بحث سريع 

 

New Page 1
عنوان الكتاب:
المؤلف:
المترجم:
شفيق مقار
الموضوع:
الناشر:
-
عام النشر : الطبعة:
القياس:
سم
عدد الصفحات:
السلسلة:
رمز التصنيف:
  
   

أراء القراء   
تعليق: إبراهيم غرايبة - الجزيرة نت
عنوان التعليق: عصر المعلومات

أصابت منظومة المعلوماتية الثقافة بالتغيير وإعادة الصياغة تماما كما حدث لكل جوانب الحياة، العمل والموارد والعلاقات والسلطة. ويتناول د.نبيل علي في كتابه (الثقافة العربية في عصر المعلومات، رؤية مستقبلية للخطاب الثقافي العربي) المشهد الثقافي العربي في ظل المعلوماتية، وعلاقة الثقافة بالمعلوماتية والمنظومات المعرفية الأخرى وآليات شروطها الاجتماعية وطرائق إغنائها بصيغ جديدة ومحتواها العلمي-التكنولوجي الدينامي أو بتعبير آخر ثقافة عصر المعلومات. وكان د. نبيل علي قد أصدر في عام 1994 كتاب العرب وعصر المعلومات، ويقول إن السنوات الست التي أعقبت صدور الكتاب الأول أمضاها يعيد تثقيف نفسه ويجدد عتاده المعرفي تأهيلا لشرف الحديث عن الثقافة.


وجاء الكتاب في مقدمة وتسعة فصول (582 صفحة) عرضها المؤلف في المقدمة بطريقة بيانية منطقية مبتكرة، فالدراسة استهلت باستعراض ملامح المشهد العالمي الثقافي المعلوماتي متبوعا بنظيره العربي، ثم تتفرغ الدراسة إلى طرح منظومة تكنولوجيا المعلومات من منظور ثقافي وطرح منظومة الثقافة من منظور معلوماتي، يتلو ذلك حديث عن توجهات الفكر الثقافي المعاصر، وبعد هذه الخلفية العامة تكون الدراسة قد تهيأت لحديث أكثر تفصيلا يتناول الفروع المختلفة لمنظومة الثقافة من منظور معلوماتي، والمقصود به ثقافة اللغة، وثقافة التربية، وثقافة الإعلام، وثقافة الإبداع الفني، ومنظومة القيم والمعتقدات.


الثقافة صناعة قائمة بذاتها


يرى د. علي أن الثقافة في عصر المعلومات صناعة قائمة بذاتها، ولم تعد مدينة إلى أحاديث الصالونات وسجال المنتديات ورؤى المقاعد الوثيرة وتكرار الجدل العقيم حول العموميات والأمور التي صارت في حكم البدهيات، من قبيل أصالة ومعاصرة، ثقافة النخبة وثقافة العامة، وتعريب التعليم. فقد أصبحت الثقافة هي محور عملية التنمية الاجتماعية الشاملة كما أصبحت تكنولوجيا المعلومات هي محور التنمية العلمية التكنولوجية، ومن ثم فإن تناول الموضوع يجب أن يكون مزدوجا (علاقته بالمعلومات) ومنظوميا (الرؤية الشبكية الشاملة للتنمية الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية وتنمية الفكر والإبداع والتنمية التربوية ونظام المعتقدات والقيم والمحافظة على التراث والتي جعلتها المعلوماتية منهجا معتمدا)


ما علاقة الثقافة بتكنولوجيا المعلومات؟ إن الثقافة هي ما يبقى بعد زوال كل شيء، والمعلومات: هي المورد الإنساني الوحيد الذي لا يتناقص بل ينمو مع زيادة استهلاكه، والثقافة تصنع الموارد البشريه كما هي صنيعتها، والاستيعاب الثقافي للتقانة هو الأساس للتقدم والتنمية، لقد نجح الاقتصاد متضامنا مع السياسة في التهوين من قدر الثقافة، وعولمة الاقتصاد تقود قافلة العولمة جارة وراءها عولمة الثقافة، فالتكنولوجيا في أحوال كثيرة أسرع من العلم، والعلم أسرع من الاقتصاد، والاقتصاد أسرع من السياسة، والسياسة أسرع من الثقافة، أي أنها (الثقافة) في ذيل القافلة، فهي ظاهرة اجتماعية تحتاج إلى وقت طويل حتى تؤتي ثمارها وتترسخ، ولكن السياسات وحركة الاقتصاد والعلم والتكنولوجيا والأسواق تتغير بسرعة.


وفي الازدواجية يجب أن يلاحظ عند الحديث عن الثقافة التسارع المذهل في الأفكار والنظريات كما يحدث تماما في تطور التقنية (أجهزة الهاتف النقال والكمبيوتر على سبيل المثال) فما يظهر مذهب فكري أو اجتماعي حتى يلحق به ما يناقضه أو مابعده، فثورة لينين تقضي عليها بريستوريكا جورباتشوف، وبنيوية الستينات تطيح بها التفكيكية وما بعد البنيوية، والحداثة تتجاوزها ما بعد الحداثة، ونجد مصطلحات ورموزا كثيرة تعبر عن هذا التسارع والنفي يمكن وصفها بـ "نهاية" و"ما بعد" ، نهاية المكان، نهاية الجغرافيا، نهاية التاريخ، نهاية الدولة، نهاية الأيدولوجيا، نهاية الكتاب، نهاية المؤلف، نهاية المدرسة، نهاية القومية، نهاية المدينة، نهاية العمل والوظيفة، نهاية الطبقة الوسطى، نهاية الوسطاء، نهاية الذاكرة، أو ما بعد الحداثة، ما بعد السياسة، ما بعد النفط، ما بعد المعلوماتية، ما بعد الإنترنت، ومنها مصطلحات النفي، مثل مصانع بلا عمال، ومدارس بلا مدرسين، مكتبات بلا كتب، وموظفون بلا مكاتب، أفلام بلا ممثلين، تعليم بلا معلمين.


وهي مصطلحات ليست عشوائية ولكنها ذات دلالة وتداعيات كثيرة وعميقة، فنهاية المدارس تعبر عن التعلم الذاتي ودور الإنترنت وشبكات الاتصال في التعليم وتعاظم دور الأسرة، ونهاية الوسطاء تعبر عن الدور الجديد لتقنية المعلومات والذي يلغي كثيرا من وظائف الخدمات كالحجز في الفنادق وخطوط الطيران وشراء العقارات والسيارات والكتب، . . وحتى الخاطبة. وهي تحولات تنقل التعليم من دائرة اليقين إلى الشك ومن المطلق إلى النسبية، يقول أحد علماء الاجتماع: لقد فقد العلم ثقة العلماء بعدما وثق به الناس، وهي مقولة ذكية تعبر عما نلاحظه بين العلماء من عودة إلى الطبيعة والبدايات في الحياة والعمارة والطب والغذاء في الوقت الذي يتجه فيه الناس إلى الوسائل الحديثة، وهو أمر كان معكوسا طوال القرون الماضية منذ بدأت نهضة الصناعة في القرن السابع عشر. ويقول إيليا بريغوغين الحائز على جائزة نوبل: إن القرن العشرين حول كوكبنا من عالم متناه من الحقائق اليقينية إلى عالم لا متناه من الشكوك.


وكانت هذه التحولات على درجة من الأهمية والعمق على درجة أنها جعلت الدراسات المستقبلية والتخطيط الإستراتيجي موضع شك وسخرية، حتى يكاد التنبؤ الوحيد الصحيح هو استحالة التنبؤ، فلم تكن آلة التسجيل هي آلة التعليم المثلى كما تصور مخترعها، ولم تقتصر استخدامات الكمبيوتر على الإحصاء كما توقع مهندسه الأول، ولم تقتصر مبيعاته على أربعة أجهزة سنويا كما توقع رئيس مجلس إدارة شركة I.B.M . . فهي إذن ثقافة المجهول والمغامرة والشك!


اللغة أهم أدوات الثقافة


وأهم أدوات الثقافة بالطبع هي اللغة، وقد حققت المعلوماتية معالجات متقدمة للغة في تطبيق أساليب الذكاء الصناعي لإعطاء الآلة المهارات اللغوية من اشتقاق وتصريف واختصار وفهرسة وترجمة آلية، وتبذل اليابان مثلا جهودا هائلة لكسر عزلتها اللغوية بالمعالجة والترجمة الآلية، وإذا لم تتفاعل الثقافة العربية مع المعلوماتية (المعاجم الآلية والترجمة الآلية والتوثيق والبرمجة) فستحدث فجوة لغوية حادة تفصل اللغة العربية عن الاستخدام والتداول وقد يتحول التعليم وكذلك الثقافة في الدول العربية إلى اللغات الأجنبية بسبب التقنية والتسهيلات المتاحة لهذه اللغات. وتتعرض الثقافة العربية والإسلامية إلى التشويه والإساءة باستخدام الإنترنت دون أن يتاح لنا الدفاع عنها ونشرها وتسويقها بسبب عدم مواكبة المعلوماتية فمواقع الإنترنت العربية (سواء كانت باللغة العربية أو اللغات الأجنبية) هي في الغالب ساذجة ومحدودة ولا تكاد تساوي شيئا بالنسبة للمواقع الأجنبية. ومجموع المواقع العربية هي أقل عددا من المواقع الإسرائيلية، بل إن إسرائيل تتقدم إلى العالم ببرامج معالجة اللغة العربية وترجمتها، والمد الثقافي القادم عبر طريق المعلومات السريع بكثافة واقتدار قد يغمر الثقافة العربية، وقد يسرق التراث العربي كما حدث في قصص علاء الدين وسندباد والحرف والصناعات اليدوية والتقليدية.


المعلوماتية وخدمة الثقافة العربية


ولكن المعلوماتية تتيح فرصا مهمة قد تخدم الثقافة العربية وتجعلها مزدهرة فقد تعاظم دور الثقافة إقليميا وعالميا وتنمويا وسياسيا لدرجة أنها تصلح بديلا للسياسة تجمع العرب وتعتمدها منظمة الجامعة العربية في إستراتيجيتها الشاملة فقد ضاقت مساحة المناورة السياسية تحت ضغوط الخارج أو بفعل حساسيات الداخل.


وتمثل الإنترنت تحديا ثقافيا قاسيا للعرب تجعلنا برأي المؤلف معرضين لحالة فريدة من الداروينية الثقافية: تجعلنا مهددين بفجوة لغوية تفصل بين العربية ولغات العالم المتقدم تنظيرا وتعليما واستخداما وتوثيقا، ومهددين بسلب تراثنا من فنون شعبية وأغان ومقامات موسيقية وأزياء وطرز معمارية، وفي المقابل تفتح الإنترنت أمامنا فرصا عدة لتثبيت دعائم ثقافتنا العربية بصفتها ثقافة إنسانية عالمية أصيلة وتعويض تخلفنا في كثير من مجالات العمل الثقافي. إن تكنولوجيا المعلومات هي الداء وهي الدواء. وتعمل تقنية المعلومات على هدم الحواجز بين العلوم والفنون وبين المعارف والخبرات، ويمكن أن ترأب الصدع في المجتمع الإنساني بعد أن أصبح أشد اختلالا وتناقضا، وبعد أن كان يعاني من الانفصال في كل شيء تقريبا: انفصال بين الفكر والسلوك، وبين النظرية والتطبيق، وبين التعليم والتربية، وبين التنمية والمحافظة على البيئة، وبين التقدم الاقتصادي وتحقيق الرفاهية الحقة، وبين قدرات التكنولوجيا الممكنة ونتائجها المتحققة فعليا، ومن ثم انفصال الإنسان عن واقعه، وانفصال الإنسان عن الإنسان، وقد أبرزت تكنولوجيا المعلومات كثيرا من علاقات الترابط والتداخل مما يجعل حياة الإنسان أكثر توازنا وتكيفا.


وأصبحت الثقافة شاغلا أساسيا للجميع بعد أن اتضحت أولوياتها في عملية التنمية بالإضافة إلى كونها من أهم صناعات عصر المعلومات، وعادت الأسئلة التي أخفاها القرن العشرون في غمرة التخصص الدقيق والفصل بين العلوم والمعارف والثقافة عادت تطرح من الصفر معظم القضايا الثقافية والاجتماعية. ولم يعد التنظير الثقافي الحديث يقبل الفصل بين ثقافة النخبة وثقافة العامة، ويتجه نحو دراسة الثقافة وهي تعمل على نحو دينمائي في إطار الهياكل الاجتماعية العريضة في صورة خرائط ثقافية ومسوح إحصائية وقواعد بيانات لتسجيل ظواهر الفقر الاجتماعي والخصائص الثقافية للفئات الاجتماعية المختلفة: العامة النخبوية، وفرضت العولمة أيضا ضرورة الدراسات الثقافية المقارنة اللازمة لتناول الجوانب العديدة المتعلقة بحوار الثقافات وتصادمها وامتزاجها.


والمجتمع لا تشكله السياسة أو الاقتصاد بقدر ما يشكله التواصل السائد بين الأفراد والجماعات والمؤسسات، وقد جاءت تكنولوجيا المعلومات لتزيد هذا المفهوم رسوخا، والفرصة مهيأة أكثر من أية فترة ماضية لإقامة تكنولوجيا إنسانية واجتماعية تعيد للمجتمع الإنساني توازنه وعقلانيته، وتكنولوجيا المعلومات هي الأكثر قابلية للتوجيه الاجتماعي، ويقتضي ذلك نظرية اجتماعية جديدة لا ترى الثقافة مجرد عامل مساعد يدفع المجتمع صوب غاياته كما في نموذج ماكس فيبر، ولا تختزل الثقافة إلى ناتج فرعي لطور الإنتاج السائد كما في نموذج كارل ماركس، ولا تقصر دور الثقافة على كونها مؤسسة ضمن مؤسسات اجتماعية أخرى كما في نموذج إميل دوركايم، والسؤال القائم هو ما شكل المجتمع الإنساني الذي ستفرزه تكنولوجيا المعلومات؟ المؤلف يرى ذلك أمرا يصعب تقديره، لكنه سيكون صيغة وسطا بين العالمية والمحلية، وما بين العام والخاص، وما بين الحكومي وغير الحكومي، وما بين المؤسسي والفردي، مجتمعا عازفا عن مركزية الإدارة والسلطة والحكومات المتضخمة، مفضلا عليها الإدارة اللامركزية والإنتاج الموزع والحكومات المتضائلة، وكما يقول بيير ليفي: ثمة ظاهرة اجتماعية جديدة تتشكل لم يسبق للدين أو القانون أو الاقتصاد التقليدي أن تناولها إنها الذكاء الجمعي الكلي الذي يتضاعف أسيا مع زيادة التفاعل وزيادة معدل إنتاج المعرفة وتداولها واستهلاكها وزيادة التفاعل بين عناصر المنظومة المجتمعية.


وفي النهاية من أين نبدأ؟ البداية يراها د. علي في التربية، والمدخل إليها هو اللغة، وركيزة كلتيهما الثقافة، ثقافة تكامل المعرفة وصدق الإيمان وكلاهما رهن بتوافر الحرية.

 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟   
الاسم:
عنوان التعليق:
نص التعليق:
 

آداب و لغة
فلسفة
ديانة مسيحية
الإسلام و أديان العالم
علم النفس و التربية
علوم اجتماعية
تاريخ و جغرافيا
سياية و اقتصاد
علوم طبيعية و طبية
فنون
قانون
مراجع عامة
 
عن المكتبة | كتب | أفلام | تراتيل | الصفحة الرئيسية
SWS المكتبة الروحية 2005 - جميع الحقوق محفوظة - صمم هذا الموقع بواسطة شركة
Powered by O2 TECHNOLOGY