفاً بذلك كثيرين قبله أمثال أحمد أمين، الجابري، ونصر حامد أبو زيد. أمّا عند أبي حنيفة والمعتزلة أو الفلاسفة، فلا يمكن وصف العقل «بنصاب المشرِّع» حسب الكاتب، ولو مثّل هؤلاء السقف الأعلى للعقل في الإسلام.


كلّ ذلك يستمرّ حتى ابن حزم الذي تحوّل الإسلام عنده إلى «إسلام الحديث»، والرسول «من مشرَّع له إلى مشرِّع... في الظاهر فحسب، أما في الباطن، أي على صعيد البنية التحتية للصناعة الحديثية، فالعكس هو الصحيح». يتابع طرابيشي تحليله وصولاً إلى المرحلة بين القرنين الثالث والعاشر الهجري، مع ابن قتيبة والطحاوي والشعراني وآخرين أسهموا في «انقلاب» المدوّنة الحديثية. فأولئك الذين «أباحوا لأنفسهم أن يكذبوا على الرسول، وأن يتمادوا في الكذب عليه، قد نصّبوا أنفسهم في حقيقة الأمر مشرّعين، ونسبوا إلى تشريعهم هذا مصدراً إلهياً، وذلك بقدر ما نسبوه إلى الرسول باعتبار أنّ الرسول لا ينطق عندما ينطق بوحي من الله طبقاً للتأويل الذي كرّسه الشافعي». إنّ كلّ ذلك إشكالي وأحرى بعلماء الفقه أن يجيبوا عنه، وهو لا بدّ أنّه سيمثّل نواةً لنقاش مقبل، قد يكون حامياً.


رغم موسوعيته الفقهية، يفتقر الكتاب إلى تحليل سوسيولوجي تاريخي، يربط الخطاب المدروس بالواقع المادي الذي ينتجه. يصحّ هنا تكرار النقد الذي وجّهه إعجاز أحمد القاسي إلى إدوارد سعيد في ما يتعلّق بخطئه المنهجي في اعتبار الخطاب الاستشراقي وحدة صالحة للدراسة تستمرّ لمئات السنين. أمّا هنا، والخطاب القرآني والحديثي تتعدّى ديمومته ألف سنة ونصف ألف، فهل يمكن تجاهل العوامل التاريخية والمادية والجغرافية لدراسة ما يسمّيه «العقل العربي الإسلامي»؟ ألا يدخل جورج طرابيشي في منهجية مفرطة المثالية، عندما يعلن شمولية «العقل» المفصول عن الواقع المادي، لتحليل البنى المعرفية؟ هو في ذلك أشبه بفلاسفة الأنوار في القرن الثامن عشر الذين تعرّضت منهجيتهم لنقد كافٍ من تيارات فلسفية لحقتهم. كلّ ذلك يختلط بثقافوية جوهرانية عن الإسلام والعرب، عندما يتحدّث طرابيشي عن «إيديولوجيا شمولية حديثية، غير مسبوق إليها في تاريخ الإديولوجيات، لأنها تتدخل في الجزئيات كما في الكليات».


من المثير للسخرية اليوم أنّ يكون الحديث عن المثاليات الابستيمية كالتي في كتب طرابيشي عن «استقالة العقل من الإسلام... التي كانت سبباً في ممانعة للحداثة» في العالم العربي الإسلامي. مثاليات «تنذر في يومنا هذا بالتحوّل إلى ردّة نحو قرون وسطى جديدة، بينما أصبح واضحاً أنّ الشعوب العربية بثوراتها اليوم، أثبتت أنّها أكثر حداثة من مثقفيها وجلدهم الدائم لذاتهم، ولها ولثقافويتهم الرجعية». إنّه لقدر عجيب ربما، أن تشهد وفاة محمد عابد الجابري، ميلاد «الشيخ» جورج طرابيشي، كل ذلك بينما تطحن مقولة «العقل العربي الإسلامي» تحت أقدام الشعوب العربية.

 

 
تعليق: خالد غزال - النهار 10/11/2010
عنوان التعليق: يـفــتــح أبــــواب الــعــقــل والــنــــوافــذ عـلى مـصـــاريــعــهـــا

يقدم جورج طرابيشي.. مقاربة جريئة في الكشف عن قضايا يجري تغييبها في التراث الاسلامي، او تحريف مضمونها، من قبيل العلاقة الفعلية بين الله والرسول كما تجلت في النص القرآني، وصولا الى تفكيك كل ما رافق منظومة الاحاديث النبوية وكيفية احلالها الى حد كبير مكان القرآن في التشريع، والغوص في المذاهب الفقهية عبر استحضار كتابات الفقهاء والعلماء وتشريح منظوماتهم الفقهية. يستعين طرابيشي بالنص القرآني بغزارة، ويجري مقارنات مع اجتهادات المفسرين، هادفا الى اثبات ان اسلام القرآن ليس نفسه الاسلام الذي كرسه الفقهاء، ولا يزالون، بل للقول ان تحريفا فعليا لمضمون الاسلام قد جرى على امتداد عقود نتيجة التحول "من إسلام القرآن الى إسلام الحديث".


يفتتح طرابيشي كتابه بفصل عن العلاقة القائمة بين الله ورسوله من خلال النصوص الواردة في القرآن، فيشير الى ان الله في القرآن هو الذي يقول او يأمر، وان الرسول هو المأمور والمولج تنفيذ ما يقوله الله، وليس ادل على ذلك من ان كلمة "قل" الموجهة من الله الى رسوله تتردد في القرآن 311 مرة. من جهة اخرى، يشدد القرآن على اطلاق كلمة "الرسول" على محمد وليس كلمة النبي، وهو امر يكتسب اهميته في طبيعة العلاقة التشريعية التي قامت بين الله ورسوله في كون الله هو المسؤول عن التشريع، فيما تتحدد مهمة الرسول في تلقي هذه التشريعات والعمل على وضعها موضع التنفيذ، وتظهر تجليات هذه العلاقة في تحول الخطاب القرآني خطاباً يحمل التهديد والتأنيب للرسول اذا ما تجاوز حدود التشريع المنوط اصلا بالله، او تقاعس عن تنفيذ ما جرى تشريعه. للتدليل على صحة هذه الافتراضات، يورد الكاتب تصنيفا للآيات القرآنية، فيرى ان هناك آيات "تقصر (فيها) وظيفة الرسول على تبليغ الرسالة وتؤنبه وتتوعده بقطع الوحي عنه وبمضاعفة عذابه في الدنيا والآخرة إن هو كتم شيئا من القرآن او زاد منه او تقوّل فيه"، وآيات تحذر الرسول من استباق ما قد يرد في القرآن، وآيات تظهر امتناع الرسول عن اتخاذ مواقف في انتظار نزول الوحي، وآيات تردع الرسول وتلومه على مواقف اتخذها، وآيات تتدخل في الحياة الخاصة للرسول وتحدد له المباح والمحرم، وصولا الى الحسم بكون الرسول بشرا لا يتميز عن سائر البشر الا بكونه ينزل الوحي عليه ليبلغه الى الناس، ويبقى بشرا بعد الوحي، مما يعني ان الرسول بحكم هذه "البشرية" قابل لأن يخطئ، كما هو قابل لأن يصيب. في المقابل يغيب عن القرآن اي تعبير عن "سنّة الرسول"، اي ما يعرف بالاحاديث، التي وضعت لاحقا في مصاف القرآن، وتغلبت عليه احيانا. هذه "السنّة" تعود الى مرحلة انتقال الوحي والدعوة الى التبلور والتموضع داخل المجتمعات المتعددة، وما تبعها من تنوعات في قراءة النص الاصلي وتفسيراته، وهو ما يطلق عليه تعبير "من الرسالة الى التاريخ".


يولي طرابيشي اهتماما لشرح مقولة "اميّة الرسول"، التي جرى تحريفها، واعطاء مضمون لها لا صلة له بما يقوله القرآن. يقوم التعريف الذي جرى تكريسه على ان الكلمة تعني ان الرسول لم يكن يعرف الكتابة والقراءة، للوصول الى وسم الرسول بنوع من المعجزة، فيما يقوم التفسير الحقيقي لكلمة "الامية" على انها تعني الامة التي لا كتاب لها. وقد اوضح القرآن في الآية العشرين من سورة آل عمران انّ المعارضة بين الكتابيين والاميين لا تقوم الا من منطلق كون "الاميين" لم يؤتوا الكتاب الذي اوتيه الاولون. في هذا المعنى فإن النبي "الأمي" بعثه الله الى "الاميين العرب" الذين لم يكونوا اصحاب كتاب على غرار اقوام اخرى اعتنقت اليهودية او المسيحية، وهذا ما يؤكده القرآن نفسه عندما يشدد على ان لكل امة رسولها، وهو تعبير يرد في حوالى 20 آية "وما ارسلنا من رسول الا بلسان قومه ليبين لهم". تكتسب هذه الايات اهميتها عند الحديث عن عروبة القرآن، وعن البيئة التي نشأ فيها الاسلام، مقابل الذهاب "الفقهي" في تحويل كلمة النبي "الامي" تعبيراً يعني ان محمد هو نبي امم الارض بكاملها من دون استثناء. هكذا، لم يكن القرآن هو الذي طوّب الرسول نبيا على الامم، بل ان كتب الحديث اللاحقة هي التي كرست هذه الفتوى.


ترتبط غلبة الحديث النبوي على القرآن بجملة تطورات تاريخية ابرزها التوسع الجغرافي للاسلام خارج منطقة الحجاز والجزيرة العربية، ودخول اقوام جديدة اليه من خارج العرق العربي. ادت الفتوحات والاستيلاء على بلدان جديدة، وما رافقها من نزاعات بين اهل الكلام والفرق الدينية، الى انتصار اهل السنّة، وبروز طبقة من العلماء والمتفقهين التي اعطت نفسها صلاحية التشريع الديني، لم يعطها القرآن للرسول نفسه، واغدقت في الفتاوى على كل المستويات الدينية والدنيوية، بما جعل فتاواها موازية للنص القرآني او الاحاديث النبوية، بل تتفوق عليها احيانا في طبيعة الاحكام المطلقة المقدسة التي ينسبها الفقهاء الى فتاويهم. في هذه المرحلة امكن السنّة ان تتجاوز القرآن بل وتتغلب عليه بحيث باتت المرجع والمستند لكل حكم فقهي. يضيء طرابيشي في هذا المجال مسألة العناصر غير العربية من الموالي الذين دخلوا الاسلام، والذين كان لهم دور اساسي في تغليب السنّة على القرآن، وفي تطوير الفقه الاسلامي، حيث ان اثنين من مؤسسي المذاهب الاربعة في الاسلام، اي ابو حنيفة ومالك بن انس، كانوا من الموالي، فيما ينتسب ابن حزم الى العنصر الفارسي.


يتوغل طرابيشي عميقا في كتب اصحاب المذاهب الفقهية، الرئيسيين منهم والفرعيين، كاشفا الغطاء عن الدور الذي لعبوه في تحويل الاسلام من القرآن الى الحديث، مستعينا باستشهادات تفصيلية من كتبهم، مقارنا اياها بما يقوله القرآن. فأنس بن مالك يرى اقترانا بين الاسلام والنص القرآني الذي ينطق بحقيقة واحدة. لكن بن مالك تميز بعدم اغفال امكان وجود تناقض في بعض الاحاديث النبوية، بل قال بإمكان الاستغناء عن بعضها وعدم اعتبارها مرجعا. كان يقرن هذا الاجتهاد بالقول انه رأيه الخاص مع تشديده على التزام النص والسنّة. طبق بن مالك "المبدأ المنطقي السليم المشترك بين سائر البشر: فقد استصلح ما اعتبره منفعة، واستفسد ما اعتبره مضرة". اذا كان بن مالك تجرأ على هذا التشكيك، فإنما يعود ذلك الى ان المرحلة التاريخية لزمنه لم تكن فيها المنظومة الحديثية قد استفحلت وفرضت نفسها مرجعا لا حقيقة من دونه. من هنا القول ان بن مالك لم يكن اسير المنظومة الفقهية، وان رواياته لم تكن لأكثر من خمسمئة حديث، فيما ستصل لاحقا عند فقهاء آخرين الى الاف. اضافة الى انه لم يكن يرى حرجا في اطلاق فتاوى مخالفة لما جاءت به الاحاديث. بعد ابن مالك سيتعاظم موقع المنظومة الفقهية على حساب القرآن، وستصبح ميدان الخلافات بين ائمة المذاهب الاسلامية.


يمثل الشافعي موقعا متميزا في "تكريس السنّة" مرجعا اعلى في الفقه الاسلامي، بحيث جعلها مرادفا للنص القرآني وموازية له وتحمل الحقائق نفسها، كما انه تميز في الان نفسه "بتكريس معيارية اللغة العربية في فهم الكتاب اي النص القرآني". يقوم مشروع الشافعي على الجزم في كون السنّة شريكة للقرآن وموازية له، مما يعني "تعميد السنّة وحيا مقارنا لوحي القرآن"، فاذا كان ما يصدر عن الرسول مصدره الوحي، فهذا دليل كاف على عدم وجود مسافة فاصلة بين السنّة والقرآن، كما يترتب على ذلك انتفاء "بشرية الرسول". يخلص طرابيشي الى القول: "ان الشافعي نفّذ انقلابا حقيقيا على الصعيد اللاهوتي والابستمولوجي معا عندما جعل للسنّة الرسولية البشرية نصابا الهيا وبوأها منزلة الاصل في الكتاب وكرسها شريكة له في التحكم بمصائر كل العقل في الاسلام، سواء منه العقل الديني او المعرفي… لعل مثل هذا الانقلاب التأليهي في الاسلام لا يجد ما يناظره في تاريخ الاديان سوى الانقلاب الذي شهدته المسيحية في القرن الرابع الميلادي عندما جرى، مع تنصر الامبراطورية الرومانية، تنصيب المسيح الها ابنا مشاركا في الجوهر للاله الاب".


في مرحلة تضخم حجم الاحاديث وتزوير عدد كبير منها بما يتناسب واستخدامها في الصراعات السياسية والاجتماعية واغداق المشروعية الدينية على السلطات الحاكمة آنذاك، يسجل للشافعي تهاونه في قبول الاحاديث على علتها وعدم التمحيص في مدى صحتها خلافا لما كان يقوم به مالك بن انس. بلغ عدد الاحاديث في زمنه 62169 حديثا وضع منها 8740 حديثا على لسان ابو هريرة، فيما تعاطى مالك بن انس مع 500 حديث واخضعها للتدقيق. كما يسجل على الشافعي تأسيس "آلية الناسخ والمنسوخ" التي كانت لها نتائج رهيبة على الاسلام لانه عبرها "اطلق عفريت التلاعب بالنص القرآني. اذ ليس القائل الالهي لهذا النص هو من يحدد ما هو الناسخ وما هو المنسوخ من الايات، بل هو المؤول البشري لهذا النص"، وهذا امر ساهم في اضعاف النص القرآني وافقاره بل واغلاقه نهائيا. من "مآثر" الشافعي ايضا تهميشه للعقل من حيث جزمه المطلق بأن كتاب الله يحوي كل شيء، وهو السبيل الوحيد الى الهدى والخلاص، اي ان القرآن عند الشافعي هو "كتاب العلم الكلي". "هذه الاستراتيجية اللاهوتية للشافعي قائمة في الجوهر واساسا على تهميش العقل وحشره في اضيق زاوية ممكنة، وهذا من خلال تحكيم السنّة اللامتناهية من حيث الوساعة بالنص القرآني المتناهي".


خلافا لما ينسب الى أبي حنيفة كونه من اهل الرأي اي الفئة التي تتمسك بالعقل وتعتمده مقياسا في احكامها، فإن الوقائع الفعلية لمسار ابي حنيفة تثبت تهافت هذه النظرة، لتصنفه ضمن اهل الحديث. "فالعقل لم يحظ قط، وما كان له ان يحظى اصلا بنصاب المشرّع عند ابي حنيفة ولا عند اي امام آخر من ائمة الفقه والحديث في الاسلام". يعود ذلك الى كون الله هو المشرّع الاوحد، "فأعلى نصاب للعقل هو ممارسة فاعليته على هامش النص وبالتبعية للنص من دون ان تكون له الحرية اكثر من تلك التي تكون لمحيط الدائرة في علاقتها بالمركز". وتثبت الوقائع التاريخية ان الذين دافعوا عن ابي حنيفة لم يكن همهم اثبات كونه من اهل الرأي بمقدار التركيز على كونه "صاحب حديث" حيث "تبالغ كتب المناقب في تعداد من اخذ عنهم الحديث وفي تعداد ما اعتمده من الاحاديث في تصانيفه".


كما جرى تصنيف ابي حنيفة في "نطاق العقل"، ألحقت الصفة نفسها بابن حزم، الذي تظهر كتاباته، في حقيقتها، مدى "تصنيم النص" عنده، و"تسييد العقل واقالته معا". لا تخلو كتابات ابن حزم من حديث عن العقل وعن كونيته، حتى ليبدو للقارئ حجم اعتماد العقل في تكريسه مقياسا للاحكام، لكن الواقع يظهر ان هذا الحديث عن العقل يأتي في سياق خلع "الصفة الكونية على رؤيته الدينية الشديدة الخصوصية". فمنظومة ابن حزم تقوم، اولا واساسا، على إلحاق العقل بالنص واستتباعه له، حيث ان وظيفة العقل تتحدد في خدمة النص وفهمه وشرح محتواه واعتماده مرجعا لكل شيء. كما يعمد ابن حزم الى استتباع الاخلاق للنص على غرار ما يقول به بالنسبة الى العقل، وهو يكون بذلك قد "اسقط من اعتباره كل التطور الاخلاقي "والوضعي" الذي حققته البشرية في مسارها التاريخي، وربط الاخلاق حصرا بأوامر الله ايجابا وبنواهيه سلبا". لعل هذا القول لابن حزم اكبر دليل على هذا التوجه :"لسنا معترضين على ربنا تعالى ولا على نبينا… ولا ننكر شرعهما الشرائع علينا… ولو امرانا بقتل آبائنا وامهاتنا وابنائنا لسارعنا الى ذلك مبادرين".


هذا "التأليه" للنصوص واعتبارها تحمل كل الحقائق المطلقة وتصل احكامها الى يوم القيامة، جعلت ابن حزم في موقع مضاد للعقل، بل عاملاً على "حبسه في شبكة محكمة الاغلاق"، وهو لم يكتف بإطلاق هذه الاحكام على النص القرآني، بل انه جعل الحديث موازيا للقرآن وملزما مثله، وبذلك يكون ابن حزم عبر "قرأنته الحديث وانزاله اياه منزلة القول الالهي، كبّل العقل بقيد ابهظ بما لا يقاس مما هو معتاد في حضارات النص المقدس"، وهو بذلك "يجيز نسخ القرآن بالحديث".


يتناول طرابيشي ما يسميه "العقل التخريجي" على يد عدد من الفقهاء دفاعا عن المنظومة الحديثية التي ازداد تضخمها من القرن الثاني الهجري صعودا، حيث يجمع بينهم تأكيد نفي التناقض في المدونة الحديثية لكونها ذات اصل الهي يمتنع التناقض عنه. اسس ابن قتيبة "مشروعية الكذب طلبا للمخرج" عبر لجوئه الى "المخرج التأويلي"، لتفادي التناقض الذي يشوب الكثير من الاحاديث، ولإزالة شبهة الاختلاف والشك حول المصدر الالهي لهذه الاحاديث. اما "المخرج التوهيمي" الذي قال به ابن سلامة الطحاوي، فلم يأخذ بالتأويل بل "ركب مركب التوهيم والتمويه ليقنع قارئه بأنه قد اهتدى الى المخرج من ظاهر التعارضات والتناقضات". اعتمد ابن شاهين "المخرج النسخي" اي توظيف آلية النسخ والمنسوخ "للتملص من فضيحة التناقض والتملص من احد الحدين المتناقضين باعتباره منسوخا بالحد النقيض الناسخ له". اما "المخرج الترجيحي" فقد قال به ابن موسى الحازمي الذي اكد انه "عندما يتعذر الاحتيال التأويلي للجمع بين الحديثين المتضادين، يتعين ان تتدخل آلية الناسخ والمنسوخ لتفصل بينهما ولتلغي حكم المنسوخ وتثبت حكم الناسخ المضاد له". يذهب عبد الوهاب الشعراني الى اختراع "المخرج التعادلي" حيث اعتمد "آلية اطلق عليها اسم "الميزان" هدفت الى رفع التناقض بين النصوص من طريق ضرب من الموازنة بين النصين المتناقضين، بحيث يحتل كل منهما مكانه في احدى دفتي الميزان، وبحيث ينتفي التناقض بينهما ليتحول الى محض اختلاف في الدرجة بالناقص او بالزائد، تخفيفا او تشديدا".


انتصار اهل الحديث بعد هزيمة المعتزلة الذي تكرس بالانقلاب المتوكلي ووصل ذروته مع "المنشور القادري" الذي اهدر دم المعتزلة ونكل بهم، شكل بداية مرحلة "ظلامية" في التاريخ الاسلامي امتدت الى قرون، ولا تزال آثارها السلبية ترخي بثقلها على زمننا المعاصر، خصوصا في ميدان هزيمة العقل. كانت محنة خلق القرآن، كما يرى طرابيشي، حجة مفتعلة مقصودة "لغاية مباطنة تتجاوز ظاهرها اللاهوتي، كانت خطة تكتيكية في خدمة هدف استراتيجي هو الصراع على قيادة العامة واستتباعها من خلال استتباع قادتها الذين كان جلهم من اصحاب الحديث". مما يعني ان انقلاب المتوكل "كان انقلابا سياسيا يضع في اعتباره الاول مصلحة "الملك الطبيعي" الذي آل اليه على غير ما توقع". نتج من الانقلاب المتوكلي اغلاق ملف خلق القرآن الذي بات يعتبر من القضايا غير المسموح الحديث فيها، وحسم بشكل كاسح "التحول في اسلام القرآن الى اسلام الحديث، وتأسيس هذا الاخير في ايديولوجيا سائدة على امتداد تلك القرون العشرة الفاصلة بين عصر المتوكل وعصر النهضة، التي كان فيها الدين هو الشكل الوحيد الممكن للايديولوجيا".


تسببت هيمنة اهل الحديث والمنظومة الحديثية في تغييب القرآن ومعه تغييب العقل ومعهما القضاء على التعدديات في الاسلام. هكذا بدا كأنّ "هزيمة العقلانية العربية الاسلامية لا تقف عند حدود العلاقة مع الاخر، بل تمتد الى داخل علاقة الانا مع ذاته: الحديث والفقه عقدا في اسلام القرون الوسطى حلفا غير قابل للانفكاك… ومع طغيان الايديولوجيا الحديثية انعدم الاجتهاد، وحتى القياس".


يشكل كتاب طرابيشي مادة اساسية في الصراع الدائر اليوم في الاسلام وعلى الاسلام، بما يسلط فيه الضوء على الاسلام الحقيقي المستند الى النص القرآني، والاسلام الذي دخله التحوير والتشويه عبر المنظومة الفقهية التي اعتمدت الاحاديث واقوال الصحابة، بكل ما حوته من تلفيق واختراع لاحاديث تضخمت في سياق الصراع الاجتماعي والسياسي الذي اندلع بعد وفاة الرسول على السلطة والموارد، بحيث بات لكل فرقة او مذهب او طائفة احاديثها الخاصة، التي ترفض فيها احاديث الاطراف الاخرين. انه كتاب في صميم معركة العقل والاصلاح الديني في العالمين العربي والاسلامي.

 

 
تعليق: حسام عيتاني - الحياة 6/11/2010
عنوان التعليق: الحديث النبوي في التطور الفقهي والفكري

يمتحن جورج طرابيشي في كتابه الجديد «من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث - النشأة المستأنفة» الأطوار التي مرّ بها الحديث النبوي وصولاً إلى اقترانه بالنص المقدس الأول في الإسلام، وتحوله عنصراً أساسياً في الدين على رغم العدد الكبير من الالتباسات التي صاحبت تاريخ الحديث.


يعرض طرابيشي، بحذر وعناية من يفكك الألغام المعرفية والتاريخية لكن من دون تردد، وعلى امتداد أكثر من ستمئة صفحة، التطور الذي شهدته «المدونة الحديثية» أو مجموع الأحاديث النبوية، منذ البدء بجمعها في العصر الأموي حتى استقرارها في أواخر العصر العباسي، وتضخمها بمرور الزمن وانقلاب الضرورات السياسية والاجتماعية والثقافية بل والتجارية. وأدى التضخم هذا إلى جعل «الصنعة» تحتوي على عشرات آلاف الأحاديث المنسوبة الى الرسول العربي واتخاذ الصراعات الدنيوية، بين الأمويين والعباسيين وبين السنة والشيعة وبين المعتزلة وأنصار خلق القرآن بل بين أتباع المذاهب السنية المختلفة، من الحديث النبوي ساحة للتنافس والتناحر عبر وضع الأحاديث ونسبتها الى الرسول إلى حد «خرج عن أصول الأدب»، على ما قال ابن الجوزي.


بيد أن الزيادة الكبيرة في أعداد الأحاديث ومخالفة الكثير منها المعقول التاريخي والمنطقي، بحسب ما يجزم صف طويل من أصحاب كتب «الموضوعات» التي جاءت تفند الأحاديث الضعيفة والمدلس أصحابها، والمخالفة قبل ذلك النص القرآني، هذه الزيادة استفادت من آلية وحيدة في التحقق من صحة الحديث وهي آلية الإسناد التي تقوم على أخذ الحديث من «ثقة». ولم يكن صعباً، كما يوضح طرابيشي، أن يخترق أصحاب الغرض الآلية هذه وينتجوا كمية من الأحاديث التي وظفوها في الدفاع عن مصالحهم المتنوعة والمتناقض بعضها مع بعض. ولم يؤدِّ «علم الرجال» الذي بدا كمنقذ من طوفان الأحاديث الضعيفة والموضوعة إلى علاج ناجع. بل إن «العلم» هذا الذي كان مفترضاً به كشف نواقص ناقلي الحديث وتدليسهم وكذبهم وبالتالي منع الموضوع والضعيف من الحديث من التسرب إلى متن المدونة الحديثية، سقط بدوره في هاوية الاستغلال والتوظيف في سياق الصراعات الدنيوية والمذهبية (ص 596).


ويحلل الكتاب التبعات الخطيرة التي نجمت عن تقديم آلية الإسناد على ما عداها من آليات تدقيق في صحة الحديث واحتوائها على ثغرات من نوع القبول بحديث منسوب إلى الرسول حتى لو كان ناقله طفلاً عند وفاة النبي، والكثير غيرها من العلل التي جعلت أعداداً من الأحاديث الضعيفة تكتسب «صحة» وتنتسب بالتالي إلى متن التشريع الإسلامي.


ومسار الإضافات الكبيرة إلى الأحاديث النبوية أسفر عن مشكلات جديدة. فظهر التعارض بين الاحاديث والنص القرآني اولاً وبين بعض الأحاديث وبعضها الآخر ثانياً. ولتجاوز هذه المشكلات وللجمع بين التزام المضمون القرآني وبين الأحاديث النبوية، على ضعف الكثير منها، وخصوصاً للحفاظ على آلية الإسناد وليس على محتوى الحديث، ظهر ما يسميه طرابيشي «العقل التخريجي» الذي أخذ على عاتقه إقامة الجسور بين نصوص ومضامين ينسخ بعضها بعضها. مئات الأمثلة على تدخل واضعي الأحاديث التي تبناها أئمة المذاهب وتلامذتهم وأتباعهم، يوردها الكاتب الذي يتناول ظهور المذاهب السنية الأربعة والمذهب الجعفري واتفاق الجميع على الأخذ بالأحاديث النبوية وإن تباينت أوجه التوظيف والتفسير.


وفي قراءة متأنية للكتب المنسوبة إلى الإمام الشافعي، يرى طرابيشي أن الإمام ومؤسس المذهب الكبير، فتح أحد أوسع الأبواب في انتزاعه الآيتين الثالثة والرابعة من سورة النجم «وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى» من سياقهما القرآني وإقحامهما في مهمة ضم كل الأحاديث النبوية إلى الوحي الإلهي وهو ما تنفيه آيات أخرى بوضوح لتحصر الوحي في القرآن. ويتبع طرابيشي المصادرة هذه وآثارها الهائلة على حركة تطور الفقه وتضخم المدونة الحديثية بل على الحضارة العربية – الإسلامية برمتها وهي حضارة متمركزة حول النص المقدس.


ويتمهل طرابيشي في تقديم استنتاجاته مستعرضاً الكثير من الوسائل التي اتبعها «أهل الحديث» في تطويق خصومهم المؤيدين للاكتفاء بالنص القرآني أو على الأقل بتقليل الاعتماد على الحديث في التشريع. وخطت هذه العملية من الإمام مالك الذي تنسب اليه أقوال تقلل من أهمية الحديث، إلى ابن حزم مساراً تصاعدياً. ففيما يقال ان الأول لم يكن يتردد في نفي صحة أحاديث حتى لو كانت مشهورة عن النبي كان الثاني، وهو من أبرز دعاة المذهب الظاهري الذي اندثر مع الزمن، قد شدد على تقديس الحديث مهما كان ضعيفاً، مستخدماً عدة واسعة من أدوات التخريج والتجسير للعبور فوق الوهاد الفاصلة بين أنماط شديدة التباين من الأحاديث النبوية لتحقيق هدف وحيد هو تأكيد وجهة نظره التي أسرفت في تقديس النص، ومن ضمن النصوص التي «صنّفها» ابن حزم (والتعبير لطرابيشي) ما يتفق العلماء على أنه موضوع وتفتقر سلسلة إسناده إلى «الثقات».


فتْحُ الباب أمام هيمنة الحـــديث عــلى الفــقـــه والتــشريع، أغــلق أبواباً كثــــيرة أمـــام التـــدخل القرآني كما امام النظر العقلي في الإسلام. والصراعات الفكرية والكلامية بين أهل الحديث وأنصار النص القرآني ثم المعتزلة وسمت فترة مديدة من العصر العباسي الأول الى أن أنهاها الخليفة المتوكل فبدا أن الطريق باتت معبدة أمام تسيد أصحاب الحديث على الساحة الفقهية وتراجع الاعتراض على هذا الواقع إلى انتقادات من داخل الآلية القائمة على تقديم الحديث كمصدر للتشريع، وذلك من خلال كتب «الموضوعات» وكشف المدلسين والمزورين. ويرى طرابيشي أن ابن الجوزي الذي يعتبر من أهم نقاد الأحاديث الموضوعة وكاشفيها، قدم خدمة جليلة إلى أهل الحديث من حيث لا يدري أو لا يريد ربما. فإدراجه مئات الأحاديث في خانة الموضوعات قدّم شهادة براءة للآلاف من الحديث التي لا تقل ضعفاً. (ص 613)


لكن كل ما سبق، على أهميته، لا يبدو سوى إشارات بعيدة إلى عمق الإشكاليات التي يثيرها طرابيشي في عمله البحثي الضخم الذي خصص له أعواماً عدة. ولقائل أن يقول بضآلة أهمية إعادة فتح ملف نشأة الإسلام المستأنفة وانتقاله من «إسلام القرآن إلى إسلام الحديث» بعد مئات الأعوام من استقرار المذاهب على ما هي عليه بفقهها وتبايناتها ومدارسها المختلفة. ودعونا لا نفاجأ إذا ظهر من يعترض على اسم الكاتب متسائلاً عن علاقته، مثلاً، بحجم المدونة الحديثية والاختلافات بين أهل الحديث وأنصار القرآن.


نزعم أن الكتاب، على رغم التأني الشديد الذي ميز به طرابيشي عمله واستناده إلى مئات وربما آلاف المصادر والمراجع في كتابه هذا، خشية شطط أو زلل وإدراكاً منه لحساسية الموضوع، على ما يبدو (على رغم تميز طرابيشي في أعماله السابقة بالدقة الشديدة في تناول المصادر وفي تفكيك الإشكاليات سواء بسواء)، هو كتاب في الراهن الإسلامي وليس في التاريخ الفقهي. فالخروج بمؤلّفٍ كهذا من مشروع «نقد نقد العقل العربي» الذي خصص له الكاتب ربع قرن في تفنيد مقولات الراحل محمد عابد الجابري في «نقد العقل العربي»، لا يختتم المشروع السابق إلا ليفتتح جانباً جديداً في مشروع عقلنة التراث ونقده من دون أن يهتم الكاتب بالصلة الحيوية للعملية هذه بالراهن العربي الذي يؤدي فيه الماضي والغيب أدواراً لا تخطئها عين.


فمسائل مثل أدوار الموالي من غير العرب في النزاعات السياسية والفقهية (لا ننسى أن أكثر من واحد من أئمة المذاهب الأربعة هم من غير العرب أو ممن لم يتفق المؤرخون على نسبهم)، واستخدام الأحاديث النبوية في الأحداث السياسية أو الترويج للمذاهب وأتباعها ما زال حاضراً بقوة في السياسة والثقافة العربيتين والإسلاميتين. وإذا كان «التقرب من العامة» (ص 491) احتل موقعاً كبيراً في الحركات المعارضة التي لجأت إلى الأحاديث النبوية مواقفها وغاياتها، فإن ما يدعو إلى التأمل هو استمرار الممارسة هذه حية بعد أكثر من ألف عام.


وهذا ليس سوى عينة على ارتباط تاريخ الأفكار، أي العلم الذي يرجع طرابيشي عمله إليه، بتاريخ الاجتماع والسياسة الأشد التصاقاً بالراهن. ولئن امتلك طرابيشي الحق في التركيز على قضية الحديث النبوي ودوره في «الانقلاب السني»، بعد أن تناول الصراع السني الشيعي المفتوح في بعض فصول كتابه السابق «هرطقات 2» واعتباره هناك أن العلمانية هي حاجة إسلامية قبل ان تكون ضرورة للعلاقات بين المسلمين والمسيحيين، يبدو لنا من الملح عدم القبول بقراءة أحادية لكتاب «من اسلام القرآن إلى إسلام الحديث» تحصره في إشكاليات التطور الفقهي. فمن حق القارئ أن يستغل هذا العمل الكبير للنظر في مكونات الثقافة العربية والاسلامية المعاصرة التي ما فتئت تفاجئ اجيالاً تلو الاجيال بقدرتها على الصمود امام العصور، على ما في ذلك من بعض الايجابيات ومن سلبيات عميمة وخطيرة.

 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟   
الاسم:
عنوان التعليق:
نص التعليق:
 

آداب و لغة
فلسفة
ديانة مسيحية
الإسلام و أديان العالم
علم النفس و التربية
علوم اجتماعية
تاريخ و جغرافيا
سياية و اقتصاد
علوم طبيعية و طبية
فنون
قانون
مراجع عامة
 
عن المكتبة | كتب | أفلام | تراتيل | الصفحة الرئيسية
SWS المكتبة الروحية 2005 - جميع الحقوق محفوظة - صمم هذا الموقع بواسطة شركة
Powered by O2 TECHNOLOGY