بحث سريع 

 

New Page 1
عنوان الكتاب:
المسيح السوري
المؤلف:
إبراهيم متري رحباني
المترجم:
أسامة عجاج المهتار
الموضوع:
ديانة مسيحية/الكتاب المقدّس/حياة المسيح ومجتمعه
الناشر:
بيروت - أمواج
عام النشر : 2001 الطبعة: 1
القياس:
24X17 سم
عدد الصفحات: 201
السلسلة:
رمز التصنيف:
ت ق  333
   

أراء القراء   
تعليق: صقر أبو فخر – السفير 17/9/2004
عنوان التعليق: ابراهيم متري الرحباني في مسيحه السوري ماذا قال المبشر العربي للأميركيين؟

شهد المشرق العربي، منذ انتهاء حروب الفرنجة، موجات متتالية من الرحالة والمبشرين الذين سحرتهم حكايات العائدين من فلسطين، وألهبت الحياة في الأرض المقدسة مخيلاتهم، فرغبوا في المجيء الى هذه البلاد لغايات شتى، منها ما هو تبشيري، ومنها ما هو استكشافي، ومنها ما هو علمي. وفي تلك الأثناء راح المستكشف يكتسب صورته التقليدية المعروفة التي تمثله في هيئة رحالة يجول في بقاع هذه الأرض، حاملا التوراة بيد والخريطة والقلم بيد أخرى لمطابقة المواقع التي ورد ذكرها في التوراة على الأرض الفلسطينية بالتحديد. وهذا ما فعله إدوارد روبنسون الذي كان، حينما تعاكسه الجغرافيا وتعوزه الحيلة، ينثني الى مطابقة الأسماء على المواقع. وبهذه الطريقة جعل نابلس هي نفسها شكيم التوراتية، والخليل حبرون، وأم القيس لاخيش، وتل المتسلم مجدّو، مع أن الآثاري الإيرلندي ماكاليستر برهن، بصورة قاطعة، أن اصطبلات سليمان في مجدّو ليست اصطبلات ولا تعود الى عصر سليمان قط.


قصدت من هذا المدخل الى القول إن الناس في بلادنا اعتادت أن ترى المبشرين يأتون إلينا أفواجاً، لكنها لم تعرف مبشرين من طراز إبراهيم الرحباني يذهبون من بلادنا الى الغرب للتبشير بالمسيحية. أليس التبشير في أميركا مثل الأذان في مالطا لا طائل يرتجى منه ولا نفع؟


إن إبراهيم متري الرحباني حالة نادرة بالتأكيد. ومهما يكن الأمر، فإن غاية كتاب <<المسيح السوري>> كانت <<تسهيل فهم الإنجيل>> (ص 25) لأنه يعتقد أن من الصعب جدا، إن لم يكن من المحال، أن يستوعب شعب ما، وبشكل كلي، أدبا لم ينبثق من وسط حياته القومية (ص 30). وبهذا المعنى فإن المؤلف حاول أن يفسر بعض العبارات الواردة في الإنجيل التي لا يقبلها العقل الغربي استنادا الى قواعد السلوك الاجتماعي في فلسطين في زمن المسيح. وعلى سبيل المثال، فإن عبارة <<كان متكئاً في حضن يسوع واحد من تلاميذه>> (يوحنا 13: 23) تبدو للأميركيين مثيرة للاستهجان، والاتكاء في الحضن يبدو نابياً للذوق الغربي، لكنه ليس على هذا النحو في المجتمع الفلسطيني القديم (ص 56). ولهذا رأى المؤلف أن بعض النصوص الإنجيلية يجب الحكم عليها بما تعنيه لا بما تقوله.


لنقرأ من الإنجيل، كمثال آخر، الفقرة التالية: <<مَن سألك فأعطِه، ومن أراد أن يقترض منك فلا تردّه>> (متى 5: 42). إن هذه الفقرة مدعاة لمط الشفاه عند الأميركيين، وأحد المحامين الأميركيين يقول: <<ماذا يحدث لأعمالنا ومصالحنا ومؤسساتنا المالية إذا أعطينا كل سائل أو أقرضنا كل طالب من دون كفالة>> (ص 84). وعلى هذا الغرار يمكن أن نقرأ أيضاً: <<الحق أقول لكم، لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا الى هناك فينتقل>> (متى 17: 19). فالعقل الأنكلوساكسوني يرى في هذا النص نوعاً من الخوارق، وسيردد، بعد قراءة النص، أن أحداً لم يحاول نقل الجبال بالإيمان والصلاة (ص 86). وفي جانب آخر، ستتسع حدقة العين لدى الأميركي البسيط حينما يقرأ <<إن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله>> (متى 19: 24). لكن إبراهيم الرحباني سيقول له إن هذه العبارة تعني أن الجمل يستطيع أن يمر من باب الملكوت إذا لم يكن محملاً بالخطيئة (ص 86).


لا أدري، على وجه الدقة، هل تمكن إبراهيم الرحباني من جر الأنكلوساكسون الى فهم الروح الإنجيلية القديمة؟ ولعله لاقى الأهوال في تقريب معاني الكلام الى عقل المواطن الأميركي. وليس لديّ أي خيار في هذا المضمار إلا أن أتخيل الرحباني وهو يشرح للأميركيين كيف أن المواطن في بلادنا إذا أراد التعبير عن استحسانه لشخص ما يقول له <<يخرب بيتك>> أو <<يحرق دينك>> أو <<يلعن إمك>>. وتراه إذا رأى امرأة جميلة يردد، على الفور <<يخرب بيتك شو حلوي>>، أو أن يقول لصاحبه <<يخرب بيتك شو عامل بحالك>>، وإذا أراد الاستفسار عن شيء أو عن أمر يقول: <<شو دينو هيدا>>.


مَن هو؟


وُلد إبراهيم متري الرحباني في بلدة الشوير سنة 1869 لعائلة أرثوذكسية، ونشأ في بلدة بتاتر بعد انتقال العائلة إليها، ثم درس في مدرسة البروتستانت في سوق الغرب، وهناك تحول الى البروتستانتية. وفي سنة 1891 هاجر الى الولايات المتحدة الأميركية وأقام في <<المستعمرة السورية>> في واشنطن. وفي هذه المدينة تعرّف الى نجيب عربيلي الدمشقي صاحب جريدة <<كوكب أميركا>>، وهي أول صحيفة بالعربية صدرت في الغرب الأميركي، فتولى رئاسة تحريرها سنة كاملة، ثم اختار طريقا فريدا في حياته وهو <<التكلم في الكنائس>> عن الأرض المقدسة. وقد جمع مواعظه الكنسية في كتاب أصدره بالإنكليزية في سنة 1916 بعنوان اThe Syrian Christب.


كان إبراهيم متري الرحباني، فضلاً عن تبشيره الدؤوب، ناشطاً سياسياً في سبيل تحرير <<البلاد السورية>> من السيطرة العثمانية، وأوفدته الجمعيات السورية العاملة في أميركا الى مؤتمر الصلح في فرساي سنة 1916، وهناك التقى الأمير فيصل بن الحسين ولبث الى جانبه ثلاثة أشهر يساعده في مهمته. وقد نشر كتابا في سنة 1922 بعنوان Wise men from the east and from the west (أي <<رجال حكماء من الشرق والغرب>>) تحدث فيه عن هذه المرحلة، ووصف خيبته من نتائج هذا المؤتمر، ولا سيما بعد ظهور الحركة الصهيونية بقوة على المسرح السياسي في فلسطين، وتوفي في سنة 1944 بعدما ترك ستة كتب غير كتاب <<المسيح السوري>>.


بين الرحباني والعلايلي


يعيب إبراهيم الرحباني الطريقة الحرفية في فهم الإنجيل، لأن عدم اكتشاف الرمز في النص يؤدي الى إظهار عيوب لا يمكن تفاديها في النص الإنجيلي نفسه. لنقرأ من الإنجيل ما يلي: <<فإن كانت عينك اليمنى تُعثِرك فاقلعها وألقِها عنك، لأنه خير بك أن يهلك أحد أعضائك ولا يُلقى جسدُك كله في جهنم. وإن كانت يدك اليمنى تُعثِرك فاقطعها وألقِها عنك>> (ص 82).


يقول المؤلف إن يسوع لا يقصد القطع الفعلي بل القطع الرمزي، فالقطع هنا مثل الذي يحلف قائلاً: <<والله، سأقطع ذراعي إن لم يكن ما أقوله صحيحاً>>. وهذا الرأي يطابق تماما ما كان العلامة عبد الله العلايلي يدعو إليه بقوة، ولا سيما آراؤه الواردة في كتابه الخطير <<أين الخطأ؟>> (بيروت: دار الجديد، 1992). فالعلايلي يؤكد: <<إن العقوبات المنصوصة (في القرآن) ليست مقصودة بأعيانها حرفياً بل بغاياتها (...) وكل عقوبة تؤدي مؤداها تكون في مثابتها>> (أين الخطأ؟، ص 72). أي إن قطع يد السارق وجلد الزاني مجازيان لا حسّيان، كأن يقول أحدهم: <<سأقطع رجلك عن هذه الدار>>، أي سأمنعك منها. وقد رأى العلايلي ان <<القِصاص صيانة للحياة وليس لجعل المجتمع مجموعة مشوهين: هذا مقطوع اليد والاخر الرجل والآخر الآخر مفقوء العين أو مصلوم الأذن أو مجدوع الأنف>> (أين الخطأ؟، ص 76). لهذا طالما استنكر العلايلي <<البَدَلية>> في العقوبات أي قاعدة <<مَن غَرّق يُغرّق، ومَن خَنق يُخنق ومَن رضخ رأساً بين حجرين رُضخ رأسه بينهما>> (أين الخطأ؟، ص 78).


دافنشي والعشاء الأخير


إن ألمع ما في هذا الكتاب نقده لوحة <<العشاء الأخير>> التي ابتدعتها ريشة ليوناردو دافنشي في أواخر القرن الخامس عشر. إن دافنشي الذي صوّر حادثة شرقية خالصة، لم ينجده خياله كثيراً فوضعها في قالب غربي خالص. فالطاولة العالية والكراسي والأطباق وكاسات الشراب هي من عناصر المائدة الأوروبية لا السورية. ولو كان ثمة رسام حاضر ذلك العشاء لرسم المسيح وتلامذته وهم جالسون على الأرض في شبه دائرة، يأكلون من وعاء واحد (ص 54). إن هذه الملاحظة الدقيقة والثاقبة تحيلني إلى لوحات كثيرة منتشرة هنا وهناك تصور آدم وحواء في الجنة ثم على الأرض. وهذه اللوحات تظهر سُرة حواء وسُرة آدم أيضا. والصحيح هو عدم وجود سُرة لحواء على الإطلاق، وكذلك لآدم، لأن حواء لم تولد من رحم امرأة كي يقطع الحبل السُري في المكان المعتاد للسُرة.


الإلحاد والحب العذري


عاش إبراهيم الرحباني شطراً من حياته في جبل لبنان. وربما كان لضيق البيئة التي نشأ فيها وانحصارها في الجرد، ثم لعدم مواصلة دروسه، أثر في نقصان تحصيله العلمي في حقول المعرفة المختلفة. وما يشير الى هذا النقصان استغرابه ظاهرة الإلحاد استغرابا لافتا، فيقول: <<في الشرق يعتبر الملحد ظاهرة عجيبة. وأنا لم أسمع بالإلحاد ولم أتعرف على ملحد قبل اتصالي بأشخاص غربيين في وطني الأم>> (ص 66). والحقيقة أن تاريخ الفكر العربي عرف الكثير من الملاحدة العرب أمثال ابن الراوندي وابن زكريا الرازي وصالح بن عبد القدوس وأبان بن عبد الحميد اللاحقي وأبو عيسى محمد بن هارون الوراق.


إن عدم تضلع المؤلف من الأدب العربي أدى به الى تطويع التاريخ لمصلحة الإيمان، فلم يتورع عن تحميل <<نشيد الانشاد>> معاني لا تمت له بأي صلة. ولهذا استسهل أن يقرن نشيد الانشاد بفكرة <<الهوى العذري>> عند العرب (ص 184). والحقيقة أن الحب العذري عند العرب خرافة شاعت طويلاً في الأدب العربي، وارتبطت، كما هو معروف، بالعفة والحرمان والوفاء والتسامي. لكن هذه الخرافة لم تصمد طويلاً أمام النقد المنهجي، فأرغمت على النزول من عليائها.


إن الحب العذري قائم على الزنى بالدرجة الأولى. والحكاية كلها تدور على كيفية استراق الفرصة لاختلاء العشيق بعشيقته خلسة عن زوجها أو عن أهلها. فجميل ظل يحب بثينة ويلتقيها حتى بعد زواجها. وكذلك كان يفعل عروة بن حزام مع ابنة عمه عفراء. وكان العاشقان في بيداء العرب إذا اختليا تمنحه حبيبته ما فوق السُرة إلى العنق، وما تحت السُرة فلزوجها إذا كانت وفية، وإذا بكى رضيعها أسكتته بصدرها وحوّلت جذعها إلى صاحبها. وفي معمعان هذه الشهوة يبدو الزوج المسكين دائماً كأنه شرير، بينما الأحداث تدور على حسابه وكرامته. والغريب أننا نتعاطف مع العاشقَين ونمقت الزوج الذي لا ذنب له، ونرى في محاولة الأهل منع ابنتهم من لقاء حبيبها تصرفاً شائناً (انظر: صادق جلال العظم، <<في الحب والحب العذري>>، بيروت: دار العودة، 1981).


سر الغريب


في سفر التكوين (18: 2) نقرأ أن إبراهيم دعا الغرباء الثلاثة الذين مروا به عند بلوطات ممرا الى الطعام وأنه <<ركض لاستقبالهم من باب الخيمة وسجد إلى الأض، وقال: يا سيد، إن كنتُ قد وجدتُ نعمة في عينيك فلا تتجاوز عبدك>>. ويفسر إبراهيم الرحباني دعوة إبراهيم الغرباء الثلاثة بأنها دليل حسن الضيافة. وأعتقد أن الأمر ليس على هذا النحو. واستنتاجي لا يستند إلى قواعد السلوك في فلسطين، بل الى تاريخ العقائد في تلك الفترة.


ليست دعوة إبراهيم الغرباء دليلاً على حسن الضيافة بل على الخوف من <<الغريب>>. فبعض ديانات الأسرار وديانات الخصب التي كانت منتشرة في سوريا في تلك الفترة، تؤمن بسر الغريب، أي إن الملائكة، وحتى الرب في بعض الأحوال، كانوا يهبطون الى الأرض في هيئة بشر غرباء. لذلك كان الناس يسارعون الى دعوتهم الى منازلهم تحسباً لكونهم فعلاً من الملائكة. ففي قصة لوط <<جاء الملكان بصورة رجلين غريبين>>. وفي رسالة الى العبرانيين (13: 1) ورد ما يلي: <<لا تنسوا إضافة الغرباء لأن بها أضاف أناس ملائكة وهم لا يدرون>>. وفي الأحاديث النبوية أن رجلاً غريباً دخل المسجد وسأل الرسول عن الإيمان والإحسان ثم خرج وغاب عن الأنظار. ولما سئل الرسول عنه قال: هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم. وكان يظهر في صور بشرية عديدة منها دحية الكلبي.


وطن المسيح


يقول المؤلف إن يسوع المسيح <<رجل بلا وطن>> (ص 29). ثم لا يلبث أن يؤكد في الصفحة نفسها أن <<يسوع لم يعرف بلداً آخر سوى فلسطين. ففيها وُلد وترعرع وأصبح رجلاً، وفيها كرز ببشارته وقضى في سبيلها>> (ص 29). وعندي أن المسيح ربما لم يكن له وطن آخر غير فلسطين. لكننا، في المقابل، لا ندري، حقاً، هل عرف بلداناً أخرى كثيرة أم لا. ومع أن بعض المصادر يذكر أنه عاش في مصر ردحاً من حياته، إلا أن الهند ربما تكون البلد الذي عاش فيه معظم عمره.


إن صلة الصابئة بيوحنا المعمدان، علاوة على التوافق الكبير بين تعاليم الصابئة والمسيحية، تشير الى احتمال أن يكون المسيح أقام في العراق شوطا من أيامه. غير أن مقارنة سيرة المسيح بسيرة الإله <<كرشنا>> تزودنا بوسيلة معيارية تتيح لنا الإشارة، ولو بصورة مؤقتة، إلى أن المسيح ربما عاش في الهند طوال الفترة الضائعة من حياته، أي بين الثانية عشرة والثلاثين، ما يعني أن المسيح، خلافاً لما يقوله الرحباني، عرف بلاداً أخرى غير فلسطين واتخذها موطناً له.


لنلاحظ أن كلمة Christ تطابق، لفظاً، كلمة Crishna. فالإله <<كرشنا>> هو الأقنوم الثاني في الثالوث الهندي (براهما، كرشنا، شيفا). ثم إن اسم والدة كرشنا هو <<مايا>> المماثل، لفظاً، لاسم أم المسيح مريم. وأبعد من ذلك فإن الإله كرشنا ولد من عذراء في 25 ديسمبر (وهو عيد فلكي) ولم يتزوج، وتعمّد في مياه الغانج. وعندما حاول الحاكم كنزا قتله فر به والداه الى قرية <<ماطورا>> التي تطابق باللفظ قرية <<المطرية>> في مصر، التي يقال إن والدي المسيح هربا به إليها. وقد مات كرشنا مصلوباً بين لصّين، وما زال أتباعه ينتظرون عودته حتى الآن (انظر: عصام الدين حفني ناصف، <<المسيح في مفهوم معاصر>>، بيروت: دار الطليعة، 1979).


إننا لا ندري، على وجه الدقة، الجوانب الواقعية في حياة المسيح، وفي أي وطن عاش حقاً. وعلم الآثار لا ينجدنا البتة في هذا الحقل من المعرفة. وفي ما عدا ذلك، فهو يندرج في باب العقائد التي يؤمن بها الناس من غير الحاجة الى البرهان على صحتها.


نقد النتائج


يستعين إبراهيم الرحباني بالعهد القديم كثيراً لتفسير بعض مظاهر الحياة الاجتماعية في فلسطين. وهو لا يعود في الزمن الى أبعد من عهد إبراهيم. ويبدو أن معارفه، على الرغم من إقامته المديدة في الغرب الأميركي، لا تنجده في نقد الرواية التوراتية الموروثة. وأنا لا أستغرب ذلك أبدا، فهو واعظ ومؤمن أولا وأخيرا. غير أن هذه الطريقة في النظر والمطابقة لا تصمد أبدا أمام النقد العلمي الحديث. وعلى سبيل المثال، فهو يستنجد بالمزامير لفهم معنى <<الخبز والملح>>. ويبدو أن مداركه قصّرت كثيرا في هذا المضمار؛ فالخبز والملح طقس عبادي يعود الى عصر ما قبل التوراة بكثير. وإله القمح <<داغون>> هو إله كنعاني قديم ما زالت آثاره موجودة في مواقع شتى حتى الآن مثل <<بيت دجن>> في فلسطين، و<<بيت جن>> في الجولان عند تخوم فلسطين. حتى إن <<بيت لحم>> التي وُلد المسيح فيها تعني، بالسريانية، <<بيت الخبز>>. ولا ريب عندي في أن من غير الممكن، منهجيا وعلميا، الاستناد الى التوراة لفهم وقائع التاريخ السحيق. فليست التوراة تاريخا تحول الى أسطورة كي نعيد اكتشاف التاريخ من ثنايا هذه الأسطورة، إنما هي، مع الأسف، خيال تحول الى تاريخ. ومع أن محاولة إعادة تفسير النص المقدس في ضوء الحياة الاجتماعية لهذه البلاد محاولة جديرة بالثناء والنقد معا، إلا أن من الضروري الالتفات الى الحقائق العلمية التي كشفتها الآثار السومرية وعلم مقارنة الأديان، ومنها أن سفر التكوين منهوب من رقيم الخليقة المعروف باسم <<إينوما إيليش>> أي <<عندما في الأعالي>>، وأن سفر الشريعة منحول من قوانين حمورابي، وقصة الطوفان <<ملطوشة>> من ملحمة غلغامش، والمزامير مسروقة من أشعار أوغاريت وملاحمها ومن نشيد الموتى المصري. وفكرة الجنة سومرية الأصل ومكانها المتخيل في جزيرة <<دلمون>> في البحرين اليوم. وقصة آدم وحواء حكاية سومرية ظهرت قبل التوراة بألفي عام، لكن بدلاً من التفاحة كانت النخلة هي الثمرة المحرمة. ومثل ذلك قصة قايين وهابيل؛ فهي نفسها قصة دموزي الراعي وإنكيدو الفلاح في ملحمة غلغامش.


أيشفي الدين النفوس؟


لم يتخلص إبراهيم متري الرحباني من عرفانية الشرق حتى وهو يخاطب الغرب؛ فظل أرثوذكسياً الى حد بعيد. ومهما يكن الأمر، فإن إبراهيم الرحباني أراد أن يشفي النفوس الحائرة، وأن يهدئ وجيف القلوب المضطربة، وأن يمهد للطمأنينة سبيلاً كي تحل في وجدان الناس بدلاً من القلق والألم وانخلاع الضلوع.


فهل أفلح؟


إن السؤال الملحاح هو التالي: هل يشفي الدين النفوس أم يتسبب بعذابات كثيرة؟ وسأجازف بالقول إنه ما دام الدين مسألة خاصة وفردية، أو حتى جماعية، فلعله، في بعض الأحيان، يسهم في منح المؤمنين الأمل كي يقاوموا به الفناء والخوف من الموت. لكن حينما يصبح الدين سلطة فسيكون مدعاة لعذابات لا تُطاق.


إن العالم العربي اليوم يمر بحال من العياء الشامل تشبه، الى حد بعيد، الأزمة التي مرت بها أوروبا قبل نحو 300 سنة والتي تمثلت، في بعض جوانبها، بالصدام الذي احتدم آنذاك بين قوى راكدة أرادت أن تبقى لابثة عند الأفكار التقليدية التي ورثتها عن آباء الكنيسة منذ مئات السنين، وبين قوى أرادت أن تنخرط في العصر وفي ثورة العلم، ومالت الى الأخذ بمكتشفات العلم حتى لو تناقضت مع اليقينيات الموروثة.


لنتذكر تصريحات البابا بيوس التاسع في سنة 1864 التي دان فيها الحرية وحرية الضمير بالدرجة الأولى، ورفض فصل الدولة عن الكنيسة، وشدد النكير على الفلسفات العقلانية والطبيعية. أليست هذه المسائل هي نفسها التي يدينها الكثير من رجال الدين اليوم؟


عندما نقرأ كلام باباوات روما في القرن التاسع عشر ضد الديموقراطية وضد العلمانية يتراءى لي أن التاريخ المروّع لأوروبا يعود الآن، لكن في بلادنا هذه المرة. لقد شهدت أوروبا ظهور جماعات أصولية ومتعصبة ومعاندة للتقدم والعقلانية بالفعل. لكن أوروبا نفسها تخلصت من هذا الوباء عندما انتصرت التيارات الاجتماعية الجديدة لقيم الحداثة والتقدم، وشرعت في التصدي لأفكار العصور الوسطى وللتعلق المرضي بأوهام الماضي، ثم انصرفت الى معانقة المستقبل. أما في بلادنا، فإن قوى التنوير والحداثة تبدو، لأسباب كثيرة، ساكنة ومهمشة ومهشمة معا، بينما المتحرك النشط هو التيارات الدينية الشعبوية التي ترغب في جر المجتمع مئات السنين الى الخلف.


لم تتصالح الكنيسة في أوروبا مع العلم قط، بل انتصر العلم عليها وأرغمها على الانصياع له، وعلى إعادة النظر في ثوابتها التي ظلت راسخة فوق عقول الناس كأهرام الجيزة. نعم، انتصرت الحداثة في أوروبا لأنها غلّبت العلم على الخرافة، والمجتمع المديني على المجتمع التقليدي، أي غلّبت المدينة على الفلاحة، ما يعني غلبة روح التسامح والمساومة والتعدد والحوار وحق الاختلاف على روح الثأر وواحدية التفكير والتعصب والبداوة، وهو تطور لم يحصل، مع الأسف، في العالم العربي، وها نحن نجني ثماره المرة اليوم في انفلات التعصب من عقاله ليفسد الحرث والضرع والنسل معاً.

 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟   
الاسم:
عنوان التعليق:
نص التعليق:
 

آداب و لغة
فلسفة
ديانة مسيحية
الإسلام و أديان العالم
علم النفس و التربية
علوم اجتماعية
تاريخ و جغرافيا
سياية و اقتصاد
علوم طبيعية و طبية
فنون
قانون
مراجع عامة
 
عن المكتبة | كتب | أفلام | تراتيل | الصفحة الرئيسية
SWS المكتبة الروحية 2005 - جميع الحقوق محفوظة - صمم هذا الموقع بواسطة شركة
Powered by O2 TECHNOLOGY