عن المكتبة

مركز الفنون
الرسم بالمقلوب

مركز الفنون

لاحظ الأب حكمت ظاهرة تدنِّي الاهتمام بالمواهب الفنيَّة في أوساط الشبيبة المسيحيَّة وبالتالي تراجع عدد المبدعين وضآلة الأنشطة الموسيقيَّة أو التشكيليَّة. وبعد مشاورات موسَّعة أجراها كعادته مع عدد من المهتمين بهذا الشأن، تبلورت فكرة إنشاء "مركز الفنون" ليُعنى بتعليم مبادئ الموسيقى والإنشاد الكورالي للصغار، وتعليم الرسم والفنون التشكيلية.
وقد ساهم في تحقُّق الفكرة آنذاك، مبادرة المطران إدلبي (رحمه الله!) إذ وضع في تصرُّف المشروع صالة كبيرة غير مستخدمة كان قد جرى استصلاحها في ملحقات المطرانية، بالإضافة إلى تشجيعه ودعمه المعنوي طبعاً. وهكذا افتتح المركز دورته الصيفيَّة الأولى عام 1991 لتعليم تلامذة المرحلة الابتدائيَّة مبادئ الرسم والموسيقى. وكان فريق العمل التطوعي الأول مكوناً من الأستاذين جان مصري وفادي خوكاز للإدارة والفنانين سمير كويفاتي ونعمت بدوي للإشراف الفنِّي.
بدأ فرع الموسيقى والإنشاد الكورالي مع الأستاذ الفنَّان سمير كويفاتي، الذي تبرَّع بوقته وموهبته وجهوده، فكانت الدروس تعطى أيام الآحاد خلال السنة المدرسيَّة وعدَّة مرات في الأسبوع خلال العطلة الصيفيَّة. وسرعان ما تكوَّن كورال صغير للأولاد شرع بتنظيم حفل سنوي يُدعى إليه الأهل والأصدقاء. وجرى تسجيل شريط خاص بالكورال يضم أناشيد الصف السادس الابتدائي آنذاك قام سمير كويفاتي بتلحينها وتوزيعها وتدريب الكورال على تأديتها.

أمّا فرع الرسم فباشر نشاطه مع الأستاذ الفنَّان نعمت بدوي الذي ما لبث أن انضمَّ إليه أخوه الفنان بشير بدوي مع عدد من المساعدين. وتمَّ شيئاً فشيئاً تجهيز الصالة بالأدوات والوسائل اللازمة لتعليم الرسم، للصغار أولاً ومن ثمَّ للكبار أيضاً. وما لبث المشروع أن تحوَّل إلى مدرسة حقيقيَّة تضم أكثر من مئة طالب وطالبة من الكبار ومثلهم من الصغار، يتابعون الدروس على مدار أيام الأسبوع على أربعة مستويات لكل فئة. وكانت كل سنة دراسية تُختم بمعرضين أحدهما للصغار والآخر للكبار، كان مستواهما الفني يثير إعجاب وتقدير النقاد الفنيين فضلاً عن الزوار من الأصدقاء والمشجّعين.
وفي 8 أيار 1994 تمَّ إطلاق اسم الفنان التشكيلي الحلبي الراحل "رولان خوري" (1930-1986) على صالة المركز الكبرى، في احتفال بهيج رعاه المطران ناوفيطوس إدلبي (رحمه الله!) وأحياه كورال الصغار بمشاركة خاصة من السيدة "ميادة بسيليس" التي شدت للمرة الأولى في تلك الحفلة بأغنية "الفن باق" المهداة لروح الرسام "رولان خوري" والتي كان الشاعر سمير طحان قد نظمها خصيصاً لهذه المناسبة.
وشيئاً فشيئاً تبلور منهاج المركز الخاص الذي صار يضمُّ فرعان: الأوَّل للصغار والثاني للكبار، ولكلٍّ منهما أهدافه ومناهجه الخاصَّة التي يمكن اختصارها كما يلي: للصغار، يهدف المركز إلى تعليم الأطفال مبادئ الرسم واللون بطريقة مبسَّطة ومتدرِّجة، ممَّا يسمح بتفتُّح إمكانات الموهوبين منهم وتطويرها على أسس سليمة. كما يُحاول تنمية حس التذوُّق الفني والجمالي عند طلاَّبه تعريفهم على أهمِّ المعالم المميَّزة في هذا المجال في بلادنا.
أمَّا للكبار، فيتمُّ تعليم الفنِّ التشكيلي وفق منهاج يتوزَّع على ثلاث دورات، تستمرُّ كلٌّ منها سنة دراسيَّة كاملة، وتتضمَّن دروساً وبحوثاً نظريَّة وعمليَّة، وأنشطة لزيارة بعض المواقع الأثريَّة، ونزهات ورحلات فنيَّة. ويمكن تلخيص منهاج الدورات كما يلي: الدورة الأولى، لتعليم فن الرسم بقلم الرصاص والفحم والباستيل الحجري. الدورة الثانية، لتعليم فن التصوير الزيتي الأكاديمي الواقعي. والدورة الثالثة، لتعليم تقنيات أهم مدارس التصوير الزيتي في العالم.
توقَّف "مركز الفنون" نهائياً عن نشاطه عام 2004 بعدما استرجعت المطرانية صالة "رولان خوري" لاستخدامها في أمور "أكثر أهمية"..!

الرسم بالمقلوب

(وقفة بمناسبة مرور عشر سنوات على افتتاح مركز الفنون)

تعوَّدنا، نحن روَّاد المكتبة الروحيَّة، أن نقضي أماسي الصيف في "الحوش"، حيث نستمتع ببرودة المساء ونتبادل أحاديث من هنا وهناك قبل الانصراف إلى المنازل... طبعاً لا تخلو هذه الأحاديث من الطابع الجدي، مثل الاتفاق على بعض الأعمال أو ترتيب موعد ما... كما أنَّها تتَّسم أحياناً بطابع الفكاهة والمرح...
وأحياناً يأخذنا الكلام "فنشطح" في مشاريع التوسيع والتكبير وتحويل المكتبة إلى مركز ثقافي متكامل يضم إلى جانب الكتب والأفلام مراكز لتعليم الفنون من رسم ونحت وإيقونات وتصوير وموسيقى وغناء إضافة إلى مجلة خاصة بهذا المشروع مع نادٍ أدبي واجتماعي.. وفرقة مسرحية.. وهكذا تحملنا الأحلام الصيفيَّة.. إلى أن "دقنا الحماس"، كما يقول الحلبيون، في عام 1991 وقرَّرنا البدء بتأسيس هذا المركز...
لو أراد أيُّ واحد منَّا تأسيس مركز للفنون فلا بدَّ له منطقياً من اتباع التسلسل التالي: يبدأ المشروع بإيجاد المقر ثم يتم تأثيثه وتجهيزه بالمعدات واللوازم وتوضع المناهج وبعدها يتفق مع الأساتذة وأخيراً يبدأ تسجيل الطلاب... ومستقبلاً يتطلب الأمر تأمين صالة للمعارض والحفلات.
مركزنا، ولربما هو الوحيد في العالم، بدأ المشروع بالمقلوب... بدأنا بعرض الفكرة على المطران إدلبي (رحمه الله!) فأعطانا صالةً جميلة للمعارض قائلاً لنا يومها باشَّاً: "الصالة لهذا المشروع.. حفر وتنزيل!". وبعدها باشرنا بتسجيل الطلاب في اختصاصين هما الرسم والغناء، وخلال الأيام الأولى تسجل لدينا (119) طالباً في أول دورة، نذكر منهم بعض من استمرَّ حتى الآن: ماريا ولميا وسامر "عميد الطلبة".. فوجئنا بالرقم... وانتبهنا (ويا لنباهتنا!) أننا نحتاج إلى أساتذة، يومها أسعفنا "سمير كويفاتي" الذي التزم بتعليم الصولفيج والأناشيد و"نعمت بدوي" بتعليم الرسم، قبل أسبوع من الافتتاح... وهذا معروف لن ننساه لهما..
مع نعمت اكتشفنا حاجتنا إلى كراسي وطاولات.. وإلى كرتون وأقلام وأدوات وووو.. وما زلنا منذ عشر سنوات نكتشف نواقصنا.. ونكمِّلها إلى أن وصلنا إلى الاكتشاف الأخير أو النقص الأخير.. إننا لا نملك مقراً... ألم أقل لكم أننا بدأنا بالمقلوب؟
المقلوب.. أصبح رمزاً وشعاراً لمركزنا، وعلى هَديه اختطَّ نعمت، ومعه بشير، منهجاً بسيطاً في تعليم الرسم والفن ويتلخص بالتالي: "كي تصبح رسَّاماً عليك أن تتعلم بشكل مستقيم، أمَّا لكي تتحوَّل إلى فنَّان فعليك أن ترسم بالمقلوب!"
قد يحتاج هذا المفهوم إلى بعض الشرح: فلكي يصبح الموهوب رساماً عليه اتباع الدورات والالتزام بها والمواظبة على تمرين يده وعينه واكتساب كل تقنيات الرسم وأسراره، ولكن مع ذلك فإن هذه الأشياء لا تصنع منه فناناً.
إن الفنان يتميز بمقدرته على الخلق وإبداع العوالم والأشكال التي لم يسبقه إليها أحد، ومنح الأدوات والألوان بعضاً من روحه لتعبِّرَ فعلاً عن دواخله وعالمه السرِّي.
إن المرحلة الثانية بالتأكيد هي الأهم، وهي لا تحتاج إلى تدريبات معيَّنة، بقدر ما تحتاج إلى حوار وعلاقات وتبادل أفكار، وتحتاج إلى تحريض الخيال، وتحرير الفكر، وتشجيع على قلب المتعارف الاجتماعي وكسر القوالب السائدة. أي الانقلاب عما هو مألوف.. يعني بالمقلوب... مرة أخرى!
وما أصعبها من مهمَّة يتصدَّى لها بشير ونعمت وهما في غاية الحذر والخوف من الانفلات.. والسقوط.. والانحراف.. والانحلال.. وعشرات أخرى من التهم التي تدقُّ بابهم وبابنا في كل يوم.
كلُّ هذا، مع واجب الاحتفاظ بالبهجة.. لأن الفن لا يأتلف مع الكآبة..
لقد تأسَّس هذا المركز واستمرَّ بمواد نادراً ما تستعمل في الإنشاء والبناء، وهي الإخلاص والوفاق ومد يد العون والتفاني والصبر...
ربما لم ننجح في التحوُّل إلى معهد ضخم، ولا إلى مركز هام، ولكنَّنا بالتأكيد نجحنا في تأسيس واحة نضرة يلجأ إليها عطشى الفن ومحبُّوه...

جان مصري
من كرّاس معرض رسوم الطلاب (3-5 ايار 2001)


 
 
عن المكتبة | كتب | أفلام | تراتيل | الصفحة الرئيسية
SWS المكتبة الروحية 2005 - جميع الحقوق محفوظة - صمم هذا الموقع بواسطة شركة