بحث سريع 

 

New Page 1
عنوان الكتاب:
المؤلف:
المترجم:
شفيق مقار
الموضوع:
الناشر:
-
عام النشر : الطبعة:
القياس:
سم
عدد الصفحات:
السلسلة:
رمز التصنيف:
  
   

أراء القراء   
تعليق: فيصل دراج - الحياة 31/7/2007
عنوان التعليق: وقائع الخراب

جاء في تقرير أميركي عنوانه: «العالم في عام 2015»: «أنّ الشرق الأوسط سيكون حينئذ مشغولاً بحرب المياه والحروب الطائفية». لا يعد التقرير المذكور بالكثير من السعادة، فالحياة بلا ماء مستحيلة، والحروب الطائفية أكثر وحشية من الحروب الأخرى. وسواء كان التقرير موضوعياً أم لا، فإنّ الطائفية، في بعض الحياة العربية ملموسة واضحة الحضور، تتجوّل في الحياة اليومية وتظهر في ترتيب أجهزة السلطة وتتجلّى في صراعات تنقض مبادئ السياسة. أعطت هذه الأبعاد، التي تتزايد بوتائر عالية، للطائفية مكاناً في الرواية العربية، كما هو الحال في رواية يوسف القعيد الأخيرة: «قسمة الغرماء».


مثل روائيين مصريين آخرين، جعل يوسف القعيد من روايته سجلاً مفتوحاً ل «الوقائع المصرية»، التي تخلّف وراء كل خراب خراباً أكبر. عالج في «أخبار عزبة المنسي» أسباب هزيمة حزيران، التي هي داخلية قبل أن تكون خارجية، وأظهر في «الحرب في بر مصر» أنّ حرب السلطة على الشعب تسبق الحرب على العدو الخارجي، وتحدّث في «يحدث في مصر الآن» عن رخص الإنسان وتهافت السلطة، وكتب في عمل مميّز «ركام النهار» عن مآل «أبطال العبور» الذين يقودهم «النصر المبين» إلى بطالة بائسة. أراد في «قسمة الغرماء» أن يعاين شكلاً جديداً من الخراب هو: الطائفية، محاولاً أن يكون روائياً وعالم اجتماع وأن يكون مبشراً وطنياً - أخلاقياً في الصحراء.


بنى القعيد روايته من مستويين متضافرين: مستوى وصفي يرسم صور الحياة اليومية القاسية المكتظة بالفقر والبطالة والخوف والبشر الذين يحدّثون أنفسهم والشوارع المحتشدة بشعارات عن عذابات الدنيا والآخرة والطريق إلى النعيم الأبدي... أما المستوى الثاني، وهو لا ينفصل عن الأول، فيقوم ب «شخصنة الحياة اليومية»، جاعلاً من شخصيات روائية متعددة معادلاً موضوعياً للحياة اليومية الطافحة بالفراغ والخيبة. أراد القعيد المزاوجة بين علم الاجتماع والرواية: فرش نصه بالمقولات الاجتماعية التي تنتج وعياً طائفياً، يرى خلاص طائفته في تدمير الطائفة المغايرة، وبنى شخصيات روائية تترجم الوعي الطائفي الذي يرى إلى «مجتمع نقي» لا مكان فيه ل «الغرباء». أراد الروائي، الذي يلتبس بعلم الاجتماع، أن يؤكّد من خلال ملاحظاته الموضوعية أمرين: ينتج الوعي الفقير، الذي يمثّل الوعي الطائفي صورة نموذجية له، عن حياة يومية تتسم بالفقر الشامل، اقتصاداً وثقافة وسياسة، تستبدل بالحلول الصحيحة لقضايا الحياة حلولاً وهمية. ويقول الأمر: يرى الإنسان الطائفي في كل ما عداه طائفياً آخر، حتى لو كان «الآخر الغريب» معادياً للطائفية، وهو ما يجعل من الاقتتال الداخلي، الفعلي أو البلاغي، عنصراً داخلياً ملازماً لكل وعي طائفي. لا يمكن رصد الطائفية بمعزل عن سياسات سلطوية تجتاح المجتمع من بدايته إلى نهايته: فهي التي تنتج وتعيد إنتاج الفقر الشامل، الذي يحمل الموت بأشكال مختلفة، ذلك أنّ الطائفي الذي يرى خلاصه في اختراع طائفي واستئصاله تعبيراً عن وعي زائف مختنق، سدّت السلطة في وجهه دروب الوعي الصحيح، أي الحوار السياسي الاجتماعي، ودفعت به إلى دروب تحفظ السلطة وتدمّر المجتمع. أكثر من ذلك أنّ الوعي الطائفي يعيد إنتاج الوعي السلطوي المستبد في شكل أو في آخر، فكلاهما ينهى عن التعدّد والتنوع ويقدّس التجانس، وكلاهما ينهى عن الحوار ويحتفي بالتلقين وأحادية الرأي، وكلاهما يقول ب «غالبية مباركة» تواجه «أقلية مدنّسة»، على اعتبار أنّ السلطة هي «الغالبية» التي لا يأتيها الباطل من شمال أو جنوب. والأمر كلّه قائم في الاغتيال الدؤوب لشروط ولادة المجتمع الديموقراطي، لأنّ المجتمع الديموقراطي، تعريفاً، لا موقع فيه لغالبية راشدة وأقليّة فاسقة، ولا مكان فيه لما يجعل من «الانتماء المذهبي» مرتبةً وكفاءة وفضيلة.


بنى القعيد شخصياته الروائية على مبدأ الانزياح: يقود كل انزياح في الموقع الاجتماعي، بمعنى الانتقال من اليسر إلى الفاقة أو من الفقر إلى البؤس، إلى انزياح في شكل الوعي، كما لو كان الرحيل من وعي أول إلى مهاد وعي جديد طريقاً إلى الراحة والفرج، من دون الالتفات إلى الوقائع المعيشة وأسباب تحوّلاتها. ولهذا يكون الضابط، قبل تقاعده، فرحاً أنيقاً متسامحاً مقبلاً على الحياة مؤمناً بالمستقبل ويتحوّل، بعد أن تحرمه السلطة من يسره وهيبته الاجتماعية، إلى إنسان جديد متجهم يكتفي بالسبحة والبياض، يحطّم المرايا ولا يستمع إلى الأغاني ويتخلّص من البيانو ومن غيره من الموبقات، مثل التدخين وشرب الشاي والمطالعة... وكذلك حال القاضي، الذي يعترف بالحاضر ولغة الحاضر وطموحاته، فإنْ حرمته السلطة من عمله وصادرت مستقبلة انخلع عن الحاضر وارتد إلى زمن قديم، لغةً وهيئةً وطموحات. أما الفنانة، التي يروّعها ثراء حرّاس الضمائر كما تقول الرواية، فهي تنوس بين زمنين، زمن الراحة والتفتّح الذي لا يحرّم المرايا والتبرّج ولا يختصر الفضيلة إلى شرب اليانسون، وزمن الانكفاء والتقشّف والحجاب والتماس الهدى لدى «داعية» حسن المعشر لطيف الكلام وفخيم الإقامة. كل شخصية، في زمن الأزمة الاجتماعية الخانقة، تنزاح من مكان إلى آخر، سواء كان ضحية لها أم مستثمراً، حاذقاً يخلط الدعوة بالتجارة ويسهر على راحة «الفنانات التائبات». مع ذلك فإنّ انزياح «إنسان الغالبية الدينية» مختلف عن انزياح إنسان الأقلية، أي القبطي، الذي يجرده انتماؤه الديني من الموهبة والكفاءة والأمانة ويملي عليه الهجرة والرحيل.


حاول القعيد وبنزاهة عالية أن يجمع بين تمثيل الطائفية روائياً وشرح أسبابها في شكل مباشر لا تشاطر فيه. فإذا كان الإنسان المقهور يجد في الدين ملاذاً، وهو أمر لا يماري فيه إنسان عاقل، فإنّ الإنسان المحاصر بفضاء اجتماعي، تصوغه السلطة المستبدة وبديل محتمل يأخذ بالأدوات السلطوية ذاتها، يستبدل بالدين الطائفية، ناسياً أنّ الأديان السماوية تنهى عن البغضاء والتقاتل. إنّه الوعي الديني المأزوم، أو أنّه المجتمع المأزوم الذي يستولد معتقدات دينية على صورته. وبسبب هذه الأزمة، ينتقل «الوعي المتعصّب» من أزمة إلى أخرى، من دون أن يعثر على استقرار أو راحة مأمولة. فالضابط المتقاعد، في سبحته الفضية الطويلة، مسكون ب «فكرة المؤامرة»، إذ غير المسلمين يتآمرون على المسلمين، وإذ على الفرد التائب أن يأخذ بالحيطة والمراقبة والحذر، والقاضي الذي ارتد من زمن إلى آخر تلبّسته شخصية المعز لدين الله الفاطمي، الذي بنى مجد القاهرة. والفنانة التائبة، تتوب طوراً وتضعف أمام موبقات الحياة طوراً آخر، في انتظار زمن يعيد إليها راحة لن تعود. والناجي الوحيد، الذي لم ينجُ أبداً، هو القبطي المهاجر، الذي ترك وراءه في مصر زوجة تطارد الرغيف وتروّعها الكراهية وابناً يعالج قيود الحياة المختلفة بعزم قليل.


مضى زمن الراحة، كما يقال، فلا القبول بالسلطة القائمة يعيد للناس شوارعهم النظيفة ويعيد للمرايا هالتها القديمة، ولا السير وراء البديل الطائفي يعد بحياة عامرة. أراد القعيد، متمسكاً ربما باليوتوبيا الروائية، أن يرى إلى مصر أخرى، سوية معافاة قادمة. اقترح الروائي الحب بديلاً من الطائفية، فأقام وصالاً حميماً بين امرأة من «الأكثرية» وشاب من «الأقلية الكافرة»، كي يقول إنّ الإنسان هو الإنسان، وأنّ التعصّب الأعمى هو الذي يحوّل «الآخر» إلى شر مطلق. لكن الاقتراح الروائي الخيّر لا يقف على قدميه طويلاً، بسبب الشروط الخانقة التي ترفع الكراهية إلى مرتبة العقيدة، كما جاء في الرواية. لم يشأ الروائي، ربما، أن يدفع بروايته إلى كابوسها المنتظر، فقام ب «قَلْب النهاية» تاركاً فسحة للنظر. تنوس النهاية في «قسمة الغرماء»، بين الرثاء وحفنة من الأمل، ذلك أنّ في الشاب المنكود ما يستعيد أطياف «شباب واعدين»، اطمأنت إليهم «رواية التقدّم»، ذات مرّة، كهؤلاء الذين وزّعهم توفيق الحكيم ببذخ كبير في «عودة الروح».كما أنّ في شخصية «الفنانة الجميلة»، التي جاوزت الأربعين، ما يذكّر ب «مصر الروائيين» أي ب «أمّ الدنيا»، التي مهما جارت عليها الحياة تنتصر في النهاية، بدءاً من رواية «الأرض للشرقاوي» وصولاً إلى «ميرامار» نجيب محفوظ... بيد أنّ القعيد الباحث عن الأمل في غرف مهجورة متداعية، نسي أن الأنثى التي يحتفي بها عاقر، وأنّها أدمنت الإجهاض المستديم، كما تقول الرواية. طرح القعيد مسألة الطائفية بقدرات عالم اجتماعي نزيه ومتمكّن، وخادع معطيات الحياة القاسية واستل من المتخيّل الروائي المتسامح حلاً سعيداً محتملاً. إنّها وظيفة الأدب، ربما، التي تشعل شمعة في دروب غارقة في الظلام.


جمع القعيد تفاصيل مجتمعه التي هي تفاصيل مجتمعات أخرى كثيرة وأعطى «وثيقة روائية» تتميّز بالنزاهة والشجاعة معاً.

 

 
تعليق: صلاح فضل - الحياة 13/4/2007
عنوان التعليق: تدور احداثها في يوم واحد ... يوسف القعيد يواجه قضية المواطنة روائياً

يوسف القعيد كاتب مصري قدير، احترف الصحافة والسياسة ورفقة العظماء، جمع بتوازن مدهش بين نضارة الوعي بالريف والالتزام بأخلاقياته، مع العلم ببواطن الأمور في المدينة والقدرة على اجتياز مسالكها الوعرة. ثم صبّ خبراته في منظومة متوالية من الأعمال الروائية التي تراكمت لتسجل صفحة مهمة في تاريخ السرد العربي، وتقدم وثيقة خطيرة لتطور الحياة في «برّ مصر» - على حد تعبيره - في العقود الأخيرة· ولعل خصوصية يوسف القعيد تكمن في استمرار ولائه الناصري لطفرة الستينات من القرن المنصرم من دون تحفظات أيديولوجية كبيرة، وجمعه المثير، على امتداد سنوات طويلة، لصحبة نجيب محفوظ الحميمة من ناحية، والقرب الشديد من دائرة الصحافي محمد حسنين هيكل من ناحية أخرى، مع استمرار ولائه الصعب لتوأم روحه جمال الغيطاني من دون شروخ ظاهرة، ما يجعله نموذجاً في الوفاء والمعرفة بأسرار الحياة العامة بكل تياراتها العصيّة.


والرواية التي نتناولها «قسمة الغرماء» صدرت عن دار الساقي في لندن، ولم يقدر لها أن تمثل حدثاً أدبياً كما تستحق، مع أنها تغوص على أعماق الواقع المصري وتوظف تقنية جديدة عند مؤلفها وهي تعدد الرواة الموزعين على الفصول بالتناوب، بما يطرح مفارقات عوالمهم المختلفة - ويقدح شرر التواصل والتناقض في علائقهم المتشابكة، وإن كانوا يبدون كما لو أنهم يسكنون صناديق متجاورة غير متحاورة، يتم الكشف التدريجي عن فحواها كلما تقدمت حركة السرد واحتدمت درامية المواقف، على أن بؤرة الأحداث التي تتكثف عبر يوم واحد فحسب هو زمن الرواية تجسد أزمة التدين المفتعل في المجتمع المصري الراهن، وما تفرز من توترات غريبة على طبيعته المستقرة في جمعها بين الأضداد باتساق محسوب، يضمن للحياة إيقاعها الباطني المفعم بالشهوة والتنسك معاً.


الشارع المصري


يحكي الفتى «ماجد عبود جرجس» في الفصل الأول من الراوية قصة رحلته الشهرية من الفندق المتواضع، الذي يقيم فيه مع أمه في حيّ «شبرا» المكتظ بسكانه والمختلط في شعائره، إلى «أبلة مهرة» المنطقة المعتزلة في منطقة المعادي والمخططة لسكن الجواسيس من السلك الديبلوماسي على حد تعبيره، كأن يقول: «توقف أمامي أول أوتوبيس، كانت اللافتة المعلقة على جانبه - بجوار رقمه والأماكن التي يذهب إليها - تجرح العين: «الإسلام هو الحل» كل الأوتوبيسات مغطاة بهذا الكلام، مكتوب على شكل إعلان. قد تتغير الألوان وشكل الخط لكن الجملة واحدة. لا أعرف مَن المعلن؟ مَن الذي يدفع قيمة الإعلان؟ جهة، مصلحة، أم إنسان؟».


ومع أن هذا الراوي مراهق في الخامسة عشرة من عمره فإنه يهذي في داخله بهذه التأملات التي تخرق سطح الظواهر الطافية على الشارع المصري، لينفذ إلى القوى المحركة له، بلغة متدفقة، لا تشف عن خصوصية مرحلته أو تجربته القصيرة. وإن نطق بتوتر مشاعره المعادية لهذه الشعارات، لكن سنه لا تتسع للحسرة على الأزمنة الماضية ولا تذكر الملابس الأنيقة للرجال والنساء. ولو كان بوسعه أن ينسب ذلك إلى ملاحظات أمه مثلاً لكان أكثر منطقية وإقناعاً. غير أن عفوية هذا التدفق السردي تضعنا في قلب المناخ الذي تجسده الرواية، وتدمغ به العصر الذي تسجله بكل مفارقاته وأشجانه. وبقدر ما يجترح يوسف القعيد شيئاً من الانتهاكات اللغوية المحببة، يقترب من روح العامية المصرية في أطرف تجلياتها، ويشف عن حسّ الفكاهة الأصيل لديه. وأهم من ذلك ينجح في تخليق نماذج مدهشة من الشخصيات التي تعلق بالذاكرة وتستقر في الضمير الأدبي، باعتبارها علامة على تقاطع الرؤى في الحياة. و«الجنرال عفارم» الذي يطلع علينا من هذه الرواية يتميز عن دراويش محفوظ بأنه صريع الجمال ومجنون غانية فريدة هي «مهرة» التي تمثلها باعتبارها مليكة مصر، وهو وإليها المنتظر طبقاً لمبدأ تناسخ الأرواح: «يقولون إنني كنت قاضياً عندما صعقني جمالها، واكتشفت حقيقتها المطمورة تحت مظهرها الذي نقدمه إلى الآخرين، مثل الفاترينة التي تطل من ورائها عليهم، متأملة ما يجري بصمت. عرفت أنها شجرة الدر، واكتشفت شخصية المعز لدين الله الفاطمي في أعماقي، وروحه التي تلبستني. طلب مني المعزّ أن يبقى وجوده داخلي سراً، قال لي إن الأوان لم يئن... ذهبت إليها وأنا في أبهة القضاء، كنت أشاهد إحدى مسرحياتها، وبعد انتهاء العرض ونزول الستارة لم أعد إلى بيتي، ولم أرجع إلى عملي، حتى من أجل أن أجمع أوراقي وألملم أسراري، أطلقت لحيتي التي غطت صدري، وأطلقت شاربي وتركت سالفيّ، هكذا أشار عليّ الحلاق، وهو حلاق ملتحٍ... لبست الجلباب وأصبح شعاري: «الشيوخ هم الحلّ»، اشتريت بدلة ضابط كبير. رابعة العدوية هي التي قالت لي ان رتبة صاحبها جنرال، وهذا ما جعلني أذهب إلى سيدنا الحسين «سيد الشهداء وإمام أهل الجنة» كنت أتصور أن النياشين والأنواط تباع هناك، قالوا ستجدها في ميدان العباسية، أو في موقف أحمد حلمي، أصبح صدري وكتفاي غابات من الأوسمة، وأصبحت أمسك عصا الماريشالية ويظنني الناس مجنوناً. وإذا كان استلاب المجاذيب المتصوفة أمراً مألوفاً في الحياة العربية، فإن «الجنرال عفارم»، مجنون «مهرة» الذي يلازم باب منزلها صباح مساء يبدو بالغ الطرافة، لأن ماضيه القانوني المزعوم، ولوثته التاريخية المثيرة للدهشة والتي تذكرنا بمن يدعو اليوم لإحياء الخلافة الفاطمية من دون أن تكون هناك شجرة الدر، كل ذلك يجعل منه نموذجاً فادحاً لاختلاط الدلالات وتباين المؤشرات العبثية في الحياة المصرية الراهنة.


العنوان الفقهي للرواية يستخدم بطريقة مجازية تحتمل تأويلات عدة، لعل أقربها إلى الأحداث هو شراكة المواطنة عندما يتهددها الاحتقان والإفلاس، فتهرع كل طائفة لكي تحظى بنصيبها من الدَّيْن في رقبة الوطن ولو أدّى ذلك إلى ذبحه. وينطلق الحدث الرئيس لرواية القعيد من سيرة «عبود جرجس» والد ماجد الذي كان مديراً ناجحاً في إحدى الشركات في أسيوط، فطاردته رياح التعصب المقيتة وهددته في حياته لمجرد أنه قبطي يترأس مسلمين ويصبح له حق الولاية عليهم، فيفكر في الفرار من موطنه. وعندما يأتي دور زوجته «مرام» في الحكي طبقاً لتقنية تبادل الرواة تكشف عن أبعاد أخرى لقراره بالسفر: «تكرس الانفصال النفسي والجسدي بيننا، قال لي إن مشاركتي له جفّت في منتصف الطريق، لأنني عجزت عن استيعاب الخطر الذي يتهدد حياته... نجا وحده وتركنا غارقين في هذه البلاد التي لا نعرف كيف ولا متى ستكتب لنا النجاة والإفلات منها... سمعت كلاماً في الكنيسة ومن بعض الناس الذين استمعوا إلى اسم «المُبعد» و«المطرود» و«المسيحي الهارب من إرهاب المتطرفين في مصر، لم يشر في مقابلاته إلى ابنه ولا إليّ، بالطبع تجاهلنا خوفاً علينا».


وعندما تهاجر هذه الأم من أسيوط إلى القاهرة بحثاً عمن يلحقها بزوجها، لا تظفر في نهاية الأمر بسوى وسيط يرشدها إلى الوسيلة التي دبرها الزوج لتحصل على معونة شهرية منه، تصلها من طريق الممثلة المعتزلة «مهرة». ومع أن الشكوك تأكل صدرها من طبيعة علاقة زوجها بهذه الممثلة فإنها تنتظم في إرسال ابنها كل شهر ليقبض من يدها المعونة الشحيحة المنتظرة.


يضن يوسف القعيد على قرائه بإضاءة هذه العلاقة ليضمن التشويق الروائي، لكنه يستطرد كثيراً في الحديث عن هذه الفاتنة المحجبة، التي تضع كل ثروتها في إحدى شركات توظيف الأموال المتأسلمة، ويصور صاحبها ذا اللحية الطويلة وهو يغرر بالشهيرات من نجوم الفن ليتزوجهن عرفياً إشباعاً لنهمه الجنسي، وتسكت الرواية أيضاً عن المعلوم من انهيار هذه الشركات وفقدان المساهمين لثرواتهم واقتسامهم للفتات المتبقي منها باعتبارهم غرماء، ولكنها في مقابل ذلك تضيء لحظات أخرى في تاريخ الفاتنة الخاسرة عندما ساوموها لارتداء الحجاب، وأنكروا عليها الحق في إقامة مصنع صغير للملابس، وعندما اشتدت بها الضائقة المالية وجعلتها تنفق الجنيهات القليلة التي يبعث بها المهاجر لأسرته من طريقها من دون سبب واضح تهرع إلى زوجها السابق الذي كان ضابطاً كبيراً في الجيش فتجده في براثن الجماعة نفسها بعد إحالته الى التقاعد. وتصب الفصول الأخيرة للرواية في مغامرة طائشة ومحسوبة، تغوي فيها الصبي المراهق ماجد، لتلهيه عن تقاضي حقه، منتهزة فرصة استعارته لأحد الأفلام الإباحية كي يراها عندها، فتعود إليها طبيعة الأنثى المولعة بفتنة العشاق وتمزيق أقنعة الطهارة المصطنعة، وتضع حميّا الجنس اللاهبة نقطة الختام في رواية تفجر أسئلة المستقبل وهي تحفر في ألغام الحاضر.

 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟   
الاسم:
عنوان التعليق:
نص التعليق:
 

آداب و لغة
فلسفة
ديانة مسيحية
الإسلام و أديان العالم
علم النفس و التربية
علوم اجتماعية
تاريخ و جغرافيا
سياية و اقتصاد
علوم طبيعية و طبية
فنون
قانون
مراجع عامة
 
عن المكتبة | كتب | أفلام | تراتيل | الصفحة الرئيسية
SWS المكتبة الروحية 2005 - جميع الحقوق محفوظة - صمم هذا الموقع بواسطة شركة
Powered by O2 TECHNOLOGY