بحث سريع 

 

New Page 1
عنوان الكتاب:
غواية التراث
المؤلف:
جابر عصفور
المترجم:
الموضوع:
آداب ولفة/شعر/نقد ودراسات شعرية
الناشر:
الكويت - وزارة الإعلام
عام النشر : 2005 الطبعة: 1
القياس:
17X12 سم
عدد الصفحات: 224
السلسلة: كتاب العربي
رمز التصنيف:
ش د  170
   

أراء القراء   
تعليق: تهامة الجندي - البيان
عنوان التعليق: غواية التراث

حفظت الذاكرة العربية العديد من الصور المفارقة التي تتموضع في إطارها ملامح الشعر والشعراء عبر المراحل التاريخية السابقة للإسلام والمراحل اللاحقة له، ويخصص الدكتور جابر عصفور كتابه الجديد « غواية التراث » لبحث هذا الموضوع الشيق الذي يحيلنا إلى الكثير من الدلالات المهمة التي تتعلق بطبيعة التحولات التي اعترت المجتمع العربي على الصعد كافة. مؤكدا منذ البداية أنه يجمع ما بين غواية الحب الأول التي اكتسبها عن طه حسين، وغواية النظرة المحّدثة التي تعلمها جيله من أدونيس، فالباحث يفتتح أولى الفصول بالتعيين التالي: «هناك أكثر من صورة للشاعر في تراثنا، صورة المدّاح الذي جعل من الشعر حانوتا يدور به على طالبي المديح، وهي الصورة الغالبة التي استمرت طويلا نتيجة لتعقد العلاقة بين الحاكمين والمحكومين، وصورة الشاعر اللاهي احتجاجاً على فساد حاضره السياسي الاجتماعي. أو احتجاجا وجوديا على الموت، وصورة الشاعر الصانع الذي يرى في كمال إبداعه غاية مستقلة عن كل غاية، وصورة الشاعر الداعية الذي يوظّف شعره في خدمة اعتقاد أعم منه بالمعنى الديني أو السياسي. ولكن كل هذه الصور بمنزلة نماذج متغيرة لاحقة، متأخرة نسبيا بالقياس إلى النموذج الأصلي الأقدم الذي بدأ به الوعي بالشاعر والشعر عند العرب».


بعد التعيين السابق يتابع الدكتور عصفور فصول كتابه محددا الخصائص الإنسانية والشعرية لتلك النماذج الأساسية التي افترضها، مبينا الأسباب والمرجعيات الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى ظهورها. ويبدأ من النموذج الأصلي للشاعر، فيقول: «هو نموذج الشاعر العارف بكل شيء والقادر على كل شيء، وهو نموذج ينضوي على المفارقة، فهو ناء عن البشر العاديين بالمعرفة التي يجهلونها، منذ أن أطلقت عليه العربية اسم الشاعر لأنه يشعر، أي يعلم ويعرف ويفطن، وردّت جذر الدلالة اللغوية لكلمة الشعر إلى العلم والمعرفة والفطنة التي لا تتاح إلا للكائن المتفرد. وهذا الشاعر النائي عن الآخرين لأنه يعلم ما لا يعلمون، قريب منهم بقدرته على أن يفعل ما لا يفعلون، وأول ذلك أثره فيهم بما يبدع من شعر، ينقلهم من إلى حال، ومقام إلى مقام، وذلك في فعل أشبه بأفعال السحر».


ويرى الباحث أن هذه المفارقة التي يتأسس بها النموذج الأصلي تراثياً، تجعل منه نموذجا كليا، ينطوي على الأوجه المتعددة للكاهن والشامان والساحر والعراف والنبي والعالم والحكيم. ولكن على النحو الذي يردّ كل هذه الأوجه إلى جذرها الذي يصل بين المعرفة والقدرة، والتي قاربت بينه وبين الكائنات غير البشرية كالجن والشياطين والأرواح الشريرة أو الخيّرة. كما قاربت بينه وبين عناصر الطبيعة الفاعلة المقترنة بالخصب والنماء، هذه الدلالة نفسها هي التي وصلت بين الشاعر والنبي في التراث السابق على الإسلام، ولذلك كان وجود الشاعر في القبيلة من زاوية إعلان ولادته شعريا وتكريمه إبداعيا لحظة احتفالية من لحظات القبيلة.


اللحظة الأكثر دلالة على تعظيم الشاعر الجاهلي وتكريمه يجدها المؤلف في لحظة الاعتراف الشامل به وتعليق قصيدته على الكعبة حيث يطوف الحجاج. وبهذا الخصوص يشير المؤلف إلى انه قد يرتفع عدد المعلقات إلى تسع أو عشر، لكن العدد سبعة يظل قرين النموذج الأصلي للشاعر، والصورة القديمة للمعلقات، تلك الصورة التي تحيل العدد سبعة إلى الأبعاد الاعتقادية التي تولّد منها النموذج للشاعر عند العرب، عدد السماوات والأرضين، ومرات الطواف حول الكعبة، والأيام التي تجمع في أسابيع، واكتمال فرحة العريس في الدخول على العروس. ويؤكد المؤلف على أنه لم يكن من قبيل المصادفة أن شعراء المعلقات لم يكونوا من الشذاذ أو الصعاليك الخارجين على قبائلهم، أو المهمشين، وإنما كانوا من أبناء الصفوة الذين هم سادة قومهم ومصدر فخرهم وديوان مجدهم. وذلك بما يبدعونه من شعر يعبر عن الوجدان الجمعي للقبيلة، ويصوغ الحكمة التي تهتدي بها، ولا فارق هنا بين امرئ القيس الكندي ابن الملك الذي كان أول من علق شعره على الكعبة، وطرفة بن العبد البكري سيد فتيان قومه. وهو ثاني من عُلّق شعره، وتلك مكانة لم ينحدر عنها زهير المزني ولبيد العامري وباقي أسماء الشعراء التي يعددها الرواة الذين نقل عنهم البغدادي في كتابه «خزانة الأدب» ص34. وكما اقتصرت المعلقات على إبداع السادة فإن الذي انتخبها دون غيرها، ورفعها على غيرها من القصائد، هم أقطاب السادة من الملوك والرؤساء، وقد نقل غير واحد من الرواة في أكثر من مصدر أن الملك من ملوك العرب كان إذا استحسن القصيدة قال: علقوها وأثبتوها في خزانتي، وهي التقاليد نفسها التي نجدها حين نقرأ أن ملحمة «جلجامش» قد كٌتبت بأمر الملك آشور بن بعل، ووُضعت في قصره. ونبّه على هذا في تذييل لوحاته التي ختمها بخاتمه، وظلت الملحمة مودعة في المعابد معلقة على طريقة المعلقات العربية.


وفي سياق بحثه عن خصائص الشعر والشعراء في العصر الجاهلي يذهب الدكتور عصفور إلى التأكيد على أن أهم سمة بارزة للشاعر في العصر الجاهلي من حيث هو نموذج أصلي، أنه صانع أسطورته الخاصة التي يستمد سرها من حضوره المستقل. ويشع تأثيرها من خصائصه الذاتية، صوته، صدى، وجوده ومعتقده بعض صنعه، وحكمته خلق ذاتي، وإبداعه تشكيل حر يفيض بما فُطر عليه، وينطق بما يشعر به أو يعلمه، ونجد في سيرة عنترة بن شداد الموزعة بين طيات الكتاب تأكيدا على هذه المقولة، فهذا العبد الأسود قد تغلب على حالته الردية في كل مستوياتها. وأوصلته فحولته في نزال الفرسان والشعراء إلى الحرية، واعترف به شداد سيد عبس ابنا له، وأحبته ابنة عمه جميلة الجميلات، وقاد أقرانه من فرسان العرب إلى النصر على الفرس، وارتفعت أمه زبيبة إلى رتبة الأميرات الشريفات، وتم تنصيبه سابقا على الشعراء وعلى رأسهم شعراء المعلقات الست السابقين عليه.


ظاهرة لافتة أخرى يلحظها المؤلف في هذا السياق، وهي أن الشاعر في هذا الشعر، لا ينظر إلى عالم الأشياء والحيوان والكائنات نظرا محايدا، كأن العالم منفصل عنه، مستقل في الوجود، فالعالم في عيني الشاعر الجاهلي عالم فاعل منفعل، خارجي داخلي، ذات وموضوع. وعي للشاعر وحضور لوجوده، مرآة للأنا ومحط لتطلعها، سحر تمثيلي وأداء سحري، علاقات متجاوبة لا تنفصل فيها الأشياء عن الكائنات، أو يتباعد فيها الحيوان عن الإنسان، فالجميع في داخل الكون الذي تنطقه القصيدة الجاهلية وتومئ إليه. وكمثال على هذه الخصوصية يأتي بيت المنخّل اليشكري: وأحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري. يربط الباحث التحولات التي طرأت على صورة الشاعر الجاهلي وأدواته ومكانته الاجتماعية والثقافية والسياسية بالتحولات والقيم الجديدة التي اجتاحت المجتمع العربي بظهور الإسلام، فيرى: أن الإسلام قلّص من حجم العنصر السحري والأسطوري الذي انسرب في النموذج الأصلي للشاع، ووضع فكرة الإلهام العلوي والأسطوري في ضوء جديد، ومنع شياطين الشعراء من الانفلات العابث في وادي عبقر، وميز بين الشاعر الغاوي والشاعر المؤمن، وافتتح عهدا جديدا من علاقة الكلمة الشعرية بسلطة الدولة التي اتخذت ـ فيما بعد ـ اسم الخلافة .


وفي الوقت نفسه أسهمت هذه الخلافة في تغيير مجموعة من العناصر الملازمة للنموذج الأصلي للشاعر عبر تحولاتها الاجتماعية وصراعاتها السياسية، وذلك على نحو زاوج في نموذج الشاعر بين صورتي: «الداعية» و«النديم» وكان يعني تقليص الحرية الإبداعية للشاعر في مواجهة السلطة التي تحميه وينطق باسمها. أيضا التأصل المتزايد للحضور المديني في المجتمع الإسلامي المتعدد المشارب والثقافات، كان يستبدل صناعة الكتابة بصناعة الخطابة شيئا فشيئا، ويستبدل الوعي الشفاهي بالوعي الكتابي، ويستبدل مركزية الشاعر (صوت القبيلة ورمزها البدوي الصحراوي المتحد) بمركزية الكاتب (صوت المدينة ورمزها الحضري المتعدد). وأكد من أهمية الوعي الكتابي وجوده في علاقات مثاقفة متغايرة الخواص، جسدت وانطوت على الصراع الدائر بين الأجهزة الأيديولوجية للدولة المركزية والأيديولوجيات الهامشية المضادة، وذلك في كل المستويات السياسية والفكرية والفنية والأدبية.

 

 
تعليق: مجلة العربي
عنوان التعليق: التراث وغوايته

كانت هناك إشكالية منهجية في تناول موضوعات الكتاب, تتمثل في أن هناك ثلاث ظواهر مختلفة كانت محلا للدراسة: الذات (الشاعر) والموضوع (القصيدة), والظرف (التاريخي والاجتماعي), كما كان هناك العديد من الظواهر الجانبية التي تفاعلت مع تلك الظواهر الثلاث, مثل: الكائنات الميتافيزيقية التي تماست مع الشاعر/القصيدة, وظهور الدين كظاهرة تمثل نوعًا من الضبط الاجتماعي (وبالتالي الفني). لذلك فقد تعامل المؤلف مع الظواهر الدياكرونية المتحولة داخل الزمن بالمنهج التاريخي, وتعامل مع الظاهرة الفنية بالمنهج التحليلي, وتعامل مع الظاهرة الميتافيزيقية بالمنهج الألسني الوصفي, الذي يعتمد على التحليل اللغوي للجذور الدلالية للأسماء, باعتبار أن الاسم شاهد ينوب بحضوره عن غياب الكائنات (الشياطين - الجن - الغيلان).


ويشير المؤلف بداية إلى أنه من الملاحظ أن كل حركة نقدية أو أدبية جديدة كانت تعود إلى التراث الشعري بوجه عام, والجاهلي بوجه خاص كي تخضعه لتقنيات قراءاتها الجديدة, وآلياتها التفسيرية الموازية, كما يرى أن هناك أكثر من صورة للشاعر في تراثنا: المادح, اللاهي, الصانع, الداعية. وقد تغلب صورة من هذه الصور في عصر دون عصر لأسباب يمكن تحديدها, وقد تتجاوز أكثر من صورة في عصر آخر لأسباب مغايرة, لكن تظل كل هذه الصور بمنزلة نماذج متغيرة, لاحقة, ومتأخرة نسبيًا بالقياس إلى النموذج الأصلي الأقدم الذي بدأ به الوعي بالشعر والشاعر عند العرب.


وينتهي المؤلف إلى أن هذا النموذج الأصلي كان يبزغ عند نوابغ الشعراء, وذلك في علاقتهم المعقدة بالسلطة السياسية, إن هذه العلاقة المتوترة هي التي دفعت أبا تمام - على سبيل المثال - إلى الموازنة بين عطايا ممدوحه وقيمة قصائده, وتفضيل الثانية على الأولى, وفي هذا التصور ينتصر أبو تمام لصورة الشاعر الصانع الذي يرى في كمال إبداعه أو إحكام صنعته غاية مستقلة عن كل غاية, حتى لو ارتبط ذلك الإبداع وتلك الصنعة بصورة المدح.


إن تحول النموذج الأصلي لصورة الشاعر نتج بالأساس عن ظهور متغيرين في طبيعة البنية الأساسية للواقع الاجتماعي الذي انتقل ببنية السلطة من القبلية إلى الدولة. وبالتالي فقد انتقل الشاعر بدوره من علاقات القبيلة إلى علاقات الدولة, التي لم تفارق العلاقات القبلية القديمة تمامًا, ولكنها أخذت في تأسيس علاقات جديدة مغايرة في الوقت نفسه. وإذا كان ظهور شاعر البلاط يمثل صوت السلطة المركزية المهيمنة, فإن هذا الظهور كان يعني تقليص الحرية الإبداعية للشاعر, في مواجهة السلطة التي تحميه وينطق باسمها, والتي نظرت إليه باعتباره يحتل منزلة تتراوح بين موضع النديم وموضع الداعية. وبذلك تخلخلت منزلة الشاعر القديم, وفارق منزلة النبي / الشامان / عقل القبيلة الذي يسمع قوله ويصدق حكمه.


أصل الشاعر... أصل القصيدة


ثم ينتقل المؤلف من الشاعر إلى موضوعه (أي القصيدة), وإذا كان هناك نموذج أصلي للشاعر في التراث, يمثل نقطة الأصل التي تقاس عليها تحولاته, فإن هناك بالمثل نقطة أصل للقصيدة تمثلها (المعلقات). وهنا يتساءل جابر عصفور: ما الذي جعل المعلقات تنفرد بالمكانة التي أنزلتها العرب فيها? وهو يجيب بأن السبب في ذلك يعود إلى التركيبة الشعرية الإبداعية التي جسّدت حضور النموذج الأصلي للشاعر, في مجاليه: الديني والدنيوي, وذلك على مستوى صياغة وعي القبيلة والصدور عنه, وتصوير رؤيا العالم التي أنتجها سادة القبيلة الذين عبر عنهم شعراء المعلقات.


ويصل المؤلف إلى العلاقة بين الشعر والكائنات الميتافيزيقية (الخرافية), وفي هذه اللقطة تحديدًا تتبدى ألمعية جابر عصفور في التجائه للتحليل الألسني للجذور اللغوية الدالة على تلك الكائنات, والتي لا نملك منها سوى أسمائها. فهذه الكائنات قد ارتبطت بالشاعر والقصيدة معًا, ومارست تأثيرًا فاعلاً في ذاكرتي الإبداع والتلقي على السواء. فالشياطين والجن والغيلان كانت إما باعثًا على الإنشاد, أو موضوعًا لهذا الإنشاد. ويقرر المؤلف أنه يمكن لنا تفسير ارتباط تلك الكائنات بالشعر, إذا ما أمكننا أن نرصد خصائصها على المستوى اللغوي. إن كل نوع من تلك الكائنات الخرافية ينفرد بدلالة لغوية تميّزه عن غيره, إلى جانب الدلالات العامة التي تصله بالآخرين, فالشياطين تنفرد بالدلالة اللغوية الدالة على المخالفة في النية والوجهة والفعل والقدرة, وهي خصائص ترتبط بعملية إنتاج القصيدة. أما دلالة الجن فقرينة الستر والخفاء, حيث المعنى الذي يصل الشعر بالوحدة التي تستر صاحبها عن غيره, وتقرن الإبداع بالظلمة التي تفصل المبدع عن الآخرين, كأنها اللاوعي الذي يوازي باطن الأرض - رمزيًا - في دلالة الاستتار والخفاء. ويمكن أن نضيف إلى تحليل المؤلف بعدًا آخر لمفهوم الاستتار, والذي يتمثل في العبارة الشائعة: (المعنى في بطن الشاعر) وذلك حين تتباعد قصيدة النص عن أفق انتظار القارئ. أما دلالة الغيلان فقرينة السكون والتحول والتغير والتبدل, وتلك دلالة تفسر حال المداخلة التي نتجت عنها القصيدة من رحم اللاشعور, وهي حال أشبه بأحوال الجذب, التي يغيب فيها الوعي, وتتلبس الشاعر غيبوبة الاستحضار, أو الغولة التي تنطق فيها شياطين الجن على لسانه, بعد أن تغتال عقله الذي يشاركه فيه غيره.


وهنا يشير المؤلف إلى أنه ليست مصادفة أن تقترن دوال الكلمات الثلاث, الشياطين والجن والغيلان, بالإشارة إلى ذهاب العقل أو الجنون, الذي لم ينفصل يومًا عن الإبداع بمعنى أو بآخر. كما أن ذلك يعني أن دوال الكائنات الثلاثة تلتقي في مدلولات عامة, تشير إلى القدرة الاستثنائية على الفعل الذي ليس في طاقة البشر العاديين, والذي لا يستطيعه الشاعر إلا بمعونة تلك الكائنات الخرافية.


العالم والذات


وفي إطار تحليل عالم الشعر الجاهلي, يلحظ المؤلف أن الشاعر الجاهلي لم يكن ينظر إلى عالم الأشياء والحيوانات والكائنات نظرًا محايدًا, كأن العالم منفصل عنه, مستقل في الوجود. العالم - في عيني الشاعر الجاهلي وفي قصائده - عالم فاعل ومنفعل, خارجي وداخلي, ذات وموضوع, وعي للشاعر وحضور لوجوده. ولقد أدت تلك الثنائيات المتقابلة إلى أن تجعل (الاستعارة) تمثل أولوية الحضور في العلاقات البلاغية لإدراك العالم, فهي تفرض وجودها في القصيدة الجاهلية بوصفها وسيلة إدراك تحطم الحواجز العملية بين تلك الثنائيات من جهة, والأشياء من جهة أخرى, وتزيح حجاب الألفة والعادة, وتستبدل بأصناف المنطق وتقسيماته تجاوب علاقات الوجدان وتراسل مدركات الشعور.


 


وينتقل بنا المؤلف من حكمة اللذة السائدة في القصيدة التراثية, والتي تتأسس على مثلث: المرأة - الخمر - الصيد, إلى حكمة التمرد عند الشعراء الصعاليك, حيث بلاغة المقموعين, إن هذا التمرد يؤكد على حضور (الإنسان) بإزاء الآخرين, ويضع الشاعر/الصعلوك في مواجهة القبيلة بالمعنى الاجتماعي, وقصيدته في مواجهة شعر القبيلة بالمعنى الفني. وكما تمرد الشعراء الصعاليك على العرف الاجتماعي للقبيلة, وكسروا حاجز المنطق بين الواقعي والخرافي, وحطموا الجدران التي تفصل بين الإنسان والحيوان, فقد تمردت قصائدهم بالضرورة على الأعراف الفنية, وهدمت الحاجز المنطقي لأداة التشبيه التي تفصل بين العوالم والمدركات, واستبدلت الاستعارة التمثيلية الموسعة بالتشبيه الموجز, ووصلت بين أبياتها بالتضمين. كما استبدلت القصيدة بالحولية الطويلة المقطعات المتفجرة كالخطر اليومي, وسعت إلى إلغاء المسافة بين الكلمة والفعل.


ازدواجية الإبداع


ويمضي الكتاب في مناقشة العديد من الظواهر المصاحبة للظاهرة الشعرية التراثية مثل: الحضور المزدوج للإبداع والشفاهية والكتابية, والطبع والصنعة, ومديح القلم, والسيف والقلم, وفضائل الكتابة, وتراتب الأنواع الأدبية, وهي ظواهر تعد امتدادًا واستكمالاً لدراسة المثلث الإبداعي: الشاعر - القصيدة - العالم.


وينتهي الكتاب وقد أضاف إلينا, على صغر حجمه, رؤية نقدية جديدة للتراث, تمثل - على حد تعبير المؤلف - غواية ثالثة, تضاف إلى غوايتي الحب الأول والنظرة المحدثة, وهي غواية تجلي الذات المعاصرة في مواجهة التراث, والتي تنبهر به, لكنها لا تمارس انسحاقها أمامه, وبالتالي فإنها تمتلك إرادتها الواعية في إعادة إنتاجه وتفسيره, لأنه عمل يحمل قيما عابرة للزمن, تخص الذات المعاصرة, بقدر ما تعبر عن إبداع الذات الغابرة. إنها غواية البحث عمّا هو جوهري, والنظر إليه بعين عاشقة, لكنها مغايرة في الوقت ذاته كما يحل الكتاب إشكالية مهمة, وهي: كيف يستطيع كتاب صغير أن يناقش قضايا كبيرة, دون أن يتنازل عن العمق, حتى لو استبدله بالبساطة? بالطبع, فإن الأمر يتطلب هنا عينًا نقدية فاحصة, تمتلك مشروعًا ثقافيًا متكاملاً.

 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟   
الاسم:
عنوان التعليق:
نص التعليق:
 

آداب و لغة
فلسفة
ديانة مسيحية
الإسلام و أديان العالم
علم النفس و التربية
علوم اجتماعية
تاريخ و جغرافيا
سياية و اقتصاد
علوم طبيعية و طبية
فنون
قانون
مراجع عامة
 
عن المكتبة | كتب | أفلام | تراتيل | الصفحة الرئيسية
SWS المكتبة الروحية 2005 - جميع الحقوق محفوظة - صمم هذا الموقع بواسطة شركة
Powered by O2 TECHNOLOGY