جائزة نوبل للآداب ينالها الروائي التركي أورهان باموق
 
<%resource%>
 

الحياة 13/10/2006


الروائي التركي أورهان باموك يفوز بجائزة نوبل للآداب لـ«جمعه بين الثقافات»...


العثماني التركي الأوروبي جعل من اسطنبول روايته الدائمة


نزار آغري


 


منحت الاكاديمية السويدية جائزة نوبل للآداب للعام 2006 الى الروائي التركي اورهان باموك، وجاء في براءة الجائزة ان «اورهان باموك اكتشف رموزاً روحية جديدة للصراع والتشابك بين الثقافات، في معرض بحثه عن الروح الحزينة للمدينة التي هي مسقط رأسه».


وباموك يعد أصغر كاتب يفوز بهذه الجائزة في العقدين الاخيرين، فهو في الرابعة والخمسين من عمره (مواليد اسطنبول 1952). هنا بورتريه له انساناً وروائياً.


لم تعمد الاكاديمية السويدية إلى إحداث مفاجأة، كما هي الحال غالباً، فمنحت الجائزة للكاتب التركي أورهان باموك، وهو أمر كان متوقعاً لدى الجميع. 


 كانت التخمينات ذهبت في الإتجاهات كلها ولكن كان إسم أورهان عند كل اتجاه. حتى أولئك الذين كانوا يتوقعون عدم ذهاب الجائزة إليه كانوا يبررون توقعهم هذا، ليس بعدم استحقاق باموك لها ولا تشكيكاً بموهبته، بل لكونه «صغيراً» على الجائزة التي كانوا يؤكدون أنه سيحصل عليها عاجلاً أم آجلاً. الأفضل، برأي هؤلاء أن تنتظر لجنة الجائزة سنوات أخرى حتى يكون باموك كبر قليلاً وكتب كثيراً فتكون الجائزة تحصيلاً حاصلاً. غير أن المؤيدين منحه الجائزة أدرجوا مسألة صغر سنه، النسبي، ضمن الأسباب الموجبة لنيل الجائزة. وهذا ماحصل.


كان باموك رسخ إسمه في لوحة الرواية التركية والعالمية، بعد مسيرة غنية ومثيرة كتب خلالها أعمالاً غدت محط إعجاب القراء في العالم كله. أصبحت رواياته جزءاً اصيلاً من ذاكرة الأدب العالمي الحديث وترجمت إلى عشرات اللغات. ولن ننسى، نحن القراء، روايات مثل «القلعة البيضاء» و «الكتاب الاسود» و «إسمي أحمر» و «ثلج». في روايات أورهان باموك يحضر التاريخ العثماني بكل ما ينطوي عليه من تناقضات. تزدحم نصوص باموك بألوان الأناضول الصارخة من جهة التنوع في المنابت والمذاهب والأقوام والشعوب. تحضر المحطات المضيئة التي سطعت في سماء الشرق مثلما تحضر المآسي التي رافقتها.


لايتردد باموك في رفع الستارة عن وجه التاريخ التركي، القديم والحديث، ونزع المساحيق الثقيلة التي أثقلته ودفنت في شقوق قسماته خيوط الدم الذي سال من الضحايا الكثر من الأرمن والكرد والسريان واللاز وغيرهم ممن صاروا بمثابة العار الذي لا تريد المؤسسة الرسمية التركية التخلي عنه والتحرر من لطخته.


ومن أثر هذا أصابته لعنة المحاكمة التي تلاحق كل كاتب يتخطى المحظورات في تركيا. والحديث عن مقتلة الأرمن والأكراد هو من أكثر المحظورات رعباً في السجل الرسمي، وكذلك في الشعور الجماعي التركي. وأدى الأمر إلى وقع باموك تحت رحمة معركة قانونية مع المدعي العام التركي، الذي اتهم الكاتب بإهانة الدولة التركية، وهي جريمة تحمل عقوبة بالسجن لمدة يمكن أن تصل الى ثلاث سنوات.


والجريمة المدعاة كانت مجرد إشارة وردت في مقابلة مع الكاتب لصحيفة سويسرية من شباط (فبراير) الماضي الى أن «مليون أرمني و 30 ألف كردي قتلوا في تركيا» والاكراد قتلوا في الصراع الذي شبّ في المناطق الكردية من تركيا خلال ثمانينات القرن العشرين. أما مذبحة الأرمن فوقعت أثناء انهيار الإمبراطورية العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى. ومعظم العالم يعتبرها قضية إبادة جماعية، لكن القادة الأتراك يرفضون تلك التسمية.


في مقابلة مع ستيفن كينزر، في صحيفة «التايمز»، يقول باموك «إن القوميين التقليديين الأتراك، يستخدمون الاتهام كمحاولة يائسة للحؤول دون تحديث تركيا. إنها فضيحة وعار». كان الأمر أشبه بحاكمة جوزيف.ك في رؤية «المحاكمة» لكافكا لكن القضية أسقطت فلم يدخل باموك السجن.


روايات باموك هي رصد لمحطات الالتقاء، والتصادم، بين أكثر من جهة، بين الترك والشعوب الأخرى القاطنة في الأناضول قبلهم وبعدهم. بين الشرق والغرب، بين التقاليد والحداثة، بين الريف والمدينة. بين الأجيال. بين الثقافات واللغات والحضارات. وأورهان باموك يكتب كل ذلك متحرراً من النظرة والمواقف المسبقة، غير آبه للأحكام الجاهزة بحق من يتجرأ على نبذ الرؤية القومية الضيقة التي تقسم العالم إلى فسطاطين: «نحن والآخرون».


تحضر إسطنبول في معظم، إن لم نقل كل، روايات باموك. حتى يمكن القول إن باموك إنما يكتب رواية واحدة هي رواية إسطنبول وأنه في كل مرة يضيف شيئاً جديداً كان نسي أن يقولها عن المدينة في ما سبق. كأن الرواية عجزت عن إرواء غليله فكتب عن إسطنبول من دون قناع الروائي. جعل إسطنبول هي الرواية والراوي والسارد والقارئ والناس والمكان. ومن بين سطور إسطنبول، النص، كان باموك حاضراً في إسطنبول، المدينة، حاضراً في شوارعها وأزقتها وبين بيوتها وعلى ساحلها يراقب الأمواج والسفن والبواخر تنتقل بين مدن العالم.


كتاب «إسطنبول» كان صورة المدينة عبر الزمن ولكن كان أيضاً صورة الفتى أورهان صبياً وشاباً وهو يكبر في المدينة وتكبر معه أحلامه وأشواقه وتوقه إلى وسع العالم كله.


ولد باموك في اسطنبول، عام 1952، وما عدا ثلاث سنوات أمضاها في مدينة نيويورك، لم يعش في أيّ مكان غيرها. في الأمسيات الصيفية، عندما كان يقف عند نافذة بيته ويحدّق عبر الأغصان المتمايلة لأشجار الدلب العتيقة المرصوفة على طول جادّة تشفيكيي، كان يرى أضواء «علاء الدين»، المتجر الذي كان والده يشتري منه السجائر والصحف، وقد وصفه بشغف في رواية «الكتاب الأسود». المكان هو الرفيق الأبدي لباموك. في البيوت والمحال والمتاجر يجد الروح الحية التي تجذبه. يقول عن هذا:»منذ طفولتي، بدا لي أنّ متاجر المدينة الأكثر قدماً هي الأقوى تعبيراً عن الفوضى الرائعة فيها. عندما أقف في متجر عطور، سمّوه صيدلية إذا شئتم، وأنظر من حولي إلى مجموعة القناني والعلب والأوعية الملوّنة، يبدو لي أنّ روح المدينة لا تنبثق فقط من تاريخها بل من مجموع الأهواء والأحلام التي تراود كلّ من عاشوا هنا. من هذه المتاجر تلك الموجودة في بيوغلو والتي زرتها مع أمّي عندما كنت صغيراً، تركيّة في الظاهر لكن يونانية وأميركية في العمق، وهي تذكّرني بالعدد الكبير من الثقافات الأقدم عهداً التي تصبّ في ثقافتنا وبتأثيرها الذي لا ندرك مدى غناه».


في صغره، كانت اسطنبول مدينة بسيطة ومتعَبة يبلغ عدد سكّانها مليون نسمة، وبعد نصف قرن تحوّلت حاضرةً مساحتها مضاعَفة عشر مرّات ومحاطة بأحياء غريبة ومتباعدة. تكبر المدينة ، مثل الناس، وتكبر روحها. يسجل باموك الوهج الذي يحيط بالروح الخالدة لإسطنبول: «في الأمسيات الصيفية، تسكن روح المدينة في الحافلات القديمة التي تشقّ طريقها وسط غيوم الغبار والدخان والبخار المستنفَد، فتنقل ركّابها المتعبين الذين يتصبّبون عرقاً إلى منازلهم. تسكن في غيمة الدخان والضباب التي تحوم فوق المدينة وتنتقل من البرتقالي إلى الأرجواني عند غروب الشمس، وفي الضوء الأزرق الصاعد من ملايين النوافذ عندما يشغّل سكّان المدينة تلفزيوناتهم في الوقت نفسه تقريبا،ً وفي الوقت نفسه أيضاً تقلي النساء في كلّ أنحاء المدينة الباذنجان لوجبة المساء». في رواياته يبدو كما لو أنه يسعى الى أن تكون كتابته رسماً مائياً لمدينة تتأرجح بين الماء والسماء. والحال أن باموك كان يريد أن يصير رساماً. لقد نشأ في إحدى أغنى ضواحي اسطنبول «نيشان تاش» التي تحضر في الروايات كما لو كانت ضيفاً عزيزاً. ومنذ طفولته وحتى عامه العشرين كان مولعاً بالرسم، حالماً في أن يكون رساماً، لم تبخل عائلته في تشجيعه في مجال الرسم، ولطالما قالت له أمه إن كتاباته لا معنى لها، وإن عليه أن يستمر في الرسم. بعد دراسته الجامعية للعمارة التي استمرت ثلاث سنوات، اكتشف أن من غير الممكن أن يصبح رساماً ومهندساً معمارياً، فتخلى عنهما، لينتقل إلى دراسة الصحافة التي سرعان ما تخلى عنها أيضاً. وبعد عيد ميلاده الثالث والعشرين قرر باموك أن يغلق الباب على نفسه، وأن يباشر كتابة الروايات.


في روايات باموك نجد أناساً من كلّ المشارب، عسكريين حريصين على فرض النظام، ممثلين للدولة والشرطة، مراهقين متعصّبين لمعاهد «التبشير» الديني، ومُخبرين للشرطة يلعبون على أوتارٍ مختلفة، فتيات يعانين من مسألة الحجاب، مناضلين يساريّين سابقين فقدوا حماستهم، أناساً عاديين يشكّكون في «القيم الأوروبية» ويعارضون البرجوازية المتغربنة في اسطنبول، أكراداً تلاحقهم الأجهزة السرية التركية وتقلهم القوات المسلحة، أرمناً كان طاردهم الجنود الأتراك وقاموا عليهم بحملات إبادة.... لربما كان أورهان باموك محظوظاً. لقد ولد في عائلة غنية تعيش على النمط الأوربي ويتكلم أفرادها أكثر من لغة أوربية، وهو ولد في إسطنبول إحدى أعرق أو أغنى أو أجمل مدن العالم وأكثرها اكتنازاً بأسرار التاريخ وحكايات الماضي الذهبي. وهو جاء إلى هذا العالم في وقت كانت تركيا بتأرجح بين الماضي والحاضر، بين الشرق والغرب، بين الهوية العثمانية الإسلامية والهوية الكمالية الحديثة، بين التعلق بالذات المغرورة والسعي في القفز إلى الجانب الآخر من البوسفور والالتحاق بالأضواء المشعشعة في أوروبا.


من هذا المعنى أورهان باموك هو الابن النموذجي لتركيا، إنه مدون سيرتها الأكثر صدقاً ومقدرة. وهو إذ يدون لحظات عظمتها لايقفز عن لحظات مرضها أيضاً. يرسم وجهها المشرق لكنه لا يترك جانباً عوارض السل الذي مابرح يحفر في سحنتها.


لكن باموك لم يكن حاملاً رسالة في السياسة ولامبشراً بعقيدة راسخة لاتعترف بالخطأ. وهو في هذا الصدد يقول: «بالنسبة لي ينبغي للأدب أن يكون من أجل الجمال وحده، لا لتوجيه رسائل سياسية، فأنا أكتب لأؤثر في القارئ بكتابتي الجيدة. حتى في روايتي السياسية «ثلج»، لم أحاول أن أنقل رسالة سياسية، بل كل ما حاولت فعله الحديث عن روح هذا البلد ومشكلاته، وعن الألم والغضب في جزء بعيد من هذا البلد يرقد تحت ظلال أوروبا، ولكن من دون أن أجدني معنياً بالمشاركة في هذا الصراع، فالأدب في النهاية يتكلم عن الحياة، ويعكس النقطة الأكثر عمقاً في الروح الإنسانية».


أورهان باموك هو العثماني التركي الأوروبي الذي جعل من رواياته المرايا التي شغف بها خورخي لويس بورخيس والتي تعكس الوجه من كل الزوايا. جائزة نوبل هي إحتفاء بهذا الوجه المذهل الذي يبتسم للقارات والثقافات والأقوام بالألق الإنساني الحاضر في رواياته.


 


الحياة 13/10/2006


جائزة نوبل للآداب تنصف أورهان باموك التركي «المضطهد»


بيروت - عبده وازن


 


كان من المتوقع ان يفوز الروائي التركي أورهان باموك بجائزة نوبل للآداب هذه السنة بعدما طُرح اسمه بقوة السنة الفائتة، عندما حاولت الحكومة التركية عرقلة فوزه، تحاشياً لإحراجها دولياً إزاء عزمها محاكمة هذا الكاتب الكبير، بتهمة «الإساءة المتعمّدة الى الهوية التركية». واختيار باموك للفوز بالجائزة الكبيرة كان بمثابة التحدي للأكاديمية السويدية التي أعلنت فوزه أمس بعدما راجت اسماء كبيرة في الإعلام، واعتبرت في براءة الجائزة «ان باموك اكتشف رموزاً جديدة لتصادم الثقافات وتشابكها خلال بحثه عن الروح الكئيبة للمدينة التي ولد فيها».


ولم يخلُ اختيار باموك من البُعد السياسي، فالدولة التركية التي طالما حاربت هذا الكاتب لمواقفه السياسية تسعى جاهدة الى دخول الاتحاد الأوروبي، محاولة إيجاد صيغة لقضية المجازر التي ارتكبتها في حق الشعب الأرمني عام 1915، وهي تشعر الآن بالإحراج بعد صدور القانون الفرنسي أمس في شأن المجازر هذه.


ولئن عدلت الحكومة التركية السنة الفائتة عن محاكمة أورهان باموك وسحبت القضية من المحكمة نزولاً عند رغبة «المفوضية الأوروبية» التي مارست ضغوطاً عليها، وبعد الحملة التي قامت بها الأوساط الثقافية العالمية، فهي ستجد نفسها محرجة حيال هذه الجائزة. فالكاتب لا يزال على مواقفه ويصر على الدولة ان تعترف بمقتل مليون أرمني وثلاثين ألف كردي لاحقاً، في المعارك التي دارت بينها وبين «حزب العمال الكردستاني».


ولكن بعيداً عن الطابع السياسي للجائزة ومن مواقف باموك الجريئة، يبدو هذا الكاتب جديراً بجائزة نوبل. فهو الاسم الأبرز راهناً في الحركة الروائية التركية، واستطاع فعلاً ان يتخطى الروائي ياشار كمال، فاتحاً أفقاً جديداً للرواية التركية الحديثة، ومؤسساً عالماً يجمع بين الشرق والغرب، على غرار مدينته اسطنبول التي يعبرها نهر البوسفور فاصلاً بين أوروبا وآسيا، بين الذاكرة والمخيّلة.


عندما فاز باموك بـ «جائزة السلام» للعام 2005 في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، وصفه بيان الجائزة بأنه «يقتفي آثار الغرب في الشرق وآثار الشرق في الغرب». وهذا الوصف ينطبق فعلاً على هذا الروائي «المشاكس» الذي يدعو الى الحوار وإلى التخلص من براثن التاريخ وآثار النزاعات الإنسانية. وفي روايته الأخيرة «ثلج» التي صدرت عام 2004 في تركيا وسرعان ما تُرجمت الى نحو عشرين لغة، منها العربية، يجعل باموك من بطله الذي يدعى «كا» صحافياً يعود من منفاه الألماني بعد اثنتي عشرة سنة ليشارك في مأتم والدته، ويرتحل من ثم الى مدينة في الأناضول اسمها «قارص» حيث الثلج يغطي الطبيعة والحياة نفسها. وهناك ينصرف البطل «كا» الى متابعة الانتخابات المحلية وبعض الأحداث الأليمة التي تشهدها المدينة خصوصاً انتحار الفتيات. وبدا إسباغ صفة الصحافي على البطل ذريعة ليمارس باموك نفسه مهمة الصحافي، كاشفاً التناقضات في المجتمع والمآسي التي تحصل بصمت.


كان لا بد من ان تثير روايات باموك حفيظة الدولة والقوميين الأتراك والمجتمع التقليدي، لكن رواياته تشهد رواجاً شعبياً كبيراً هو الى مزيد من الاتساع. وروايات مثل: «الحياة الجديدة» و «جودت بك وأولاده» و «البيت الهادئ» و «القلعة البيضاء» و «الكتاب الأسود» وسواها، هي أشبه بالمراجع لقراءة التاريخ العثماني لتركيا وواقعها الراهن والأزمات التي عانتها البلاد وتعانيها. ونجح باموك في الجمع بين الطابعين، الشعبي والطليعي، وأعماله تتأرجح بين المعطى التاريخي والحياة المعاصرة. ولا يتوانى عن معالجة النزاع الداخلي للأتراك المعاصرين، والتناقض بين الحداثة والدين، بين المعاصرة والتقليد، اضافة الى مسألة الهوية أو الانتماء. وقد اصاب الروائي الأميركي جون ابدايك عندما قال عنه: «أورهان باموك من الكتّاب الأكثر مبيعاً، لكنه في الوقت ذاته كاتب طليعي».


قد يكون باموك من اصغر الكتّاب الذين فازوا بجائزة نوبل في العقدين الأخيرين، في الرابعة والخمسين من عمره (مواليد اسطنبول 7 حزيران - يونيو 1952)، بدأ حياته مشاغباً وتخلص من الخدمة العسكرية الإلزامية في العشرين من عمره، وانتقل من دراسة الهندسة المعمارية الى الصحافة. وعاش حالاً من الفقر قبل ان يشق طريقه الى عالم الرواية. عندما اصبح روائياً معروفاً بادرت الدولة التركية الى منحه وسامها الرسمي فرفضه. ومنذ ذلك الحين بات باموك يثير حفيظة الدولة، ولم ينثن عن إعلان مواقفه الرافضة والجريئة.


 


النهار 13/10/2006


الروائي التركي أورهان باموق يفوز بجائزة "نوبل" للآداب


 


في تمام الساعة الثانية بتوقيت بيروت من بعد ظهر يوم أمس، أعلنت الأكاديمية الأسوجية فوز الروائي التركي أورهان باموق بجائزة "نوبل" للآداب، وهو الكاتب التركي الأول يحوزها، وفي عمر مبكر نسبياً، اذ انه لا يتجاوز الرابعة والخمسين، وله ثمانية كتب فقط. طبعا، للجائزة ابعاد سياسية واضحة وسط هذه الشروخ الخطيرة التي تمزّق العالم، ويشكّل منح "نوبل" لباموق دعماً لمواقفه المؤيدة لحقوق الاقليات ونوعا من الدعوة الى المصالحة بين الشرق والغرب، لما يتمثل في الهوية التركية من غنى على هذا الصعيد. في ما يأتي مقتطفات جُمعت من حوارين كبيرين أجريا سابقا مع الكاتب في كل من مجلة "ذي باريس ريفيو" الأميركية وصحيفة "دي تسايت" الألمانية، ننشرها لما تقدمه من رؤية شمولية لأفكار الكاتب ومساره الأدبي والانساني.


 


* أورهان باموق، كيف تشعر حيال منح المقابلات الصحافية؟


- أحياناً أشعر بالتوتر لأن أجوبتي تكون غبية عن أسئلة معينة فارغة. يحدث هذا باللغة التركية، بقدر ما يحدث بالإنكليزية. فلغتي التركية سيئة وجملي غبية بالكامل. لقد تعرضت للنقد الحاد في تركيا بسبب مقابلاتي أكثر مما بسبب كتبي. المعلقون السياسيون، هناك في تركيا، لا يقرأون الروايات.


* لقيت كتبك صدى إيجابياً في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، كيف تُستقبل هذه الأعمال نقدياً في تركيا؟


- السنوات الجيدة انتهت الآن. حين بدأت أنشر أعمالي الأولى كان نجم الجيل السابق بدأ يأفل نوعاً ما، فاستقبلت بحفاوة في وصفي كاتباً جديداً.


* حين تقول "الجيل السابق" هل ثمة أسماء محددة في بالك؟


- إنهم الكتاب الذين كانوا يشعرون بأنه لديهم مسؤولية اجتماعية، ويؤمنون بأن الأدب يخدم المجتمع في مجالَي الأخلاق والسياسة. كانوا واقعيين مباشرين، لا تجريبيين، ككتّاب آخرين في عدد كبير من البلدان الفقيرة، وبالتالي أهدروا مواهبهم وهم يحاولون خدمة أمتهم. لم أرد أن أكون مثلهم، لأنه حتى في سنوات شبابي الأولى استمتعت بقراءة فوكنر، وفرجينيا وولف وبروست، ولم أتطلع إلى نموذج الواقعية الاشتراكية عند غوركي وشتاينبك مثلاً. كان الأدب الذي ينتج في الستينات قديم الطراز لذلك استقبلت بحفاوة لأني اعتبرت من الجيل الجديد. بعد منتصف التسعينات من القرن الفائت، حين بدأت كتبي تباع في تركيا بكميات لم يكن أحد ليحلم بها، انتهى شهر عسلي مع الصحافة التركية ومع المثقفين هناك. مذ ذاك فصاعداً بات رد الفعل النقدي غالباً رد فعل على الشهرة ومبيع الكتب، أكثر مما على مضامين أعمالي. الآن، لسوء الحظ، أنا مشهور بسبب آرائي السياسية، التي تنشر هنا وهناك في الصحافة الدولية ويتلاعب بها بشكل مخز بعض الصحافيين الأتراك لكي يجعلوني أبدو أكثر راديكالية وبلاهة من الناحية السياسية، مما أنا عليه في الواقع.


* هل كنت معنياً خلال مسارك الإبداعي بأن تحمّل أعمالك مضامين اجتماعية؟


- لا، كان لديّ ردة فعل على الجيل الأقدم من الروائيين، وخصوصاً في مرحلة الثمانينات. أقول مع كل احترامي لهم إن نظرتهم إلى الأشياء كانت شديدة الضيق.


* في العودة إلى المرحلة التي سبقت "الكتاب الأسود"، ما الذي ألهمك "القصر الأبيض"، علماً أنها أول رواية تعالج فيها ثيمة تكررت بعدها في جميع أعمالك، وهي "انتحال الصفة"؟ ولماذا تظن أن هذه الفكرة تتكرر إلى هذا الحدّ في أعمالك؟


- إنه أمر شخصي جداً. لديّ شقيق تنافسي جداً يكبرني بسنة ونصف السنة فقط. وبشكل من الأشكال كان بمثابة الأب بالنسبة إلي، أبي الفرويدي إذا جاز القول، الذي أصبح أناي البديلة، الأخرى، مثال السلطة بالنسبة إليّ. ومن جهة أخرى كانت بيننا زمالة أخوية تنافسية. علاقة مركّبة جداً، كتبت عنها بكثافة في "إسطنبول". كنت فتى تركياً نموذجياً، بارعاً في كرة القدم ومتحمساً لكل أنواع الألعاب التنافسية. أما هو فكان بارعاً في الدراسة، أبرع مني على الأقل. وكنا نغار أحدنا من الآخر. كان هو مثال الشخص العقلاني والمسؤول. وفي حين كنت أصب كل اهتمامي على الألعاب، كان يصب اهتمامه على القواعد العامة. كنا نتنافس طوال الوقت، وكنت أحلم بأن أكون هو، وأشياء من هذا القبيل. هذا أرسى مثالاً عندي، أعني الغيرة والحسد، وهما موضوعان قريبان جداً مني. دائماً أقلق حيال الطريقة التي كان يمكن أن تؤثر فيها عليّ قوة أخي ونجاحه. هذا أصبح جزءاً جوهرياً من روحي. وأنا أعي ذلك، لذلك أقيم مسافة بيني وبين هذه المشاعر. أعلم أنها سيئة، لذلك لديّ تصميم شخص حضاري على محاربتها. لست أقول إني ضحية الغيرة. لكن هذه مجرة النقاط العصبية التي أحاول التعامل معها باستمرار. بالطبع، في نهاية الأمر، أصبحت موضوعاً محورياً في كل أعمالي. في "القصر الأبيض"، مثلاً، تلك العلاقة شبه السادومازوشية بين الشخصيتين الأساسيتين، مبنية على علاقتي بأخي. من جهة أخرى، فإن مسألة انتحال الصفة هذه تنعكس في الهشاشة التي يشعر بها الأتراك حين يواجهون الثقافة الغربية. بعدما كتبت "القصر الأبيض" أدركت أن هذه الغيرة، ذلك القلق حيال أن نتأثر بشخص آخر، تشبه حال تركيا حين تيمّم نظرها غرباً. أعني ذلك الحلم بأن تصبح جزءاً من الغرب، وفي الوقت نفسه أن تكون متهماً بأنك لست أصيلاً بما فيه الكفاية. أن تحاول القبض على روح أوروبا ثم تشعر بالذنب بسبب الدافع الذي لديك لتقليدها. تلك الطلعات والنزلات في هذا المزاج تذكّر بالعلاقة بين أخين متنافسين.


* روايتك الأخيرة "ثلج"، هي رواية سياسية تضج بالإسلاميين الثوريين، والوطنيين الأكراد والأتراك، واليساريين الباحثين عن الله والفتيات اللواتي ينتحرن بسبب حظر الحجاب. ومع أنك لا تنحاز إلى أي طرف، فقد تعرضت لضغط سياسي كبير... بشكل غريب يبدو أن حياتك تقلد كتابك هذا...


- لا أكتب رواية سياسية حتى أقوم بدعاية سياسية لقضية محددة، بقدر ما أطمح إلى وصف الحال السيكولوجية للناس في مدينة معينة. المدينة في هذه الرواية تدعى كارس، تقع عند طرف شمال شرق الحدود التركية، لكنها في الوقت نفسه تمثل تركيا كلها.


* ما الذي أطلق شرارة السجال حول هذا الكتاب؟


- بعض القراء العلمانيين ثار غضبهم لأني بذلت كل هذه الجهود لكي أفهم حال الفتيات اللواتي يضعن الحجاب بشكل اختياري. أفهم قلق هؤلاء، خصوصاً حين يكنّ من النساء. فالنساء هن الأكثر تأثراً بالإسلام السياسي. بعض الوطنيين الأتراك لم تعجبهم حقيقة أني أصف بالتفصيل مدى القسوة التي يمكن أن يبلغها انقلاب عسكري. بعضهم أيضاً لم يرضه فهمي لموضوع الأكراد. لكن هذه كلها ببساطة عناصر من تاريخنا المركّب.


* عائلتك تعدّ من بين الأكثر ثراءً وحضوراً في النخبة العلمانية التركية... ما الذي يمكنك أن تخبرنا إياه عن هذا الشأن؟


- لم أكن مناسباً لهذا القالب. فقد اخترت الفن بدلاً من وظيفة المهندس التي كان يفترض أن أعمل بها. أولاً أردت أن أكون رساماً، ثم تخليت عن هذه الهواية ودرست الهندسة. أخيراً وجدت ضالتي في الكتابة.


* هل نجاحك يجعل عائلتك تنظر إلى الأمر بطريقة مختلفة؟


- كان والداي قلقين عليّ بشكل مبرر. ففي منتصف السبعينات كان ثمة شيء مجنون في فكرة أن يصنع فتى تركي اسمه ككاتب. اليوم، أعمالي ترجمت إلى 35 لغة، وكتبي تباع بشكل جيد.


* قلت ذات مرة إن الشيء العظيم في الفكرة الأوروبية هو قدرتها على تحويل المتطرفين إلى ليبيراليين...


- هذا القول تؤكده سياسات الحزب الحاكم عندنا في تركيا، حزب أردوغان الذي يدين بشعبيته الهائلة لسياسته المؤيدة لأوروبا. المواطن التركي العادي يتطلع للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ولتقوية الهوية التركية التقليدية في آن واحد.


* لكن كيف يمكن أن يقوم أتراك بتمزيق صور الكتّاب النقديين أو حرق كتبهم علناً، وفي الوقت نفسه المطالبة باعتبارهم أوروبيين! النقاد المحافظون استشهدوا بروايتك وما أثارته من ردود أفعال على أنها سبب لعدم الاعتراف بالأتراك أوروبياً، كما لو أنهم يقولون: هل تريد أن تكون في النادي نفسه كأولئك الناس الذين تصورهم الرواية؟


- أعتبر أن تأويل واقعيتي في الرواية بشكل يتناقض مع اقتناعاتي السياسية نوع من التشويه سيىء النية. أرى أن مستقبل تركيا يكمن في أوروبا، كواحد من البلدان المزدهرة والديموقراطية والمتسامحة. هذه الرواية تتعامل مع أحداث راهنة. لقد مر أكثر من عشر سنين على الزمن الذي تجري فيه أحداثها، وتركيا تغيرت بشكل هائل. لندع جانباً للحظة ردود الأفعال التي تثيرها تعليقاتي حول الماضي التركي، ولنعترف بأننا نعيش في تركيا مختلفة.


* في كتابك يسأل شخص إسلاموي: "هل هناك في أوروبا إله مختلف عما هو عندنا؟"، السؤال هو ما إذا كان في وسع الإسلام أن يتصالح مع العلمانية، الفردية...


- حسناً، تركيا بدأت تطور هذا النوع من الإسلام، في نهاية الأمر فإن المتشددين بين الإسلاميين يسمون هذا النموذج "إسلام لايت"، معتقدين أنهم يمثلون "الإسلام الصحيح".


* هناك تعاطف في الرواية مع بعض الإسلاميين...


- لم أرد أن أصور الإسلاميين في وصفهم أشراراً، مثلما يفعل الغرب بطريقة تبسيطية. في الوقت نفسه فإني أنتقد النظرة الإسلاموية للعلمانيين، الذين يرونهم كمقلّدين مخزيين، للغرب الذي يحتقرونه. أردت أن أتخلص من الكليشيهات التي لدى الطرفين. بالنسبة إليّ هذه مهمة الرواية السياسية.


* أين أصبح الحوار السياسي بين الجانبين في تركيا؟


- تقليدياً، لدينا نظام تمثيل سياسي شديد التصلب. فرصة دخول الاتحاد الأوروبي زعزعت كل شيء. في جميع المعسكرات السياسية، اليسار واليمين، الإسلاميين والوطنيين، بات مستحيلا التفكير بطرق تبسيطية. تحكمنا الآن حكومة إسلامية مؤيدة لأوروبا. في مرحلة ما اكتشفوا أنه يمكنك الفوز في الانتخابات باعتماد سياسة مؤيدة لأوروبا لأن الناس يعتقدون أن هذا سيحسن حياتهم.


* هل قلّل المثقفون الغربيون من شأن قوة الدين في رأيك؟


- لم يقلّل العلمانيون في تركيا من شأن الدين، لكنهم ارتكبوا الخطأ حين اعتقدوا أنه يمكنهم السيطرة عليه بقوة الجيش وحده. لكن كما تعرف، لا أرى أن مهمتي أن أنتج أفكاراً عالمية حول هذا الموضوع.


* ومع ذلك، فإن شخصياتك مولعة غالباً بالأفكار الكبرى...


- هذا صحيح، شخصياتي تنوء تحت ثقل الأفكار الكونية. أن ترهق نفسك بالأفكار القوية هو شغف تركي بالذات. خلال القرنين الفائتين تمرنت الأمة التركية على الانتقال من حضارة إلى أخرى، وهذه تجربة مؤلمة. "ثلج" هو كتاب عن صعوبة العيش مع هذه الأفكار الكبرى المجردة، والنجاة منها، والعثور على السعادة. لقد طفح الكيل بي من الأفكار الكبرى، والأدب هو ردة فعلي عليها، محاولة لقلب الطاولات، لإدخال قدر ما من المرح، نوع من الانفصال عن هذه الأفكار. أردت أن أقول للقارئ لا تأخذ هذه الأفكار على محمل الجد إلى هذه الدرجة، أوليست الحياة رائعة؟ انتبه إلى تفاصيل الحياة. أهم ما في الحياة هو السعادة والاستمرار في العيش في هذا المجتمع غير المتسامح الذي خلقناه بأنفسنا. الآن بدأت أعظ (يضحك...).


ترجمة سامر أبو هواش


 


السفير 13/10/2006


جائزة للأدب التركي أم ضده؟


محمد نور الدين


 


 أورهان باموق... أيقونة الأدب التركي الحديث وفتاه غير المنازع. هو الأكثر شهرة والأكثر مبيعا والأغزر انتاجا في السنوات الخمس عشرة الأخيرة. حمل الرواية التركية الى العالم، فحمل معها الثقافة التركية و<صورة> تركيا المتنازَع عليها. لكنه مع ذلك يبقى ذاك الذي قال ب<الإبادة الأرمنية>، ولا يمكن لأحد ألاّ يربط بين موقفه هذا ونيله جازة نوبل، فقط بعد ساعات وربما دقائق قليلة من سنّ البرلمان الفرنسي امس الخميس قانونا يجرّم منكر الإبادة بالسجن سنة مع غرامة 45 الف يورو.


ان مجرد الربط بين الحدثين جعل الحدث يقع مزدوجا على الفرد التركي بين الفخر بنيل اول تركي، باللغة التركية، جائزة نوبل، وبين كون الدوافع التي املت منحه الجائزة ليست ادبية بالكامل.


في السنة الماضية كان باموق على رأس المرشحين لنيل الجائزة. وفي خطوة غير مسبوقة اجّلت الأكاديمية السويدية اعلان الجائزة اسبوعا بالكامل رضوخا لضغوط هائلة قيل ان تركيا مارستها على السويد وعبر واشنطن لمنع منح الجائزة لباموق الذي كان سيحاكَم بتهمة الافتراء على العرق والتاريخ التركيين، عندما صرّح لإحدى الصحف السويسرية ان مليون ارمني قتلوا في تركيا.


هذه السنة كان الأتراك كلهم، سلطة ومعارضة ورأيا عاما، منهمكين في مكان آخر وقضية أخرى، وان تكن ليست ببعيدة: نيّة البرلمان الفرنسي اقرار مشروع قانون يعاقب من ينكر حصول ابادة ارمنية. حتى ان احتمال منح باموق جائزة نوبل مر، خلاف السنة الماضية، في الصحف التركية بصورة خاطفة.


يمكن القول ان الأكاديمية السويدية <فاجأت> الأتراك كما لو انه امر <دُبّر في ليل>. والمؤكد ان فرحتهم ليست عارمة بل لعلها <مُرّة>... عسل بطعم الحنظل.


غالبا ما كان يرافق منح الجائزة اشكالات وخلافات. اورهان باموق لا يزال <صغيرا> عليها. هو في الرابعة والخمسين من العمر ولا يزال في عز عطائه، لكن لم يدخل بعد مرحلة <الاختمار> الذي يطبع مسيرة الأدباء الكبار. بمعنى ان باموق روائي مشهور وجيد لكنه لم يصنف بعد في عالم الكبار. هو، مثلا، ليس ياشار كمال ولا عزيز نيسين ولا فاضل حسني داغلرجه، عميد الشعر التركي المعاصر. اما إذا عرجنا على ناظم حكمت فسيُظلم اورهان باموق كثيرا. وهؤلاء كلهم عاشوا في <عصر نوبل>، ومع ذلك لم ينالوها. هو مثلا ليس ادونيس الذي اكتملت <رؤيته> المتجدّدة باستمرار. وجائزة نوبل تمنح عادة على مجمل اعمال ومسيرة اديب ما، وليس على عمل معين وفي فترة مبكرة من عطائه. من هنا اتسعت التساؤلات والالتباسات حول اورهان باموق، وأخذ نيله الجائزة أبعادا غير ادبية.


مع ذلك، اورهان باموق هو اليوم احد ابرز الأصوات التركية (لا ننسى ابدا وجود ياشار كمال) في عالم الأدب والرواية تحديدا.


هو ابن اسطنبول وحكواتيها. اعطاها نبض طفولته، هو الذي لا يزال يعيش حتى اليوم في البيت الذي وُلد فيه عام 1952 في منطقة نيشان طاش. وهو حكواتي المدينة بتحولاتها الاجتماعية والثقافية. وهو راوي المجتمع التركي بصدامات طبقاته وأطيافه.


لم يبدأ باموق كاتبا، بل بدأ رساما. رسم بغزارة حتى سن الثانية والعشرين، وكان يقول انه سيتفرغ للرسم. تابع في جامعة اسطنبول التقنية، الهندسة المعمارية. لكنه بعد سنة اتخذ قراره: لا للرسم ولا للهندسة المعمارية. وتحوّل الى الصحافة حيث تخرّج من المعهد العالي للصحافة في جامعة اسطنبول لكنه لم يمارسها ابدا.


في الرابعة والعشرين من عمره انغلق باموق على نفسه في البيت وقرّر: سأكون روائياً (وليس اي شيء آخر).


بقرار سيتحول اورهان باموق الى اشهر روائي في الداخل والخارج. وبأسلوبه السهل المستقى من الواقع اليومي المعاش والمعطوف على ذاتية حميمية تلامس وتدغدغ افئدة الجيل الشاب، وصل باموق الى اوسع قطاع من القراء، فيما كانت ترجمات كتبه الى الإنكليزية والفرنسية وغيرهما من اللغات تذكرة مروره الى العالم.


ترك باموق كل شيء وتفرّغ للكتابة فقط وفي عمر مبكر. في العام 1979 كتب روايته <العتمة والنور>، ونال عليها جائزة صحيفة <ميللييت> للرواية.


في العام 1982 كتب روايته الشهيرة <جودت بك وأبناؤه> التي تروي قصة ثلاثة اجيال من عائلة اسطنبولية غنية وتعيش في نيشان طاش (مثل باموق نفسه)، التي نال عليها بعد سنة جائزة <اورهان كمال للرواية>.


في العام التالي، كتب رواية <المنزل الصامت> ونال عليها بعد ترجمتها الى الفرنسية جائزة <الاكتشاف الأوروبي> الفرنسية عام .1991


روايته <القلعة البيضاء> التي كتبها عام 1985 حلقت به في عالم الشهرة اذ ضمّنت له الشهرة العالمية بعد ترجمتها الى الإنكليزية ولغات اخرى عام 1990 وما يليها. وهي تحكي علاقة التوتر والصداقة بين عبد من البندقية وعالم عثماني.


في العام نفسه (1985) ذهب وزوجته الى الولايات المتحدة الأميركية وعمل كباحث زائر في جامعة كولومبيا لمدة ثلاث سنوات، وهي السنوات التي كتب فيها معظم روايته <الكتاب الأسود> التي تحكي، بلسان محام باحث عن زوجته الضائعة، شوارع اسطنبول وازقتها وماضيها وكيمياءها. وقد نشرت الرواية في تركيا عام ,1990 ومع ترجمتها الى الفرنسية نال عليها جائزة France culture التى اضحى بسببها اكثر شهرة وعلى لسان الجميع داخل تركيا وخارجها. اي ان شهرة باموق لم تتشكل اولا في الداخل لتنطلق منها الى الخارج، بل كانت تتسع بالتوازي بين الداخل والخارج في نفس الوقت، وهذه مفارقة نادرة.


في العام ,1994 نشر واحدا من اكثر الكتب قراءة في الأدب التركي الحديث: <الحياة الجديدة> التي تحكي حياة شبان جامعيين. وفي العام 1998 نشر رواية <اسمي الأحمر> ونال عليه جائزة <افضل كتاب اجنبي> الفرنسية وجائزة grinzane cavour الإيطالية عام ,2002 واخرى ايرلندية عام .2003


في التسعينيات بدأ باموق بكتابة الكثير من المقالات السياسية التي ينتقد فيها الدولة التركية في مجالات حقوق الإنسان والحريات الفكرية. لكنه لم يهتم كثيرا بالسياسة في رواياته. روايته السياسية الأولى والأخيرة كانت بعنوان <ثلج> عام ,2002 وتروي النزاعات والعنف والتوترات في مدينة قارص في شرقي الأناضول بين الإسلاميين والجيش والعلمانيين والأكراد والقوميين. وكان نشر عام 1999 كتاب <الألوان الأخرى> وهي مزيج من المقالات المنشورة والنصوص من دفاتره الشخصية.


كتاب اورهان باموق الأخير صدر عام 2003 بعنوان <اسطنبول>، وهو عبارة عن ألبوم من النثر الشعري مرفقا بصور طفولته حتى سن ال22 وصور اسطنبول في تلك السنوات.


باستثناء سنواته النيويوركية الثلاث، أمضى باموق كل عمره في اسطنبول. وهو الآن يعيش في المنزل نفسه الذي وُلد فيه.


ثلاثون سنة لم يفعل خلالها باموق سوى كتابة الروايات التي ترجمت الى اكثر من ثلاثين لغة آخرها اليابانية.


تفاوتت ردود فعل زملائه من النقاد والأدباء الأتراك على نيله نوبل للآداب. الناقد الشهير دوغان هزلان وصف الجائزة بأنها للأدب التركي كله وبأن نيل كاتب جيد باللغة التركية هذه الجائزة امر مفرح جدا وسيساهم في اسماع الأدب التركي للعالم عبر ترجمات لأدباء آخرين. الكاتبة المعروفة عدالت آغا أوغلو قالت انه خبر مفرح بعدما اسفنا لقرار البرلمان الفرنسي. الكاتب طغرل اريلماز قال انه كاتب ناجح بكل المقاييس تقرأ بفرح روايته المشغولة بتكنيك رفيع. واذا لم تعط الجائزة له فلمن ستعطى؟


لكن الشاعر اليساري المعروف اوزديمير اينجه كان له رأي آخر اذ قال ان باموق كاتب هامشي وليس اساسيا، والجائزة لم تمنح للأدب التركي، بل لأورهان باموق شخصيا. ان باموق الذي نال جائزة نوبل هو الذي قال بحصول ابادة ارمنية. هذا شيء مهم الى اقصى حد. لقد بيعت تركيا وبيع التاريخ التركي. لذلك اشعر بالخجل من منحه الجائزة. يجب قول ذلك.


اما اورهان باموق نفسه فقد حاول ربما تهدئة ردود الفعل السلبية المتوقعة ضد نيله الجائزة بقوله لمحطة cnn turk انه لم يهتم ابدا بالجائزة ولم يسعَ اليها وليست حتى مثاراً للهفة!. اورهان باموق في <جنة> نوبل: انتصار لمن؟ لتركيا أم لأوروبا؟

 
عن المكتبة | كتب | أفلام | تراتيل | الصفحة الرئيسية
SWS المكتبة الروحية 2005 - جميع الحقوق محفوظة - صمم هذا الموقع بواسطة شركة
Powered by O2 TECHNOLOGY