بحث سريع 

 

New Page 1
عنوان الكتاب:
نبض الأشياء الضائعة
المؤلف:
شريف حتاتة
المترجم:
الموضوع:
آداب ولفة/قصص وروايات/قصص وروايات مصرية
الناشر:
بيروت - الآداب
عام النشر : 2001 الطبعة: 1
القياس:
19.5×13 سم
عدد الصفحات: 288
السلسلة:
رمز التصنيف:
ق م  352
   

أراء القراء   
تعليق: أمل الجمل - الحياة 9/2/2008
عنوان التعليق: ثلاث نساء ورجل واحد

بدأت هذه القصة في شهر حزيران (يونيو) عام 1993، في مدينة درهام في ولاية نورث كارولينا الأميركية، وانتهيت منها يوم 23 كانون الثاني (يناير) عام 2000، في مدينة القاهرة. أثناء هذه السنوات السبع قمت بكتابة رواية كاملة، ورواية أخرى أكملت نصفها، ثم توقفت. بعد أن قرأتهما مرات عدة ألقيت بهما في سلة المهملات واستأنفت العمل. هذه التجربة أثبتت لي أن الفشل كان سبيلي إلى النجاح في تأليف القصة التي سميتها «نبض الأشياء الضائعة» فهو الذي هداني إلى ما كنت أحاول أن أصل إليه... هذه كلمات شريف حتاتة المطبوعة على غلاف روايته «نبض الأشياء الضائعة» الصادرة عن دار نشر المحروسة في كانون الثاني (يناير) 2008. تُعبر هذه الكلمات عن معاناة المبدع وصراعه مع مادته، عن محاولته إحكام سيطرته عليها، لإبداع عمل فني له معناه وجمالياته، فهو مثل الكائن الحي ينمو ويتطور وفق قوانينه الخاصة.


«نبض الأشياء الضائعة» رواية عن الفقدان، عن الإحساس بالضياع، والعلاقة بين الرجل والمرأة. مع ذلك قد يكون محور الرواية هو نبض النساء المُفتَقد. إنها تحكي عن ثلاث نساء متشابهات مختلفات, لديهن القدرة على الحب وعلى الإبداع, جمع بينهن رجل اسمه «إبراهيم مصطفى سالم». كانت النساء الثلاث نقطة الضوء في حياته, وكان هو نقطة الفساد, وبؤرة الظلام في حياتهن.


الرواية مقسمة إلى ثلاثة أجزاء. في الجزء الأول إبراهيم صبي صغير في أسرة فقيرة من قرية «البدرشين». مات والده في حرب 1948. فعملت أمه في مساحة صغيرة من الأرض لتصرف على تعليمه. إنها القطب المسيطر في الأسرة الصغيرة. صمتها المستمر يُسكت صوته، ويبث فيه شعوراً عميقاً بالوحدة. غضبها يُعلمه الخوف من عدم رضاها, لذلك يتمرس على قول ما يُرضيها ويُرضي الناس من حوله.


خالته فاطمة هي المرأة الأولى في حياته. تُقيم معهم في البيت. تنشأ بينهما علاقة حب متوترة خفية. كل منهما يبحث عن الآخر, عن شيء من الدفء والنور في جو البيت المُوحش. تُصبح هذه العلاقة ملاذه وملاذها. كل منهما لا يريد من الآخر سوى الحنان, سوى ليال يقضيانها سوياً يُشبعان فيها رغبة جسدية في الحياة لم تُفسدها القيود الاجتماعية, أو الميل للتسلط, أو البحث عن المال. لكنها في إحدى الليالي تختفي من البيت من دون أن تترك أثراً. تمرض أمه مرضاً يصعب علاجه وينقض عليها الموت سريعاً. يبيع البيت، لكن قبل أن يرحل عنه يعثر على عقد من أحجار سود بين كل منها جعران أزرق صغير، في صندوق ملابس خالته «فاطمة»، فيحمله معه.


منذ طفولته يُقرر «إبراهيم» أن يُصبح رجلاً غنياً, فهو لا يريد أن يظل محاطاً بالفقر والكآبة. له حياتان, حياة يُمارسها أمام الناس وحياة أخرى يُخفيها عن الآخرين. هكذا تعلم أن يُدبر في صمت, ألا يُشارك أحداً في ما يسعى إليه. كان الأول على دفعته في كلية الآداب «قسم الإعلام» لكنه رفض استكمال دراسته العُليا. قرر أن يلتحق بالصحافة إذ يمكنها أن تجلب له الشهرة والمال.


عندما يُمارس الصحافة يسافر إلى جبهة القتال ويكتب عن مسار الثورة وعلاقتها بالهزيمة في حرب 1967، فتستدعيه الاستخبارات العامة, وتُنهي مستقبله الصحافي. بعد طرده من عالم الصحافة يعمل في أشغال يدوية (فلاحة الأرض، عامل بناء, بائع في محل كشري), إلى أن استقر به الحال في محل أفاريز للوحات الرسامين في منطقة «معروف» في القاهرة, ثم يُسافر إلى «الإسكندرية» تلبية لحلم غامض, وهناك يعمل مع رجل أرمني, يترك له الورشة بعد وفاته.


في الإسكندرية يلتقي «إبراهيم» مع «فاطمة محفوظ» في لحظة تكاد أن تسقط من الأوتوبيس فيمد ذراعيه ويُنقذها. تنشأ بينهما علاقة حب ويتزوجا فيهديها العُقد, ويُنجبا طفلة اسمها «عزة». تواصل «فاطمة» عملها كصحافية ومناضلة سياسية. استشعر «إبراهيم» الخطر بسبب المقالات السياسية الجريئة التي تكتبها. عاودته مخاوفه القديمة التي قضت على مستقبله الصحافي، حذرها فاتهمته بالجبن والخوف من السلطة, بأنه يريد أن ينحني أمام الحكام. تشاجرا وتبادلا كلاماً جارحاً. استولت عليه الكراهية. زاد حقده عليها ونهشته الغيرة عندما رآها مع زميلها صاحب المطبعة. ربما لذلك وربما لأسباب أخرى عندما استدرجه أحد رجال المباحث للحديث عنها استسلم له، ما أدى إلى القبض عليها. لكنها قبل أن تهبط معهم خلعت العقد من حول عنقها ووضعته في سرير الطفلة. «إبراهيم» في حالة ضياع وخوف وحيرة يترك الطفلة «عزة» في مهدها على باب الجيران ويترك معها زجاجة لبن والعقد.


العجز


يبدأ الجزء الثاني من الرواية بإحدى طفلات الشوارع تمد يدها من أعلى زجاج سيارة «يسري الجندي» الضابط السابق في الجيش. بين أصابعها علبة كبريت. الإسفلت الساخن يلسع بطن قدميها, فتقف وهي ترفع الواحدة بعد الأخرى. فوق الشفتين بثور صغيرة رمادية اللون. قاوم النفور الذي استولى عليه ليلبي احتياجاً غامضاً في أعماقه يُشبه احتياج المرأة الوحيدة التي تلتقط كلباً أو قطة سارت وراءها. أخذها إلى بيته. كانت ذكية تُظهر شغفاً للمعرفة. تمتصها كما تمتص الأرض «الشرقانة» المياه. حتى تُواصل تعليمها النظامي منحها اسمه فأصبحت تُعرف باسم «عزة يسري الجندي». بعد الثانوية العامة اختارت دراسة الباليه. وصارت نجمة ساطعة في عالم الرقص.


يربط الحب والزواج بين «عزة» ويسري. تجعله يتغلب على العجز الجنسي الذي أصابه عندما اخترقت شظية عموده الفقري أثناء الحرب. يعيشان أياماً فيها سعادة. لكن الآلام المبرحة التي يُعاني نتيجة لإصابته تزيد عليه. يطلب منها أن تخلصه من حياته بجرعة قاتلة من الدواء, فترفض. تخرج باحثة عن طبيب, وعندما تعود لا تجده.


في الجزء الثالث يلتقي «إبراهيم» ب «عزة» صدفة في أحد النوادي. لا أحد منهما يعرف عن الآخر أكثر من اسمه, يمتد الحديث بينهما عن الرقص, والحياة, عن الطفولة وأحلامها, عن الرغبات الحقيقة التي يدفنها الناس في أغوارهم. مع مرور الأيام لا ينقطع الحوار بينهما إلى أن تقع عيناه ذات يوم على العقد ترتديه حول عنقها, فتعود الحقيقة نابضة أمامه.


في تلك الليلة بعد حوار طويل معها يهبط في الفجر ويستقل سيارته متجهاً إلى الإسكندرية, إلى حي «الإبراهيمية» ليكتشفه الناس جثة متعفنة تحمل في يدها وردة حمراء في الشقة التي كان يقطنها مع «فاطمة محفوظ» وابنتهما «عزة».


غموض


لا ندري هل مات «إبراهيم» أم انتحر؟ مثلما لا نعرف على وجه اليقين من هي أسرة خالته «فاطمة». هل حقاً كانت فاطمة خالته أم أخته غير الشقيقة؟ لا نعرف من هي المرأة التي رآها مع أبيه. هل هي أمه الحقيقية؟ هل المرأة التي نشأ في كنفها أمه أم زوجة أبيه؟ فاطمة محفوظ هي الأخرى لا نعرف من أين جاءت ولا متى.. فجأة لاحظ بعض الناس أنها أصبحت من سكان الحي. وعزة ظلت طوال سنوات طفولتها وشبابها لا تعرف لها أماً ولا أباً كأنها نبتت من بطن الأرض.


إن عدم معرفة الجذور الحقيقية لبعض الشخصيات الرئيسية في الرواية هو تعبير عن الإحساس بالضياع الذي يُعانيه الأبطال والبطلات. لكنه في جانبه الآخر يشي بأن ماضي الإنسان وأصوله يُمكن تجاوزهما. لأنهما لا يصنعانه، فالأهم ما سيُصبح عليه هذا الإنسان في الحاضر. وهو ما تُؤكده شخصيات الروائي النسائية اللائي تميزن بالحسم والقوة، والقدرة على الحب والإبداع. أما شخصيات الرجال فجميعها كانت تُعاني من تشوهات نفسية وجسدية بدءاً من شخصية «إبراهيم»، في فمه شيء كالاعوجاج البسيط, كالضعف المستتر، والده كان يُعاني عرجاً في ساقه بسبب حادثة, والطبيب في قرية «البدرشين» كان يعاني عرجاً خفيفاً, في حين أُصيب «يسري الجندي» بالعجز الجنسي, وكان رئيس التحرير يُعاني مشكلة في التنفس, والخوف من السلطة.


مع ذلك فإن الجميع ضحايا. الرجال والنساء. إن شخصية «إبراهيم» بكل فساده وضعفه الإنساني كانت ضحية القيود التي شوهت حياته، قيود الفقر والخوف والحرمان، قيود المجتمع والتقاليد، قيود السياسة والاستخبارات المفروضة على حرية التعبير. النساء أيضاً كن ضحايا، لكنهن امتلكن قدرة على مقاومة الهزيمة والفساد، على مقاومة الإحساس بالضياع.


يُفكك حتاتة الواقع في روايته داخل منشور بصيرته وإدراكه، مستخدماً ثلاث تقنيات. الصورة والتفاصيل والزمن المُتكسر. الصورة عنده مرتسمة بوضوح، فالوصف ليس تقليدياً، إنما هو التصوير الذي يُجسم المكان والأشخاص، ويجعل القارئ يرى ويلمس ويشم رائحة البشر. ينحت الأحلام والكوابيس وعشرات التفاصيل الحيّة الثرية بدلالتها الرمزية، والحكايات القصيرة، المنفصلة والمتقطعة أحياناً، التي تساعدنا على إدراك معاني الأحداث ومصدر سعادة وشقاء الأبطال. هذه التفاصيل والحكايات القصيرة ليست متصلة بخط (كرونولوجي) أي مرتب زمنياً، بشكل تقليدي، لكن عبر تقنية تكسير الزمن بالعودة للماضي «الفلاش باك» ثم الارتداد للحاضر، فيبدو الحكي أقرب إلى التداعي الحر، وهو ما جعله يقترب من عالم النساء، ومن منطق الحياة الشعري.


تتعدد عنده التفاصيل والأجزاء والأفكار، مع ذلك تظل الرواية متماسكة كأنها وحدة واحدة تنمو وتتطور نفسياً في انسجام وفق قانونها الداخلي. يُساعد على ذلك أن كلمات الشخصيات وحالتها الداخلية وحركة أجسامها التي تتجلى على مستويات عدة تتضافر مع الديكور والإضاءة وقطع الإكسسوار، فتُكمل بعضها بعضاً أحياناً، وربما تردد كالصدى إحداها الأخرى. وربما تتناقض. إنها دراما نفسية تكشف عن تناقضات النفس البشرية.


القصة التي تُحكى على لسان طبيب أمراض النساء  الذي تلجأ إليه عزة يسري الجندي في أحد الليالي لتلد ابنتها فاطمة عزة الجندي - تزخم بالصور التي تفوح منها رائحة الفساد الاجتماعي والأخلاقي والسياسي من خلال رصد حياة «إبراهيم» ورحلة صعوده حتى يُصبح رئيساً لدار نشر، بدءاً من تلاعبه بالرغبات الأنثوية للنساء، مروراً بإتقانه لعبة البلياردو وقدرته على جني المكاسب عن طريقها. كذلك تتبع حركة تطور المجتمع منذ عام 1948 والتحول الذي حدث في حياة الفلاحين عقب صدور قوانين الإصلاح الزراعي، مروراً بهزيمة 1967 وأحداث 18 و19 كانون الثاني (يناير) 1977.


يبدو الموت محلقاً في أجواء الرواية التي تكشف مشاهدها عن قسوة وقبح، يَتضافر معه بقوة حوادث الاختفاء والغياب والاعتقال. مع ذلك تظل الرواية مفعمة بالأمل والحياة.

 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟   
الاسم:
عنوان التعليق:
نص التعليق:
 

آداب و لغة
فلسفة
ديانة مسيحية
الإسلام و أديان العالم
علم النفس و التربية
علوم اجتماعية
تاريخ و جغرافيا
سياية و اقتصاد
علوم طبيعية و طبية
فنون
قانون
مراجع عامة
 
عن المكتبة | كتب | أفلام | تراتيل | الصفحة الرئيسية
SWS المكتبة الروحية 2005 - جميع الحقوق محفوظة - صمم هذا الموقع بواسطة شركة
Powered by O2 TECHNOLOGY