بحث سريع 

 

New Page 1
عنوان الكتاب:
المؤلف:
المترجم:
شفيق مقار
الموضوع:
الناشر:
-
عام النشر : الطبعة:
القياس:
سم
عدد الصفحات:
السلسلة:
رمز التصنيف:
  
   

أراء القراء   
تعليق: ابراهيم الحيدري - الشرق الأوسط
عنوان التعليق: التنوير الأوروبي ومعركة الحداثة عربياً

يشكل كتاب هاشم صالح «مدخل الى التنوير الاوروبي» الذي صدر عن دار الطليعة ببيروت 2005، مساهمة نقدية جادة في حركة التنوير العربية لمناقشة هذه الاشكالية المعقدة في مواجهة ايديولوجيا الاصولية التي باتت تتحكم في الثقافة العربية في العالمين العربي والاسلامي ومحاولة رصدها وتفكيكها والكشف عن جذورها وعوامل نموها و تطورها.


ينشغل هاشم صالح منذ سنوات طويلة في موضوعة الفكر العربي ـ الاسلامي والفكر الاوروبي معا، الى جانب إسهاماته العديدة في ترجمة وتقديم فكر وفلسفة آركون النقدية الى اللغة العربي.


وكتاب «المدخل الى التنوير الاوروبي»، هو محاولة أخرى لصالح يكشف بها عن مراحل تطور ظاهرة الاصولية وتطور ايديولوجيتها في العصور الوسطى في اوروبا، التي بدأت في ايطاليا مركز البابوية المسيحية، وكذلك في هولندا وانكلترا، مرورا بعصر النهضة، الذي شكل قطيعة ابستمولوجية كاملة مع العصور الوسطى التي قامت على استقلالية العقل وليس النقل وعلى قطيعة مع الفلسفة بالقياس الى الدين، وكذلك على الفهم العقلاني التنويري للدين.


كما قارن صالح بين التنوير الاوروبي، الذي استطاع تحقيق منجزات باهرة منذ الازمنة الحديثة التي أنتجت الحداثة الاوروبية، وبين التنوير العربي الاسلامي الذي ما يزال لم يتحقق بعد، حيث عاش العرب قطيعتين، الاولى مع الماضي، عندما ابدع العرب فكرا عقلانيا تمثل بحركة المعتزلة والفلسفة الاسلامية العقلانية، التي انتهت بتدهور الشروط الاجتماعية والاقتصادية وانحسار فلسفة ابن رشد وهزيمة العقلانية. والثانية مع الحداثة الاوروبية التي حققت نجاحا باهرا في مضمار التقدم الاجتماعي والمعرفة العلمية والتقنية والفلسفة العقلانية لعصر التنوير.


يتضمن الكتاب مقدمة وستة فصول تتمحور حول هيمنة العقل الاسطوري على الوعي التاريخي في العصور الوسطى في اوروبا وانبثاق الازمنة الحديثة مع عصر النهضة وحركات الاصلاح الديني وأنسنة الادب والفن والفلسفة والعلم، وذلك بفضل رواد النهضة الاوروبية الاوائل الذين واجهوا ممارسات الاصولية المسيحية وارهابهم وملاحقة التنويرين، ومصادرة كتبهم وإحراقها، وسوقهم مع اتباعهم الى محاكم التفتيش الجهنمية. وكان في مقدمتهم بيترارك وايراسموس وجيوردانو برونو وغيرهم.


ويبحث المؤلف في العلاقة بين العقل والايمان، وأثر الحضارة العربية الاسلامية على اوروبا، وذلك بفضل العلماء العرب الذين ترجموا كتب ارسطو وشرحوها وأدخلوا هامشا من العقلنة على الايمان، وكذلك ترجمة امهات الكتب العربية الى اللغة اللاتينية في الطب والفلك والفلسفة والرياضيات وغيرها.


كما يبحث صالح في تطور الوعي الاوروبي الذي أنتج القطيعة الابستمولوجية الكبرى مع الماضي بفعل رواد عصر التنوير الاوائل، امثال غاليلو وسبنيوزا وتورغو وفولتير، وغيرهم الذين ارسوا دعائم التنوير والتقدم الفكري والاجتماعي، موضحا مفهوم التنوير ومدلولاته المختلفة والصعوبات التي واجهت الحداثة الفرنسية خلال الصراع الذي احتدم بين التنويريين والاصوليين ودور ديكارت الريادي الذي كان اول من استخدم مصطلح التنوير في القرن السابع عشر بالمعنى الحديث.


غير ان مفهوم التنوير لم يتخذ شكله الفكري والنضالي الا في القرن الثامن عشر. وكان لفولتير دور هام في الدفاع عن قضايا الحق والعدالة والدعوة الى فهم الدين من منظور جديد يقوم على الحرية والتسامح والعمل من اجل الاخرين، ويخالف الفهم الاصولي المنغلق على نفسه الذي يقوم على التعصب والخوف والتكفير ونبذ الآخر المختلف.


ان الهدف الاساسي الذي يريد المؤلف الوصول اليه، هو ان معركة التحديث والتنوير العربية ـ الاسلامية، من الممكن ان تنجح اذا ما تغيرت الرؤى والمواقف القديمة من العلاقة بين الدين والمجتمع، وبين الدين والدولة، وذلك بتفكيك عقلية القرون الوسطى ونزع القدسية عنها. فهو يرى ان الوعي الاسلامي دخل في أزمة حادة مع ذاته، وهي أزمة رهيبة لم يشهد العالم الاسلامي مثلها من قبل، بدأت منذ احداث سبتمبر (ايلول) عام 2001، وعولمة الحركات الاصولية وما تبعها من احداث جسام. وهي في الحقيقة أزمة حداثة فكرية وفلسفية ومجتمعية لا تختلف في شيء عن الازمة التي مر بها الوعي المسيحي في اوروبا مع ذاته منذ ثلاثة قرون تقريبا. والفرق الوحيد بين حداثتهم وحداثة العرب والمسلمين، هو ان الاوروبيين كانوا قد نجحوا في معركتهم ضد الاصولية المسيحية وحسموها، في حين ما زال العرب والمسلمون يتخبطون فيها، وذلك لأنهم يريدون التوصل الى الحداثة بدون أن يدفعوا ثمنها، اي الابقاء على القديم كما هو من دون تغيير.


وقد بينت تجربة الحداثة في اوروبا ان الاصلاح الديني كان قد سبق الاصلاح السياسي واحتضنه وفتح الطريق أمامه، ولذلك فإن دعوة بعض المثقفين العرب، كما يقول صالح، الى إجراء إصلاحات سياسية بدون مواجهة الحركات الاصولية وايديولوجيتها لن يحقق التنوير الديني ولا يؤدي الى نتيجة تذكر. فما دام الفقيه القديم والاصولي الراديكالي مسيطرا على العقول، فلا يمكن تحقيق الوحدة الوطنية في بلدان متنوعة الاثنيات والاديان والطوائف. وسوف تستمر اشكالية التنوير والتحديث تطرح نفسها على العرب والمسلمين وبقوة اكبر بحيث لا يمكن الافلات منها. آملين مواصلة هذه الرحلة الهامة لحركة التنوير الاوروبية والعربية وتحقيق ما وعد به من تأسيس مشروع «علم الاصوليات المقارن» الذي نحن بأمس الحاجة اليه الآن لتصفية حساباتنا التاريخية مع تراثنا وكذلك مع واقعنا الملتبس.

 

 
تعليق: خالد غزال – النهار 12/1/2006
عنوان التعليق: 'مدخل الى التنوير الاوروبي' لهاشم صالح: بيان للتنوير العربي

شكلت قضايا العلاقة بين اللاهوت والسياسة، بين الدين والمجتمع، الايمان والعقل، الحرية الدينية والكفاح ضد استبداد السلطة ومعها رجال الدين، عناوين اساسية لمعركة التحديث في اوروبا. امتدت المعركة ثلاثة قرون توجت بانتصار التنوير في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، فحققت اوروبا حداثتها. تمثل العناوين نفسها قضايا تواجه المجتمعات العربية في هذه المرحلة من تطورها ويشكل كتاب هاشم صالح "مدخل الى التنوير الاوروبي" (دار الطليعة) مساهمة في معركة التنوير العربي ومدخلا اليه. تعطف مساهمة الكاتب هذه على مساهمة اصلية له في التنوير وذلك عبر نقله مؤلفات محمد اركون الى اللغة العربية.


يحذر هاشم صالح من منزلقين، الأول، ان يقارن العرب حاضرهم بالحاضر الاوروبي الراهن. فهذه المقارنة غير علمية وغير تاريخية وظالمة للمجتمعات العربية والاوروبية على السواء. خاضت اوروبا والغرب معاركها من اجل الحداثة على امتداد قرون. لذلك تكون المقارنة عادلة عندما تتموضع المجتمعات العربية مع اوروبا القرون الوسطى حيث اوجه الشبه كبيرة جداً، اما القرون الوسطى العربية فهي العصر الذهبي للمجتمعات العربية والاسلامية.


المنزلق الثاني، هو التحذير من قراءة المراحل التي مر بها التنوير الاوروبي في صفتها مراحل منفصلة عن بعضها، أي ما يسمى "القطيعة المعرفية". ليس هناك من قطيعة معرفية بالكامل بين مرحلة تاريخية وأخرى، فكل مرحلة تحمل في جوفها بقايا من تراث الماضي يستمر او يزول بمقدار تناسبه مع الجديد. في هذا المعنى تقرأ معركة التنوير بمراحلها  المتتابعة كحلقات متواصلة.


تتسم المرحلة الأولى من معركة التنوير بهيمنة نمط من الوعي الاوروبي يقوم على الخضوع الكامل للعقيدة اللاهوتية. فالخطيئة الاصلية تلاحق الانسان المسيحي، وصورة الانسان المتشائم الضعيف الخائف هي السائدة. عمت الدعوة الى احتقار الحياة الدنيا وجرى التبشير بحياة النعيم والخلود في الدار الآخرة. نجم عن هذا الواقع شمولية في النظر وسيادة الغيبيات تكرّس بالتركيز على ان الحقيقة كلها تكمن في قانون الايمان المسيحي. فكان من الطبيعي ان يترتب على هذا الفكر سلطة مطلقة للكنيسة ورجال الدين في جميع الميادين. رغم الصورة السوداء، شهدت تلك المرحلة صراعات دشنها التفتح العلمي الذي ادخل الشك الى  المعتقدات السائدة. تدعّم هذا التفتح بالافكار الفلسفية العربية واليونانية وخصوصاً افكار ابن رشد وارسطو، وادى زرع البذور الفلسفية الى اندلاع ازمة في الوعي المسيحي بين الخاضعين لليقينيات اللاهوتية المفسرة للظواهر عبر ردها الى تدخل القدرة الفوقية، وبين اولئك الذين ادخلوا العقل وسيلة للكشف عن اسباب هذه الظواهر. يمكن اختصار تلك المرحلة بالسجال حول مدى التوافق او التناقض بين العلم والدين او بين العقل والايمان.


فتحت معركة العلاقة بين العقل والايمان المرحلة الثانية من معركة التنوير في اوروبا، والتي تعرف بمرحلة النهضة والاصلاح الديني، وقد ارتسمت بتطورات اقتصادية وغنى مادي ترافقت مع الاكتشافات الجغرافية لاسيما منها اكتشاف القارة الاميركية، اضافة الى اكتشافات علمية مهمة وكان انبثاق الفلسفة الانسانية (Humanisme) اهم انجازات المرحلة.


خلافاً للنزعة التشاؤمية حول قدرات الانسان التي قالت بها العصور السابقة، تميزت الحركة الانسانية بنزعة تفاؤلية، فاعتبرت ان الانسان هو مقياس كل شيء. اعترفت بعبقرية الجنس البشري وقدرته على مواجهة الطبيعة. قدمت نفسها حركة لتحرير الانسان، عززتها بنبش القيم الاخلاقية والفكرية المطمورة في الادبيات الاغريقية اللاتينية. وصف غوته هذه النزعة الانسانية بأنها الجهد المتواصل والمبذول من أجل الوصول الى اروع صيغة للجنس البشري. يمثل كل من بترارك ولورنزو الا وايرسموس ابرز الدعاة لها.


يعتبر بترارك (1304-1374) مطلق الحركة الانسانية المؤمنة والمسيحية. كان حريصاً جداً على الدفاع عن كرامة الانسان وحقيقته. عبّر بنجاح عن القلق الابدي الذي يصيب الانسان اذا ابتعد عن الله، او اذا اختفى الله من حياته. تجلت نزعته الانسانية الحقيقية في تشديده على ان يكون الانسان ومشكلاته عنوان الموضوع الاساسي للفكر والفلسفة. كان يربط بهذه الدعوة بين معرفة الله ومعرفة الانسان.


تجرأ لورنز الا (1407-1457) على كسر أكبر المحرمات في عصره. فكشف زيف الوثيقة الكنسية الشهيرة المدعوة "هبة قسطنطين" القائلة بأن قسطنطين وهب البابا حق امتلاك روما وايطاليا والسلطة الزمنية، اضافة الى سلطته الروحية الاصلية. نجم عن هذا الكشف نزع المشروعية الدنيوية والزمنية للكنيسة، وشرّع بذلك الدعوة الى التحرر من سلطة رجال الدين، وطالب بإعادتهم الى كنائسهم للاهتمام بالشؤون الروحية فقط كما رأى ان من حق المسيحي التمتع بملذات هذا العالم من دون ان يؤدي ذلك الى فقدان الايمان.


اما زعيم النهضة الاوروبية بلا منازع فهو ايراسموس (1469-1536). انطلاقاً من ايمانه المسيحي، اراد بعث الانسان من طريق تعميد ثقافته بالصبغة الانسانية. اكد تطهير الدين المسيحي من الشوائب التي لحقت به على مر العصور. كان من الاوائل الذين تصدوا لمشكلة الاصلاح الديني، وذلك قبل مارتن لوثر، فاعتبر هذا الاصلاح القضية المركزية في عصره. قام بتحقيق الانجيل ودعا الى العودة اليه وخلّص الكتابات المقدسة من "الحثالات" التي لحقت بها وقدمها في هيئة جديدة. كان اول من ادخل المنهجية النقدية الى العلوم الدينية. شدد على أهمية عقل الانسان في التوجه نحو الخير. شن حملة على البابوات ورجال الدين ففضح ثرواتهم وجشعهم واتهمهم بالاعداء الاشد خطراً على الرسالة الدينية. دعا الى التمييز بين الدين ورجال الدين وشدد على حصر مهمة الكنيسة بالتبشير بالانجيل. طالب بعدم حصر الدين المسيحي في مجموعة من القوانين والطقوس والشعائر المرهقة التي لا لزوم لها. تسببت افكاره بغضب رجال الدين فقادوا حملة ضده واتهموه بالزندقة والالحاد واحرقوا كتبه. طاول الاضطهاد ايضاً تلامذته، ويقال انه مات محبطا ومهزوماً بسبب الانتكاس الذي اصاب آماله التي علقها على انتصار التيار الانساني، وذلك بعد انفجار التعصب والصراع الدموي بين البروتستانت والكاثوليك.


انتكس فكر النهضة لعقود خلال الحروب الدينية، لكنه عاد فانبعث مطلع القرن السابع عشر ليدشن معركة التنوير الكبرى. انها مرحلة تأسيس العقلانية الجديدة والقراءة النقدية والتاريخية للدين. شكلت الثورة العلمية الرافعة التي نهضت عليها الثورة الفلسفية في ذلك العصر. دشنها ديكارت الذي استخلص النتائج العميقة للثورة العلمية ووظفها على الصعيد الفلسفي، فزعزع بذلك المسيحية الاوروبية. اما العامل الآخر الذي كان وراء تدهور صورة المسيحية فيعود الى الاحداث الكبرى التي هزت اوروبا عبر الحروب المذهبية بين البروتستانت والكاثوليك ومحاكم التفتيش وملاحقة العلماء والمفكرين وحرقهم او تصفيتهم جسدياً بعد تعذيبهم والتنكيل بهم.


نبغت في تلك المرحلة اسماء عديدة ساهمت في معركة التنوير مثل كانط وهولباخ الا ان التاريخ يميز ثلاثة مفكرين هم بايل، غاليليو، وسبينوزا.


وجد بيار بايل (1647-1706) في الفلسفة المعقل الذي يحميه من ضراوة المذاهب وشراسة الطوائف، فاعتنق المذهب العقلاني. قال إن الايمان لا يتم من طريق القسر والاكراه ودعا الى الحرية في مجال الدين والاعتقاد، ورأى في اغتصاب الضمائر خطورة لا تقل عن اغتصاب الاجساد.


اما العالم غاليليو (1564-1642) فكان صريحاً بالقول ان التأويل الحرفي للنصوص المقدسة شيء عبثي ولا معنى له، يستخدم الروح القدس الصور المجازية لافهامنا الحقائق الروحية، لذلك ليس من حق رجال الدين والكنيسة اعتماد هذه الصور المجازية لنقض العلم. يهدف الروح المقدس الى تعليمنا كيف نذهب الى السماء وليس كيفية صناعة السماء. اتخذت الكنيسة موقفاً معادياً جداً من اكتشافاته العلمية، ولم تصححها الا في المجمع الفاتيكاني الثاني عام 1962.


لُقّب سبينوزا (1632-1677) بفضيحة العصر، لم يغفر له رجال الدين حتى ا ليوم كتابه "مقالة في اللاهوت والسياسة". تجرأ في كتابه هذا على دراسة الاديان من وجهة نظر تاريخية. قال صراحة ان الاديان والمذاهب، وخلافاًً لادعاءاتها عن الله والاخلاق والفضيلة، هي التي تشعل الحروب الاهلية والمذهبية بين أبناء الشعب الواحد. شدد على ان الدين الصحيح هو ذلك الذي يعلّم الناس الفضيلة والاحسان والعدل فقط، وما عدا ذلك هو من القشور.


يعتبر سبينوزا بحق قائد المعركة ضد الاصولية المسيحية. وهو ايضاً قائد المعركة ضد الاصوليات في المجتمعات العربية والاسلامية الراهنة. تكمن العلة الرئيسية، في نظره، في فهم الدين كشعائر وطقوس خارجية وطاعة سلبية وخضوع لرجال الدين. يدعو الى فهم الدين كعلاقة حميمة وطوعية مع الله. لم يبق من الدين المسيحي سوى المظاهر الخارجية والاحكام المسبقة، وهو امر حوّل البشر الى وحوش مليئة بالتعصب والتزمت. ربط بين اللاهوت المسيحي التقليدي وانظمة الاستبداد التي تستمد مشروعيتها من هذا اللاهوت. جزم بأن لا خلاص من هذه الازمة الا بتطبيق المنهجية العقلانية على النصوص الدينية لنزع الخرافات والاوهام عنها.


مهد سبينوزا الطريق الى انتقال التنوير الى اعلى مراحله، مرحلة انتصار العقل وسيادته. بدأت هذه المرحلة منذ منتصف القرن الثامن عشر ولا تزال مستمرة في اشكال مختلفة. انها مرحلة محاربة التعصب والاستبداد السياسي، والدعوة الى التسامح والتعايش السلمي بين الاديان والمذاهب المختلفة. حسم فلاسفة التنوير بالدور الكبير للفلسفة وبأولوية العقل وسلطته، فلم يعد مقبولا التسليم بأي شيء الا بعد اخضاعه لاختبار العقل وكشف الاسباب المنطقية التي ادت اليه. لمعت اسماء مفكرين وفلاسفة مثل روسو، مونتسكيو، ديدرو وغيرهم. لكن فولتير (1694-1778) شكل في الواقع "منارة التنوير الاوروبي"، فقد كرّس حياته لمحاربة التعصب الديني الذي لا يولّد سوى منافقين. اكد في كتابه "مقالة في التسامح" رفض هيمنة الدين المسيحي على البشر من طريق الحقد والتعذيب والارهاب. وقف ضد التصور المرعب الذي قدمه الاصوليون عن الله، كما وقف ضد فكرة الخطيئة الاصلية التي تدين الانسان حتى قبل ان يولد. حسم بأن دين التوحيد، دين الحق والعدل يشمل جميع البشر على اختلاف اديانهم ومذاهبهم وطوائفهم لانهم جميعاً من خلق الله واخوة في الانسانية والبشرية، ورأى ان خلاص فرنسا من التعصب الديني يمر بنشر روح العلم الحديث محل العقلية الطائفية والمذهبية المسيطرة منذ عقود.


بعدما استكملت اوروبا معركة تحقق الحداثة فيها، تناقش منذ عقود بعض مآزق هذه الحداثة، وعلى الأخص الموقف من الدين. لا تناقش اوروبا قضية الدين من اجل العودة به الى القرون الوسطى، بل يتركز النقاش على مسائل الايمان والعقل، الايمان والعلم، والايمان الذي يتجاوز الانغلاق والعصبيات الضيقة.


تقدم معركة التنوير الاوروبية دروساً اساسية وعملية للمجتمعات العربية في صراعها من اجل تجاوز تخلفها واللحاق بركاب العصر. يجري التساؤل هل ينتظر العالم العربي المدة الزمنية التي مرت بها اوروبا ليحقق حداثته. في الواقع، تشكل الثورة العلمية والتكنولوجية وثورة الاتصالات وسائل تختزل الزمن وتسرّع في نقل الفكر والافادة من التطورات العلمية والفكرية في كل مكان. تعطي التجربة الاوروبية أملا كبيراً للمجتمعات ولمفكريها ومثقفيها بخوض معركة التنوير وتحقيق الانتصارات فيها، ويشكل الانخراط في هذه المعركة الوسيلة شبه الوحيدة لخروج الشعوب العربية من عقلية القرون الوسطى الاوروبية المهيمنة بشكل ساحق على العقلية العربية. ان طريق التنوير امامنا، ولا سبيل غيره لقيام نهضة عربية حديثة.

 

 

هل ترغب في التعليق على الموضوع؟   
الاسم:
عنوان التعليق:
نص التعليق:
 

آداب و لغة
فلسفة
ديانة مسيحية
الإسلام و أديان العالم
علم النفس و التربية
علوم اجتماعية
تاريخ و جغرافيا
سياية و اقتصاد
علوم طبيعية و طبية
فنون
قانون
مراجع عامة
 
عن المكتبة | كتب | أفلام | تراتيل | الصفحة الرئيسية
SWS المكتبة الروحية 2005 - جميع الحقوق محفوظة - صمم هذا الموقع بواسطة شركة
Powered by O2 TECHNOLOGY