بحث سريع 

 

New Page 1
عنوان الكتاب:
إيران تستيقظ: مذكرات الثورة والأمل
المؤلف:
شيرين عبادي
المترجم:
حسام عيتاني
الموضوع:
تاريخ وجغرافيا/تراجم وشخصيات
الناشر:
بيروت - الساقي
عام النشر : 2010 الطبعة: 1
القياس:
24×17 سم
عدد الصفحات: 256
السلسلة:
رمز التصنيف:
تاش  386
   

أراء القراء   
تعليق: أحمد زين الدين - الحياة 28/1/2010
عنوان التعليق: تلك الثمار المرّة التي سقطت عن غصن الثورة

نتلمّس في الآونة الأخيرة في كتابات إيرانيين روائيين، ومثقفين ليبراليين، ومتدينين تنويريين تكرار «لازمة» واحدة، تنمّ عن احساس ممضّ بالخيبة والإخفاق والمرارة. مبعثه انهيار الآمال العظام التي عقدها الإيرانيون على الثورة الشعبية المظفّرة، عندما انخرطوا في صفوفها إسلاميين وعلمانيين، فأزاحوا عن كاهلهم حكم إمبراطور فرّط بثروات الدولة على مظاهر عصرية باذخة، وحداثة جهيضة. ولكن الدولة البديل التي حلموا بها، سرعان ما تداعت تحت ضربات سلطة كاريزمية تولّت الحكم باسم غيب سماوي مطلق. دولة استبدّ بها رجال الدين، وانكفأت إلى آلة بيروقراطية عملاقة، تجتر شعاراتها ومقولاتها المنمّطة، وتمارس أساليب ماكرة، ورقابة متشددة للتخلّص من معارضيها، بل وممن ينحو الى إصلاحها أو ترميمها.


ذكّرتنا هذه الكتابات التي دُوّن معظمها بالإنكليزية، وطُبع في الغرب، الذي يتوجّس منه النظام الديني، بكتابات أولئك الذين اصطُلح على تسميتهم، إبّان الحرب الباردة بالمنشقّين الروس. وإذا كان الأدباء الإيرانيون تنقصهم المهارة الأدبية والروائية التي اشتهر بها الروس منذ القرن الثامن عشر، فإنّهم يتحلّون بالشجاعة والصدق في كشفهم الحقائق، أو منافحتهم عن قضاياهم أو وصف معاناتهم. وعندما قرأت السيرة الروائية لآذر نفيسي «أن تقرأ لوليتا في طهران» ساورني ارتياب بأنّ الكاتبة اليسارية والبورجوازية سابقاً، والمقيمة حالياً في أميركا، ربما غالت، لدوافع ذاتية، في سرد المظالم التي يعيشها أبناء بلدها. غير أنّ الطبعة العربية لسيرة شيرين عبادي «إيران تستيقظ» التي ترجمها الكاتب والصحافي اللبناني حسام عيتاني بلغة أنيقة، تطابقت الى حد مذهل، مع ما قالته نفيسي. وما وصفته من مظاهر قاسية وعنيفة. بل إن عبادي تفتتح فصول كتابها بطريقة «الفلاش باك» على مشهد يمثّل ذروة التطرّف، بل الهوس الديني الدموي، حين تروي من خلال بعض الإضبارات والملفات القضائية التي بين يديها، كيف أن بعض عملاء الاستخبارات كانوا يصرخون «يا زهراء» حين يطعنون ضحاياهم.


ولأنّ الكاتبة لا تروّج لحساسية سياسية معينة، بل تكرّس وقتها كقاضية للدفاع عن حقوق الإنسان، وتسعى الى انتزاع قانون عصري يحصّن العائلة، وعلى رأسها ربة البيت وأطفالها. فإنها إزاء ذلك، لا ترسل الكلام جزافاً، بل تقارع الحجة القانونية بحجة مثلها، وترجع الى المتون الفقهية الشيعية السائدة في إيران. وهي لا تفرق بين الوجه الكالح لحكم الملالي، ووجه آخر أدبر، كان أكثر قتامة، هو وجه الشاه غير المحبوب، الذي تواطأ مع الاستخبارات الأميركية للإطاحة برئيس وزرائه محمد مصدق ذي الشعبية. وتقارن بين استخدام الملالي قضية ارتداء الحجاب، أو ما تسمّيه شيرين عبادي، استخدام أجساد النساء واجهة لنظامهم الديني المتزمّت، وتوسّل رضا شاه، والد آخر ملوك إيران، نزع الحجاب غايةً وهدفاً لتقوية شوكته ونفوذه على البلاد والعباد. وكأن المرأة الإيرانية في الحالين رصيد استراتيجي احتياطي، اجتمعت على استغلاله سياسة الحكّام الإيرانيين. تجعل شيرين عبادي الحائزة على جائزة نوبل للسلام، من مرحلة طفولتها، وتربية والدها المنفتح والمتفهّم والمتوازن في معاملته بين ذكور العائلة وإناثها، على غير عادة العائلات الإيرانية البطريركية النزعة. تجعل من هذا الوالد المثقف الخميرة الأولى التي منحتها هذه الثقة بالنفس التي نستشفّها عبر سيرتها ومواقفها الصلبة، وهذا النزوع الذي لا يفتر ولا يكلّ لمقارعة الظلم، والتفرقة بين الجنسين.


في البداية، وكغيرها من الإيرانيات المتعلمات أسرها المناخ الثوري، وانحازت شيرين إلى المعارضة، التي قامت على عناصر، هي عادة من متن الحياة السياسية الإيرانية، وهي المسجد والبازار والقوة الشابة. ولم تبد أي استياء من رجال الدين المنظمين والمنتشرين في أنحاء البلاد. إلا إن هؤلاء ما لبثوا بعد فترة، أن وضعوا أيديهم على الثورة، وعلى مقاليد السلطة. وللملالي في حياة الإيرانيين جذور تاريخية عميقة، ونفوذ مباشر على الجماهير. فهم يعرفون، على ما يقول المفكر الإيراني الشهير داريوش شايغان، كل محرّكاتها ودوافعها النفسية وشبكة المشاعر والانفعالات. وهم القادرون على إضحاكها وإثارتها حتى الدموع، وتحريضها وتعبئتها وتقريعها وربطها، بفضل سحر الذكر والتذكير على صعيد لا وعيها الجماعي الأسطوري (النفس المبتورة ص 188).


نصف رجل


وعبادي تغاضت عن أثر رجال الدين في مسار الثورة، فأبدت حماستها لها، تأييداً وهتافاً وانخراطاً في التظاهرات، وابتهجت بانتصارها الباهر مع المبتهجين، ولكن ما لبثت حماستها هذه أن خمدت في نفسها، بعد أن ادركت أن مآلها وموقعها، ودورها كأنثى، في مجتمع تطغى عليه، على غرار معظم العالم الثالث، نزعة تفضيل الذكورة على الأنوثة، لم يتغير أو يتبدل بتأثير عقلية رجال الدين التقليدية والسلبية. وحسبت حينئذ، انها هزمت نفسها حين انتصرت للثورة، انتصاراً لم تذق منه إلا ثماره المرة.  حاولت شيرين من دون جدوى، أن تفكّ الأغلال التي قيّدت المرأة الإيرانية، وأن تخلّصها من قوانين جائرة ومنحازة أملاها الملالي، الذين رعوا نزعة إيثار الذكورة المتجذرة في الثقافة الإيرانية، وكرّسوها بقوانين طُبعت بطابع الدين، بل أصابت من شيرين عبادي القاضية مقتلاً، حين جُرّدت من وظيفتها القضائية، لأنّ المرأة في نظر هؤلاء لا تصلح لمثل هذا المنصب. وتدنّت حقوق المرأة في الدستور الجديد، الذي أعاد عقارب الساعة أربعة عشر قرناً إلى الوراء.


أضحت المرأة بمثابة نصف رجل. شهادتها في المحكمة نصف شهادة، وديّة قتلها نصف دية قتل الرجل. وغير ذلك، ما جعل قيمتها الإنسانية دون قيمة الرجل. وانعكس خلل القوانين المجحفة على علاقتها بزوجها. فبعد أن تزوجا قبل الثورة كزوجين متساويين، باتا بعد صدور القوانين رجلاً وعبدته. وعلى رغم تجريدها من رتبة قاضية، فإنّ هذا لم يحدّ من مؤازرة عبادي للثورة، قبل أن تسفر عن وجهها المظلم، وتنشر شرطة الأخلاق الخوف في النفوس، وتفبّرك الشبهات، وتصادر حرية النساء، وتخلق فضاءً محفوفاً بالغموض والخشية من المجهول.


وإذا كان الحكم أتاح للنساء أن يتعلمن ويختلفن الى المدارس والجامعات. إلاّ أنهن حرمن من اعتلاء المناصب الرفيعة، والمواقع الإدارية ذات الشأن التي يجري فيها صنع القرار. وظلّ القضاء بمنأى عنهن. ولم يقلّص حق المرأة بالتعليم التمييز بين الذكر والأنثى. «إنني امرأة ولست بأحد» بهذه النزعة العدمية تصف عبادي حالها، في لحظات اليأس والمرارة وقلة الحيلة. وهي تروي في هذا المقام قصص فتيات قاصرات تعرضن للقتل أو للاغتصاب وبرّأت المحاكم المذنبين. ولم يفلّ التهديد بقتلها أو اعتقالها من عزيمتها على متابعة قضية المستضعفين، من النساء والأطفال، والرجال المضطهدين، والشباب الطامحين إلى التغيير، وإلى العيش الحر، والى اعتناق القيم التقدمية والعصرية.


كانت هذه المآلات والمصائر الكئيبة جزءاً من انحرافات الثورة عن غاياتها، التي بدأت ارهاصاتها بصراع الأجنحة داخلها، وإعدام المخالفين بتهمة المروق والخيانة. وما لبث أن استشرى العنف وتزايدت حملات تطهير الخصوم، وتفاقم الاضطهاد السياسي، والتفنن في وسائل التعذيب والتحقيق والشهادات والوثائق الملفقة، وكل الوسائل والأحابيل الأكثر ذكاء ودهاء، إذا ما قورنت بما كان يمارسه السافاك. حيث لا يترك المعذبون الجدد قرينة أو أثراً على الأبدان، كما كانت السافاك تفعل. لكنهم لا يستطيعون محو هذه البصمات عن العقول وعن القلوب. لا سيما قلب عبادي التي فُجعت بإعدام شقيق زوجها الشاب انتقاماً من «مجاهدين خلق». فألمّ بها مرض حتى اليوم. واكب ذلك تحوّل غرائبي، حيث أصبحت ربطة العنق رمزاً لشرور الغرب، ورائحة العطور تشير إلى ميول معادية للثورة، وارتداء الثياب المتسخة علامة على النزاهة السياسية. إضافة إلى تفشي الإنتهازية، وتبدّل القناعات، والتحالفات والولاءات السياسية.


أما فترة حكم الإصلاحيين في أواخر التسعينات من القرن الماضي، فترى فيها شيرين فرصة ثانية مُنحت للدولة الإيرانية، من قِبل الشعب الذي كان يسعى إلى الاسترخاء والازدهار. لكن محمد خاتمي رئيس الجمهورية عهدذاك، أُسقط من يده، ووجد نفسه مقيّد الصلاحيات، وسرعان ما أخفقت تجربته، وتراجعت حقبة الإصلاح، التي عاشت إيران في كنفها، مرحلة من الازدهار الفكري والإعلامي، قبل أن تذوي وينطفئ وهجها. وظلّ الأمل في التغيير يراود شيرين عبادي، أقلّه في ما يوحيه العنوان الرئيسي، والعنوان الفرعي لكتابها «مذكرات الثورة والأمل».

 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟   
الاسم:
عنوان التعليق:
نص التعليق:
 

آداب و لغة
فلسفة
ديانة مسيحية
الإسلام و أديان العالم
علم النفس و التربية
علوم اجتماعية
تاريخ و جغرافيا
سياية و اقتصاد
علوم طبيعية و طبية
فنون
قانون
مراجع عامة
 
عن المكتبة | كتب | أفلام | تراتيل | الصفحة الرئيسية
SWS المكتبة الروحية 2005 - جميع الحقوق محفوظة - صمم هذا الموقع بواسطة شركة
Powered by O2 TECHNOLOGY